غزوة الأحزاب الخندق _9075

غزوة الأحزاب الخندق


غزوة الخندق

وقال ابن إسحق: ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ، وَقَالَ ابْن سَعْدٍ: فِي ذِي الْقَعْدَةِ [1] .

فَحَدَّثَنِي [2] يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ [3] وَمَنْ لا أَتَّهِمُ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَاصِمِ بْنِ عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلٌّ قَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْخَنْدَقِ، وَبَعْضُهُمْ يُحَدِّثُ مَا لا يُحَدِّثُ بَعْضٌ قَالُوا:

إِنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ الْخَنْدَقِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ يَهُودَ، مِنْهُمْ سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ [4] ، وَابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ النَّضْرِيُّونَ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ [5] ، وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيُّ، فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَمِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَهُمُ الَّذِينَ حَزَّبُوا الأَحْزَابَ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةَ، يَدْعُونَهُمْ إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ قَالُوا: إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ [6] ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بالحق منه،

__________

[ (1) ] وعند ابن سعد: سنة خمس من مهاجره.

[ (2) ] أي ابن إسحاق.

[ (3) ] وعند ابن هشام: مولى آل الزبير بن عروة بن الزبير.

[ (4) ] وعند ابن هشام: سلام بن أبي الحقيق النضري.

[ (5) ] وعند ابن هشام: الوائلي.

[ (6) ] وعند ابن هشام: نختلف فيه نحن ومحمد.

فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الآية إلى قوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [1] فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ سَرَّهُمْ وَنَشَطُوا لِمَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتَّعَدُوا لَهُ، ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ يَهُودَ حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ مِنْ قَيْسِ عَيْلانَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ فِيهِ.

فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَخَرَجَتْ غَطَفَان وَقَائِدُهَا عُيَيْنَة بْن حِصْنٍ [2] فِي بني فزارة، والحرث بْنُ عَوْفٍ الْمُرِّيُّ [3] فِي بَنِي مُرَّةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ رخيلَةَ [4] فِيمَنْ تَابَعَهُ مِنْ أَشْجَعَ [5] فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ على المدينة الخندق، فَعَمِلَ [فِيهِ] [6] رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الأَجْرِ، وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ، فَدَأَبَ وَدَأَبُوا، وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلُوا يُورُونَ بِالضَّعْفِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَتَسَلَّلُونَ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا إِذْنٍ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا نَابَتْهُ النَّائِبَةُ مِنَ الْحَاجَةِ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللُّحُوقِ بِهَا، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِهِ، رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ، وَاحْتِسَابًا بِهِ [7] .

قَرَأْتُ عَلَى السَّيِّدَةِ الأَصِيلَةِ، مُؤْنِسَةِ خَاتُونَ، ابْنةِ الْمَوْلَى السُّلْطَانِ الْمَلَكِ الْعَادِلِ سَيْفِ الدِّينِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ رَحِمَ اللَّهُ سَلَفَهَا، أَخْبَرَتْك الشَّيْخَةُ الأَصِيلَةُ أُمُّ هَانِئٍ عَفِيفَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارْقَانِيَّةُ إِجَازَةً قَالَتْ: أَنَا أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاغِ قَالَ: أَنَا أبو نعيم قال: أنا أبو علي

__________

[ (1) ] سورة آل عمران: الآية 23.

[ (2) ] وعند ابن هشام: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر.

[ (3) ] وعند ابن هشام: والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري.

[ (4) ] وعند ابن هشام: ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ربث بن غطفان.

[ (5) ] وعند ابن هشام: من قومه من أشجع.

[ (6) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (7) ] وعند ابن هشام: ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابا له.

محمد بن أحمد بن الحسن، فثنا أبو جعفر محمد بن نصر الصائغ، فثنا إبراهيم بن حمزة، فثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بن عمر، عن نافع عن ابن عمر قَالَ: بَعَثَنِي خَالِي عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ لآتِيَهُ بِلِحَافٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ وَهُوَ بِالْخَنْدَقِ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ لِي: «مَنْ لَقِيتَ مِنْهُمْ فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا»

قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، فَلَقِيتُ النَّاسَ فَقُلْتُ لَهْمُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا، قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَطَفَ عَلَيَّ مِنْهُمُ اثْنَانِ أَوْ وَاحِدٌ. كَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْخَبَرِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذَا، وَأُخْوَةُ عُثْمَانَ قُدَامَةُ وَالسَّائِبُ وَعَبْد اللَّهِ تَأَخَّرُوا. وَقُدَامَةُ مَذْكُورٌ فِيمَنْ شَهِدَ الْخَنْدَقَ، وَهُمْ أَخْوَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ الله عنهم.

قال ابن إسحق: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [1] ثم قال: (يعني للمنافقين الذين كانوا يستللون مِنَ الْعَمَلِ وَيَذْهَبُونَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ:

أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ- قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ إِلَى قَوْلِهِ- وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2] .

وَقَالَ ابْن سَعْدٍ: وَتَجَهَّزَتْ قُرَيْشٌ، وَجَمَعُوا أَحَابِيشَهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَكَانُوا أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَعَقَدُوا اللِّوَاءَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَحَمَلَهُ عُثْمَانُ بن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بَعِيرٍ، وَخَرَجُوا يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ [بن أمية ووافتهم] [3] بنو سليم بمر الظهران، وكانوا سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شَمْسٍ، حَلِيفُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ أَبُو أَبِي الأَعْوَرِ السُّلَمِيِّ الَّذِي كَانَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ بَنُو أَسَدٍ، يَقُودُهُمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأَسَدِيُّ، وَخَرَجَتْ فَزَارَةُ فَأَوْعَبَتْ، وَهُمْ أَلْفٌ يَقُودُهُمْ عُيَيْنَة بْن حِصْنٍ، وَخَرَجَتْ أَشْجَعُ وهم أربعمائة، يَقُودُهُمْ مَسْعُودُ بْنُ رُخَيْلَةَ، وَخَرَجَتْ بَنُو مُرَّةَ وهم أربعمائة، يقودهم الحرث بن عوف، وخرج معهم غيرهم.

__________

[ (1) ] سورة النور: الآية 62.

[ (2) ] سورة النور: الآية 63.

[ (3) ] وردت في الأصل: سفيان بن حرب ورأتهم ... وما أثبتناه من الطبقات.

وقد روى الزهري أن الحرث بن عوف رجع ببني مُرَّةَ فَلَمْ يَشْهَدِ الْخَنْدَقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ روت بنو مرة، والأول أثبت أنهم قد شهدوا الخندق مع الحرث بْنِ عَوْفٍ، فَكَانَ جَمِيعُ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَافُوا الْخَنْدَقَ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنَ الْقَبِيلَةِ عَشَرَةَ آلافٍ وَهُمُ الأَحْزَابُ وَكَانُوا ثَلاثَةَ عَسَاكِرَ وَعِنَاجُ الأَمْرِ [1] إِلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ عَدُوِّهِمْ، وَشَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ بِالْخَنْدَقِ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَسْكَرَ بِهِمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع [وجعل سلعا خلف ظهره] [2] وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ ثَلاثَةَ آلافٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المدينة عبد الله ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ خَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَمِلَ فِيهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ لِيُنَشِّطَ النَّاسَ [3] وَكَمُلَ فِي سِتَّةِ أيام. انتهى ما نقله ابن سعد، وَغَيْرُهُ يَقُولُ: حَفَرَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي الْخَنْدَقِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَقِيلَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، وَكَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ آيَاتٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.

مِنْهَا: أَنَّ جَابِرًا كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ [4] فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ [5] . وَرُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعَا بِمَاءٍ فَتَفَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، ثُمَّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لانْهَالَتْ حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، مَا ترد فأسا ولا مسحاة.

ومنها:

خبر الحنفية مِنَ التَّمْر الَّذِي جَاءَتْ بِهِ ابْنَةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ لأَبِيهَا وَخَالِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْن رواحة ليتغديا بِهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَاتِيهِ» فَصَبَّتْهُ فِي كَفَّيْ رَسُول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما ملأ هما، ثُمَّ أَمَرَ بِثَوْبٍ فَبُسِطَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ عِنْدَهُ: «اصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ» فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَجَعَلَ يَزِيدُ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثوب.

__________

[ (1) ] أي أمر القيادة.

[ (2) ] زيدت على الأصل من الطبقات.

[ (3) ] وعند ابن سعد: ثم خندق على المدينة، وجعل المسلمون يعلمون مستجعلين يبادرون قدوم عدوهم عليهم، وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بيده لينشط المسلمين.... (انظر طبقات ابن سعد 2/ 66، 67) .

[ (4) ] الكدية: الأرض الغليظة أو الصلبة التي لا تعمل فيها الفأس.

[ (5) ] أي رملا متفتنا ناعما سهل التتابع.

ومنها: حيث شُوَيْهَةِ جَابِرٍ، وَكَانَتْ غَيْرَ جد سَمِينَة، قَالَ: صَنَعْتُهَا وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا قُلْتُ لَهُ، أَمَرَ صَارِخًا فَصَرَخَ أَنِ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ مَعَهُ فَجَلَسَ، فَأَخْرَجْنَاهَا إِلَيْهِ، فَبَرَكَ ثُمَّ سَمَّى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ أَكَلَ، وَتَوَارَدَهَا النَّاسُ، كُلَّمَا فَرَغَ قَوْمٌ قَامُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، حَتَّى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِيهِ: وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ أَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ [1] .

وَمِنْهَا:

حَدِيثُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: ضَرَبْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ فَغَلُظَتْ عَلَيَّ، وَرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرِيبٌ مِنِّي، فَلَمَّا رَأَنِي أَضْرِبُ وَرَأَى شِدَّةَ الْمَكَانِ عَلَيَّ، نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً لَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بُرْقَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ أُخْرَى فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بُرْقَةٌ أُخْرَى، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الثَّالِثَة فَلَمَعَتْ بُرْقَةٌ أُخْرَى، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ يَلْمَعُ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تضرب؟ قال:

أو قد رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَّا الأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّه فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ» .

قَالَ ابْن إسحق: وحَدَّثَنِي مَنْ لا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حِينَ فُتِحَتْ هَذِهِ الأَمْصَارُ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَزَمَنِ عُثْمَانَ: افْتَتِحُوا مَا بدا لكم، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة تَفْتَحُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ مُحَمَّدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ.

وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَنْدَقِ أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حتى نزلت بمجتمع الأسيال [من رومة، بين الجرف وزغابة، في عشرة آلاف من أحابيشهم] [2] وغطفان ومن تبعهم [من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا] [3] بِذَنْبِ نَقْمِي، إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، وَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ، حَتَّى جعلوا

__________

[ (1) ] انظر صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (5/ 46 و 47) .

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

ظُهُورَهُمْ إِلَى سلعٍ فِي ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ عَسْكَرَهُ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ، وَأُمِرَ بِالنِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ أَنْ يُجْعَلُوا فِي لآطام.

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَلِوَاءُ الأَنْصَارِ بِيَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يبعث سلمة بن أسلم من مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رَجُلٍ يَحْرُسُونَ الْمَدِينَةَ وَيُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ عَلَى الذَّرَارِيِّ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وكان عباد من بِشْرٍ عَلَى حَرَسِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الأَنْصَارِ يَحْرُسُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ. كَذَا قَالَ ابْن سَعْدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ [1] ، وَقَالَ فِي بَابِ حُرَّاسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَرَسَهُ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ نَامَ فِي الْعَرِيشِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَيَوْمَ أُحُدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ.

رَجْعٌ إِلَى ابْنِ سَعْدٍ: وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدوا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي أَصْحَابِهِ يَوْمًا، وَيَغْدُو خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمًا، وَيَغْدُو عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمًا، وَيَغْدُو هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أَبِي جَهْلٍ يَوْمًا، وَيَغْدُو ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ يَوْمًا، فَلا يَزَالُونَ يُجِيلُونَ خَيْلَهُمْ وَيَتَفَرَّقُونَ مَرَّةً وَيَجْتَمِعُونَ أُخْرَى، وَيَنَاوَشُونَ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَدِّمُونَ رُمَاتَهُمْ فَيَرْمُونَ.

رجع إلى ابن إسحق: وَخَرَجَ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيَّ صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهُمْ، وَكَانَ قَدْ وَادَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده على ذلك، [وعاهده] [2] فَلَمَّا سَمِعَ كَعْبٌ بِحُيَيٍّ أَغْلَقَ دُونَهُ بَابَ حِصْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَنَادَاهُ حُيَيٌّ وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، افْتَحْ لِي؟

قَالَ: وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ، إِنَّكَ امْرِؤٌ مَشْئُومٌ، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ إِلَّا وَفَاءً وَصِدْقًا، قَالَ: وَيْحَكَ: افْتَحْ لِي أُكَلِّمُكَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ أَغْلَقْتَ دُونِي إِلَّا تَخَوُّفًا عَلَى جَشِيشَتِكَ [3] أَنْ أَكِلَّ مَعَكَ مِنْهَا، فَأَحْفَظَ الرَّجُلَ، فَفَتَحَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ، جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ، وببحر طام، جئتك بقريش [على قادتها وسادتها] [4] حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِمُجْتَمَعِ الأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، وَغَطَفَان حَتَّى أَنْزَلْتُهُمْ بِذَنْب نَقْمِي إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا

__________

[ (1) ] أنظر طبقات ابن سعد (2/ 67) .

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] وهو طعام يصنع من البر يطحن خشنا.

[ (4) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

يَبْرَحُوا حَتَّى نَسْتَأْصِلَ مُحَمَّدا وَمَنْ مَعَهُ، قَالَ لَهُ كَعْبٌ: جِئْتَنِي وَاللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ، وَبِجِهَامٍ [1] قَدْ هراق مَاءَهُ، يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ، دَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا وَوَفَاءً، فَلَمْ يَزَلْ حُيَيٌّ بِكَعْبٍ يَفْتلُهُ فِي الذُّرْوَةِ وَالْغَارِبِ، حَتَّى سَمَحَ لَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَاهُ عَهْدًا مِنَ اللَّه وَمِيثَاقًا لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَان وَلَمْ يُصِيبُوا مُحَمَّدا أَنْ أَدْخُلَ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ، فَنَقَضَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ عَهْدَهُ، وَبَرِئَ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الْخَبَرُ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ بَعَثَ رَسُول اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ [2] وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ [3] وَمَعَهُمَا ابْنُ رَوَاحَةَ [4] ، وَخَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا أَحَقٌّ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ [5] ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحَنُوا إِلَيَّ لَحْنًا حَتَّى أَعْرِفَهُ، وَلا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانُوا على الفواء فيما بيننا وبينهم فاجهروا بذلك للناس، فحرجوا حَتَّى أَتَوْهُمْ، فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ عنهم فيما نَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَقَالُوا: مَنْ رَسُولُ اللَّه، لا عَهْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّد وَلا عَقْدَ، فَشَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَشَاتَمُوهُ، وَكَانَ رَجُلا فِيهِ حِدَّةٌ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: دَعْ عَنْكَ مُشَاتَمَتَهُمْ، فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنَ الْمُشَاتَمَةِ- وَذَكَرَ ابْن عَائِذٍ أَنَّ الَّذِي شَاتَمَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالَّذِي قَالَ لَهُ: مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى مِنَ الْمُشَاتَمَةِ، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ-

ثُمَّ أَقْبَلَ سَعْدٌ وَسَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثم قالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجع، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ» .

وَعَظُمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَلاء، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَأَتَاهُمْ عَدُوُّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْهُمْ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال

__________

[ (1) ] الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.

[ (2) ] وعند ابن هشام: سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس.

[ (3) ] وعند ابن هشام: سعد بن عبادة بن وليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو سيد الخزرج.

[ (4) ] وعند ابن هشام: ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف.

[ (5) ] وعند ابن هشام: أحقا ما بلغني عن هؤلاء القوم أم لا.

مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ [1] كَانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنَا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا الْيَوْمَ لا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ.

وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُعَتِّبٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَهُ ابْن هِشَامٍ. وَقَالَ ابْن عَائِذٍ: وَقَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ مَعَهُ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.

قَالَ ابْن إسحق: وَقَالَ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ [2] يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ مِنَ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ عَنْ مَلأٍ مِنْ رِجَالِ قَوْمِهِ، فَأَذِنَ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنَرْجِعَ إِلَى دِيَارِنَا فَإِنَّهَا خَارِجٌ مِنَ المدينة.

فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَأَقَامَ عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا مِنْ شَهْرٍ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ وَالْحِصَارِ.

وَقَالَ ابْنُ عَائِذٍ: وَأَقْبَلَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ عَلَى فَرَسٍ لَهُ لِيوثبه الْخَنْدَقَ، فَوَقَعَ فِي الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ اللَّه، وَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: إِنَّا نُعْطِيكُمُ الدِّيَةَ عَلَى أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَيْنَا فَنَدْفِنُهُ، فَرَدَّ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: أَنَّهُ خَبِيثٌ خَبِيثُ الدِّيَةِ فَلَعَنَهُ اللَّهُ ولعن ديته، ولا نمنعكم أَنْ تَدْفِنُوهُ، وَلا أَرَبَ لَنَا فِي دِيَتِهِ» ، وَقِيلَ: أَعْطُوا فِي جُثَّتِهِ عَشَرَةَ آلافٍ.

قَالَ ابن إسحق: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الْفَزَارِيِّ، وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِّيِّ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، فجرى بينه وبينهما الصلح، حَتَّى كَتَبُوا الْكتب، وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ وَلا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ إِلَّا الْمُرَاوَضَة فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ يَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَمْرًا تُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَمْ شَيْئًا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لا بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ بِهِ، أَمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا؟ قَالَ: «بَلْ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا إِنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرُ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إِلَى أَمْرٍ مَا» فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: أخو بني عمرو.

[ (2) ] وعند ابن هشام: أحد بني حارثة بن الحارث.

بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، لا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلا نعرفه، وهم لا يطعمون أن يكلوا منها تمرة، إلا قرى أو بيعا [أفحين] [1] أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزَّنَا بِكَ وَبِهِ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «فَأَنْتَ وَذَاكَ»

فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ، فَمَحَا مَا فِيهَا مِنَ الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: ليَجْهَدُوا عَلَيْنَا، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَالْمُسْلِمُونَ، وَعَدُّوُهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، إِلَّا أَنَّ فَوَارِسَ، مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عبد ود [2] وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ [3] وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ [4] ، تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ، حَتَّى مَرُّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كنانة، فقال: تهيئوا يَا بَنِي كِنَانَةَ لِلْحَرْبِ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنِ الْفُرْسَانِ الْيَوْمَ؟ ثُمَّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ [5] بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: وَاللَّهِ إن هذه لمكيدة، مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا [6] ، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا مِنَ الْخَنْدَقِ ضَيِّقًا، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ، فَاقْتَحَمَتْ مِنْهُ، فَجَالَتْ بِهِمْ فِي السَّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمُ الثَّغْرَةَ الَّتِي أَقْحَمُوا مِنْهَا خَيْلَهُمْ، وَأَقْبَلَتِ الْفُرْسَانُ تُعْنِقُ نحوهم. وكان عمر بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَرَجَ مُعَلّمًا لِيُرَى مَكَانُهُ، فَلَمَّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ قَالَ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عَمْرًا كَانَ ابْن تِسْعِينَ سَنَةً، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أُبَارِزُهُ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم سفه وَعَمَّمَهُ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ» .

رَجْعٌ إِلَى الأول:

فقال له يا عمرو: إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل

__________

[ (1) ] وردت في الأصل: فحين، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] وعند ابن هشام: فهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس، أخو بني عامر بن لؤي. قال ابن هشام: ويقال:

عمرو بن عبس بن أبي قيس.

[ (3) ] وعند ابن هشام: المخزوميان.

[ (4) ] وعند ابن هشام: وضرار بن الخطاب الشاعر ابن مرداس، أخو بني محارب بن فهر.

[ (5) ] أي تسرع بهم.

[ (6) ] قال ابن هشام: يقال أن سلمان الفارسي أشار بِهِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم،

وحدثني بعض أهل العلم أن المهاجرين يوم الخندق قالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت»

.

مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خَلَّتَيْنِ إِلَّا أَخَذْتَهَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَجَلْ: قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَإِلَى الإِسْلامِ، قَالَ: لا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى النِّزَالِ، قَالَ لَهُ: لِمَ يَا ابْن أَخِي: فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، قَالَ له عَلِيٌّ: لَكِنِّي وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، قَالَ: فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَقَرَهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، فَتَنَاوَلا وَتَجَاوَلا فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً حَتَّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الْخَنْدَقِ هَارِبَةً، وَقَالَ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ:

نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ ... وَنَصَرْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ بِضِرَابِ [1]

فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ متجدلا ... كالجذع بني دَكَادِكٍ وَرَوَابِ

وَعَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ انَّنِي ... كُنْتُ الْمُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي

لا تَحْسَبُنَّ اللَّهَ خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب [2]

وعن ابن إسحق مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكَّائِيِّ، أَنَّ عَمْرًا لَمَّا نَادَى بِطَلَبِ مَنْ يُبَارِزُهُ، قَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّه، فَقَالَ لَهُ: «اجْلِسْ إِنَّهُ عَمْرٌو» ثُمَّ كَرَّرَ عَمْرٌو النِّدَاءَ، وجعل يؤنبهم ويقل: أَيْنَ جَنَّتُكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا، أَفَلا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلا؟ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ:

«اجْلِسْ إِنَّهُ عَمْرٌو» ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ وَقَالَ:

وَلَقَدْ بَحِحْتُ مِنَ النِّدَاءِ ... بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ

وَوَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الْمُشَجِّعُ ... وَقْفَةَ الرَّجُلِ الْمُنَاجِزْ

وَكَذَاكَ أَنِّي لَمْ أَزَلْ ... مُتَسَرِّعًا قَبْلَ الْهَزَاهِزْ

إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى ... وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ

فَقَامَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: أَنَا له يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ عَمْرٌو» فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ عَمْرًا، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، فَمَشَى إِلَيْهِ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ:

لا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَاكَ ... مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزْ

ذُو نِيَّةٍ وبصيرة ... والصدق منجى كل فائز

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: ونصرت دين محمد بصوابي.

[ (2) ] وعند ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب

إني لأرجو أن أقيم ... عليكم نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ

مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلاءَ يَبْقَى ... ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ

فَقَالَ عَمْرٌو: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: غَيْرُكَ يَا ابْن أَخِي مِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أسن منك، فإني أكره أن أهرق دَمَكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَكِنِّي وَاللَّهِ مَا أَكْرَهُ أَنْ أُهْرِيقَ دَمَكَ، فَغَضِبَ وَنَزَلَ وَسَلَّ سَيْفَهُ كَأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ مُغْضَبًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ:

كَيْفَ أُقَاتِلُكَ وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِكَ، وَلَكِنِ انْزِلْ مَعِي، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ بِدَرَقَتِهِ فَضَرَبَهُ عَمْرٌو فِيهَا فَقَدَّهَا، وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فشجه، فضربه علي على حبل العانق فَسَقَطَ، وَثَارَ الْعَجَّاجُ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ التَّكْبِيرَ، فَعَرَفَ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ قتله.

قال ابن هشام: وان شِعَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يوم الخندق ويوم بني قريظة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ.

قال ابن إسحق: وحَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد الرَّحْمَن الأَنْصَارِيُّ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ فِي حِصْنِ بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْصَنِ [1] حُصُونِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّ سَعْدِ بن معاذ معها في الحصن، فقالت: [2] وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، فَمَرَّ سَعْدٌ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلَّصَةٌ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذِرَاعُهُ كُلُّهَا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَتُهُ يَرْقُدُ بها ويقول:

لبث قليلا يشهد الهيجا جمل ... لا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إِذَا حَانَ الأَجَلْ

فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: الْحَقّ أَيْ بُنَيَّ، فَقَدْ وَاللَّهِ أُخِّرْتُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:

فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتِ أَنَّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ مِمَّا هِيَ، قَالَتْ: وَخِفْتُ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ، فَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِسَهْمٍ فَقَطَعَ مِنْهُ الأَكْحَلَ، رَمَاهُ كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمٌ [3] حِبَّانُ بْنُ الْعرقَةِ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا أَصَابَهُ قَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ. ويقال بل الذي رماه

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: من أحرز.

[ (2) ] وعند ابن هشام: فقالت عائشة.

[ (3) ] وعند ابن هشام: كَمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، حبان بن قيس بن العرقة.

خَفَاجَةُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ جُبَارَةَ وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي رَمَاهُ أَبُو أُسَامَةَ الْجُشْمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي مخزوم.

رجع إلى ابن إسحق: ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ وَكَذَّبُوهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهَا لِي شَهَادَةً، وَلا تُمِتْنِي حَتَّى تَقَرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ.

وَذَكَر ابْن عَائِذٍ أن المشركين جهزوا نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِيبَةً عَظِيمَةً غَلِيظَةً، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، فلما حضرت العصر رنت الْكَتَائِبُ، فَلَمْ يَقْدِرِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَلا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يُصَلُّوا الصَّلاةَ عَلَى مَا أَرَادُوا، فَانْكَفَأْتُ مَعَ اللَّيْلِ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَالَ: شَغَلُونَا عَنْ صَلاةِ الْعَصْرِ، مَلأَ اللَّهُ بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» .

وَقَرَأْتُ عَلَى أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهبتي: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ مُوسَى بْنُ عَبْدِ القادر الجبلي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أنا أبو بكر بن الزاغوني قال: وأنا ابن البسري قال: أنا المخلص، فثنا يحيى بن محمد، فثنا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي، فثنا أبو مالك الجنبي عمرو بن هاشم، فثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ. رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ، لأَنَّهُ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، وَقِيلَ: وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَكُونُ متصلة، له عَنْهُ أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ هِيَ عِنْدَهُمْ مُتَّصِلَةٌ، وَيَقُولُ فِي بَعْضِهَا:

سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ.

وَذَكَر ابْنُ سَعْدٍ فِي هَذَا الخبر: أنهم شغلوا عن صلاة الظهر العصر وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ ابْن سَعْدٍ: وَأَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحَضِيرِ عَلَى الْخَنْدَقِ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَرَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلٍ من المشركين يطلبون غرة من الْمُسْلِمِينَ، فَنَاوَشُوهُمْ سَاعَةً، وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ وَحْشِيٌّ، فَزَرَقَ الطفيل بن النعمان من بني سلمة بزراقة [1] فَقَتَلَهُ، وَانْكَشَفُوا، وَسَارَ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسلام إلى قبته، فأمر بلالا

__________

[ (1) ] المزراق: الرمح القصير، والجمع: مزاريق.

فَأَذَّنَ وَأَقَامَ الظُّهْرَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَقَامَ بَعْدُ لكل صلاة إقامة إقامة، وصلى هو أصحابه مَا فَاتَهُمْ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَقَالَ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةَ الْعَصْرِ، مَلأَ اللَّه أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا»

وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قِتَالٌ جَمِيعًا حَتَّى انْصَرَفُوا، إِلَّا أَنَّهُمْ لا يدعون [يبعثون] [1] الطلائع بالليل يطمعون في الغارة.

قال ابن إسحق: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْخَوْفِ والشدة بمظاهرة عَدُوِّهِمْ وَإِتْيَانِهِمْ إِلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ [2] أَتَى رَسُولَ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخُذْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ [3] ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ،

فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إِيَّاكُمْ، وَخَاصَّةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا:

صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ لَيْسُوا كَمَا أَنْتُمْ، الْبَلَدُ بَلَدُكُمْ، وَبِهِ أَمْوَالُكُمْ، وَنِسَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ، لا تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَتَحَوَّلُوا مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَان قَدْ جَاءُوا لِحَرْبِ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ ظَاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَيْسُوا كَأَنْتُمْ، فَإِنْ رَأَوْا نُهْزَةً أَصَابُوهَا، وَإِنْ كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا ببينكم وَبَيْنَ الرَّجُلِ ,

ذكر شهداء الخندق

من بني عبد الأشل: سَعْد بْن مُعَاذٍ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، وَعَبْد اللَّهِ بْن سَهْلٍ، وَمِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلَمَة: الطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ عنمَةَ، وَمِنْ بَنِي النَّجَّارِ: كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ. وَذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ فِي نَسَبِ الأَوْسِ لَهُ فِي بَنِي ظَفَرٍ: قَيْسَ بن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَرٍ، شَهِدَ أُحُدًا، وَحَضَرَ الخَنْدَق، وَمَاتَ هُنَاكَ وَدُفِنَ، وَذَكَر فِي نَسَبِ الْخَزْرَجِ لَهُ عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي خَالِدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حَارِثَةَ بْنِ دِينَارِ ابْن النَّجَارِ، قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَق شَهِيدا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ.

غزوة بَنِي قُرَيْظَة [1]

رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ: فثنا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ الْبَزَّارُ، فثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَنَا الْعُمَرِيُّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، بَيْنَا هُوَ عِنْدِي إِذْ دَقَّ الْبَابُ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَثَبَ وَثْبَةً مُنْكَرَةً وَخَرَجَ، فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ عَلَى مَعْرَفَةِ الدَّابَّةِ يُكَلِّمُهُ، فَرَجَعْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ قُلْتُ: مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كُنْتَ تُكَلِّمُهُ؟ قَالَ: وَرَأَيْتِيهِ» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِمَنْ تُشَبِّهِينَهُ» ؟ قُلْتُ: بِدِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَمَرَنِي أَنْ أمضي إلى بني قريظة» .

قال ابن إسحق: وَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ عَنِ الخَنْدَق رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ والمسلمون، ووضعوا السِّلاحَ، فَلَمَّا كَانَتِ الظُّهْرُ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، مُعْتَجِرًا [2] بِعِمَامَةٍ مِنَ إِسْتَبْرَقٍ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رحالة، عليها قطيفة ديباج، فقال: أو قد وَضَعْتَ السِّلاحَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَا وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ السِّلاحَ بَعْدُ، وَمَا رَجَعَتِ الآنَ إِلَّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ يَا مُحَمَّد بِالْمَسِيرِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنِّي عَامِدٌ إِلَيْهِمْ فَمُزَلْزِلٌ بِهِمْ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مُؤَذِّنًا فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلا يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إِلَّا بِبَنِي قُرَيْظَةَ.

وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَائِذٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ السُّلامِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ مَرْجَعَهُ من طلب الأحزاب، إذ

__________

[ (1) ] وكانت في السنة الخامسة للهجرة.

[ (2) ] يقال: اعتجر فلان بالعمة: أي لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه.

وَقَفَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا حَلَلْتُمْ، وَاللَّهِ مَا نَزَعْنَا من لأُمَّتِنَا [1] شَيْئًا منذ نزل العدو بك، قم فسد عَلَيْكَ سِلاحَكَ، فَوَاللَّهِ لأَدُقَّنَّهُمْ كَدَقِّ الْبَيْضِ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ وَلَّى، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي، فَلَمَّا رَأَيْنَا ذَلِكَ نَهَضْنَا. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مُنَادِيًا: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ ثَلاثَةُ آلافٍ، وَالْخَيْلُ سِتَّةٌ وَثَلاثُونَ فَرَسًا، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الأَرْبَعَاءِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.

وَاسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فيما قال ابن هشام.

قال ابن إسحق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِرَايَتِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَابْتَدَرَهَا النَّاسُ، فَسَارَ، [2] حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهَا مَقَالَةً قَبِيحَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَجَعَ حَتَّى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا عَلَيْكَ أَنْ لا تَدْنُوَ مِنْ هَؤُلاءِ الأَخَابِيثِ قَالَ: «لِمَ، أَظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ لِي أَذًى» قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَوْ رَأَوْنِي» لَمْ يَقُولُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا دَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُصُونِهِمْ قَالَ: يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ هَلْ أَخْزَاكُمُ اللَّهُ وَأَنْزَلَ بِكْمُ نِقْمَتَهُ» قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ جَهُولا، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصّورين [3] قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: «هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ» ، قَالُوا:

يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ، وَعَلَيْهَا قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ بَعَثَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ» وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ» وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا [4] ، وَتَلاحَقَ بِهِ النَّاسُ، فَأَتَى رِجَالٌ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَلَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَشَغَلَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْهُ بُدٌّ فِي حَرْبِهِمْ، وَأَبَوْا أَنْ يُصَلُّوا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ» فَصَلَّوُا الْعَصْرَ بِهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَمَا عَابَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَلا عَنَّفَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبِي إسحق بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالك الأنصاري.

__________

[ (1) ] اللائمة: أداة الحرب كلها، من رمح وبيضة ومغفر وسيف ودرع، والجمع: لأم ولؤم.

[ (2) ] وعند ابن هشام: فسار علي بن أبي طالب.

[ (3) ] وهو موضع قرب المدينة.

[ (4) ] وعند ابن هشام: يقال لها بئر أنا، قال ابن هشام: بئر أني.

وَحَاصَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتَّى جَهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللَّه فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَقَدْ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَة فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وغَطَفَان، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِأَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ عَنْهُمْ حَتَّى يُنَاجِزُهُمْ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خلالا ثَلاثًا، فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ وَنِسَائِكُمْ، قَالُوا: لا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَى هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنُقْتُلُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجُ إِلَى مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ رِجَالا مُصَلَّتِينَ بِالسُّيُوفِ، لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثقلا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّد، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكْ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلا نَخْشَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدِ النِّسَاءَ وَالأَبْنَاءَ، قَالُوا: نَقْتُلُ هَؤُلاءِ الْمَسَاكِينَ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ قَالَ: فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّد وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّد وَأَصْحَابِهِ غزة، قَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا [1] وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ، فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِنَ الْمَسْخِ، قَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حازما.

ثُمَّ إِنَّهْمُ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الأَوْسِ، نَسْتَشِيرُهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالُوا [2] : يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَتَرَى أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّد؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ،

قَالَ أبو لبابة: فو الله مَا زَالَتْ قَدَمَايَ مِنْ مَكَانِهِمَا حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّه وَرَسُولَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَأْتِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ وَقَالَ: لا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدْتُ اللَّه أَنْ لا أَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلا أُرَى فِي بلد خنت الله ورسوله

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: نفسد ستنا علينا ونحدث فيه ما لم يحدث مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ.

[ (2) ] وعند ابن هشام: وقالوا له.

فِيهِ أَبَدًا، [1] فَلَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: «أَمَّا لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، وَأَمَّا إذا فَعَلَ مَا فَعَلَ فَمَا أَنَا بِالَّذِي أُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .

وحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْن عَبْد اللَّهِ بْن قُسَيْطٍ أَنَّ تَوْبَةَ أَبِي لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: قُلْتُ: مِمَّ تَضْحَكُ أَضْحَكَ اللَّه سِنَّكَ؟ قَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ» قَالَتْ: قُلْتُ: أَفَلا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بَلَى إِنْ شِئْتِ» قَالَ: فَقَامَتْ عَلَى بَابِ حُجْرَتِهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَبْشِرْ، فَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَتْ: فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ، حَتَّى يَكُونَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ خَارِجًا إِلَى صلاة الصبح أطلقه.

قَالَ ابْن هِشَامٍ: أَقَامَ أَبُو لُبَابَةَ مُرْتَبِطًا بِالْجِذْعِ سِتَّ لَيَالٍ، تَأْتِيهِ امْرَأَتُهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ فَتَحُلُّهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْتَبِطُ بِالْجِذْعِ فِيمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أبا لبابة ارتبط سلسلة رُبُوضٍ- وَالرُّبُوضُ الثَّقِيلَةُ- بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حَتَّى ذَهَبَ سَمْعُهُ، فَمَا يَكَادُ يَسْمَعُ، وَكَادَ يَذْهَبُ بَصَرُهُ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ تَحُلُّهُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ إعادته إلى الرباط، فقال رسول الله: «لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ» .

قَالَ أَبُو عُمَرَ: اخْتُلِفَ فِي الْحَالِ الَّذِي أَوْجَبَ فِعْلِ أَبِي لُبَابَةَ هَذَا بِنَفْسِهِ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو لُبَابَةَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ وَقَالَ: وَاللَّهِ لا أحل نفسي منها، أو أَذُوقُ طَعَامًا وَلا شَرَابًا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ أَوْ أَمُوتَ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لا يَذُوقُ طَعَامًا وَلا شَرَابًا حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ نَحْوَ ما تقدم في حل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ،

ثُمَّ قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، قال: «يجزئك يا أبا لبابة الثلث» .

__________

[ (1) ] قال ابن هشام: وأنزل الله تعالى في لبابة فيما قال سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي قتادة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ سورة الأنفال: الآية 27.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً [1] الآيَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ وَنَفَرٍ مَعَهُ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ، أَوْ سَبْعَةٍ سِوَاهُ، تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ثُمَّ نَدِمُوا، فَتَابُوا وَرَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي، فَكَانَ عَمَلُهُمُ الصَّالِحُ تَوْبَتُهُمْ، والسيء تَخَلُّفُهُمْ عَنِ الْغَزْوِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الذَّنْبَ الَّذِي أَتَاهُ أَبُو لُبَابَةَ كَانَ إِشَارَتُهُ إِلَى حُلَفَائِهِ بَنِي قُرَيْظَةَ أَنَّهُ الذَّبْحُ إِنْ نَزَلْتُمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ معاذ وإشارته إلى حلقه، فنزلت فيه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ الآية.

قال ابن إسحق: ثُمَّ إِنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدَ بْنَ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ هدل، ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ، وَهُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ، أَسْلَمُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ عَلَى حُكْمِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَمْرُو بْنُ سَعْدِيٍّ الْقُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَيْهِ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قال: أنا عمرو بن سعدي، وكان عمر قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: لا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْن مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللَّهُمَّ لا تحرمني إقالة] [2] عَثَرَاتِ الْكِرَامِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَخَرَج عَلَى وَجْهِهِ، حَتَّى بَاتَ [3] فِي مَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ وُجِّهَ مِنَ الأَرْضِ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَذُكِرَ لِرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنُهُ، فَقَالَ: ذَلِكَ رجل تجاه اللَّه بِوَفَائِهِ. وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَهُّ كَانَ أَوْثَقَ بُرْمَةً [4] فِيمَنْ أَوْثَقَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً، وَلا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، فَاللَّهِ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوَاثَبَتِ الأَوْسُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنهم مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إِخْوَانِنَا بِالأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتَ. وَقَدْ كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُ إِيَّاهُمْ عبد الله بن أبي ابن سَلُولٍ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ،

فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ الأَوْسُ قَالَ رسول الله

__________

[ (1) ] سورة التوبة: الآية 102.

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] وعن ابن هشام: حتى أتى.

[ (4) ] وهو الحبلى البالي.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ» ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ:

فَذَلِكَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ،

وَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَ سَعْد بْن مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لامْرَأَةٍ مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهَا: رُفَيْدَةُ، فِي مَسْجِدِهِ كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا على خدمة من كانت به ضَيْعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السَّهْمُ بِالخَنْدَق، اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتَّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ، فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ وَقَدْ وَطِئُوا لَهُ بِوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَكَانَ رَجُلا جَسِيمًا، ثُمَّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا أبا عمرو، أحسن من مَوَالِيكَ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم إنما ولاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لا يَأْخُذَهُ فِي اللَّه لَوْمَةَ لائِمٍ، فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَنَعَى إِلَيْهِمْ رِجَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الَّتِي سَمِعَ مِنْهُ،

فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» .

فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ: إِنَّمَا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأَنْصَارَ، وَأَمَّا الأَنْصَارُ فَيَقُولُونَ: عَمَّ بِهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا:

يَا أَبَا عُمَرَ، إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَلاكَ أَمْرَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ فِيهِمْ،

فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمْ كَمَا حَكَمْتُ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا؟ فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِجْلالا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ» قَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرِّجَالُ، وَتُقَسَّمَ الأَمْوَالُ، وَتُسْبَى الذَّرَارِيُّ والنساء.

قال ابن سعد: قال حميد: قال بَعْضُهُمْ: وَتَكُونُ الدِّيَارُ لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: إِخْوَانُنَا [1] كُنَّا مَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي أحببت أن يستغنوا عنكم.

قال ابن إسحق: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعَاذٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِسَعْدٍ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْفِعَةٍ» .

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عليّ بن أبي طالب صاح

__________

[ (1) ] وعند ابن سعد: إخوتنا.

وهم محاصرو بني قريظة: [يا كتيبة] [1] الإِيمَانِ، وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ:

والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأفتحن حِصْنَهُمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد نَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ سعد.

قال ابن إسحق: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [بالمدينة] [2] فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ، الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فخَنْدَق بِهَا خَنَادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَضَرَب أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَيْهَا أَرْسَالا، وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ رَأْسُ الْقَوْمِ، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر يقول: كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة، وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَالا: يَا كَعْبُ، مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بنا؟ قال: أفي كُلِّ مَوْطِنٍ لا تَعْقِلُونَ! أَمَا تَرَوْنَ الدَّاعِي لا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُ، هُوَ وَاللَّهِ الْقَتْلُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأَبُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم، وأتى يحيى بْنِ أَخْطَبَ عَدُوِّ اللَّهِ [3] ، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذِلِ اللَّه يُخْذَلْ، ثُمَّ أَقْبَل عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا بَأْسَ بِأَمْرِ اللَّهِ، كِتَابٍ وَقَدَرٍ وَمَلحمَةٍ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [4] ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.

وَقَدْ حَدَّثَنِي محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يُقْتَلْ مِنْ نِسَائِهِمْ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَعِنْدِي تُحَدِّثُ مَعِي وَتَضْحَكُ ظَهْرًا وَبَطْنًا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُ رِجَالَهَا فِي السُّوقِ، إِذْ هَتَفَ هَاتِفٌ بِاسْمِهَا، أَيْنَ فُلانَةُ؟

قَالَتْ: أَنَا، وَاللَّهِ قَالَتْ: قُلْتُ لها: ويلك، مالك؟ قَالَتْ: أُقْتَلُ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ:

لِحَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ، قَالَتْ: فَانْطُلِقَ بِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهَا، فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى عَجَبًا مِنْهَا، طِيبَ نَفْسِهَا، وَكَثْرَةَ ضَحِكِهَا وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَلُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

هِيَ الَّتِي طَرَحَتِ الرَّحَا على خلاد بن سوسيد فقتلته.

__________

[ (1) ] وردت في الأصل: بكتيبه، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.

[ (2) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (3) ] وعند ابن هشام: وعليه حلة فقاحية- قال ابن هشام: فقاحية: ضرب من الوشي- قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها ...

[ (4) ] وعند ابن هشام: كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل.

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ أَمَرَ بِهِمْ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة فَكُتِّفُوا، وَجُعِلُوا نَاحِيَةً، وَأُخْرِجَ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ، فَكَانُوا نَاحِيَةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْد اللَّهِ بْن سَلامٍ، وَجَمَعَ أَمْتِعَتَهُمْ وَمَا وَجَدَ فِي حُصُونِهِمْ، مِنَ الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألفا وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفي رمح، وخمسمائة تِرْسٍ وَحَجَفَةً، وَخَمْرًا وَجرارَ سُكَّرٍ، فَأُهْرِيقَ ذَلِكَ كُلّهُ، وَلَمْ يخمسْ، وَوَجَدُوا أَجْمَالَ نَوَاضِحَ وَمَاشِيَةً كثيرة.

قال ابن إسحق: وَقَدْ كَانَ ثَابِتُ بْن قَيْس بْن الشَّمَّاسِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ أَتَى الزُّبْيَرَ بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيَّ، وَكَانَ يُكَنَّى: أَبَا عَبْد الرَّحْمَن- وَكَانَ الزُّبَيْرُ قَدْ مَنَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْس فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ذَكَرَ لِي بَعْضُ وَلَدِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ مَنَّ عَلَيْهِ يَوْمَ بعَاثٍ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ- فَجَاءَهُ ثَابِتٌ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن، هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَهَلْ يَجْهَلُ مِثْلِي مِثْلَكَ، قَالَ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُجْزِيَكَ بِيَدِكَ عِنْدِي، قَالَ: إِنَّ الْكَرِيمَ يُجْزِي الْكَرِيمَ،

ثُمَّ أَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ لِلزُّبَيْرِ عَلِيَّ مِنَّةٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُجْزِيَهُ بِهَا، فَهَبْ لِي دَمَهُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هُوَ لَكَ» فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وَهَبَ لِي دَمَكَ، فَهُوَ لَكَ، قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ لا أَهْلَ لَهُ وَلا وَلَد، فَمَا يَصْنَعُ بِالْحَيَاةِ؟ قَالَ: فَأَتَى ثَابِتٌ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، امْرَأَتَهُ وَوَلَدَهُ؟ قَالَ: هُمْ لَكَ [1] ، قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ وَهَبَ لِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ، فَهُمْ لَكَ، قَالَ: أَهْلُ بَيْتٍ بِالْحِجَازِ لا مَالَ لَهُمْ، فَمَا بَقَاؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَتَى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَهُ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ، فَأَتَاهُ ثَابِتٌ فَقَالَ: قَدْ أَعْطَانِي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالَكَ، فَهُوَ لَكَ،

قَالَ: أَيْ ثَابِتٌ، مَا فَعَلَ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ تَتَرَاءَى فِيهِ عَذَارَى الْحَيِّ كَعْب بْن أَسَدٍ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ سَيِّدُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ؟ قَالَ: قُتِلَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ مُقَدِّمَتُنَا إِذَا شَدَدْنَا، وَحَامِيَتُنَا إِذَا فَرَرْنَا عَزَّالُ بْنُ سَمَوْأَلٍ؟ قَالَ: قُتِلَ:

قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمجلسَانِ؟ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ، وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، قَالَ:

ذَهَبُوا قُتِلُوا، قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ بِيَدِي عِنْدِكَ إِلَّا أَلْحَقْتَنِي بِالْقَوْمِ، فَوَاللَّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلاءِ من خير، أفما أَنَا بِصَابِرٍ لِلَّهِ قبلَةَ دَلْوٍ نَاضِحٍ حَتَّى أَلْقَى الأَحِبَّةَ، فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَوْلُهُ: أَلْقَى الأَحِبَّةَ، قال: يلقاهم والله

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله: هب لي امرأته وولده ...

فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا،

وَذَكَر أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الْخَبَرَ، وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ إن أسلم» .

قال ابن إسحق: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أَمَرَ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، كُلَّ مَنْ أَنْبَتَ [1] ، وَكُنْتُ غُلامًا، فَوَجَدُونِي لَمْ أَنْبُتْ فَخَلُّوا سَبِيلِي، وَسَأَلَتْ أُمُّ الْمُنْذِرِ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ سُلَيْطٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ إِحْدَى خَالاتِهِ رِفَاعَة بْن سَمَوْأَلٍ الْقُرَظِيّ وَكَانَ قَدْ بَلَغَ، قَالَتْ: فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ سَيُصَلِّي وَيَأْكُلُ لَحْمَ الْجَمَلِ فَوَهَبَهُ لَهَا، ثُمَّ خُمِّسَتْ غَنَائِمُهُمْ، وَقُسِّمَتْ لِلْفَارِسِ ثَلاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ، وَلِلرَاجِلِ سَهْمٌ، وَهُوَ أَوَّلُ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السَّهْمَانِ وَخُمِّسَ وَكَانَتِ الْخَيْلُ سِتَّةً وَثَلاثِينَ فَرَسًا.

ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ بِسَبَايَا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى نَجْدٍ، فَابْتَاعَ لَهُمْ بِهِمْ خَيْلا وَسِلاحًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اصْطَفَى لِنَفْسِهِ منهم [2] ريحانة بنت عَمْرَو بْنَ خنَافَةَ، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا (وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .

وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، القصة في سورة الأحزاب [3] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [4] وَالْجُنُودُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَتِ الْجُنُودُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ الْمَلائِكَة: [يقول الله تعالى] [5] : إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ بنو قريظة وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ قُرَيْش وَغَطَفَان إِلَى قَوْلِهِ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها- يَعْنِي خَيْبَرَ- وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً.

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: كل من أنبت منهم.

[ (2) ] وعند ابن هشام: لنفسه من نسائهم.

[ (3) ] وعند ابن هشام: يذكر فيها ما نزل من البلاء ونعمته عليهم، وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم بعد مقالة من قال من أهل النفاق.

[ (4) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

[ (5) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.

فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ لِسَعْدِ بن معاذ جرحه، فمات منه [شهيدا] وَأَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، مَنْ هَذَا [1] الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ [2] ، قَالَ: فَقَامَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ إِلَى سَعْد بْن مُعَاذٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ.

وَلَمَّا حُمِلَ عَلَى نَعْشِهِ وَجَدُوا لَهُ خِفَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لَهُ حَمَلَةً غَيْرَكُمْ، وَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذَكَرَ ابْن عَائِذٍ: «لَقَدْ نَزَلَ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ شَهِدُوا سَعْدًا، مَا وَطِئُوا الأَرْضَ إِلَّا يَوْمَهُمْ هَذَا» ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَرَّتْ عَلَيْهِ عَنْزٌ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، فَأَصَابَتِ الْجُرْحَ بِظِلْفِهَا، فَمَا رَقَأَ حَتَّى مَاتَ، وَبَعَثَ صَاحِبَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِبَغْلَةٍ وَجُبَّةٍ مِنْ سُنْدَسٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْجَبُونَ مِنْ حسن الجبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ» يَعْنِي مِنْ هَذَا.

وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ خَلادُ بْنُ سُوَيْدٍ الْحَارِثِيُّ الَّذِي طَرَحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ الرَّحَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُ قَتْلِهَا، وَزَادَ ابْن عَائِذٍ وَمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّد أَخُو بَنِي جَحْجَبَا. وَمَاتَ أَبُو سِنَانِ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، ورَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرٌ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ،

وَلَمَّا انْصَرَفَ أَهْلُ الخَنْدَق عَنِ الخَنْدَق، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ تَغْزُوَكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُونَهُمْ» . فكان كذلك.

ذكر فوائد تتعلق بما سبق من ذكر الخَنْدَق وَبَنِي قُرَيْظَةَ

أَوَّلُ مَنْ حَفَرَ الْخَنَادِقَ فِي الْحُرُوبِ: منوشهرُ بْنُ أيرجَ، وَأَوَّلُ مَنْ كمن الكمائن بخت نصر، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيِّ. وَالنِّسْبَةُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ: نَضَرِيٌّ، بِفَتْحَتَيْنِ، كَثَقَفِيٍّ. وعُيَيْنَة بْن حِصْنٍ، لَقَبٌ، لُقِّبَ لِقَائِدِ الأَحْزَابِ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ، لُقِّبَ بذلك لشتر في عيينة. وَذَكَرَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَمَا قَالَ لِكَعْبٍ، وإنه لم يزل يفتل في الذورة وَالْغَارِبِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هَذَا مَثَل، وَأَصْلُهُ فِي الْبَعِيرِ يُسْتَصَعْبُ عَلَيْكَ، فَتَأْخُذُ الْقُرَادُ مِنْ ذُرْوَتِهِ وَغَارِبِ سَنَامِهِ، فَيَجِدُ الْبَعِيرُ لَذَّةً فَيَأَنَسُ عِنْدَ ذلك، وأنشد للحطيئة:

__________

[ (1) ] وعند ابن هشام: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء.

[ (2) ] أي استبشار الملائكة الحافين بالعرش به.

لَعَمْرُكَ مَا قُرَادُ بَنِي كُلَيْبٍ ... إِذَا نُزِعَ الْقُرَادُ بِمُسْتَطَاعِ

يُرِيدُ أَنَّهُمْ لا يُخْدَعُونَ وَلا يُسْتَذَلُّونَ. وَاللَّحْنُ: الْعَدْلُ بِالْكَلامِ عَنِ الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ إِلَى وَجْهٍ لا يَعْرِفُهُ إِلَّا صَاحِبُهُ، كَمَا أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ عُدُولٌ عَنِ الصَّوَابِ الْمَعْرُوفِ، وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي قَوْلِ مَالِكِ بن أسماء:

منطق طائب وتلحن أحيا ... نا وَخَيْرُ الْكَلامِ مَا كَانَ لَحْنًا

يُرِيدُ: أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ قَدْ يُسْتَمْلَحُ، وَيُسْتَطَابُ مِنَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ. وَخَطِئَ الْجَاحِظُ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، وَأُخْبِرَ بِمَا قَالَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يوسف لامرأته عند بِنْتِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ حِينَ لَحَنَتْ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا اللَّحْنَ، فَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِ أَخِيهَا مَالِكِ بْنِ أَسْمَاءَ. وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا. وَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: لَمْ يُرِدْ أَخُوكِ هَذَا، إِنَّمَا أَرَادَ الَّذِي هُوَ التَّوْرِيَةُ وَالأَلْغَازُ، فَسَكَتَتْ، فَلَمَّا حُدِّثَ الْجَاحِظُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: لَوْ كَانَ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ أَنْ أُؤَلِّفَ كِتَابَ (الْبَيَانِ) مَا قُلْتُ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتُ، فَقِيلَ: أَفَلا تُغَيِّرُهُ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ وَقَدْ سَارَ بِهَا الْبغَالُ الشُّهُبُ وَأنْجدَ فِي الْبِلادِ وَغَارَ. انْتَهَى مَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ، وَتَأْوِيلُ الْجَاحِظِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الصَّوَابِ بِالْخَطَأِ، وَلَعَلَّ الشَّاعِرَ لَوْ أَرَادَ الْمَعْنَى الآخَرَ لَقَالَ مَنْطِقٌ ظَاهِرٌ لِيُقَابِلَ بِذَلِكَ مَا تَقْتَضِيهِ التَّوْرِيَةُ وَاللّغْزُ مِنَ الْخَفَاءِ، وَكَمَا قَالَ الْجَاحِظُ فِي تَأْوِيلِ وَتَلْحَنُ أحيانا قَالَ ابْن قُتَيْبَةَ.

وَحِبَّانُ بْنُ العرقَةِ هُوَ حِبَّانُ بْنُ عَبْد مَنَافِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَالْعرقَةُ أُمُّهُ، وَهِيَ قِلابَةُ بِنْتُ سَعِيد بْن سَعْد بْن سَهْمٍ، تُكَنَّى أُمّ فَاطِمَةَ، سُمِّيَتِ الْعرقَةَ لِطِيبِ رِيحُهَا. كَذَا ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ، وَابْنُ الْكَلْبِيُّ يَقُولُ: هِيَ أُمُّ عَبْدِ مَنَافٍ جَدُّ أَبِيهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ حِبَّانُ بْنُ أَبِي قَيْس بْن عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْد مَنَافٍ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ يَقُولُ: فِيهِ جبارُ بْنُ قَيْس، بِالْجِيمِ والراء أحد بني العرفة.

وَحَدِيثُ اهْتِزَازِ الْعَرْشِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ:

وَالْعَجَبُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالُ اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْد بْن مُعَاذٍ، وَلَمْ يَرَ التَّحَدُّثَ بِذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ نَقْلِهِ وَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَهُ، وَلا أَدْرِي مَا وَجْهُ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ عَنْهُ، فَقَدْ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ. قُلْتُ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُ مَالِكٍ مَحْمُولا عِنْدَهُ عَلَى أَمْرٍ عِنْدَهُ يَرْجِعُ إِلَى الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْنَحُ فِيهِ إِلَى

التَّأْوِيلِ، وَمَا كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلُهُ مِنَ الأَخْبَارِ الْمُشْكَلَةِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ رِوَايَتَهُ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَسِيدُ بْنُ سَعْيَةَ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ، كَذَا هُوَ عِنْدَ أَكْث



كلمات دليلية: