غزوة الأحزاب الخندق _21225

غزوة الأحزاب الخندق


قبل المعركة

1- المشركون:

أ- بعد إنجاز قريش استعداداتها العسكرية للحركة، سلكت طريق مكة- المدينة، حتى وصلت موضعا قريبا من المدينة يسمى (الصّمغة) «1» فأطلقت إبلها وخيلها ترعى زرع الأنصار هناك، وتابعت سيرها حتى بلغت (العقيق) «2» ثم نزلت عند بعض السفوح من جبل (أحد) على بعد خمسة أميال من المدينة المنورة.

ب- كان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة ابن أبي جهل، وكان اللواء عند طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدّار.

__________

(1) - الصمغة: أرض غرب جبل أحد من المدينة، انظر التفاصيل في معجم البلدان 5/ 384.

(2) - العقيق: العرب تقول لكل مسيل ماء شقّه السيل في الأرض فأنهره ووسّعه: عقيق، والعقيق بناحية المدينة، وفي بلاد العرب أربعة أعقة، منها عقيق المدينة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 6/ 198.

ج- نظّم المشركون قوّتهم للقتال بأسلوب (الصف) وأمّنوا حماية ميمنة الصفوف وميسرتها بالفرسان.

د- بذلت نساء قريش- خاصة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان- أقصى جهودهن لتشجيع قريش وبعث الحماس في نفوسهم لأخذ ثاراتهم من المسلمين.

2- المسلمون:

أ- بعث العباس عمّ الرسول صلّى الله عليه وسلم رسالة مع أحد الرجال، يخبر بها الرسول صلّى الله عليه وسلم عن وقت خروج قريش لقتاله وعن عدد قواتها، فأسرع الرجل بالرسالة حتى قطع الطريق بين مكة والمدينة في ثلاثة أيام، فوجد الرسول صلّى الله عليه وسلم ماكثا بمسجد (قباء) «1» ، فدفع إليه بالرسالة.

ب- قرأ أبي بن كعب الرسالة على الرسول صلّى الله عليه وسلم، فطلب ألا يبوح بمضمونها لأحد وعاد الرسول الى المدينة المنورة.

ج- بعث النبي صلّى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه «2» لمعرفة الموضع الذي وصلت اليه قريش، فوجداها قاربت المدينة المنورة، وأطلقت خيلها وإبلها ترعى زروع (يثرب) المحيطة بها.

د- خشي المسلمون عاقبة هذه الغزوة، لأنّ قريشا أكملت استعداداتها بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ حروبها، فبات المسلمون من أهل المدينة المنورة وعليهم السلاح بالمسجد كما بات الحراس في مداخل المدينة لحراستها.

هـ- جمع الرسول صلّى الله عليه وسلم أهل الرأي من المسلمين صباح يوم الجمعة 15 شوال من السنة الثالثة للهجرة لاستشارتهم في كيفية لقاء العدو.

__________

(1) - قباء: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد الى مكة بها أثر بنيان كثير. انظر التفاصيل في معجم البلدان 7/ 21.

(2) - هما: أنس ومؤنس ابنا فضالة الظفريين. انظر طبقات ابن سعد 2/ 37.

كان رأي النبي صلّى الله عليه وسلم أن يتحصنوا بالمدينة المنورة وأن يدعوا قريشا خارجها، فإذا دخلتها قاتلهم فيها قتال الشوارع في منطقة يعرفها المسلمون كل المعرفة ولا تعرفها قريش، مما يساعد المسلمين على ضرب قريش وإيقاع الخسائر الفادحة بها، وكان رأي كبار الصحابة مثل هذا الرأي كما كان هذا رأي عبد الله بن أبيّ.

ولكنّ الرجال الذين لم يشهدوا (بدرا) - خاصة الشباب منهم- تحمّسوا للخروج من المدينة وملاقاة قريش خارجها وأيّدهم رجال اشتركوا ببدر، كي لا يرمى المسلمون بالجبن لاضطرارهم الى القتال داخل المدينة، فرأى الرسول صلّى الله عليه وسلم أن الأكثرية تؤيد الخروج، فقال لهم: (إني أخاف عليكم الهزيمة) ، فأبوا مع ذلك إلا الخروج، فنزل على رأي الأكثرية، لأن الشورى كانت أساس نظامه الذي لا يحيد عنه.

وأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم صحابته أن يتهيئوا للخروج، ودخل داره وتقلّد سيفه وارتدى عدّة القتال، ثم خرج الى الناس.

شعر القوم أنهم استكرهوا الرسول صلّى الله عليه وسلم على رأيهم، وأظهروا الرغبة في النزول على رأيه، إلا أن النبي صلّى الله عليه وسلم وجد غضاضة في الاضطراب بين شتى الآراء والتردّد في قرارته، فقال: (ما ينبغي لنبي لبس لأمته «1» أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) ...

ثم طلب إليهم الصبر عند البأس.

ز- تقدّم النبي صلّى الله عليه وسلم بألف رجل، حتى نزل (الشيخين) «2» - موضع في ضواحي المدينة- وهناك رأى مع المسلمين مفرزة لا يعرف أهلها، فلما سأل

__________

(1) - اللأمة: الدرع. وقد يسمى السلاح كله لأمة.

(2) - الشيخان: موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله (ص) ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 5/ 319 وهو في منطقة جبل أحد.

عنها علم أن أفرادها من يهود حلفاء عبد الله بن أبي، فرفض معاونتهم له إلا أن يسلموا أو يعودوا أدراجهم. وقال: (لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك) ، فعادوا الى المدينة.

وانسحب بعدهم عبد الله بن أبي مع ثلاثمائة من أنصاره المنافقين، فبقي النبي صلّى الله عليه وسلم ومعه سبعمائة من أصحابه يستعد بهم لقتال ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين.

ح- عسكر المسلمون بالشّعب من موضع (أحد) في عدوة الوادي، جاعلين ظهرهم الى جبل (أحد) ، وكانت مجمل خطة الرسول صلّى الله عليه وسلم للقتال ما يلي:

أولا: وضع خمسين من الرماة بإمرة عبد الله بن جبير «1» في موضع على طريق تؤدي من الجبل الى خلف قواته، وكان هدفه من وضع هذه القوة هو حرمان العدو من الالتفات على قواته من الخلف، ولتكون هذه القوة قاعدة أمينة لقواته، تحمي ظهرها وتستند إليها وتستر انسحابها عند الحاجة.

وأصدر لهذه القوة الأمر الجازم التالي: (أحموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، وألزموا مكانكم لا تبرحوه. وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل) .

ثانيا: نظّم أصحابه صفوفا للقتال بهم بأسلوب (الصف) ، وتخيّر الأشداء ليكونوا طليعة الصفوف.

__________

(1) - عبد الله بن جبير الأنصاري: شهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار وشهد بدرا وأحدا، واستعمله رسول الله (ص) على الرماة في أحد لحماية ظهور المسلمين؛ فلما اختلف الرماة وانسحب أكثرهم من مواضعهم لأخذ الغنائم من معسكر المشركين، ثبت عبد الله في مكانه مع نفر لا يبلغون العشرة قاوم بهم هجوم خالد بن الوليد حتى فنيت نبله، فطاعن بالرمح حتى انكسر، فكسر جفن سيفه فقاتل فرسان خالد حتى استشهد بطلا. راجع التفاصيل في طبقات ابن سعد 3/ 475، والإصابة 4/ 45، وأسد الغابة 3/ 130، والاستيعاب 3/ 877.

ثالثا: أصدر أوامره بألّا يقاتل أحد إلّا بأمر منه.

رابعا: أخذ يشجّع أصحابه ويحثّهم على الصبر في القتال.

ط- ولبعث التنافس الشريف بينهم في إظهار البطولة، أخذ الرسول صلّى الله عليه وسلم سيفا بيده، فقال مخاطبا أصحابه: (من يأخذ هذا السيف بحقّه) ؟ فقام اليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة «1» فقال:

(وما حقّه يا رسول الله) ؟ فقال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (أن تضرب به العدو حتى ينحني) .

وكان أبو دجانة رجلا شجاعا له عصابة حمراء، إذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل، فأخذ السيف وأخرج عصابته الحمراء التي كانوا يسمونها: (عصابة الموت) وعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين على عادته إذ يختال عند الحرب، فلما رآه الرسول صلّى الله عليه وسلم يتبختر قال: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن) .

ي- بهذه الخطة وبهذا الاندفاع كان وضع المسلمين قبل نشوب القتال في (أحد) .

__________

(1) - سماك بن خرشة الخزرجي الساعدي الأنصاري: مشهور بكنيته، أبي دجانة، شهد بدرا وأحدا وجميع المشاهد مع رسول الله (ص) ، وأعطاه رسول الله يوم أحد سيفه، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه) ؟ فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: (أنا آخذه بحقه) ، فدفعه رسول الله (ص) إليه ففلق به هام المشركين. كان من الشجعان المشهورين بالشجاعة، وكانت له عصابة حمراء يعلم بها في الحرب، فلما كان يوم أحد أعلم بها واختال بين الصفين، فقال رسول الله (ص) : (إن هذه مشية يبغضها الله عزّ وجل إلا في هذا المقام) . وهو من فضلاء الصحابة وأكابرهم له مقامات محمودة في مغازي رسول الله (ص) . استشهد يوم اليمامة بعد ما أبلى فيها بلاء عظيما، وكان لبني حنيفة باليمامة حديقة يقاتلون من ورائها فلم يقدر المسلمون على الدخول إليهم فأمرهم أبو دجانة أن يلقوه إليها ففعلوا فانكسرت رجله فقاتل على باب الحديقة وأزاح المشركين عنه ودخلها المسلمون وقتل يومئذ، وقيل بل عاش حتى شهد صفين مع علي. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد 3/ 556، والإصابة 7/ 57، التسلسل 371، وأسد الغابة 2/ 352، والاستيعاب 2/ 652، التسلسل 1061.

,

سير القتال

1- بدء المناوشات:

أ- قامت مفرزة من قوات قريش بقيادة أبي عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي بالهجوم على قوات المسلمين، فنشبت الحرب، وكان أبو عامر هذا قد انتقل من المدينة الى مكة يحرّض قريشا على قتال محمد صلّى الله عليه وسلم؛ ولم يكن شهد (بدرا) مع قريش، فخرج الى (أحد) في خمسة عشر رجلا من الأوس ومن عبيد أهل مكة، وكانت المفرزة التي بإمرته مؤلفة من هؤلاء الأفراد فقط، وكان يزعم لقريش أنه إذا نادى أهله المسلمين من الأوس الذين يحاربون في صفوف النبي صلّى الله عليه وسلم، استجابوا له وانحازوا معه ونصروا قريشا! ...

خرج أبو عامر مناديا: (يا معشر الأوس! أنا أبو عامر) ! فأجابه الأوس المسلمون: (لا أنعم الله بك عينا يا فاسق) ! .. ثم هاجموه.

ونشب القتال بين الطرفين بعد أن أذن الرسول صلّى الله عليه وسلم للمسلمين بالقتال.

ب- حاول أبو عامر وحاول عكرمة بن أبي جهل أن يلتفا على أجنحة المسلمين، ولكن المسلمين رشقوهم بالحجارة، ولم يكن من السهل الالتفات على أجنحة المسلمين لاستنادها على هضاب جبل (أحد) ، فأخفقت محاولات التفاف المشركين.

ج- هتف حمزة بن عبد المطلب بكلمة التعارف للمسلمين في (أحد) :

(أمت أمت) . ثم اندفع الى قلب جيش المشركين.

ونادى حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة: (من يبارز) ؟ فخرج إليه علي بن أبي طالب، فقتله.

واندفع أبو دجانة وفي يده سيف النبي صلّى الله عليه وسلم، وعلى رأسه عصابة الموت، فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، حتى شقّ صفوت المشركين؛ ثم رأى إنسانا

يحثّ المشركين على القتال، فحمل عليه بالسيف، فإذا بهند بنت عتبة تولول، فارتدّ عنها أبو دجانة مكرما سيف النبي صلّى الله عليه وسلم أن يضرب به امرأة ...

2- إشتداد القتال (الصفحة الاولى) :

أ- اندفعت قريش الى القتال يثور في عروقها طلب الثأر لمن قتل من أشرافها وسادتها منذ عام ببدر، وكان من ورائهم نساؤهم يشجعونهم ويحثونهم على الاستبسال، وقد أعدت غير واحدة منهن مولى وعدته بالخير الوفير لينتقم لها ممن فجعها ببدر في أب أو أخ أو زوج أو عزيز، وكانت هند بنت عتبة قد وعدت وحشيا الحبشي مولى جبير خيرا كثيرا إن هو قتل حمزة، كما قال له جبير بن مطعم مولاه، وكان عمه قد قتل ببدر: (إن قتلت حمزة عم محمد فأنت عتيق) !

وتربّص وحشي بين الصفوف يترصّد حمزة، حتى رآه في عرص للناس يحطم أبطال المشركين، فصوّب عليه حربته وقذفه بها، فأصابت بطن حمزة أسفل سرّته وخرجت من بين رجليه، فاستنسهد على أثرها.

ب- على الرغم من الخسارة الفادحة التي لحقت بالمسلمين باستشهاد حمزة، فإن قواتهم بقيت مسيطرة على الموقف تماما، وأخذ لواء المشركين يسقط بين حين وآخر: حمل عثمان بن أبي طلحة اللواء بعد أن قتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه طلحة بن أبي طلحة، فلما لقي هذا مصرعه، حمله أبو سعيد بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب أو سعد بن أبي وقاص.

وتعاقب حملة لواء المشركين من بني عبد الدار، حتى قتل منهم تسعة، ثم حمله مولى لهم، وحملته امرأة بعد ذلك لتفرق المشركين عنه.

ج- زحفت صفوف المسلمين على صفوف المشركين بعد تصدّعها، فانهزم المشركون حتى أحاط المسلمون بنساء المشركين وحتى وقع الصنم الذي احتملوه للتبرّك به من فوق الجمل الذي كان يحمله.

وأخذ المسلمون يطاردون المشركين حتى أبعدوهم عن معسكرهم، ثم عادوا يجمعون الغنائم.

ورأى الرماة الذين أمرهم الرسول صلّى الله عليه وسلم ألّا يبرحوا أماكنهم ولو رأوه وأصحابه يقتلون، فقال بعضهم لبعض: (لم تقيمون هاهنا في غير شيء وقد هزم الله عدوكم، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم) ؟

واختلفوا فيما بينهم، أيتركون مواضعهم أم يبقون فيها؟ فأصرّ قائدهم عبد الله بن جبير على البقاء وعصاه أكثرهم وانطلقوا، ولم يبق معه غير نفر دون العشرة!

واشترك المنطلقون من الرماة في جمع الغنائم.

3- هجوم المشركين المقابل (الصفحة الثانية) :

أ- انتهز خالد بن الوليد «1» فرصة ترك رماة المسلمين لمواضعهم، وكان على ميمنة خيل المشركين، فهاجم مواضع الرماة التي تركوها، واستطاع إجلاء الباقين منهم عن مواضعهم، لقلة عددهم، وعدم إمكانهم الصمود في موضعهم الواسع بالنسبة لعددهم الذي أصبح قليلا.

ولم يفطن المسلمون لهذه المباغتة، وصاح خالد يعلن لقريش بأنه التفّ وراء المسلمين، فعادت قوات قريش المنهزمة للقيام بهجوم مضاد جبهي على المسلمين، ونادوا بشعارهم: (يا للعزّى! يا لهبل) ! بينما قام خالد بالالتفاف من الخلف، فأصبح المسلمون مطوقين من جوانبهم كافة.

وتحرّج موقف المسلمين، وأصبح خطيرا جدا، خاصة وأن صفوفهم لم تكن رصينة في مواضعها لتستطيع الصمود، إذ تبعثر أفرادها لجمع الغنائم.

__________

(1) - أنظر سيرة حياته في كتابنا: قادة فتح العراق والجزيرة 47- 211.

ب- كانت حركة خالد مباغتة تامة للمسلمين لم يكونوا يتوقعونها، فتبعثر أكثرهم وبقي القليل منهم الى جانب النبي صلّى الله عليه وسلم «1» يقاتلون ليشقوا لهم طريقا من بين قوات قريش التي أطبقت عليهم من كل جانب.

واستشهد كثير من المسلمين وهم يحاولون شقّ طريقهم، واستطاع المشركون أن يصلوا قريبا جدا من موضع النبي صلّى الله عليه وسلم، فرماه أحدهم بحجر أصاب أنفه وكسر رباعيّته. وتمالك النبي صلّى الله عليه وسلم نفسه، وسار مع أصحابه الباقين، فإذا به يقع في حفرة حفرها أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأسرع إليه علي بن أبي طالب وأخذ بيده ... ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى.

ج- أخذ المشركون يديمون زخم هجومهم للقضاء على النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، ونادى أحدهم: بأنه قتل محمدا؛ ولكن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم استماتوا في الدفاع عنه.

كانت أم عمارة نسيبة الخزرجية قد خرجت أول النهار ومعها سقاء لها فيه ماء، تدور على المسلمين لتسقي منهم من استسقى؛ فلما أحاط المشركون بالمسلمين وأصبح الخطر الداهم محدقا بالنبي صلّى الله عليه وسلم نفسه، ألقت نسيبة سقاءها واستلّت سيفا وأخذت تذود عن النبي صلّى الله عليه وسلم بالسيف وترمي عن القوس، حتى خلصت الجراح إليها.

وصدّ أبو دجانة بجسمه النبال المنهالة صوب النبي صلّى الله عليه وسلم، فحنى ظهره عليه والنبل يقع فيه.

ووقف سعد بن أبي وقاص الى جانب النبي صلّى الله عليه وسلم يرمي بالنبل دونه، والنبي صلّى الله عليه وسلم يناوله النبل ويترصّد له إصاباته.

ورمى النبي صلّى الله عليه وسلم عن قوسه، حتى تحطمت القوس. وتساقط المسلمون

__________

(1) - ثبت مع الرسول (ص) أربعة عشر رجلا في أصحابه: سبعة من المهاجرين فيهم أبو بكر الصديق وسبعة من الأنصار. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 42.

حوله صرعى واحدا بعد الآخر مستقتلين في الدفاع عنه ... حتى استطاعوا شقّ طريقهم عبر صفوف قريش الى رابية مشرفة من روابي جبل (أحد) .

وتركت هذه الاستماتة أثرها في قريش، فتوقف زخم هجومهم قليلا، واستفاد المسلمون من هذه الفرصة السانحة، فصعد النبي صلّى الله عليه وسلم بهم الى جبل (أحد) .

وفي طريق صعوده رآه كعب بن مالك الذي كان مع المسلمين الذين تفرقوا عنه، لهول صدمة مباغتة قريش لهم، ولانتشار إشاعة مقتل النبي صلّى الله عليه وسلم، فنادى كعب بأعلى صوته: (يا معشر المسلمين ... أبشروا ... هذا رسول الله) ، فلما سمعت قريش صيحة كعب لم يصدقها أكثرهم وحسبها صيحة أريد بها شدّ عزائم المسلمين، إلا أن بعضهم اندفع وراء النبي صلّى الله عليه وسلم وصحابته.

وتقدم أبيّ بن خلف وهو يقول: (أين محمد؟ لا نجوت إن نجا) . فطعنه النبي صلّى الله عليه وسلم بحربة الحارث بن الصمة طعنة جعلته يتقلب على فرسه ويعود أدراجه ليموت في الطريق، وهو أول قتيل قتل بيد النبي صلّى الله عليه وسلم.

د- وصل المسلمون الى هضبة مرتفعة من جبل (أحد) ، ولكنّ خالد بن الوليد وصل بفرسانه قريبا منهم، فقام المسلمون عليه بهجوم مضاد، واستطاعوا صدّ قواته.

هـ- ذهبت كل محاولات قريش للقضاء على المسلمين أدراج الرياح، إذ تجمّع المسلمون حول النبي صلّى الله عليه وسلم وأصبحوا تحت قيادته، بعد أن كانوا متفرقين لجمع الغنائم أولا، ونتيجة لصدمة المباغتة التي أجراها خالد بن الوليد بالالتفاف حول قواتهم وضربها من الخلف ثانيا.

وبلغ الإعياء برجال قريش حدا بالغا، وفشلت محاولاتهم الهجومية المتكررة للقضاء على المسلمين نهائيا، فقررت قريش إنهاء القتال ...

وقبل العودة أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى: (أفيكم محمد) ؟ فلم يجيبوه. فقال: (أفيكم ابن أبي قحافة) ؟ فلم يجيبوه. فقال: (أفيكم عمر بن

الخطاب) ؟ فلم يجيبوه. ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قريش أن قيام الإسلام بهم. فقال: (أما هؤلاء فقد كفيتموهم) ... فلم يتمالك عمر أن أجاب: (يا عدو الله! إن الذين ذكرتهم أحياء وقد أبقى الله لك ما يسوؤك، وإن محمدا يسمع كلامك الآن) ... فقال أبو سفيان: (يوم بيوم بدر والحرب سجال) . ثم جعل يرتجز ويقول: (أعل هبل ... أعل هبل) ! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه) ؟ قالوا: (يا رسول الله بماذا نجيبه) ؟! قال:

(قولوا: الله أعلى وأجل) . قال أبو سفيان: (لنا العزّى ولا عزى لكم) ! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ألا تجيبونه) ؟! فقالوا: (وبماذا نجيبه) ؟ فقال:

(قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم) .

ولما انصرف أبو سفيان بن حرب ومن معه نادى: (وإن موعدكم بدر للعام القابل) .

فقال النبي صلّى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: (قل نعم! هو بيننا وبينك موعد) .

وصدق الله العظيم: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ «1» بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

«2» .

,

خسائر الطرفين

1- المشركون:

قتل من قريش اثنان وعشرون رجلا.

2- المسلمون:

استشهد من المسلمين واحد وسبعون رجلا. أنظر الملحق (هـ) بأسمائهم.

,

غزوة الخندق

,

التوقيت

كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة الهجرية واستمر حصار المدينة المنورة حوالي شهرا واحدا.

,

قبل المعركة

1- المسلمون:

أ- قرر المسلمون البقاء في المدينة المنورة وحفروا (خندقا) عميقا يحيط بشمال المدينة ويقع بين حرّة المدينة وجبل (سلع) «1» ، لأن هذه المنطقة هي المنطقة الوحيدة المكشوفة من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة؛ إذ أن جهات المدينة الأخرى محاطة بالبساتين الكثيفة والعوارض الطبيعية الأخرى، وذلك يحول دون إمكان إجراء القتال بقوات كبيرة في أطراف المدينة عدا الشمالية منها، حيث إنها مكشوفة كما أسلفنا؛ لذلك أشار سلمان الفارسي «2» بحفر (الخندق) في هذه المنطقة، ولم يكن حفر الخنادق للأغراض الدفاعية معروفا عند العرب من قبل.

وقسّم النبي صلّى الله عليه وسلم منطقة حفر الخندق على أصحابه: لكل عشرة منهم

__________

(1) - جبل سلع: جبل بالقرب من المدينة المنورة. أنظر معجم البلدان 5/ 107.

(2) - سلمان الفارسي: يعرف بسلمان الخير، أصله من فارس، وكان اذا قيل له: ابن من أنت؟ قال: (أنا سلمان ابن الاسلام) . أول مشاهده غزوة (الخندق) وبقية المشاهد وفتوح العراق، وولي المدائن. دخل قوم على سلمان أمير المدائن وهو يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق؟ فقال: (أحب ان آكل من عمل يدي) ، وكان اذا خرج عطاؤه تصدّق به ويأكل من عمل يده. وكان خيّرا فاضلا جدا متقشفا، وقد توفي في المدائن في خلافة عثمان بن عفان وقبره لا يزال فيها. راجع الإصابات 3/ 113 وأسد الغابة 2/ 228 والاستيعاب 2/ 634 وطبقات ابن سعد 4/ 75 و 6/ 16. والمدائن اليوم تسمى: سلمان باك، وهي قريبة من بغداد، وقبر سلمان الفارسي رضي الله عنه في مسجد كبير يزار.

أربعون ذراعا، واشتغل هو بالحفر أيضا، كأي فرد منهم، بل كان المسلمون يستعينون به عندما يصادفون بعض المصاعب والعقبات أثناء الحفر، كظهور الصخور، فيحضر بنفسه لتفتيتها.

وكان العمل يستمر طيلة النهار، ثم يأوى المسلمون ليلا الى دورهم ليأخذوا قسطا من الراحة، وقد سيطر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام بنفسه على العمل، فلا يعود مسلم من عمله في الحفر إلا بموافقته شخصيا.

ب- عسكر المسلمون الى سفح (سلع) وجعلوا (سلعا) خلف ظهرهم.

ج- جمع الرسول صلّى الله عليه وسلم النساء والأطفال في بيوت قوية البنيان في منطقة أمينة داخل المدينة للإفادة من مناعتها في حمايتهم، وهجروا البيوت الواهنة التي لا تساعد على الحماية والدفاع.

د- بعد إنجاز حفر (الخندق) ، احتلّ المسلمون مواضعهم خلف (الخندق) واستفادوا من مناعة جبل (سلع) لحماية ظهورهم وجناحهم الأيسر من التفات الأحزاب من ذلك الاتجاه لقطع خط رجعتهم الى المدينة المنورة وضربهم من الخلف وتطويقهم.

2- المشركون ويهود:

أ- قصد نفر من يهود قريشا في مكة منهم سلّام بن أبي الحقيق وحييّ بن أخطب، فدعوهم الى حرب النبي صلّى الله عليه وسلم، ووعدوهم أنهم سيكونون معهم في قتال المسلمين.

فلما وافقت قريش على قتال المسلمين، قصد يهود غطفان وغيرها من القبائل ودعوهم ألى حرب النبي صلّى الله عليه وسلم أيضا، وأخبروهم أن قريشا معهم على ذلك، فوافقت غطفان والقبائل الأخرى.

ب- لما وصلت قريش وغطفان والقبائل الأخرى الى ضواحي المدينة

المنورة، استطاع حييّ بن أخطب التأثير على يهود بني قريظة، فنكثوا عهدهم مع المسلمين وانضموا الى الأحزاب.

ج- كانت مواضع قتال الأحزاب في ضواحي المدينة كما يلي: (راجع المخطط) .

أولا- قريش في موضع (مجمع الأسيال) من دومة بين الجرف وزغابة.

ثانيا- غطفان وقبائل نجد في موضع (ذنب نقمى) الى جانب (أحد) .

ثالثا- بنو قريظة في حصونهم في ضواحي المدينة المنورة.

,

سير القتال

1- تحرّج موقف المسلمين كثيرا، خاصة بعد انضمام بني قريظة للأحزاب، فقد كان بإمكان هؤلاء يهود التسلل الى داخل المدينة والتعرض بالنساء والأطفال، خاصة وأنهم يعرفون تفاصيل مسالك المدينة لأنهم من أهلها، مما يؤثّر في معنويات المسلمين الذين يقاتلون في ساحة المعركة، لأنهم أصبحوا غير مطمئنين على مصير عوائلهم وذراريهم وأموالهم.

كما كان بامكان يهود القيام بحركة جريئة لقطع خط رجعة المسلمين الى داخل المدينة، وبذلك يفسحون المجال للأحزاب لاقتحام (الخندق) دون مقاومة تذكر ...

لذلك كان وقع نكث بني قريظة لعهدهم شديدا على نفوس المسلمين.

2- بعث يهود رجلا منهم الى داخل المدينة، فاستطاع التسلل الى الدور التي تجمّع فيها النساء والأطفال، ولكنّ هذا اليهودي لم يعد الى قومه ليخبرهم عن مواضع النساء والأطفال، وعن درجة مناعتها وحمايتها، لأن امرأة

مسلمة «1» رأته يحوم حول تلك الدور ليستطلع ما فيها ومن فيها ودرجة قوتها ومقدار حماتها من المسلمين، فاستطاعت قتله مستفيدة من عمود خشبي.

إنّ هذا اليهودي كان دورية استطلاع للحصول على المعلومات عن مواضع النساء والأطفال، حتى يمهد بما يحصل عليه من معلومات لقيام يهود بهجوم مباغت عليهم بعد التأكد من عدم تيسر الحماية الكافية لهم، ليضطر المسلمون الى الانسحاب من مواضعهم الأصلية لنجدة أهليهم وإنقاذ أموالهم.

إنّ قتل هذا اليهودي أنفذ المسلمين من خطر داهم، إذ جعل يهود يفكرون أن في داخل المدينة حرّاسا أشداء من المسلمين، وليس من السهل التغلب على هذه الحراسة الشديدة، لذلك قبع يهود في حصونهم لا يفكرون في الخروج «2» .

2- تحرّكت مفرزة من فرسان قريش فيهم عمرو بن عبدودّ وعكرمة ابن أبي جهل، ومرّوا ببني كنانة واستثاروا حميتهم للقتال، فلما وصلت هذه المفرزة الى الخندق استطلعوا منطقة ضيقة فيه، وعبروها بخيولهم، فخرج علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين للقائهم، واتجهوا فورا الى الثغرة التي عبر المشركون منها لقطع خط رجعة المشركين أولا ولمنع الأمدادات من الأحزاب إليهم ثانيا؛ ثم نازل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدودّ فقتله، كما قتل المسلمون رجلين من المشركين، وعادت بقية فرسان قريش هاربة الى قواعدها.

3- قامت مفرزة من المشركين بالهجوم على المسلمين باتجاه دار النبي صلّى الله عليه وسلم، فقاتلهم المسلمون النهار كله حتى الليل، فلما حانت صلاة العصر تحرّج موقف

__________

(1) - هي صفية بنت عبد المطلب عمة النبي (ص) . انظر سيرة ابن هشام 3/ 246.

(2) - كان الرسول (ص) يبعث سلمة بن أسلم في مائة رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة. انظر طبقات ابن سعد 2/ 67.

المسلمين لاقتراب المشركين من منزل النبي صلّى الله عليه وسلم، حتى لم يستطع المسلمون أن يصلوا، ولكنهم استطاعوا مع الليل صدّ مفرزة المشركين خائبة على أعقابها.

4- حاول الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يرد قسما من الأحزاب عن المدينة لقاء ثلث الثمار، وكاد أن يصل في مفاوضاته مع قادة غطفان الى هذا الاتفاق، ولكن سادات الأوس والخزرج اقترحوا ألا يعطوا المشركين شيئا من ثمارهم، فوافق الرسول صلّى الله عليه وسلم على اقتراحهم هذا.

5- أثّر بقاء الأعراب مدة طويلة حول المدينة في معنوياتهم خاصة وأن الموسم كان شتاء، وأن الأعراب لا يطيقون الصبر طويلا على الحصار المديد ولا على قتال لمدة طويلة بصورة عامة، لذلك أخذوا يبدون تذمرهم من بقائهم مدة طويلة دون جدوى.

6- جاء نعيم بن مسعود الغطفاني الى النبي صلّى الله عليه وسلم وأخبره أنه أسلم ولا يعلم قومه بإسلامه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فان الحرب خدعة) «1» .

خرج نعيم حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم:

(عرفتم ودي إياكم، وقد ظاهرتم قريشا وغطفان على حرب محمد، وليسوا كأنتم: البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون أن تتحوّلوا منه،

__________

(1) - خدع الحرب: راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي. يجوز للدولة المحاربة ان تلجأ في حربها الى الخدع بشرط ألا تصل فيها الى حد الغدر والخيانة. ومن أمثلة خدع الحرب القيام بمناورات كاذبة، وإيقاع العدو في كمين وتضليله (بالمعلومات الكاذبة) إخفاء لما تنوي القيام به من حركات عسكرية، كما يعتبر من الخدع المشروعة العمل بواسطة الأعوان والمأجورين على إثارة الشغب في دولة العدو او نشر الأخبار الكاذبة لغرض إضعاف القوة المعنوية.

وإنّ قريشا وغطفان إن رأوا نهزة «1» وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم حتى تناجزوا محمدا) .

قالت بنو قريظة (أشرت بالنصح ولست عندنا بمنّهم) .

ثم خرج نعيم الى قريش، فقال لهم: (بلغني أن قريظة ندموا، وقد أرسلوا الى محمد: هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم؟

فأجابهم: أن نعم. فإن طلبت قريظة منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا لهم رجلا واحدا) ...

وجاء نعيم غطفان فقال لهم: (أنتم أهلي وعشيرتي) ، وقال لهم مثل ما قال لقريش ... وحذّرهم!!.

أرسل أبو سفيان وسادة غطفان الى قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان في ليلة سبت، وطلبوا منهم الاستعداد للهجوم نهار السبت، ولكنّ قريظة اعتذروا بأنهم لا يقاتلون يوم السبت، ثم طلبت قريظة رهائن من قريش وغطفان قبل أن تشرع بأي هجوم!

قالت قريش وغطفان: لقد صدق نعيم!!

ولما رفض طلب قريظة بإعطائها رهائن من قريش وغطفان قالت: لقد صدق نعيم!

وتفرّقت قلوب الأحزاب وزالت الثقة بينهم.

7- أرسل الرسول صلّى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليلا ليستطلع أخبار الأحزاب،

__________

(1) - نهزة، بضم النون وسكون الهاء: الفرصة.

فرأى قريشا تشدّ رحالها متجهة الى مكة، فلما علمت غطفان بارتحال قريش دون علمها، عادت أدراجها مع القبائل الأخرى الى مواطنها.

وحينذاك علم الرسول صلّى الله عليه وسلم ببصيرته النافذة أن المشركين فقدوا فرصتهم الثمينة، وأن مثل هذه الفرصة لن تعود إليهم مرة أخرى. وإذا لم يستطع المشركون بعد تجمّعهم الضخم هذا أن يقضوا على المسلمين، فكيف يستطيعون القضاء عليهم بعد تفرّقهم؟

,

خسائر الطرفين

1- المسلمون:

ستة شهداء «1» .

2- المشركون:

ثلاثة قتلى.

,

أسباب فشل الأحزاب

1- قيادة غير موحدة:

لم تكن للأحزاب قيادة موحّدة تستطيع السيطرة على جميع القوات المتجمعة وتوجيهها للعمل الحاسم في الوقت الحاسم.

كان لكل قبيلة قائد بل عدّة قواد، ولم يستطع هؤلاء القادة تنظيم خطة موحدة للهجوم على المسلمين.

__________

(1) - هم: سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيق من بني عبد الأشهل وعبد الله بن سهل الأشهلي وثعلبة بن غنمة بن عدي وكعب بن زيد من بني دينار والطفيل بن النعمان.

وقد كان من المستحيل اتفاقهم على قائد منهم ليسيطر على الجميع، لأن هذا القائد سينال شرفا عظيما يتميّز به على الآخرين، ولا يمكن للآخرين أن يرضوا بهذا الامتياز.

لقد كانت النعرة الجاهلية لا الهدف المشترك هي التي تسيطر على القيادة، ولا يمكن أن تنجح مثل هذه القيادة في أي موقف بأي معركة حتى ولو كانت لها كل الظروف المؤاتية لها كما كانت الظروف في غزوة الخندق بالنسبة للأحزاب ويهود.

2- المباغتة بالخندق:

لقد كان حفر الخندق مباغتة تامة للأحزاب، فلم تكن العرب تعرف هذا الأسلوب، كما لم تكن تعرف أسلوب القتال المناسب لاجتياز الخندق والتغلب على المدافعين عنه.

لذلك بقي القتال (مستكّنا) «1» طول مدة الحصار، عدا محاولات قليلة قام بها المشركون لمحاولة اجتياز الخندق باءت كلها بالفشل الذريع.

3- الطقس:

كان موسم القتال شتاء، وكان الأعراب في العراء يعيشون في غير مواطنهم التي يستفيدون فيها من موادهم المتيسرة للتدفئة وللإعاشة وللسكنى ...

لذلك لم يستطيعوا البقاء لحصار المدينة مدة طويلة.

__________

(1) - القتال المستكن: هو القتال الجامد الخالي من قابلية الحركة التي بدونها لا نصر في حرب.

4- انعدام الثقة:

كانت الثقة بين الأحزاب أنفسهم من جهة وبينهم وبين يهود من جهة أخرى واهنة جدا، بل لم تكن هناك ثقة بينهم على الإطلاق.

قريش تريد القضاء على المسلمين بالإفادة من جهود القبائل الأخرى ويهود.

والقبائل الأخرى تريد الأسلاب بالدرجة الأولى من أي مصدر كان، ولو وقعت أموال أحلافهم بني قريظة بيدهم لأخذوها أيضا.

ويهود لا يثقون في الجميع ويريدون القضاء على المسلمين بدماء قريش والقبائل الأخرى.

وهكذا انعدمت الثقة بينهم لتفرق الأهداف والمقاصد والمصالح والرغبات.

5- الصبر على الحصار:

يحتاج الصبر على الحصار المديد الى قوات مدربة لها أهداف معلومة وقيادة مسيطرة. أما القبائل فلا صبر لها على الحصار المديد، لأنها اعتادت التنقل بين فترة وأخرى، كما أنها لا تطيق صبرا على فراق وطنها وأهلها مدة طويلة.

لذلك تذمّر الأعراب من طول مدّة الحصار- على قصرها- وآثروا الارتحال على البقاء.

,

دروس من غزوة الخندق

1- القيادة:

عالجنا أسلوب القيادة المرتبك عند الأحزاب ويهود، مما كان له أسوأ الأثر في نتيجة معركتهم.

وبقدر ما كانت قيادة الأحزاب واهنة، كانت قيادة المسلمين قوية حازمة رشيدة.

قرّر الرسول صلّى الله عليه وسلم البقاء في المدينة المنورة، وأمر بحفر الخندق، وانتخب منطقة الحفر في السهول الكائنة شمال المدينة، ووزّع أعمال الحفر بالتساوي بين أصحابه، وسيطر على العمل، فلا يستطيع أحد ترك واجبه إلا بأمر منه، حتى أنجز أعمال حفر الخندق قبل وصول المشركين الى المدينة المنورة.

واشتغل هو بنفسه بالحفر كبقية أصحابه تماما، بل استأثر دونهم بالأماكن الصلبة في منطقة حفر الخندق التي لم يستطع أصحابه التغلّب عليها، كفلق الصخور القاسية!!

ثم قسّم واجبات احتلال الموضع بين أصحابه، بحيث لا يغفل أحد عن شبر من الخندق ليلا ونهارا، على الرغم من برودة الطقس؛ وقد كان هو بنفسه لا يترك مقرّه إلا ليقوم بتفتيش الحرّاس والمواضع الدفاعية وليحرض المؤمنين على القتال ويرفع من معنوياتهم.

وأمّن حرسا قويا للذراري الذين تركهم في دور المدينة.

وأهم من ذلك كله سيطرته على أصحابه عندما تأزّم الموقف حين وصلت الأحزاب الى ضواحي المدينة بقوات متفوقة على المسلمين، وحين نكثت قريظة عهدها، فأصبح الخطر يهدّد المسلمين من داخل المدينة وخارجها.

2- تعبئة جديدة:

استفاد المسلمون من حفر الخندق للدفاع عن المدينة المنورة، وهذا الأسلوب الجديد من أساليب القتال يدخل في أساليب العرب الحربية لأول مرة في التاريخ.

إنّ القائد العبقري هو الذي يستخدم أسلوبا جديدا أو سلاحا جديدا في القتال، والخندق هو الأسلوب الجديد الثاني الذي استخدمه الرسول صلّى الله عليه وسلم في القتال، بعد أن استخدم أسلوب الصفوف في معركة (بدر) كما رأينا.

لقد أخذ الرسول صلّى الله عليه وسلم بفكرة حفر الخندق من سلمان الفارسي، لذلك قال فيه كلمته الخالدة: (سلمان منّا أهل البيت) ، ليشجّع على التفكير المفيد ويشيد بالعاملين للمصلحة العامة ويقطع دابر العصبيّات.

3- الحرب خدعة:

رأينا أثر الإشاعات التي بثّها نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب، ولا يمكن نجاح الأحزاب أو غيرهم إلا بجمع الكلمة، فلما تفرّقت كلمتهم، كان نصيبهم الإخفاق.

إن الحرب الحديثة تعتمد على بثّ الإشاعات المثيرة لتصديع الصفوف وبلبلة الافكار، وقسم بث الإشاعات من أهم أقسام شعب الاستخبارات في تشكيلات الجيوش، وهي أسلوب من أشد أساليب الحرب النفسية فتكا.

وبقدر ما كانت الإشاعة تعمل عملها في صفوف الأحزاب، فإن الإشاعة لم يكن لها أي أثر في صفوف المسلمين.

حاول المنافقون أن يبثّوا سموم إشاعاتهم لتحطيم معنويات المسلمين، ولكنّ محاولتهم فشلت.

وعندما أرسل الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه لمعرفة موقف بني قريظة، وعاد هؤلاء إليه بعد أن تأكدوا من صحة إشاعة نكث بني قريظة بعهودها، حرصوا على أن يخبروا الرسول صلّى الله عليه وسلم بهذا الخبر باسلوب من الكلام لا يفهمه غير الرسول صلّى الله عليه وسلم نفسه، فقد أخبروه بالرمز دون الافصاح حتى لا يؤثر هذا الخبر في معنويات المسلمين.

لقد عرف المسلمون أثر الإشاعة في المعنويات قبل أربعة عشر قرنا.

4- المبادأة «1» :

غزوة (الخندق) هي المعركة الحاسمة الثانية بعد معركة (بدر) الكبرى، فلو نجح المشركون ويهود في هذه المعركة لتغيرت وجهة التاريخ الاسلامي.

لقد استطاع يهود أن يجمعوا الأحزاب حول المدينة المنورة، وعاونهم يهود بني قريظة بعد وصولهم الى المدينة، للقضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، وهذا التجمع فرصة لا تعود أبدا خاصة إذا أخفقت هذه الأحزاب.

إن معنى إخفاق الأحزاب ويهود بعد هذا التجمع الهائل، أنهم لن يجتمعوا مرة أخرى، وأنهم لا يستطيعون القضاء على المسلمين بعد ذلك منفردين بعد أن عجزوا عن القضاء عليهم مجتمعين، ولهذه النتيجة أثر حاسم في انتشار الاسلام فيما بعد.

لقد انتقل المسلمون من دور الدفاع «2» الى دور الهجوم «3» في اليوم الذي انتهت به غزوة الخندق، لذلك قال الرسول صلّى الله عليه وسلم لأصحابه بعد انسحاب الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) .

وانتقلت المبادأة الى يد المسلمين بعد هذه الغزوة، ولم يتركوها حتى شمل الإسلام شبه الجزيرة العربية كلها، وارتفعت راية الاسلام شرقا وغربا فوق كل راية: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً) «4»

__________

(1) - المبادأة: تعبير يقصد به من الناحية العسكرية السبق بالعمل لإجبار العدو على تبديل خطته والاحتفاط بهذا السبق.

(2) - الدفاع: تعبير عسكري يقصد به التدابير المتخذة لإيقاف تقدم العدو في موضع ما لمدة قصيرة أو طويلة.

(3) - الهجوم: تعبير عسكري يقصد به سلسلة حملات تتخللها وقفات ضرورية.

(4) - الآية الكريمة من سورة الأحزاب 33: 25.

القصاص العادل

(وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) .

(القرآن الكريم)

,

محاسبة الغادرين

,

قبل المعركة

1- المسلمون:

أ- خرج أبو سفيان بن حرب أوائل الخريف من السنة الثانية الهجرية في تجارة كبيرة الى الشام، وقد أراد المسلمون اعتراضها في غزوة (العشيرة) عند ذهابها الى الشام، ولكنها تملّصت منهم.

وتحيّن المسلمون عودتها من الشام، فبعث الرسول صلّى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد ينتظرانها، حتى إذا وصلا (الحوراء) «1» على طريق الشام- مكة مكثا هناك، فلما مرّت القافلة بهم، أسرعا الى المسلمين يخبر ان النبي صلّى الله عليه وسلم بأمرها.

ندب الرسول صلّى الله عليه وسلم المسلمين للخروج، وقال لهم: (هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها) .

__________

(1) - الحوراء: كورة من كور مصر القبلية في آخر حدودها من جهة الحجاز، وهي على البحر الأحمر، وهي مرفأ سفن مصر الى المدينة. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 3/ 359.

وخفّ قسم من الناس وثقل قسم منهم، لأنهم لم يظنوا أن الرسول صلّى الله عليه وسلم سيخوض معركة حاسمة ضد المشركين، بل ظنوا أن الغزوة ستكون عبارة عن مناوشات طفيفة، كما حدث في السرايا والغزوات السابقة. وأراد جماعة لم يسلموا أن يضموا الى المسلمين طمعا في الغنيمة، فأبى النبي صلّى الله عليه وسلم عليهم الانضمام أو يؤمنوا بالله ورسوله.

ب- تحركت قوات المسلمين من المدينة المنورة لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية الهجرية بالترتيبات التالية:

أولا: دورية استطلاعية أمامية للحصول على المعلومات عن اتجاهات القافلة التجارية ونيات قريش.

ثانيا: القسم الأكبر «1» مؤلف من كتيبتين: كتيبة المهاجرين ورايتها مع علي بن أبي طالب وعمير بن هاشم، وكتيبة الأنصار ورايتها مع سعد بن معاذ، وهاتان الرايتان سوداوان.

ثالثا: مؤخرة بإمرة قيس بن أبي صعصعة.

رابعا: راية المسلمين العامة بيضاء مع مصعب بن عمير بن هاشم.

ج- سلكت قوات المسلمين طريق القوافل بين المدينة وبدر البالغ طوله حوالي (160) كيلومترا، وقد قسّم الرسول صلّى الله عليه وسلم الإبل المتيسرة وعددها سبعون بعيرا على أصحابه، وكان من نصيبه مع علي بن أبي طالب ومرثد ابن أبي مرثد الغنوي بعير واحد يتعاقبونه، تماما كما يفعل أي فرد من قواته.

قال شريكا الرسول صلّى الله عليه وسلم في البعير: (نحن نمشي عنك) . فقال: (ما أنتما

__________

(1) - القسم الأكبر: تعبير عسكري يقصد به القوة الرئيسة من القطعات المتحركة لأغراض القتال.

بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) . وأراد بذلك المساواة مع أي فرد من قواته.

د- انطلق المسلمون مسرعين خوفا من إفلات قافلة أبي سفيان بن حرب منهم، وبثوا عيونهم يتعرفون الأخبار، فلما وصلوا قريبا من (الصفراء) «1» بعث الرسول صلّى الله عليه وسلم دورية استطلاعية قوتها رجلان الى (بدر) للحصول على المعلومات عن قريش وقافلتها، فلما وصل المسلمون (وادي ذفران) «2» جاءهم الخبر بخروج قريش من مكة لنجدة قافلتهم.

هـ- أخبر الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه بما بلغه من أمر قريش طالبا مشورتهم، فأدلى أبو بكر وعمرو برأييهما، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: (يا رسول الله! امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى:

اذهب أنت وربك فقاتلا إناها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى (برك الغماد) «3» لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه) .

فسكت الناس فقال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (أشيروا عليّ أيها الناس) ، وكان يريد بكلمته هذه الأنصار الذين بايعوه يوم (العقبة) على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم ولم يبايعوه على صد اعتداء خارج مدينتهم، فكان الرسول صلّى الله عليه وسلم يخشى ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن يهاجمه في المدينة المنورة.

__________

(1) - الصفراء: واد من ناحية المدينة كثير الخيرات. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 5/ 367.

(2) - وادي ذفران: واد قرب وادي الصفراء. أنظر معجم البلدان 4/ 195.

(3) - برك الغماد: موضع في اليمن. ويقال: هو أقصى حجر. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 2/ 149.

فلما أحس الأنصار أن الرسول صلّى الله عليه وسلم يريد سماع رأيهم، قام سعد بن معاذ وقال: (لكأنك تريدنا يا رسول الله) ؟ فقال: (أجل) !

قال سعد: (لقد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك. فو الذي بعثك لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا: إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسربنا على بركة الله) .

وارتحلوا جميعا حتى إذا كانوا على مقربة من (بدر) انطلق الرسول صلّى الله عليه وسلم أمام قواته وبصحبته أبو بكر، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، قال الشيخ: (لا أخبركما حتى تخبراني: ممن أنتما) ؟

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (إذا أخبرتنا أخبرناك) .

علم الرسول صلّى الله عليه وسلم من شيخ العرب، أن غير قريش قريبة منه، فقال لشيخ العرب: (نحن من ماء) . ثم انصرف وصاحبه عنه والشيخ يقول: (ما من ماء؟ أمن ماء العراق) ؟ وهكذا لم يخبره الرسول صلّى الله عليه وسلم عن هويته حتى لا تعلم قريش بمواضع المسلمين.

وأرسل الرسول صلّى الله عليه وسلم دوريتي استطلاع غرضهما الحصول على معلومات عن قوة قريش ومواضعها.

الدورية الأولى مؤلفة من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، استطاعت الوصول الى ماء بدر، وعادت ومعها

غلامان لقريش، فاستنطقهما الرسول صلّى الله عليه وسلم، وعلم منهما أن قريشا وراء الكثيب (بالعدوة القصوى) ولما أجابا: (بأنهما لا يعرفان عدد رجال قريش) .

سألهما: (كم ينحرون يوميا) ؟ فأجابا: (يوما تسعا ويوما عشرا) ، فاستنبط الرسول صلّى الله عليه وسلم من ذلك أنهم بين التسعمائة والألف، وعرف من الغلامين كذلك أن أشرف قريش جميعا خرجوا لمنعه.

والدورية الثانية مؤلفة من رجلين من المسلمين وصلا ماء بدر، فسمع جارية تطالب صاحبتها بدين عليها والثانية تجيبها: (إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك) ، فعاد الرجلان فأخبرا الرسول صلّى الله عليه وسلم بما سمعا.

ز- تأهّب المسلمون لخوض المعركة وعسكروا في أدنى ماء من بدر فجاء الحباب بن المنذر «1» الى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: (أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة) ؟

__________

(1) - الحباب بن المنذر الأنصاري السلمي، يكنى أبا عمرو، شهد بدرا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله (ص) . يقال له ذو الرأي، سار رسول الله (ص) يبادر قريشا الى الماء، فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه، فقال الحباب بن المنذر: (يا رسول الله! أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة) ؟! فقال رسول الله (ص) : (بل هو الرأي والحرب والمكيدة) . قال الحباب: (يا رسول الله، ليس هذا بمنزل، ولكن انهض حتى تجعل القلب كلها وراء ظهرك، ثم غور كل قليب بها إلا قليبا واحدا، ثم احفر عليه حوضا، فنقاتل القوم ونشرب ولا يشربون، حتى يحكم الله بيننا وبينهم) . فقال رسول الله (ص) : (أشرت بالرأي) ، وفعل ذلك. توفي الحباب في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. أنظر التفاصيل في طبقات ابن سعد 3/ 567، والإصابة 1/ 316، التسلسل 1547، وأسد الغابة 1/ 364، والاستيعاب 1/ 316، التسلسل 458.

قال: (بل هو الحرب والرأي والمكيدة) .

قال الحباب: (يا رسول الله. فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فنعسكر فيه، ثم نعوّر «1» ما وراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون) .

أنفذ الرسول صلّى الله عليه وسلم هذا الرأي، فما حلّ نصف الليل حتى تحول المسلمون الى معسكرهم الجديد، وامتلكوا مواقع الماء، وأعلن الرسول صلّى الله عليه وسلم لأصحابه:

(أنه بشر مثلهم، وأن الرأي شورى بينهم، وأنه لا يقطع برأي دونهم، وأنه في حاجة الى حسن مشورة صاحب المشورة الحسنة منهم) ...

وأنجزوا بناء الحوض وملأوه ماء، ثم غوّروا المياه الأخرى، وتم كل ذلك ليلا، ثم أخذوا قسطهم من الراحة بقية الليل، ليكونوا أقوياء في الصراع الوشيك.

2- المشركون:

علم أبو سفيان بن حرب بخروج الرسول صلّى الله عليه وسلم لاعتراض قافلته حين رحلته الى الشام، فخاف أن يعترضه المسلمون حين عودته.

لقد كانت القافلة حوالي ألف بعير موفرة بالأموال، إذ لم يبق أحد من قريش رجالا ونساء لم يساهم فيها بحظ حسب امكاناته الاقتصادية، حتى قوّم ما تحمله القافلة بخمسين ألفا من الدنانير.

ولما تأكد أبو سفيان بن حرب من خروج الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه للتعرض

__________

(1) - نعور: تروى هذه الكلمة بالعين المهملة، ومعناها على ذلك (نفسد) وذلك بأن يقذفوا في القلب أحجارا وترابا فيفسدوها على أعذائهم؛ وتروى بالغين المعجمة، ومعناها حينئذ بجعله يغور في الأرض، وهو قريب من سابقه.

لقافلته العزلاء إلا من ثلاثين أو أربعين رجلا، استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه مسرعا الى مكة ليستنفر قريشا الى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه.

وصل ضمضم الى مكة، فقطع أذن بعيره، وجدع أنفه وحول رحله، ووقف هو عليه وقد شقّ قميصه من قبل ومن دبر، وجعل يصيح: (يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة «1» ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ... لا أرى أن تدركرها. الغوث الغوث ... ) .

ولم تكن قريش في حاجة الى من يستنفرها، فقد كان لكل فرد منها في العير نصيب.

ولما فرغت قريش من جهازها وأجمعت المسير، ذكرت ما كان بينها وبين بني (كنانة) من الحرب والحزازات، فخشوا أن تضربهم (كنانة) من الخلف، وكاد هذا المحذور يقعدهم عن الخروج لولا أن جاء مالك بن جشعم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: (أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه) ...

إذ ذاك قررت قريش الخروج خاضعة لرأي دعاة الحرب وعلى رأسهم أبو جهل، أشد الناس عداوة للمسلمين، وعامر بن الحضرمي أخو عمرو بن الحضرمي الذي قتله المسلمون في (نخلة) والذي يحرص على الأخذ بثأره.

ولم يتخلّف من أشراف قريش غير أبي لهب الذي أرسل مكانه رجلا آخر، كما حشد هؤلاء كل القادرين على حمل السلاح من قريش وحلفائهم.

وسبق أبو سفيان بن حرب قافلته للحصول على المعلومات عن قوة المسلمين

__________

(1) - اللطيمة: هي الإبل تحمل الطيب.

ومواضعهم فلما ورد ماء (بدر) وجد عليه مجدي بن عمرو، فسأله: (هل رأى أحدا من المسلمين) ؟ فأجاب مجدي: (لم أر إلا راكبين أناخا الى هذا التل) ، وأشار الى حيث أناخ الرجلان من المسلمين.

فحص أبو سفيان بن حرب مناخهما، فوجد في روث بعيريهما نوى عرفه في علائف يثرب، فأدرك أن الرجلين من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، وأن جيشه منه قريب، فرجع الى القافلة ليغيّر طريقها نحو الساحل، تاركا (بدرا) الى يساره، وأسرع في مسيره حتى بعدت المسافة بين القافلة وبين قوات المسلمين، وأرسل أبو سفيان الى قريش يطلب منهم أن يعودوا أدراجهم الى مكة لنجاة قافلتهم من المسلمين.

وأرسلت قريش عمير بن وهب الجمحي ليستطلع لهم قوة المسلمين، فرجع إليهم ليخبرهم أنهم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولا كمين لهم ولا مدد، ولكنهم قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، فلا يموت منهم رجل قبل أن يقتل رجلا مثله.

وتضاربت آراء قريش، منهم من يريد الرجوع ومن هؤلاء بنو زهرة الذين رجعوا فعلا، ومنهم من يريد البقاء، ومعنى ذلك الاصطدام بالمسلمين.

قال أبو جهل زعيم الذين أرادوا البقاء لقتال المسلمين: (والله لا نرجع حتى نرد (بدرا) ، فنقيم عليه ثلاثة ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها) .

وقصد حكيم بن حزام عتبة بن ربيعة فقال: (يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها. هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير الى آخر الدهر) ؟

قال عتبة: (وماذا يا حكيم) ؟

قال حكيم: (ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي) .

قال عتبة: (قد فعلت. أنت عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعلي عقله «1» وما أصيب من ماله؛ فأت ابن الخنظلية- يقصد أبا جهل- فإني لا أخشى أن يشجر- أي يخالف بين الناس ويحملهم على عدم الوفاق- أمر الناس غيره) .

قال حكيم: (فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته نثل درعا- أي أخرج درعه- من جرابها، يهنئها- أي يتفقدها ويعدها للقتال- فقلت: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا) ...

قال أبو جهل: (انتفخ والله سحره «2» - يقصد أن عتبة جبن- حين رأى محمدا صلّى الله عليه وسلم وأصحابه- كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور؛ وفيهم ابنه تخوّفكم عليه) ...

وبعث أبو جهل الى عامر بن الحضرمي فقال: (هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك) «3» . فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف، ثم صرخ: (واعمراه!! واعمراه!!) .

ولما علم عتبة بقول أبي جهل: (انتفخ والله سحره) قال: (سيعلم مصفّر أسته- أي الجبان- من انتفخ سحره، أنا أم هو) ؟

ولم يبق مفر ولا مهرب من القتال.

__________

(1) - عقله: ديته.

(2) - سحر: الرئة وما حولها.

(3) - الخفر: بضم الخاء أو فتحها هو العهد، وأنشدها: أي أذكرها.

,

سير القتال

1- أنجز المسلمون قبل بدء القتال ما يلي:

أ- انتخب الرسول صلّى الله عليه وسلم موضعا مشرفا على منطقة القتال في (بدر) وبنى فيه مقرّه- العريش- وأمّن حراسة هذا المقر.

ب- جرى ترتيب المقاتلين في صفوف، وساوى الرسول صلّى الله عليه وسلم بين الصفوف بعد أن شجّع أصحابه وحرّضهم على الصبر في القتال.

وأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه أن يصدّوا هجمات المشركين وهم مرابطون في مواقعهم وقال لهم: (إذا اكتنفكم القوم، فانضحوهم بالنبل، ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا) ...

ج- كانت كلمة التعارف بين المسلمين وشعارهم في القتال: أحد ... أحد.

2- دخل المسلمون المعركة بالأسلوب الآنف الذكر: مقر قيادة كامل، وسيطرة لقائد واحد، وأسلوب جديد في القتال لم تعرفه العرب من قبل، هو أسلوب الصف.

3- أما المشركون فقد مارسوا أسلوب قتال (الكر والفر) بدون قيادة منظمة ولا سيطرة، بحيت جرى قتالهم كأفراد لا كمجموعة موحّدة.

4- بدأ المشركون الهجوم أولا، إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون قائلا: (أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه) ، فتصدّى له حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فضربه بالسيف ضربة أطارت نصف ساقه، ومع ذلك حبا الى الحوض لاقتحامه، وتبعه حمزة يقاتله حتى قتله فيه.

5- برز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فخرج إليهم فتية من الأنصار، ولكنّ الرسول صلّى الله عليه وسلم أعادهم وطلب خروج عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، لأنهم من أهله فهو يؤثرهم بالخطر على غيرهم، ولأن شجاعتهم وممارستهم للقتال معروفة، لذلك فإن نجاحهم مضمون على رجالات قريش، مما يرفع معنويات المسلمين ويضعضع معنويات المشركين.

بارز عبيدة عتبة، وبارز عليّ الوليذ، وبارز حمزة شيبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وكذلك فعل علي، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الآخر، فكرّ علي وحمزة بأسيافهما على عتبة، فأجهزا عليه واحتملا صاحبهما.

6- استشاط المشركون غضبا لهذه البداية السيئة، فأمطروا المسلمين وابلا من سهامهم وهاجمتهم فرسانهم، إلا أن صفوف المسلمين بقيت صامدة في مواضعها، تصوّب نبالها على المشركين متوخية إصابة ساداتهم بالدرجة الأولى؛ ولم يفطن المشركون لأسلوب المسلمين الجديد في القتال، مما جعل رجالات المشركين تتهاوى بوابل نبال المسلمين المصوّبة تصويبا دقيقا والمسيطر عليها.

7- ونزل الرسول صلّى الله عليه وسلم بنفسه يقود صفوف المسلمين، وأخذت هذه الصفوف تقترب رويدا رويدا من فلول المشركين التي فقدت قادتها ... حتى تبعثرت قوات المشركين.

وحينذاك فقط أصدر الرسول صلّى الله عليه وسلم أمره لقواته: (شدّوا) ، ومعنى ذلك القيام بالمطاردة.

وبدأت مطاردة المسلمين لفلول المشركين، وأخذوا يجمعون الغنائم والأسرى.

8- ابتدأت معركة (بدر) صباح يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية الهجرية، وانتهت مساءه، وبقي المسلمون ثلاثة أيام في (بدر) بعد المعركة ...

ثم غادروها عائدين الى المدينة المنورة.

,

خسائر الطرفين

1- المسلمون:

استشهد أربعة عشر مسلما: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.

(انظر الملحق ج) .

2- المشركون:

قتل سبعون رجلا «1» وأسر سبعون أيضا «2» .

,

قبل المعركة

1- المسلمون:

سمع الرسول صلّى الله عليه وسلم بأخبار تحشّد هوازن وثقيف لمهاجمة المسلمين، فأرسل

عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يذهب الى منطقة تحشد المشركين للتأكد من صحة تلك الأخبار.

وعاد عبد الله الأسلمي من واجبه ليخبر المسلمين بأن قبائل هوازن وثقيف قد أنجزت حشدها في منطقة وادي أوطاس، وأنها تنوي مهاجمة المسلمين. قرر الرسول صلّى الله عليه وسلم مهاجمة هذه القبائل ليحتفظ بالمبادأة بيد المسلمين، وبدأ بانجاز الاستعدادات الضرورية للحركة.

وبلغ الرسول صلّى الله عليه وسلم أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا فاستعارها من صفوان ليكمل بها تسليح قواته، وكان عددها مائة درع مع أسلحتها؛ ولما أنجز المسلمون استعداداتهم تحرّكوا باتجاه (حنين) ، وكانت المقدمة مؤلفة من سليم بقيادة خالد بن الوليد وأمامها القطعات الراكبة من الفرسان، وكان القسم الأكبر مؤلفا من القبائل الأخرى، وأمام كل قبيلة رايتها؛ وكانت الكتيبة الخضراء المؤلفة من المهاجرين والأنصار في مؤخرة القسم الأكبر ومعها الرسول صلّى الله عليه وسلم.

وصل جيش المسلمين فجرا الى وادي (حنين) ، ذلك الجيش الذي قال المسلمون عنه: (لن نغلب اليوم من قلّة) .

2- المشركون:

حشدت هوازن وثقيف قواتها في وادي حنين (أوطاس) ومعهم نساؤهم وأطفالهم وأموالهم، وقد أراد مالك بن عوف قائدهم أن تكون الذراري والأموال مع المقاتلين، حتى يشعر كل رجل منهم وهو يقاتل أن حرمته وثروته وراءه فلا يفر عنها.

وقد اعترض دريد بن الصمّة وهو فارس مجرب قائلا لمالك: (هل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك) . فكان جواب مالك: (والله لا

أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري) .

اضطرت هوازن الى الأخذ برأي مالك، وكان شابا في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة شجاعا، ولكنه كان سقيم الرأي متهورا سيىء المشورة.

كانت خطة مالك تتلخص باحتلال الهضاب والجبال المشرفة على وادي (حنين) الذي ستسلكه قوات المسلمين، حتى اذا دخلت قوات المسلمين في الوادي، باغتهم المشركون بالرمي عليهم بالنبال من كل جانب لارباك ترتيباتهم التعبوية التي اتخذوها في مسير الاقتراب والتأثير في معنوياتهم، ثم القيام بالهجوم عليهم بعد ارتباك ارتال مسيرهم وإيقاع الخسائر بهم وتحطيم معنوياتهم لإجبارهم على الانسحاب أولا ومحاولة قلب الانسحاب الى هزيمة نكراء.

وأكمل المشركون احتلال هضاب الوادي ومضايقه قبل دخول المسلمين اليه، وكمنوا في مواضعهم المستورة انتظارا لجيش المسلمين.

,

خسائر الطرفين

1- المسلمون:

كانت خسائرهم كبيرة جدا في الأرواح. أنظر الملحق (م) .

2- المشركون:

كانت خسائر المشركين في الأرواح كبيرة جدا، أما خسائرهم في الأموال فكانت:

أربعة وعشرين ألف بعير.

أربعين ألف شاة.

أربعة آلاف أوقية من الفضة.

ستة آلاف نسمة من السبي.

,

خسائر الطرفين

1- المسلمون:

شهيدان فقط.

2- المشركون:

ثلاثة عشر قتيلا وبعض الجرحى.

سرايا الدعوة الى التوحيد

الهدف:

1- دعوة القبائل العربية المحيطة بمكة الى الإسلام.

2- تحطيم الأصنام والأوثان خارج مكة المكرمة.

سرية خالد بن الوليد الى العزّى «1»

بعث النبي صلّى الله عليه وسلم خالدا لخمس ليال بقين من رمضان- أي بعد خمسة أيام من فتح مكة- سنة ثمان الهجرية لهدم (العزّى) في ثلاثين فارسا من أصحابه، فلما سمع سادنها «2» بمسير خالد إليها، علّق عليها سيفه والتجأ الى الجبل الذي هي فيه وهو يقول:

أيا عزّ شدي شدّة لا شوى «3» لها ... على خالد، ألقي القناع وشمّري

ويا عزّ إن لم تقتلي اليوم خالدا ... فبوئي «4» بإثم عاجل أو تنصّري

فلما انتهى إليها خالد هدمها وهو يقول:

يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك

وعاد خالد الى النبي صلّى الله عليه وسلم بعد انتهاء واجبه.

__________

(1) - العزى: أعظم الأصنام عند قريش وبني كنانة، وكان سدنتها وحجابها بنو شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، وكانت العرب وقريش تسمى بها: (عبد العزى) . راجع سيرة ابن هشام 1/ 87 و 4/ 64، والطبري 2/ 340، وابن الأثير 2/ 97.

(2) - السادن: خادم بيت العبادة، جمعها: سدنة.

(3) - لا شوى: أي لا تبقى على شيء.

(4) - بوئي: ارجعي.

سرية عمرو بن العاص الى سواع «1»

بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة ثمان الهجرية عمرو بن العاص الى (سواع) صنم هذيل ليهدمه.

قال عمرو: (فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن أهدمه! فقال: لا تقدر على ذلك! فقلت: لم؟ فقال:

تمنع! فقلت: حتى الآن أنت في الباطل؟! ويحك هل يسمع أو يبصر؟! فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ فقال: أسلمت لله) .

سرية سعد بن زيد الأشهلي الى مناة «2»

بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة ثمان الهجرية سعد بن زيد الأشهلي الى (مناة) وكانت ب (المشلّل) «3» للأوس والخزرج وغسان، فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: (ما تريد) ؟

قال: (هدم مناة) ، قال: (أنت وذاك) ! فأقبل سعد يمشي إليها هو وأصحابه فهدموا الصنم ولم يجدوا في خزانتها شيئا، فانصرف الى رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مكة، وكان ذلك لستّ بقين من رمضان المبارك.

__________

(1) - سواع: صنم كان (برهاط) من أرض (ينبع) ، كان سدنته بنو لحيان. أنظر كتاب الأصنام للكلبي ص 9.

(2) - مناة: أقدم الأصنام كلها، وكانت العرب تسمي: (عبد مناة) و (زيد مناة) ، وكان منصوبا على ساحل البحر الاحمر من ناحية المشلل بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من تلك المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظاما له من الأوس والخزرج. أنظر كتاب الأصنام للكلبي ص 13.

(3) - المشلل: جبل يهبط منه الى قديد من ناحية البحر الأحمر. أنظر معجم البلدان 8/ 67.

سرية خالد بن الوليد الى جذيمة من كنانة

لما رجع خالد من هدم (العزى) ورسول الله صلّى الله عليه وسلم مقيم بمكة، بعثه في شوال سنة ثمان الهجرية الى بني جذيمة وكانوا بأسفل مكة ناحية (يلملم) «1» ، وقد بعثه (داعيا) الى الإسلام ولم يبعثه (غازيا) «2» ، فدعاهم الى الاسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا) ! فجعلوا يقولون: (صبأنا! صبأنا) ! فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ثم دفع الى كل رجل أسيره، حتى إذا كان يوم من الأيام، أمر خالد أن يقتل كل رجل أسيره، فلما علم النبي صلّى الله عليه وسلم بذلك قال:

(اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) «3» .

وفي رواية أخرى، أن خالدا خرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فلما انتهى الى بني جذيمة قال: (ما أنتم) ؟ قالوا:

(مسلمون، قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنا فيها) ! فقال: (فما بال السلاح عليكم) ؟! فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح) ! قال: (فضعوا السلاح) ، فلما وضعوه قال لهم: (استأسروا) ! فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتّف بعضا وفرّقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: (من كان معه أسير فليدافّه) ! والمدافة: الإجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أساراهم، فلما بلغ النبي

__________

(1) - يلملم: موضع على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن. أنظر معجم البلدان 7/ 514.

(2) - أنظر فتح الباري بشرح البخاري 8/ 45، وسيرة ابن هشام 4/ 53. وطبقات ابن سعد 2/ 147.

(3) - فتح الباري بشرح البخاري 8/ 45- 46. وصبأنا يعنون بها: دخلنا دين محمد (ص) . يقال صبأ الرجل إذا خرج من دين الى دين، ومنه (الصابئون) لأنهم قد اتخذوا دينا بين اليهودية والنصرانية.

صلّى الله عليه وسلم ذلك قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ؛ وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم «1» . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (يا علي! أخرج الى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك) ، فخرج علي حتى جاءهم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب «2» ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم حين فرغ منهم:

(إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم مما لا يعلم وتعلمون) ، فلما رجع وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بما فعل، قال له: (أصبت وأحسنت) «3» .

ومن الواضح أن الرواية الأولى، وهي الرواية التي رواها الإمام البخاري في صحيحه هي الصحيحة، لأن صحيح البخاري هو أوثق المصادر في روايته، ولأنها أقرب للعقل والمنطقق، ولأن خالدا لو اقتنع بإسلامهم لما تجرأ مطلقا على قتلهم.

لقد قال بنو جذيمة: (صبأنا ... صبأنا) ، فحمل خالد هذه اللفظة على ظاهرها، أي أنهم خرجوا من دين الى دين، فلم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالاسلام «4» ، والدليل على ذلك أنه قال لهم: (ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا) «5» ، وهذا دليل قاطع على أنه لم يقتنع بأن كلمة: (صبأنا) ، هي بمعنى: أسلمنا «6» .

__________

(1) - أنظر طبقات ابن سعد 2/ 147- 148، وسيرة ابن هشام 4/ 54.

(2) - ميلغة الكلب: خشبة تحفر ثم تتخذ ليلغ فيها الكلب.

(3) - سيرة ابن هشام 4/ 55، والطبري 2/ 242، وجوامع السيرة ص 235، وعيون الأثر 2/ 186.

(4) - فتح الباري بشرح البخاري 8/ 46.

(5) - سيرة ابن هشام 4/ 53 والطبري 2/ 341 وابن الأثير 2/ 97 وتاريخ أبي الفدا 1/ 145.

(6) - انظر تفاصيل ذلك في سيرة خالد ابن الوليد المخزومي في كتابنا: قادة فتح العراق والجزيرة 72- 74.



كلمات دليلية: