غزوة الأحزاب الخندق _3514

غزوة الأحزاب الخندق


الباب التاسع عشر في غزوة الخندق

وتسمّى غزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين، وبعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وفزّعهم، ثم أنزل الله تبارك وتعالى نصره ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعزّ جنده، وردّ الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شرّ كيدهم، وحرّم عليهم شرعا وقدرا أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين.

وسببها إن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أجلى بني النّضير، وساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير، فخرج حيي بن اخطب وكنانة بن أبي الحقيق وهوذة- بفتح الهاء وبالذال المعجمة- ابن قيس الوائليّ، وأبو عامر الفاسق، في جماعة سواهم، إلى مكة فدعوا قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين حزّبوا الأحزاب، فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، ونشطت قريش لذلك، وتذكروا أحقادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، أحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد. وأخرج خمسين رجلاً من بطون قريش كلّها، وتحالفوا وتعاقدوا وألصقوا أكبادهم بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها، لا يخذل بعضهم بعضا، ولتكوننّ كلمتهم واحدة على محمد، ما بقي منهم رجل.

وقال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأوّل والعلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد: أديننا خير أم دينه؟ فنحن عمّار البيت، ننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحقّ منه، إنكم لتعظّمون هذا البيت، وتقومون على السّقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان يعبد آباؤكم، فأنتم أولى بالحقّ منه.

فأنزل الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [سورة النساء من 51: 55] .

فلما قالوا ذلك لقريش سرّهم، ونشطوا إلى ما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتّعدوا لذلك وقتا أقّتوه.

ثم خرجت يهود إلى غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال محمد بن عمر: وجعلوا لهم تمر خيبر سنة، إن هم نصروهم، وأخبروهم أنّ قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فيه.

ثم خرجت يهود إلى بني سليم فوعدوهم المسير معهم إذا خرجت قريش.

,

ذكر خروج قريش ومن ذكر معهم

ثم إن قريشا تجهّزت، وسيّرت تدعو العرب إلى نصرها وألّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، وخرجوا في أربعة آلاف، وعقدوا اللّواء في دار النّدوة، وحمله عثمان بن طلحة- وأسلم بعد ذلك- وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير.

ولاقتهم بنو سليم بمرّ الظّهران في سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الأعور السّلميّ، الذي كان مع معاوية بصفّين.

وخرجت بنو أسد بن خزيمة وقائدها طلحة بن خويلد الأسديّ، وأسلم بعد ذلك.

وخرجت بنو فزارة [وأوعبت] وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وأسلم بعد ذلك.

وخرجت أشجع، وقائدها مسعود بن رخيلة- بضمّ الرّاء وفتح الخاء المعجمة- وأسلم بعد ذلك- وهم أربعمائة.

وخرجت بنو مرّة في أربعمائة، يقودهم الحارث بن عوف المرّيّ- بميم مضمومة فراء مشددة مكسورة، وأسلم بعد ذلك.

قالوا: وكان القوم الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وأسد وغطفان عشرة آلاف.

وعناج الأمر إلى أبي سفيان بن حرب. هذا ما كان من أمر المشركين.

وأما ما كان من أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّ خزاعة عند ما تهيّأت قريش للخروج أتى ركبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في أمرهم: أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويحاربهم عليها وفي طرقها؟ فأشار سلمان رضي الله عنه بالخندق، وقال: يا رسول الله إنا كنّا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك، وأحبّوا الثّبات في المدينة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجدّ، ووعدهم النّصر، إذا هم صبروا واتّقوا، وأمرهم بالطّاعة، ولم تكن العرب تخندق عليها.

وروى البزار عن مالك بن وهب الخزاعيّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سليطا وسفيان بن عوف الأسلميّ طليعة يوم الأحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفّت عليهما خيل لأبي

سفيان، فقاتلا حتى قتلا، فأتي بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفنا في قبر واحد، فهما الشّهيدان القرينان.

وركب فرسا له ومعه عدّة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، ويخندق من المذاد إلى ذباب إلى راتج، فعمل يومئذ في الخندق، وندب النّاس وخبّرهم بدنوّ عدوّهم وعسكرهم إلى سفح سلع وجعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدوّ عليهم، واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين ومكاتل للحفر.

ووكّل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلّ جانب من الخندق قوما يحفرونه، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الأنصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة.

وروى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزنيّ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطّ الخندق من أجم الشّيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا.

وتنافس المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسيّ، وكان رجلا قويّا، فقال المهاجرون:

سلمان منّا! وقالت الأنصار: سلمان منّا،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلمان من أهل البيت» .

وكان سلمان يعمل عمل عشرة رجال» ، حتّى عانه قيس بن أبي صعصعة فلبط به،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروه فليتوضأ له، وليغتسل به سلمان، وليكفأ الإناء خلفه، ففعل فكأنما حل من عقال» .

قال أنس بن مالك: وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل التّراب على ظهره، حتى أن الغبار علا ظهره وعكنة.

وقالت أم سلمة رضي الله عنها: ما نسيت يوم الخندق، وهو يعاطيهم اللّبن، وقد اغبرّ شعره، تعني النبي صلى الله عليه وسلم. رواه الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى.

وروى محمد بن عمر عن البراء رضي الله عنه قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل التّراب على ظهره، حتى حال التّراب بيني وبينه، وإني لأنظر إلى بياض بطنه.

وكان من فرغ من المسلمين من حصّته عاد إلى غيره فأعانه حتى كمل الخندق.

ولم يتأخّر عن العمل في الخندق أحد من المسلمين، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ينقلان التّراب في ثيابهما- إذ لم يجدا مكاتل- من العجلة، وكانا لا يفترقان في عمل، ولا مسير ولا منزل.

,

ذكر ما كان المسلمون يرتجزون به من الشعر في عمل الخندق

قال ابن إسحاق وابن عمر: وارتجز المسلمون في الخندق برجل يقال له: جعيل- بضم الجيم- أو جعالة بن سراقة، وكان رجلا دميما صالحا، وكان يعمل في الخندق، فغيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه يومئذ فسمّاه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقول:

سمّاه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول شيئاً من ذلك، إلا إذا قالوا: عمرا، وإذا قالوا: ظهرا، قال: ظهرا.

وروى الشيخان [ (1) ] وغيرهما عن سهل بن سعد والبخاري عن أنس رضي الله عنهما قالا: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر في الخندق، وننقل التّراب على أكتادنا وفي لفظ:

أكتافنا، وفي لفظ عن متوننا.

وفي رواية: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، فلما رأى ما هم فيه من النّصب والجوع قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر» ،

وفي لفظ: فأصلح، وفي لفظ: فأكرم المهاجرين والأنصار، وفي لفظ: فاغفر للأنصار والمهاجرة، فقالوا مجيبين له:

نحن الّذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا

قال أنس: ويؤتونه بملء كفّي شعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة، توضع بين يدي القوم، وهم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن.

وروى الشيخان وأبو يعلى وابن أبي أسامة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه، وفي لفظ: حتى أغمر بطنه، أو قال اغبرّ بطنه، وفي لفظ: حتى وارى الغبار جلده، وكان كثيف الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات لابن رواحة:

والله لولا ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا

ورفع بها صوته: أبينا أبينا، وفي رواية يمدّ صوته بآخرها، ولفظ أبي يعلى: «اللهم لولا أنت» ، وقد بدّل بتصدّقنا «صمنا» .

وروى البيهقي عن سلمان رضي الله عنه، وابن أبي أسامة عن أبي عثمان النهدي رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال:

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 1/ 117 ومسلم في كتاب الطهارة (126- 127) .

باسم الإله وبه هدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا

يا حبّذا ربّا وحبّ دينا

قال محمد بن عمر: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة اجتهاده في العمل يضرب مرّة بالمعول ومرّة يغرف بالمسحاة التراب، ومرة يحمل التراب في المكتل، وبلغ منه التّعب يوما مبلغا فجلس، ثم اتّكأ على حجر على شقّه الأيسر فنام: فقام أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على رأسه ينحّيان النّاس عنه، أن يمرّوا به، فينبّهوه، ثم استيقظ ووثب فقال: أفلا أفزعتموني! وأخذ الكرزن يضرب به ويقول:

اللهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة

الّلهمّ العن عضلا والقارة ... فهم كلّفوني أنقل الحجارة

وعمل المسلمون في الخندق حتى أحكموه.

قال محمد بن عمر، وابن سعد: في ستّة أيّام.

وكان الخندق بسطة أو نحوها.

وأعقب بين عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش، فتكون عائشة عنده أياما، ثم تكون أمّ سلمة عنده أياما، ثم تكون زينب عنده أياما، فهؤلاء الثلاث اللّاتي يعقب بينهنّ في الخندق، وسائر نسائه في أطم بني حارثة، وكان حصينا، ويقال: كنّ في النّسر أطم في بني زريق، ويقال: كان بعضهنّ في فارع.

ذكر الآيات التي وقعت عند ظهور الصّخرة في الخندق

روى الإمام أحمد والشيخان وغيرهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، والإمام أحمد بسند جيد عن البراء بن عازب، وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن عوف، وأبو نعيم عن أنس، والحارث والطبراني عن ابن عمر، والطبراني بسند جيد، عن ابن عباس، والبيهقي وأبو نعيم من طريقين عن ابن شهاب، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن إسحاق عن شيوخه:

أنّ المسلمين عرض لهم في بعض الخندق صخرة، وفي لفظ كدية عظيمة شديدة بيضاء مدوّرة، لا تأخذ فيها المعاول، فكسرت حديدهم، وشقّت عليهم، وفي حديث عمرو بن عوف: أنّها عرضت لسلمان.

وذكر محمد بن عمر أنّها تعرّضت لعمر بن الخطاب، فشكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية فقال: أنا نازل، ثم قام، وبطنه معصوب بحجر من الجوع، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن

يدعو به، ثم نضح من ذلك الماء عليها، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق إنها عادت كالكثيب المهيل ما تردّ فأسا ولا مسحاة، فأخذ المعول من سلمان، وقال: «بسم الله» ، وضرب ضربة فكسر ثلثها، وبرقت برقة فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أعطيت مفاتيح اليمن، إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني السّاعة، كأنّها أنياب الكلاب» ، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، وبرق منها برقة فخرج نور من قبل الرّوم فأضاء ما بين لابتي المدينة فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني الساعة» . ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر وبرق برقة من جهة فارس أضاءت ما بين لابتي المدينة، فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها، فأبشروا بالنّصر» . فاستسرّ المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعد صادق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، وجعل يصف لسلمان، فقال سلمان: صدقت يا رسول الله، هذه صفته، أشهد أنك رسول الله.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه فتوح يفتحها الله تعالى بعدي يا سلمان، لتفتحنّ الشّام، ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، وليفتحنّ هذا المشرق، ويقتل كسرى فلا يكون كسرى بعده»

[ (1) ] .

قال سلمان: فكلّ هذا قد رأيت.

قال أبو هريرة- فيما رواه بن إسحاق- حين فتحت هذه الأمصار زمان عمر، وزمان عثمان ومن بعده: «افتحوا ما بدا لكم، فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما فتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله تعالى محمدا مفاتيحها قبل ذلك» .

فقال المنافقون: يخبركم محمد أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق، ولا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله تبارك وتعالى:

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب: 12] .

,

ذكر الآيات التي وقعت لما أصابتهم المجاعة في حفر الخندق

روى الشيخان، ومحمد بن عمر، والحاكم، والبيهقي عن جابر بن عبد الله، والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهم:

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 4/ 303.

أن جابرا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عاصبا بطنه بحجر من الجوع وأنهم لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا. قال جابر: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنزل فأذن لي، فذهبت فقلت لامرأتي: أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا، ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟

قالت: عندي صاع من شعير وعناق، فأخرجت إناء فيه صاع من شعير، وذبحت العناق، وطحنت الشعير، وجعلنا اللّحم في البرمة، فلما انكسر العجين وكادت البرمة أن تنضج وأمسينا، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف- قال: وكنا نعمل نهارا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا- قالت لي: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته فقلت: طعيّم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. فشبّك أصابعه في أصابعي وقال:

كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيّب لا تنزلنّ برمتكم ولا تخبزنّ عجينكم حتى أجيء، وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع لكم سورا فحيّ، هلا بكم» ، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس، ولقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وقلت:

جاء الخلق، والله إنها للفضيحة على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي فقلت:

ويحك! جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، فقالت: بك وبك، وفي رواية: هل سألك؟ قلت: نعم. وفي رواية: قالت: أنت دعوتهم أو هو؟ قلت: بل هو دعاهم. قالت: دعهم، الله ورسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا. فكشفت عنّي. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

«ادخلوا عشرة عشرة، ولا تضاغطوا» ، فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك، فقال لنا: «اخبزوا واغرفوا وغطّوا البرمة، ثم أخرجوا الخبز من التّنّور، وغطّوا الخبز» ، ففعلنا، فجعلنا نغرف ويغطّي البرمة، ثم يفتحها فما نراها نقصت شيئا، ويخرج الخبز من التّنّور، ثم يغطّيه فما نراه نقص شيئا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويقرّب إلى أصحابه ويقول لهم: «كلوا» . فإذا شبع قوم قاموا، ثم دعا غيرهم حتى أكلوا وهم ألف، وانحرفوا وإن برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو، فقال: «كلوا واهدوا، فإنّ الناس أصابتهم مجاعة شديدة» . فلم نزل نأكل ونهدي يومنا ذلك أجمع، فلّما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك [ (1) ] .

وروى ابن إسحاق، وأبو نعيم عن أبنة لبشير- بفتح الموحدة- ابن سعد أخت النعمان ابن بشير رضي الله عنه، قالت: بعثتني أمّي بجفنة تمر في طرف ثوبي إلى أبي وخالي عبد الله بن رواحة، وهم يحفرون في الخندق، فناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فأخذ التّمر منّي في كفّه فما ملأها، وبسط ثوبا فنثره عليه فتساقط- وفي لفظ فتبدّد- في جوانبه، ثم قال

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 456 (4101) .

لإنسان عنده: اصرخ: يا أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء. فاجتمعوا وأكلوا منه، وجعل يزيد حتى صدروا عنه، وإنّه ليسقط من أطراف الثوب

[ (1) ] .

وروى ابن عساكر عن عبيد الله بن أبي بردة قال: أرسلت أمّ عامر الأشهلية بقعبة فيها حيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في قبّته عند أم سلمة، فأكلت أمّ سلمة حاجتها، ثم خرج بالقعبة، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائه، فأكل أهل الخندق حتى نهلوا منها، وهي كما هي.

وروى أبو يعلى وابن عساكر، عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه رضي الله عنه، قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بشاة في مكتل فقال: «يا أبا رافع، ناولني الذّراع» ، فناولته، ثم قال: «ناولني الذراع» فناولته ثم قال: «ناولني الذراع» ، فناولته، ثم قال: «ناولني الذراع» ، فناولته، فقلت: يا رسول الله أللشاة إلا ذراعان؟! قال: «لو سكتّ ساعة لناولتنيه ما سألتك» [ (2) ] .

,

ذكر تخلف جماعة من المنافقين عن مساعدة المسلمين

قال ابن إسحاق: وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضّعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بدّ منها يذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ويستأذنه في اللّحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير، واحتسابا له.

فانزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النور 62] .

__________

[ (1) ] انظر البداية والنهاية 6/ 133.

[ (2) ] أخرجه أحمد في المسند 6/ 8 وأبو نعيم في الدلائل (156) وانظر البداية والنهاية 6/ 139.

وأنزل الله سبحانه وتعالى قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور 63، 64] .

ذكر عرضه صلّى الله عليه وسلم الغلمان

روى محمد بن عمر، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز وردّ من ردّ، وكان الغلمان الذين لم يبلغوا يعملون معه ولم يجزهم، ولكن لمّا لحم الأمر أمر من لم يبلغ أن يرجع إلى أهله إلى الآطام مع الذراريّ والنساء.

وممّن أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم: - عبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت وأبا سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وهم أبناء خمس عشرة سنة.

,

ذكر تهيؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرب المشركين ووصولهم إلى المدينة

لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل الخندق، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم- فيما قال ابن هشام- ونزل أمام سلع فجعله خلف ظهره، والخندق أمامه، وكان عسكره فيما هنالك، وضربت له قبّة من أدم كانت عند المسجد الأعلى الذي بأصل الجبل- جبل الأحزاب- وكان المسلمون فيما قالوا: ثلاثة آلاف، ووهم من قال: إنهم كانوا سبعمائة.

وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة.

وجعل النساء والذّراريّ بين الآطام، وشبّكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن.

روى ابن سعد، عن المهلب بن أبي صفرة، قال: حدثني رجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة الخندق: إني لأرى القوم الليلة فإن شعاركم: هُمْ لا يُنْصَرُونَ.

وكان حسان بن ثابت مع النّساء والذّراريّ في الآطام.

فروى محمد بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزّبير، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وأبو يعلى والبزار بسند حسن، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، والطبراني برجال الصحيح، عن عروة بن الزبير مرسلا:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمّته صفيّة في أطم يقال له:

فارع، وجعل معهم حسان بن ثابت. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فأقبل عشرة من يهود، فجعلوا ينقمعون ويرمون الحصن، ودنا أحدهم إلى باب الحصن، وقد حاربت قريظة.

وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر العدوّ، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت، فقلت لحسّان: يا حسّان قم إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، ولو كان ذلك في لخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت صفيّة: فلما قال ذلك، ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت سيفا فربطته على ذراعي، ثم تقدّمت إليه حتى قتلته، وفي لفظ: فأخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن فضربته بالعمود ضربة شدخت فيها رأسه، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسّان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنّه رجل، قال:

ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. فقلت له: خذ الرّأس وارم به على اليهود، قال:

ما ذاك في، فأخذت هي الرّأس فرمت به على اليهود، فقالوا: قد علمنا إن محمدا لم يترك له خلوفا ليس معهم أحد، فتفرّقوا. زاد أبو يعلى: فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب لصفيّة بسهم كما يضرب للرّجال.

ومرّ سعد بن معاذ على عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها وهي في الحصن، وعليه درع مقلّصة قد خرجت منها أذرعه كلّها وفي يده حربته يرقدّ بها وهو يقول:

لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل

فقالت له أمه وكانت مع النساء في الحصن: الحق بنيّ فقد والله أخّرت، فقالت لها عائشة: يا أمّ سعد، والله لوددت أنّ درع سعد كانت أوسع ممّا هي عليه، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فقالت أمّ سعد: يقضي الله ما هو قاض، فقضى الله أن أصيب يومئذ.

,

ذكر وصول المشركين بعد فراغ الخندق

وأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة في أحابيشها، ومن ضوى إليها من بني كنانة وأهل تهامة.

وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد، فسرّحت قريش ركابها في عضاه وادي العقيق، ولم تجد لخيلها هناك شيئاً إلا ما حملت من علفها من الذّرة.

وسرّحت غطفان إبلها إلى الغابة في أثلها وطرفائها، وكان الناس قد حصدوا زرعهم قبل ذلك بشهر، وأدخلوا حصادهم وأتبانهم، وكادت خيل غطفان تهلك.

,

ذكر ما قاله المؤمنون لما رأوا الأحزاب

روى ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، والطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن قتادة: أن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة 214] فلمّا مسّهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [الأحزاب 22] للقضاء، رضي الله عنهم.

,

ذكر نقض بني قريظة العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم

لما نزل المشركون فيما ذكر، خرج عدوّ الله حيي بن اخطب النّضريّ حتى أتى كعب ابن أسد القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بحييّ أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييّ: ويحك يا كعب! افتح، قال: ويحك يا حييّ! إنك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا صدقا ووفاء. قال: ويحك! افتح لي أكلّمك، قال: والله ما أنا بفاعل، قال: والله، إن أغلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب! جئتك بعزّ الدهر، وبحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاقدوني وعاهدوني على ألّا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال له كعب: جئتني والله بذلّ الدّهر وبجهام قد أهرق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، ويحك يا حييّ! خلّني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حييّ بكعب يفتله في الذّروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ووعظهم عمرو بن سعدى وخوّفهم سوء فعالهم، وذكّرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وقال لهم: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه، فأبوا.

وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة بنو سعنة: أسد وأسيد وثعلبة فكانوا معه، وأسلموا.

وأمر كعب بن أسد حيي بن اخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم. فبلغ عمر بن الخطاب خبر نقض بني قريظة العهد، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، فبعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وهما سيّدا قومهما، ومعهما عبد الله بن رواحة وخوّات بن جبير- زاد محمد بن عمر: وأسيد بن حضير- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا أعرفه ولا تفتّوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.

فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم قد نقضوا العهد، فناشدوهم الله والعهد الذي كان بينهم أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، ولا يطيعوا حيي بن اخطب، فقال كعب: لا نردّه أبدا، قد قطعته كما قطعت هذا القبال- لقبال نعله- وقال: من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ لا عهد بيننا وبينه. فشاتمهم سعد بن عبادة، كما قال ابن عقبة ومحمد بن عمر وابن عائذ وابن سعد- وقال ابن إسحاق: أنه سعد بن معاذ- وشاتموه وكان رجلا فيه حدّة، فقال له سعد بن معاذ- أو سعد بن عبادة إن كان الأول سعد بن معاذ-: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. وقال أسيد بن حضير لكعب: أتسبّ سيدك يا عدو الله ما أنت له بكفء يا بن اليهوديّة، ولتولّينّ قريش إن شاء الله منهزمين، وتتركك في عقر دارك فنسير إليك، فننزلك من جحرك هذا على حكمنا. ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عبادة: عضل والقارة، يعني كغدر عضل والقارة بأصحاب الرّجيع. وسكت الباقون، ثم جلسوا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا يا معشر المؤمنين بنصر الله تعالى وعونه، إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكنّ كسرى وقيصر ولتنفقنّ أموالهم في سبيل الله.

يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب. قال ابن عقبة:

ثم تقنّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلا، وانتهى الخبر إلى المسلمين بنقض بني قريظة العهد، فاشتد الخوف وعظم البلاء، وخيف على الذراريّ والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب 10] .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قبالة عدوّهم، لا يستطيعون الزّوال عن مكانهم، يعتقبون خندقهم يحرسونه.

ونجم النفاق من بعض المنافقين، فقال معتّب بن قشير: كان محمد يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر وأن أموالهما تنفق في سبيل الله، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب 12] وقال رجال ممّن معه: يا أَهْلَ

يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [الأحزاب 13] وهمّت بنو قريظة بالإغارة على المدينة ليلا، فبلغ ذلك المسلمين، فعظم الخطب، واشتدّ البلاء، ثم كفهّم الله تعالى عن ذلك لمّا بلغهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سلمة بن أسلم بن حريش الأشهليّ في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير، فإذا أصبحوا أمنوا.

واجتمعت جماعة من بني حارثة فبعثوا أوس بن قيظيّ- بالتحتية والظاء المعجمة المشالة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردّهم عنّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك وتهيّئوا للانصراف.

قال محمد بن عمر: فبلغ سعد بن معاذ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإيّاهم شدّة قطّ إلا صنعوا هكذا، ثم أقبل عليهم فقال: يا بني حارثة، هذا لنا منكم أبدا، ما أصابنا وإياكم شدة إلا صنعتم هكذا. فردّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان المسلمون يتناوبون حراسة نبيّهم، وكانوا في قرّ شديد وجوع، وكان ليلهم نهارا.

روى محمد بن عمر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها، حتى إذا آذاه البرد جاءني فأدفأته في حضني، فإذا دفئ خرج إلى تلك الثّلمة، ويقول: «ما أخشى أن يؤتى الناس إلّا منها» فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حضني قد دفئ وهو يقول: ليت رجلا صالحا يحرس هذه الثّلمة الليلة، فسمع صوت السّلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذا؟» فقال سعد بن أبي وقاص: سعد يا رسول الله، فقال: «عليك هذه الثّلمة فاحرسها» .

قالت: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سمعت غطيطه.

قال ابن سعد: وكان عباد بن بشر، والزبير بن العوام، على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وروى محمد بن عمر عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الخندق، وكنا في قرّ شديد، فإني لأنظر إليه ليلة قام فصلّى ما شاء الله أن يصلي في قبّته، ثم خرج فنظر ساعة فأسمعه يقول: «هذه خيل المشركين تطيق بالخندق» ، ثم نادى عباد بن بشر، فقال عبّاد: لبيك! قال: «أمعك أحد؟» قال: نعم، أنا في نفر من أصحابي حول قبّتك.

قال: «انطلق في أصحابك فأطف بالخندق، فهذه خيل المشركين تطيف بكم، يطمعون أن يصيبوا منكم غرّة، اللهمّ فادفع عنّا شرّهم، وانصرنا عليهم، واغلبهم، فلا يغلبهم أحد غيرك» .

فخرج عبّاد في أصحابه فإذا هو بأبي سفيان بن حرب في خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نذر بهم المسلمون فرموهم بالحجارة والنّبل، حتى أذلقهم المسلمون بالرّمي،

فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبّاد: ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته يصلي فأخبرته. قالت أم سلمة: يرحم الله عباد بن بشر، فإنه كان ألزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبّته يحرسها أبدا. فلما أصبح المشركون ورأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها، ولا تكيدها. وقال بعضهم: إنّ معه رجلا فارسيّا فهو الذي أشار عليه به. قالوا: فمن هناك إذا؟ ونادوا المسلمين، وكان بينهم الرميّ بالنّبل والحجارة، والخندق حاجز بين الفريقين.

وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، ويغدو ضرار بن الخطاب الفهريّ يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويتفرّقون مرة، ويجتمعون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدمون رماتهم.

ذكر أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم مصالحة غطفان

لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نقض بني قريظة العهد أرسل إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف، وهما قائدا غطفان- وأسلما بعد ذلك- فلما جاءا في عشرة من قومهما قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرأيتما إن جعلت لكما ثلث تمر المدينة أترجعان بمن معكما، وتخذّلان بين الأعراب؟»

فقالا: تعطينا نصف تمر المدينة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزيدهما على الثلث، فرضيا بذلك، فأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصّحيفة والدّواة، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصّحيفة، وهو يريد أن يكتب الصلح بينهما، وعباد بن بشر قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقنّع في الحديد، فأقبل أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه الرّمح، ولا يدري بما كان من الكلام، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيينة بن حصن مادّ رجليه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعلم ما يريدون قال: يا عين الهجرس اقبض رجليك، أتمدّهما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنفذت خصيتيك بالرمح! ثم أقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن كان أمراً من السماء فامض له، وإن كان غير ذلك فو الله لا نعطيهم إلا السيف، متى طمعوا بهذا منّا؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فاستشارهما في ذلك وهو متكئ عليهما، والقوم جلوس، فتكلم بكلام يخفيه، وأخبرهما الخبر.

وقال ابن إسحاق: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشارهما في ذلك فقالا: يا رسول الله إن كان الأمر من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فامض له سمعا وطاعة، وإن كان إنّما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. وأخذ سعد بن معاذ الكتاب،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب،

فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر مّا» ، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله تعالى نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.

وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه نحو ذلك مختصرا قال: [جاء الحارث] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجالا، فقال حتى أستأمر السّعود: سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن الرّبيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقالوا: لا، والله ما أعطينا الدّنيّة في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله تعالى بالإسلام، فرجع إلى الحارث فأخبره، فقال: غدرت يا محمد [ (1) ] .

,

ذكر قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عمرو بن عبد ود العامري

روى البيهقي عن ابن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقام مرابطا والمشركون يحاصرونه. قال ابن إسحاق: بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال من الخندق، إلا الرّمي بالسهام والحجارة، ثم إن رؤساء المشركين وسادتهم أجمعوا على أن يغدوا جميعا لقتال المسلمين فغدا أبو سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطّاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص ونوفل بن معاوية الدّيلميّ- وأسلموا بعد ذلك- ونوفل بن عبد الله المخزومي، وعمرو بن عبد ود، في عدّة ومعهم رؤساء غطفان: عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، ومسعود بن رخيل- بالخاء المعجمة والتصغير- وأسلم الثلاثة بعد ذلك. ومن بني أسد رؤوسهم، وتركوا الرجال خلوفا فجعلوا يطوفون بالخندق يطلبون مضيقا، يريدون أن يقحموا خيلهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتيمّموا مكانا من الخندق ضيّقا قد أغفله المسلمون، فجعلوا يكرهون خيلهم ويضربونها حتى اقتحمت، فعبر عكرمة، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد ود، وأقام سائر المشركين من وراء الخندق، ولم يعبروا، فقيل لأبي سفيان: ألا تعبر قال: قد عبرتم، فإن احتجتم لنا عبرنا، فجالت بالذين دخلوا خيلهم في السّبخة بين

__________

[ (1) ] ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 135 وعزاه للبزار والطبراني.

الخندق وسلع، وخرج نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثّغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، وارتثّ فلم يشهد أحدا، فحرّم الدّهن حتى يثأر من محمد وأصحابه، وهو يومئذ كبير. قال ابن سعد: إنه بلغ تسعين سنة، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم المسمّين،

فلما كان يوم الخندق خرج ثائر الرأس معلما ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله دعا إلى البراز، فقام علي بن أبي طالب، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه سيفه وعمّمه، وقال:

«اللهمّ أعنه عليه» ، فمشى إليه وهو يقول:

لا تعجلنّ فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز

ذو نيّة وبصيرة ... والصّدق من خير الغرائز

إني لأرجو أن أقي ... م عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يب ... قى ذكرها عند الهزاهز

ثم قال له: يا عمرو إنك كنت تقول في الجاهلية: لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها، قال: أجل، فقال على: فإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتسلم لرب العالمين، قال: يا بن أخي أخّر عنّي هذه، قال: وأخرى ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد صادقا كنت أسعد الناس به، وإن يك كاذبا كان الذي تريد. قال: هذا ما لا تحدّث به نساء قريش أبدا، وقد نذرت ما نذرت، وحرّمت الدّهن، قال: فالثالثة؟ قال:

البراز. فضحك عمرو وقال: إن هذه لخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني عليها، فمن أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: يا بن أخي من أعمامك من هو أسنّ منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي رضي الله عنه: لكنّي والله لا أكره أن أهريق دمك.

فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها، وسلّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا، واستقبله عليّ بدرقته، ودنا أحدهما من الآخر وثارت بينهما غبرة، فضربه عمرو فاتّقى عليّ الضّربة بالدّرقة فقدّها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه.

قال البلاذريّ: ويقال: إن عليّا لم يجرح قطّ وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وقيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقّه، فسقط. وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرف أنّ عليّا قد قتله.

فثمّ علي رضي الله عنه يقول:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت ربّ محمّد بصوابي

فصدرت حين تركته متجدّلا ... كالجذع بين دكادك وروابي

وعففت عن أثوابه ولو أنّني ... كنت المقطّر بزّني أثوابي

لا تحسبنّ الله خاذل دينه ... ونبيّه يا معشر الأحزاب

قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشّعر يشكّ فيها لعلي رضي الله عنه.

ثم أقبل علي رضي الله عنه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجهه يتهلّل، ولم يكن للعرب درع خير من درعه، ولم يستلبه لأنه اتّقاه بسوءته، فاستحياه، وخرجت خيولهم منهزمة حتى اقتحمت الخندق. قال ابن هشام: وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو. فقال حسان بن ثابت في ذلك:

فرّ وألقى لنا رمحه ... لعلّك عكرم لم تفعل

وولّيت تعدو كعدو الظّليم ... ما إن تجور عن المعدل

ولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأنّ قفاك قفا فرعل

ورجع المشركون هاربين، وخرج في آثارهم الزبير بن العوام وعمر بن الخطاب فناوشوهم ساعة، وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف حتى شقّه باثنين، وقطع أبدوج سرجه، حتى خلص إلى كاهل الفرس، فقيل: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: والله ما هو السيف، ولكنها الساعد.

وحمل الزّبير أيضا على هبيرة بن أبي وهب فضرب ثفر فرسه، فقطع ثفره، وسقطت درع كان محقبها الفرس، فأخذها الزّبير، فلما رجعوا إلى أبي سفيان قالوا: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء فارجعوا.

قال الحاكم: سمعت الأصمّ، قال: سمعت العطارديّ، وقال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبّهت قتل عليّ عمرا إلا بقوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ [البقرة 251] .

قال ابن إسحاق، كما رواه البيهقي عنه: وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشترون جيفة عمرو بن عبد ودّ بعشرة آلاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لكم لا نأكل ثمن الموتى» [ (1) ] .

وروى الإمام أحمد والتّرمذيّ والبيهقي عن ابن عباس قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ابعث إلينا بجسده، ونعطيكم اثني عشر ألفا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خير في جيفته ولا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدّية» ، فلم يقبل منهم شيئا.

__________

[ (1) ] انظر البداية والنهاية 4/ 107.

وروى أبو نعيم: إن رجلا من آل المغيرة قال: لأقتلنّ محمدا، فأوثب فرسه في الخندق، فوقع، فاندقّت عنقه، فقالوا: يا محمد ادفعه إلينا نواريه، وندفع إليك ديته، فقال: «خذوه فإنه خبيث الدّية»

[ (1) ] .

وذكر ابن عقبة: أنّ المشركين لمّا بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزوميّ حين قتل، وعرضوا عليه الدّية، فقال: إنه خبيث الدّية، فلعنه الله ولعن ديته، فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه.

وذكر أبو جعفر بن جرير: أنّ نوفلا لما تورّط في الخندق رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه عليّ فقتله، وطلب المشركون رمّته، فمكّنهم من أخذه. وهذا غريب.

قال ابن سعد: ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا، إلا أنّهم لا يدعون الطلائع باللّيل يطمعون في الغارة.

,

ذكر اتفاق المشركين على محاصرة المسلمين من جميع جوانب الخندق

لما قتل الله عمرا، وانهزم من كان معه، اتّحد المشركون أن يغدوا جميعا، ولا يتخلف منهم أحد، فباتوا يعبّئون أصحابهم، ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، قبل طلوع الشمس، وعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وجمعهم على القتال ووعدهم النّصر إن ثبتوا. والمشركون قد جعلوا المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم، فأحدقوا بكل وجه من الخندق ووجّهوا نحو خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة، فيها خالد بن الوليد فقاتلهم يومه ذلك إلى هوي من الليل، وما يقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من مواضعهم، ولا قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء،

فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ما صلّينا، فيقول صلى الله عليه وسلم: «والله ما صلّيت حتى كشفهم الله تعالى» ،

فرجعوا متفرّقين، ورجع كل فريق إلى منزله وأقام أسيد بن حضير على الخندق في مائتين [من المسلمين فهم] على شفير الخندق، فكرّت خيل المشركين، وعليها خالد بن الوليد يطلبون غرّة، فناوشهم ساعة، فزرق وحشي بن حرب الطّفيل بن النّعمان، وقيل: الطّفيل بن مالك بن النعمان الأنصاري بمزراقه فقتله، كما فعل بحمزة سيّد الشهداء بأحد.

,

ذكر رمي بعض المشركين سعد بن معاذ رضي الله عنه

روى ابن سعد، عن عاصم بن عمرو بن قتادة أن حبّان بن قيس بن العرقة رمى سعد بن معاذ بسهم، فقطع أكحله، فلما أصابه، قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال له سعد- ويقال

__________

[ (1) ] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 14/ 423 وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (30102) .

رسول الله صلى الله عليه وسلم-: عرّق الله وجهك في النّار. وقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وأخرجوه، وكذّبوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. وقيل: إن الذي أصاب سعدا أبو أسامة الجشميّ، وقيل: خفاجة بن عاصم فالله أعلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في حوادث سنة خمس.

وخرجت طليعتان للمسلمين فالتقتا، ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدوّ، فكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار المسلمين: «بحم لا ينصرون» ، فكفّ بعضهم عن بعض،

وجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «جراحكم في سبيل الله، ومن قتل منكم فهو شهيد» ،

فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعضهم من بعض نادوا بشعارهم.

وكان رجال يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يطلعوا إلى أهلهم،

فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إني أخاف عليكم من بني قريظة» ، فإذا ألحّوا يقول: «من يذهب منكم فليأخذ بسلاحه» .

وكان فتى حديث عهد بعرس، فأخذ سلاحه وذهب، فإذا امرأته قائمة بين البابين فهيّأ لها الرّمح ليطعنها فقالت: اكفف حتى ترى ما في بيتك فإذا بحيّة على فراشه، فركز فيها الرّمح فانتظمها فيه، ثم خرج به فنصبه في الدار، فاضطربت الحيّة في رأس الرّمح، وخرّ الفتى ميّتا، فما يدري أيهما كان أسرع موتا: الفتى أم الحية؟ فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فقال: إن بالمدينة جنّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان.

,

ذكر قضائه صلى الله عليه وسلم ما فاته من الصلوات

روى الخمسة عن علي رضي الله عنه

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم الخندق: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى، حتى غابت الشمس»

[ (1) ] .

وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، جعل يسبّ كفّار قريش، وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلّي حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله ما صلّيتها» ، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضّأنا لها، فصلّى العصر بعد ما غربت الشمس، وصلّى بعدها المغرب

[ (2) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (2931) ومسلم 1/ 436 (202- 627) وابن ماجه (684) وأحمد في المسند 1/ 79 وابن أبي شيبة في المصنف 2/ 503.

[ (2) ] أخرجه البخاري في كتاب الأذان (641) .

وروى الإمام أحمد والنسائي عن أبي سعيد الخدري، والإمام أحمد عن ابن مسعود، والبزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، قال أبو سعيد: حبسنا. وقال جابر وابن مسعود:

إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما ذهب هويّ من الليل أمر بلالا فأذّن وأقام، فصلّى الظّهر كما كان يصلّيها في وقتها، ثم أمره فأقام فصلّى العصر كذلك، ثم أمره، فأقام فصلّى المغرب كذلك، ثم أمره فأقام فصلّى العشاء كذلك،

ثم قال: «ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله تعالى في هذه الساعة غيركم» .

قال أبو سعيد: وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [البقرة 239] .

وروى ابن سعد من طريق ابن لهيعة عن أبي جمعة رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلّى المغرب، فلما فرغ قال: «هل أحد منكم علم أنّي صلّيت العصر؟» قالوا: يا رسول الله ما صلّيت، فأمر المؤذّن فأقام الصّلاة فصلّى العصر، ثم أعاد المغرب

[ (1) ] .

,

ذكر ما غنمه المسلمون من المشركين

قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن عمر بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك عن أبيه عن جده أن أبا سفيان قال لحييّ بن أخطب: قد نفدت علافتنا فهل عندكم من علف؟ فقال حييّ: نعم، فكلّم كعب بن أسد، فقال: مالنا مالك فاصنع ما رأيت، مر القوم يأتوا بحمولة فيحملوا ما أرادوا، فأرسل إليهم حييّ أن ابعثوا بحمولتكم تحمل العلف، فأرسلوا عشرين بعيرا، فحمّلوها شعيرا وتمرا وتبنا، وخرجوا بها إلى قريش، حتى إذا كانوا بصفنة وهم يريدون أن يسلكوا العقيق جاءوا جمعا من بني عمرو بن عوف، وهم يريدون منازلهم بأنصاف النهار يطلبونهم، وهم عشرون رجلا، فيهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وعويم بن ساعدة، ومعن بن عديّ، خرجوا لميت لهم مات منهم في أطمهم ليدفنوه، فناهضوا الحمولة، وقاتلهم القريشيون ساعة، وكان فيهم ضرار بن الخطاب فمنع الحمولة، ثم جرح وجرح، ثم أسلموها، وكثرهم المسلمون، وانصرفوا بها يقودونها، حتى أتوا بني عمرو بن عوف، فدفنوا ميّتهم، ثم ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فكان أهل الخندق يأكلون منها، فتوسّعوا بذلك، وأكلوه حتى نفد، ونحروا من تلك الإبل أبعرة في الخندق، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة، فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفيان: إن حييّا لمشئوم، ما أعلمه إلا قطع بنا، ما نجد ما نتحمّل عليه إذا رجعنا.

__________

[ (1) ] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2/ 7 وعزاه للبزار والطبراني في الأوسط.

,

ذكر اشتداد الأمر على المسلمين ودعائه صلى الله عليه وسلم على الأحزاب وكيف صرفهم الله تعالى وقدوم نعيم بن مسعود رضي الله عنه

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشّدة، لتظاهر عدوّهم عليهم، وإتيانهم إيّاهم من فوقهم ومن أسفل منهم.

روى الإمام أحمد وابن سعد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء بين الصلاتين الظهر والعصر، فوضع رداءه، وقام فرفع يديه يدعو عليهم. قال جابر: فعرفنا البشر في وجهه.

وروى البخاري وابن سعد وأبو نعيم عن عبد الله بن أبي بن أوفى رضي الله عنه قال:

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي الأحزاب-

زاد أبو نعيم: انتظر حتى زالت الشمس ثم قام في الناس- فقال: «يا أيها الناس لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدوّ فاصبروا، واعلموا أنّ الجنة تحت ظلال السيوف» . اه.

ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم»

[ (1) ] .

وروى ابن سعد، عن سعيد بن المسيّب قال: حصر النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن تشأ لا تعبد» .

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وعن أبيه قال: قلنا يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر، قال: «نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمنا روعاتنا» ، قال: فصرف الله تعالى ذلك

[ (2) ] .

وروى محمد بن عمر عن عبد الله بن عاصم الأشجعيّ، عن أبيه، وأبو نعيم عن عروة وابن شهاب: أن نعيم بن مسعود كان صديقا لبني قريظة، فلما سارت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سار مع قومه وهو على دينهم، فأقامت الأحزاب ما أقامت، حتى أجدب الجناب، وهلك الخفّ والكراع، فقذف الله تعالى في قلبه الإسلام وكتم قومه إسلامه،

فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين المغرب والعشاء، فوجده يصلي، فلما رآه جلس، ثم قال: «ما جاء بك يا نعيم؟» قال: جئت أصدقك، وأشهد أنّ ما جئت به حقّ، فأسلم، وأخبره أن قريشا

__________

[ (1) ] أخرجه ابن ماجة (2796) وأحمد في المسند 4/ 351.

[ (2) ] أخرجه أحمد في المسند 3/ 3 والطبري في التفسير 21/ 8 وانظر البداية والنهاية 4/ 111.

تحزّبوا عليه، وأنهم بعثوا إلى قريظة: أنه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا، وقد جئنا لنقاتل محمدا وأصحابه، فنستريح منه، فأرسلت إليهم قريظة: نعم ما رأيتم فإذا شئتم، فابعثوا بالرّهن، ثم لا يحبسكم إلّا أنفسكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنعيم: «فإنهم قد أرسلوا إليّ يدعونني إلى الصلح، وأردّ بني النّضير إلى ديارهم وأموالهم» ، فقال نعيم: يا رسول الله فمرني بما شئت، والله لا تأمرني بأمر إلا مضيت له، قال: وقومي لا يعلمون بإسلامي ولا غيرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنّا الناس ما استطعت، فإنّ الحرب خدعة» . قال: أفعل، ولكن يا رسول الله إنّي أقول فأذن لي فأقول، قال: «قل ما بدا لك، فأنت في حلّ» .

قال: فذهبت حتى جئت بني قريظة فلما رأوني رحّبوا بي وأكرموني، وعرضوا عليّ الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لطعام وشراب، إنما جئتكم نصبا بأمركم وتخوّفا عليكم، لأشير عليكم برأي، وقال: قد عرفتم ودّي إيّاكم وخاصة ما بيني وبينكم، فقالوا: قد عرفنا ولست عندنا بمتّهم، وأنت عندنا على ما نحبّ من الصّدق والبرّ، قال: فاكتموا عنّي. قالوا:

نفعل. قال: إنّ أمر هذا الرجل بلاء- يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- صنع ما رأيتم ببني قينقاع وبني النّضير، وأجلاهم عن بلادهم بعد قبض الأموال، وإنّ ابن أبي الحقيق قد سار فينا، فاجتمعنا معه لننصركم، وأرى الأمر قد تطاول كما ترون، وإنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، أما قريش وغطفان فإنهم قوم جاءوا سيّارة حتى نزلوا حيث رأيتم، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كانت الحرب فأصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم، وأنتم لا تقدرون على ذلك، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وقد كبر عليهم جانب محمد، أجلبوا عليه بالأمس إلى الليل، فقتل رأسهم عمرو بن عبد ودّ، وهربوا منه مجروحين، لا غنى بهم عنكم، لما يعرفون عندكم، فلا تقاتلوا مع قريش ولا غطفان حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، تستوثقون به منهم ألا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا. قالوا: أشرت علينا بالرّأي والنّصح، ودعوا له وشكروه، وقالوا: نحن فاعلون. قال: ولكن اكتموا عليّ، قالوا: نفعل.

ثم أتى نعيم أبا سفيان بن حرب في رجال من قريش. فقال: أبا سفيان جئتك بنصيحة، فاكتم عليّ. قال: أجل. قال: تعلم أنّ بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا فيما بينهم وبين محمد، فأرادوا إصلاحه ومراجعته، أرسلوا إليه وأنا عندهم، إنّا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلا، نسلمهم إليك تضرب أعناقهم، وتردّ جناحنا الذي كسرت إلى ديارهم- يعنون بني النضّير- ونكون معك على قريش حتى نردّهم عنك. فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنا فلا تدفعوا إليهم شيئا، واحذروهم على أشرافكم، ولكن اكتموا عليّ، ولا تذكروا من هذا حرفا، قالوا: لا نذكره.

ثم أتى إلى غطفان. فقال: يا معشر غطفان، قد عرفتم أني رجل منكم فاكتموا عليّ، واعلموا أن بني قريظة بعثوا إلى محمد- وقال لهم مثل ما قال لأبي سفيان- فاحذروا أن تدفعوا إليهم أحدا من رجالكم. فصدّقوه.

وأرسلت يهود عزّال- وهو بعين مهملة فزاي مشددة- ابن سموأل إلى قريش: إنّ ثواءكم قد طال، ولم تصنعوا شيئا، فليس الذي تصنعون برأي، إنكم لو وعدتمونا يوما تزحفون فيه إلى محمد، فتأتون من وجه، وتأتي غطفان من وجه، ونخرج نحن من وجه آخر، لم يفلت محمد من بعضنا، ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم، ليكونوا عندنا، فإننا نخاف إن مسّتكم الحرب أو أصابكم ما تكرهون أن تشمّروا إلى بلادكم، وتتركونا في عقر دارنا، وقد نابذنا محمدا بالعداوة. فلما جاء الرسول لم يرجع إليه أبو سفيان بشيء، وقال- بعد أن ذهب-: هذا ما قال نعيم.

وخرج نعيم إلى بني قريظة، فقال: يا معشر بني قريظة بينا أنا عند أبي سفيان إذ جاء رسولكم إليهم يطلب منه الرّهان، فلم يرد عليه شيئا، فلما ولى قال: لو طلبوا منّي عناقا ما رهنتها، أنا أرهنهم سراة أصحابي يدفعونهم إلى محمد يقتلهم، فارتأوا رأيكم، ولا تقاتلوا مع أبي سفيان وأصحابه حتى تأخذوا الرّهن، فإنكم إن لم تقاتلوا محمدا، وانصرف أبو سفيان، تكونوا على مواعدتكم الأولى. قالوا: نرجو ذلك يا نعيم. وقال كعب بن أسد: أنا والله لا أقاتله، لقد كنت لهذا كارها، ولكن حييّا رجل مشؤوم. قال الزبير بن باطا: إن انكشفت قريش وغطفان عن محمد لم يقبل منا إلا السيف، لنخرجنّ إلى محمد ولا تطلبوا رهنا من قريش، فإنها لا تعطينا رهنا أبدا، وعلى أي وجه تعطينا قريش الرّهن وعددهم أكثر من عددنا، ومعهم الكراع ولا كراع معنا؟ وهم يقدرون على الهرب، ونحن لا نقدر عليه، وهذه غطفان تطلب إلى محمد أن يعطيها بعض ثمار المدينة فأبى أن يعطيهم إلا السيف، فهم ينصرفون من غير شيء. فلم يوافق الزّبير غيره من قومه على مساعدة قريش إلا برهن.

فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل ونفرا من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فأعدّوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ ممّا بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إنّ اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم، وإنّا لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا، ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى أن ضربتكم الحرب، واشتد عليكم القتال، أن تشمّروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا، فلا طاقة لنا بذلك منه.

فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: إن الذي ذكر نعيم لحقّ فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله ما ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.

فقالت بنو قريظة لما سمعوا ذلك: إن الذي ذكر لكم نعيم لحقّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلدكم.

وتكرّرت رسل قريش وغطفان إلى بني قريظة، وهم يردّون عليهم بما تقدّم، فيئس هؤلاء من نصر هؤلاء، فاختلف أمرهم، وخذّل الله تعالى بينهم على يد نعيم بن مسعود رضي الله عنه.

,

ذكر انهزام المشركين وإرسال الله تعالى عليهم البرد والريح والملائكة تزلزلهم

قال ابن إسحاق: وبعث الله الرّيح في ليلة باردة شاتية. فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح آنيتهم.

وروى ابن سعد، عن سعيد بن جبير قال: لما كان يوم الخندق أتى جبريل ومعه الرّيح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى جبريل: «ألا أبشروا!»

ثلاثا، فأرسل الله تعالى عليهم الريح، فهتكت القباب، وكفأت القدور، ودفنت الرجال، وقطعت الأوتاد، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد، وأنزل الله تعالى: إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب 9] .

وروى ابن أبي حاتم وأبو نعيم والبزار برجال الصحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشّمال إلى الجنوب فقالت: انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب: إن الحرة لا تسري باللّيل، فغضب الله تعالى عليها فجعلها عقيما، وأرسل الصّبا، فأطفأت نيرانهم، وقطّعت أطنابهم،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» .

وروى الإمام أحمد والشيخان والنسائي عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدّبور»

[ (1) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4105) .

وروى البيهقي عن مجاهد في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً قال: يعني ريح الصّبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها قال: الملائكة. قال: ولم تقاتل يومئذ.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: بعث الله تعالى عليهم الرّيح والرّعب كلما بنوا قطع الله أطنابه، وكلما ربطوا دابّة قطع الله رباطها، وكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، حتى لقد ذكر لنا: أن سيّد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان، هلمّ إلي حتى إذا اجتمعوا عنده قال: «النّجاة النجاة، أتيتم» ! لما بعث الله تعالى عليهم من الرّعب.

قال البلاذريّ: ثم إن الله تعالى نصر المسلمين عليهم بالريح، وكانت ريحا صفراء فملأت عيونهم، فداخلهم الفشل والوهن وانهزم المشركون، وانصرفوا إلى معسكرهم، ودامت عليهم الرّيح، وغشيتهم الملائكة تطمس أبصارهم، فانصرفوا وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب 25] .

قال أبو الخطاب بن دحية: هذه الملائكة بعثها الله تعالى فنفثت في روعهم الرّعب والفشل، وفي قلوب المؤمنين القوّة والأمل، وقيل: إنّما بعث الله الملائكة تزجر خيل العدو وإبلهم، فقطعوا مدة ثلاثة أيام في يوم واحد. فارّين منهزمين.

,

ذكر إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليكشف له خبرهم

روى الحاكم وصححه ابن مردويه، وأبو نعيم والبيهقيّ كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة ومسلم، وابن عساكر عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه، وابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ، وأبو نعيم مختصرا عن ابن عمر: أن حذيفة رضي الله عنه ذكر مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال جلساؤه: أما والله لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا- وفي لفظ: فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلت معه وأبليت- فقال حذيفة: لا تتمنّوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافّون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منّا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قطّ أشدّ ظلمة، ولا أشدّ ريحا منها، وفي أصوات ريحها أمثال الصّواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب 13] فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسلّلون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، فاستقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا،

يقول: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة- وفي لفظ: جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة-

فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. فقال

أبو بكر: يا رسول الله ابعث حذيفة، فقلت: دونك والله، فمرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرطا لامرأتي ما يجاوز ركبتي،

قال: فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حذيفة» . فقال حذيفة:

فتقاصرت للأرض، فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم، قال: «قم» ، فقمت، فقال: «إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم» . فقلت: والذي بعثك بالحق، ما قمت إلا حياء منك من البرد. قال: «لا بأس عليك من حر ولا برد حتى ترجع إليّ» . قال: «وأنا من أشد الناس فزعا وأشدّهم قرّا» ، فقلت: والله ما بي أن أقتل، ولكن أخشى أن أوسر، فقال: «إنك لن تؤسر» ، قال:

فخرجت، فقال: «اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته» . قال: فو الله ما خلق الله تعالى في جوفي فزعا ولا قرّا إلا خرج، فما أجد فيه شيئا، فمضيت كأنما أمشي في حمّام، فلما ولّيت، دعاني فقال: «يا حذيفة، لا تحدثنّ في القوم شيئا حتى تأتيني» .

وفي رواية: فقلت: يا رسول الله مرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهب حتى تدخل بين ظهري القوم، فأت قريشا، فقل: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا: أين قريش؟ أين قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ فيقدّموكم، فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم، ثم ائت بني كنانة فقل: يا معشر بني كنانة، إنما يريد الناس إذ كان غدا أن يقولوا: أين بني كنانة؟

أين رماة الحدق فيقدّموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم ائت قيسا فقل: يا معشر قيس، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا: أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ أين الفرسان؟

فيقدّموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم» .

فقال حذيفة: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته، وحوله عصبة، قد تفرق عنه الأحزاب، وهو يقول: الرّحيل الرّحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الرّيش فوضعته في كبد القوس لأرميه في ضوء النار، فذكرت

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحدثن في القوم شيئا، حتى تأتيني»

فأمسكت ورددت سهمي. فلما جلست فيهم أحسّ أبو سفيان أن قد دخل فيهم غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، وفي لفظ: فلينظر من جليسه. فضربت بيدي على يد الذي عن يميني فأخذت بيده، فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي فبدرتهم بالمسألة، ثم تلبّثت فيهم هنيهة. وأتيت بني كنانة وقيسا، وقلت ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دخلت في العسكر، فإذا أدنى الناس منّي بنو عامر، ونادى عامر بن علقمة بن علاثة: يا بني عامر، إن الريح قاتلتي وأنا على ظهر، وأخذتهم ريح شديدة، وصاح

بأصحابه. فلما رأى ذلك أصحابه جعلوا يقولون: يا بني عامر، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم.

وإذا الريح في عسكر المشركين ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو الله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، وفرشهم والريح تضرب بها، فلما دنا الصبح نادوا: أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟

فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. أين كنانة؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة، أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. فلما رأى ذلك أبو سفيان أمرهم بأن تحمّلوا فتحمّلوا، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول، فجعل يستحثّه ولا يستطيع أن يقوم، حتى حلّ بعد. ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بعشرين فارسا أو نحو ذلك معتمّين، قالوا: - وفي لفظ: فارسين، فقالا-: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم بالجنود والرّيح، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلّي، فو الله ما عدا أن رجعت راجعني القرّ، وجعلت أقرقف، فأومأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، [وهو يصلي] فدنوت منه، فسدل عليّ من فضل شملته- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ صلّى- فأخبرته خبر القوم، وأنّي تركتهم يرحلون.

فلم أزل نائما حتى جاء الصبح فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«قم يا نومان» .

وذكر ابن سعد إن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد أقاما في مائتي فارس ساقة للعسكر، وردءا لهم مخافة الطلب.

,

ذكر انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخندق بعد رحيل أعدائه وإخباره بأن قريشا لا تغزوه أبدا وأنه هو الذي يغزوهم

روى الإمام أحمد والبخاريّ عن سليمان بن صرد والبزار برجال ثقات وأبو نعيم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم، والبيهقي عن قتادة رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجلى الله تعالى عنه الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» .

قال ابن إسحاق: فلم تعد قريش بعد ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم بعد ذلك حتى فتح مكة.

وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعزّ جنده، ونصر عبده، وغلب- وفي لفظ: وهزم- الأحزاب وحده، فلا شيء بعده»

[ (1) ] .

قالوا: وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وليس بحضرته أحد من عساكر المشركين، قد هربوا وانقشعوا إلى بلادهم، فأذن للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم، فخرجوا مبادرين

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 5/ 142 ومسلم في كتاب الذكر (77) والترمذي (3428) وأحمد في المسند 2/ 307.

مسرورين بذلك، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعلم بنو قريظة حبّ رجعتهم إلى منازلهم، فأمر بردّهم، فبعث من ينادي في إثرهم، فما رجع منهم رجل واحد.

روى الطبراني من طريقين رجالهما ثقات، ومحمد بن عمر، عن عبد الله بن عمر، ومحمد بن عمر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بردّهم، قالا:

فجعلنا نصيح في إثرهم في كل ناحية: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا» ، فما رجع منهم رجل واحد، من القرّ والجوع. قالا: وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم سرعتهم، وكره أن يكون لقريش عيون. قال جابر: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيته في بني حرام منصرفا فأخبرته، فضحك صلى الله عليه وسلم.

وكان المنافقون بناحية المدينة يتحدثون بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقولون: ما هلكوا بعد، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب، وسرّهم أن جاءهم الأحزاب وهم بادون في الأعراب، مخافة القتال.

واستشهد من المسلمين ثمانية: سعد بن معاذ- وتأتي ترجمته في حوادث سنة خمس- وأنس بن أوس، وعبد الله بن سهل- رماه رجل من بني عوف أو عويف من بني كنانة- والطّفيل بن النعمان- قتله وحشيّ- وثعلبة بن عنمة- بعين مهملة ونون مفتوحتين- ابن عديّ- قتله هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- وكعب بن زيد [النجاريّ] ، وكان قد ارتثّ يوم بئر معونة فصحّ حتى قتل يوم الخندق، قتله ضرار بن الخطّاب. هذا ما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر.

وزاد الحافظ الدمياطي في الأنساب: قيس بن زيد بن عامر، وعبد الله بن أبي خالد، وأبو سنان بن صيفيّ بن صخر، ذكر الحافظ في الكنى إنه شهد بدرا، واستشهد في الخندق.

وقتل من المشركين ثلاثة: عمرو بن عبد ودّ قتله علي بن أبي طالب. ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، قتله الزبير بن العوام، ويقال: علي بن أبي طالب. وعثمان بن منبه، مات بمكة من رمية رميها يوم الخندق.

ذكر كتاب أبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم

روى محمد بن عمر عن أبي وجزة السّعديّ- بفتح الواو وسكون الجيم وفتح الزّاي- واسمه يزيد بن عبيد، قال: لمّا ملّت قريش المقام، وأجدب الجناب وضاقوا بالخندق، وكان أبو سفيان على طمع أن يغيروا على بيضة المدينة كتب كتابا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه:

باسمك اللهمّ فإنى احلف باللات والعزى: لقد سرت إليك في جمع، وأنا أريد ألّا أعود

إليك أبدا حتى أستأصلكم. فرأيتك قد كرهت لقاءنا، واعتصمت بالخندق، ولك منّي يوم كيوم أحد، تبقر فيه النّساء.

وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشميّ، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«أما بعد، فقد أتاني كتابك، وقديما غرّك بالله الغرور، وأما ما ذكرت من أنك سرت إلينا [في جمعكم] ، وأنّك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا، فذلك أمر يحول الله تعالى بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة، وليأتينّ عليك يوم أكسر فيه اللّات والعزّى وإساف ونائلة وهبل، حتى أذكّرك ذلك يا سفيه بني غالب!»

,

ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى في شأن هذه الغزوة من سورة الأحزاب

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ من الكفار فتحزّبوا أيّام حفر الخندق فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ملائكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء من حفر الخندق وبالياء من تخريب المشركين بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أعلى الوادي ومن أسفله، من المشرق والمغرب وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن كل شيء إلا عدوّها من كل جانب وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم من شدّة الخوف وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا المختلفة بالنّصر واليأس هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً

من شدّة الفزع وَاذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بالنصر إِلَّا غُرُوراً باطلا. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي المنافقون يا أَهْلَ يَثْرِبَ هي المدينة ولم تنصرف للعلمية ووزن الفعل لا مُقامَ لَكُمْ بضم الميم وفتحها أي لا إقامة ولا مكانة فَارْجِعُوا إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي إلى سلع: جبل خارج المدينة، للقتال وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ في الرجوع يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة نخشى عليها. قال تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً من القتال وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ أي المدينة مِنْ أَقْطارِها نواحيها ثُمَّ سُئِلُوا أي سألهم الداخلون الْفِتْنَةَ الشّرك لَآتَوْها بالمدّ والقصر أي أعطوها وفعلوها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا عن الوفاء به قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً إن فررتم لا تُمَتَّعُونَ في الدنيا بعد فراركم إِلَّا قَلِيلًا بقية آجالكم قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ يجيركم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً هلاكا وهزيمة أَوْ يصيبكم بسوء إن أَرادَ الله بِكُمْ رَحْمَةً خيرا

وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا ينفعهم وَلا نَصِيراً يدفع الضّرّ عنهم قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ المثبّطين مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ تعالوا إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ القتال إِلَّا قَلِيلًا رياء وسمعة أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ وبالمعاونة جمع شحيح وهو حال من ضير يأتون فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي كنظر أو كدوران الذي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي سكراته فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وحيزت الغنائم سَلَقُوكُمْ آذوكم وضربوكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي الغنيمة يطلبونها أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا حقيقة فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ الإحباط عَلَى اللَّهِ يَسِيراً بإرادته يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ من الكفار لَمْ يَذْهَبُوا إلى مكة لخوفهم منهم وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرّة أخرى يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي كائنون في الأعراب يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ أخباركم مع الكفار وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ هذه الكرّة ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء وخوفا عن التّعبير لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ بكسر الهمزة وضمها حَسَنَةٌ اقتداء به في القتال والثّبات في مواطنه لِمَنْ بدل من لكم كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يخافه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً بخلاف من ليس كذلك وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ من الكفّار قالُوا: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الابتلاء والنصر وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في الوعد وَما زادَهُمْ ذلك إِلَّا إِيماناً تصديقا بوعد الله وَتَسْلِيماً لأمره. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ من الثّبات مع النبي فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ مات أو قتل في سبيل الله وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ذلك وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا في العهد وهم بخلاف حال المنافقين لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ بأن يميتهم على نفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لمن تاب رَحِيماً به وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الأحزاب بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً مرادهم من الظّفر بالمؤمنين وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملائكة وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا على إيجاد ما يريده عَزِيزاً [الأحزاب من 9: 25] غالبا على أمره.

,

ذكر بعض ما قيل فيها من أشعار المسلمين

قال كعب بن مالك رضي الله عنه يجيب ضرار بن الخطاب عن قصيدة قالها:

وسائلة تسائل ما لقينا ... ولو شهدت رأتنا صابرينا

صبرنا لا نرى لله.. عدلا ... على ما نابنا.. متوكّلينا

وكان لنا النّبيّ وزير صدق ... به نعلوا البريّة أجمعينا

نقاتل معشرا ظلموا وعقّوا ... وكانوا بالعداوة مرصدينا

نعاجلهم إذا نهضوا إلينا ... بضرب يعجل المتسرّعينا

ترانا في فضافض سابغات ... كغدران الملا متسربلينا

وفي أيماننا بيض خفاف ... بها نشفي مراح الشّاغبينا

بباب الخندقين كأنّ أسدا ... شوابكهنّ يحمين العرينا

فوارسنا إذا بكروا وراحوا ... على الأعداء شوسا معلمينا

ويعلم أهل مكّة حين ساروا ... وأحزاب أتوا متحزّبينا

لننصر أحمد والله حتّى ... نكون عباد صدق مخلصينا

بأنّ الله ليس له شريك ... وأنّ الله مولى المؤمنينا

فإمّا تقتلوا سعدا سفاها ... فإنّ الله خير القادرينا

سيدخله جنانا طيّبات ... تكون مقامة للصّالحينا

كما قد ردّكم فلّا شريدا ... بغيظكم خزايا خائبينا

خزايا لم تنالوا ثمّ خيرا ... وكدتم أن تكونوا دامرينا

بريح عاصف هبّت عليكم ... وكنتم تحتها متكمّهينا

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يجيب عبد الله بن الزّبعرى عن قصيدة قالها:

هل رسم دارسة المقام يباب ... متكلّم لمحاور بجواب

قفر عفا رهم السّحاب رسومه ... وهبوب كلّ مطلّة مرباب

ولقد رأيت بها الحلول يزينهم ... بيض الوجوه ثواقب الأحساب

فدع الدّيار وذكر كلّ خريدة ... بيضاء آنسة الحديث كعاب

وأشك الهموم إلى الإله وما ترى ... من معشر ظلموا الرّسول غضاب

ساروا بجمعهم إليه وألّبوا ... أهل القرى وبوادي الأعراب

جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمّطين بحلبة الأحزاب

حتّى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل الرّسول ومغنم الأسلاب

وغدوا علينا قادرين بأيدهم ... ردّوا بغيظهم على الأعقاب

بهبوب معصفة نفرّق جمعهم ... وجنود ربّك سيّد الأرباب

فكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم في الأجر خير ثواب

من بعد ما قنطوا ففرّق جمعهم ... تنزيل نصر مليكنا الوهّاب

وأقرّ عين محمّد وصحابه ... وأذلّ كلّ مكذّب مرتاب

عاتي الفؤاد موقّع ذي ريبة ... في الكفر ليس بطاهر الأثواب

علق الشّقاء بقلبه ففؤاده ... في الكفر آخر هذه الأحقاب

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه يجيبه أيضا:

أبقى لنا حدث الحروب بقيّة ... من خير نحلة ربّنا الوهّاب

بيضاء مشرقة الذّرى ومعاطنا ... حمّ الجذوع غزيرة الأحلاب

كاللّوب يبذل جمّها وحفيلها ... للجار وابن العمّ والمنتاب

ونزائعا مثل السّراح نما بها ... علف الشّعير وجزّة المقضاب

عري الشّوى منها وأردف نحضها ... جرد المتون وسائر الآراب

قودا تراح إلى الصّياح إذا غدت ... فعل الضّراء تراح للكلاب

وتحوط سائمة الدّيار وتارة ... تردي العدا وتؤوب بالأسلاب

حوش الوحوش مطارة عند الوغى ... عبس اللّقاء مبينة الإنجاب

علفت على دعة فصارت بدّنا ... دخس البضيع خفيفة الأقصاب

يغدون بالزّغف المضاعف شكّه ... وبمترصات في الثّقاف صياب

وصوارم نزع الصّياقل غلبها ... وبكلّ أروع ماجد الأنساب

يصل اليمين بمارن متقارب ... وكلت وقيعته إلى خبّاب

وأغرّ أزرق في القناة كأنّه ... في طخية الظّلماء ضوء شهاب

وكتيبة ينفي القران قتيرها ... وتردّ حدّ قواحز النّشّاب

جأوى ململمة كأنّ رماحها ... في كل مجمعة ضريمة غاب

يأوي إلى ظلّ اللّواء كأنّه ... في صعدة الخطّيّ فيء عقاب

أعيت أبا كرب وأعيت تبّعا ... وأبت بسالتها على الأعراب

ومواعظ من ربّنا نهدي بها ... بلسان أزهر طيّب الأثواب

عرضت علينا فاشتهينا ذكرها ... من بعد ما عرضت على الأحزاب

حكما يراها المشركون بزعمهم ... حرجا ويفهمها ذوو الألباب

جاءت سخينة كي تغالب ربّها ... فليغلبنّ مغالب الغلّاب

قال ابن هاشم: حدّثني من أثق به قال: حدثني عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لمّا قال كعب بن مالك:

جاءت سخينة كي تغالب ربّها ... فليغلبنّ مغالب الغلّاب

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا» .

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه:

من سرّه ضرب يرعبل بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق

فليأت مأسدة تسنّ سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق

دربوا بضرب المعلمين فأسلموا ... مهجات أنفسهم لربّ المشرق

في عصبة نصر الإله نبيّه ... بهم وكان بعبده ذا مرفق

في كلّ سابغة تخطّ فضولها ... كالنّهي هبّت ريحه المترقرق

بيضاء محكمة كأنّ قتيرها ... حدق الجنادب ذات شكّ موثق

جدلاء يحفزها نجاد مهنّد ... صافي الحديدة صارم ذي رونق

تلكم مع التّقوى تكون لبأسنا ... يوم الهياج وكلّ ساعة مصدق

نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق

فترى الجماجم ضاحيا هاماتها ... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق

نلقى العدوّ بفخمة ملمومة ... تنفي الجموع كفصد رأس المشرق

ونعدّ للأعداء كلّ مقلّص ... ورد ومحجول القوائم أبلق

تردي بفرسان كأنّ كماتهم ... عند الهياج أسود طلّ ملثق

صدق يعاطون الكماة حتوفهم ... تحت العماية بالوشيح المزهق

أمر الإله بربطها لعدوّه ... في الحرب إن الله خير موفّق

لتكون غيظا للعدوّ وحيّطا ... للدّار إن دلفت خيول النّزّق

ويعيننا الله العزيز بقوّة ... منه وصدق الصّبر ساعة نلتقي

ونطيع أمر نبيّنا ونجيبه ... وإذا دعا لكريهة لم نسبق

ومتى ينادي للشّدائد نأتها ... ومتى نرى الحومات فيها نعنق

من يتّبع قول النّبيّ فإنّه ... فينا مطاع الأمر حقّ مصدّق

فبذاك ينصرنا ويظهر عزّنا ... ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق

إنّ الّذين يكذّبون محمّدا ... كفروا وضلّوا عن سبيل المتّقي

وقال كعب بن مالك رضي الله عنه أيضا:

ألا أبلغ قريشا أنّ سلعا ... وما بين العريض إلى الصّماد

نواضح في الحروب مدرّبات ... وخوض ثقّبت من عهد عاد

رواكد يزخر المرّار فيها ... فليست بالجمام ولا الثّماد

كأنّ الغاب والبرديّ فيها ... أجش إذا تبقّع للحصاد

ولم نجعل تجارتنا اشتراء ال ... حمير لأرض دوس أو مراد

بلاد لم تثر إلّا لكيما ... نجالد إن نشطتم للجلاد

أثرنا سكّة الأنباط فيها ... فلم تر مثلها جلهات واد

قصرنا كلّ ذي حضر وطول ... على الغايات مقتدر جواد

أجيبونا إلى ما نجتديكم ... من القول المبيّن والسّداد

وإلّا فاصبروا لجلاد يوم ... لكم منّا إلى شطر المذاد

نصبّحكم بكلّ أخي حروب ... وكلّ مطهّم سلس القياد

وكلّ طمرّة خفق حشاها ... تدفّ دفيف صفراء الجراد

وكلّ مقلّص الآراب نهد ... تميم الخلق من أخر وهادي

خيول لا تضاع إذا أضيعت ... خيول النّاس في السّنة الجماد

ينازعن الأعنّة مصغيات ... إذا نادى إلى الفزع المنادي

إذا قالت لنا النّذر: استعدّوا ... توكّلنا على ربّ العباد

وقلنا: لن يفرّج ما لقينا ... سوى ضرب القوانس والجهاد

فلم نر عصبة فيمن لقينا ... من الأقوام من قار وباد

أشدّ بسالة منّا إذا ما ... أردناه وألين في الوداد

إذا ما نحن أشرجنا عليها ... جياد الجدل في الأزب الشّداد

قذفنا في السّوابغ كلّ صفر ... كريم غير معتلث الزّناد

أشمّ كأنّه أسد عبوس ... غداة ندى ببطن الجزع غادي

يغشّي هامة البطل المذكّى ... صبيّ السّيف مسترخي النّجاد

ليظهر دينك اللهمّ إنّا ... بكفّك فاهدنا سبل الرّشاد



كلمات دليلية: