غزوة الأحزاب الخندق _15570

غزوة الأحزاب الخندق


موقف المسلمين في المدينة من الأحزاب

:

وكان المسلمون في المدينة -حينئذٍ- هم المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله وجهادًا في سبيله، والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين آووا رسول الله ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، كان موقفهم موقفا عصيبًا يحيط به الحرج والضيق ويسود فيه الخوف والرهبة، ولا غرو فهؤلاء هم أحزاب الشر، وأعداء الحق، وأنصار الشيطان يزحفون مسرعين

إلى المدينة! وهذه هي الجزيرة العربية تتسمع في لهفة إلى أبنائهم، وتترقب باهتمام بالغ نتيجة زحفهم.

إنها تجربة لها ما وراءها من نتائج وآثار، فلو قدر لهؤلاء الأحزاب أن ينتصروا فتلكم الضربة القاصمة التي لا تقوم بعدها للمسلمين قائمة، أما لو قدر لهم أن يرجعوا مجللين بالخزي والعار، وإن يفجعوا فيما علقوه على هذه المحاولة من آمال كبار، فتلك -حينئذٍ- مصيبة الدهر وفضيحة العمر. وهيهات ثم هيهات أن تتجمع لهم مثل هذه الأحزاب، وأن تتوافر لها الظروف والأسباب.

أجل، لقد أدرك المسلمون جميعًا في المدينة عظم الخطب، وفداحة المسئولية، وعرفوا أن الأمر مع المشركين في هذه المرة، إما إلى النصر، وإما إلى القبر، أو كما يقول القائل:

فإما إلى صدَّاحة تطرب الورى ... وإما إلى نواحة في المآتم1

وقد جمع أعداء الإسلام لأول مرة في تاريخهم مع المسلمين جموعهم وجاءوا في عدة وعديد لم يسبق لها مثيل في حروب العرب جميعًا.

لقد كان عددهم في العام الثاني من الهجرة حينما التقوا مع المسلمين في يوم بدر ألفًا أو أقل من الألف، ثم أصبح عددهم في غزوة أحد في العالم الثالث من الهجرة ثلاثة آلاف، فما بالهم الآن بعد عام واحد من غزوة أحد يصبحون عشرة آلاف؟!

وماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة هذه الألوف المؤلفة من الرجال والخيل والإبل والأسلحة والذخيرة؟!

إن الأمر يحتاج إلى مزيد من اليقظة والحذر والشجاعة والإيمان، وإن الواجب يحتم على كل جندي من جنود المسلمين أن يتعاون في إخلاص مع قائده الأعلى

__________

1 مع بُعد الشبه.

ليسيروا جميعًا في منهج سليم، وسبيل قويم، حتى يفرج الله كربهم، ويكشف عنهم هذا الضر والبلاء.

حفر الخندق:

وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟

وجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 1.

وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي -رضي الله عنه- على الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.

وكانت فكرة ,

حفر الخندق

فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وحينما رأى الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ

__________

1 سورة آل عمران، الآية 159.

وقام يباشر بنفسه هذا العمل الكبير.

ويقع المكان الذي اختاره الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليحفر فيه هذا الخندق في شمال المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية1، وهذه هي الجهة التي كانت عورة يمكن أن تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ولا يتمكن العدو من الحرب في جهتها، وبهذا يتبين لنا أن فكرة الخندق عمل حربي ناجح، وسهم رائش2 صوبه المسلمون إلى قلب أعدائهم فنفذ إلى الصميم.

وبدأ المسلمون يعملون في حفر الخندق، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعمل معهم بيديه، وكان يتمثل بقول القائل3:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزل سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا

وكان دائم التشجيع للمسلمين، فإذا رأى ما حل بهم من التعب والجوع يذكرهم بالآخرة، وما أعد للمؤمنين فيها من السعادة والنعيم، قائلًا:

"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة".

فيرد عليه المسلمون -وقد امتلأت نفوسهم بالإيمان، ونسوا ما هم فيه من الآلام والمتاعب- قائلين:

__________

1 والحرة: أرض من الصخر الأسود.

2 أي صائب.

3 القائل هو عبد الله بن رواحة.

نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا

وهكذا يتجاوب القائد الأعلى مع جنوده المخلصين، ويتجاوب الجنود المخلصون مع قائدهم الأمين، وهكذا القيادة الرشيدة إنما تثبت أصولها في جوٍّ من الإخلاص والتسامح، ويقوم بنيانها على دعائم من الإخاء والمساواة، ولقد عود الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه هذا اللون الكريم من المعاملة الكريمة.

ولا يزال المسلمون يذكرون موقف نبيهم في بناء مسجد المدينة وكيف كان يمل بنفسه، ويحمل الأحجار بيديه، وكيف كان هذا العمل الكريم يحفز المسلمين ويقوي من عزائمهم، حتى ليقول بعضهم لبعض:

لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل1

وسيظل المسلمون على توالي الأجيال والقرون يذكرون موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أصحابه، حينما أرادوا أن يصلحوا شاة لطعامهم وهم -حينئذٍ- في سفر، فقال واحد منهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: وعليَّ سلخها، وقال الثالث: وعليَّ طبخها، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "وعلي جمع الحطب"، قالوا: يا رسول الله، إنا نكفيك العمل، قال: "علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم" 2.

ألا إن هذه المثل العالية من طاعة الجند لقائدهم، ومن إخلاص القائد لجنوده وحسن معاملته لهم وتعاونه معهم تعاونًا كاملًا بعيدًا عن الكبرياء والغرور.

ألا إن ذلك لهو النور الذي يضيء لنا السبيل إذا غشيتنا ظلمات المحن والخطوب.

__________

1 تقدم الكلام عليه.

2 لم أقف عليه.

وإنه لمن الحق علينا أن نفتح قلوبنا لهذا التاريخ الخالد، وأن نأخذ من عبره وعظاته ما يجنبنا الزلل، ويقينا شر العثرات والسقطات.

,

من المعجزات النبوية

:

تعالوا فانظروا معي تلك الفيوضات الإلهية، والمنح الربانية التي أفاضها الله ومنحها لرسوله -صلى الله عليه وسلم- في تلكم الفترة، التي عمل المسلمون فيها في حفر هذا الخندق.

وقد جرت سنة الله -عز وجل- بأن يظهر على أيدي أنبيائه من المعجزات ما يثبت به القلوب القلقة، والنفوس الحائرة، ويزيد المؤمنين إيمانًا وتثبيتًا.

ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري1، عن جابر -رضي الله عنه- قال: إنّا في يوم الخندق نحفر، فعرضت لنا كدية2 شديدة، فجاءوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر -وكنا قد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا- فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فذهبت فقلت لزوجتي: رأيت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي -صلى الله عليه وسلم- والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي كادت أن تنضج، فقلت: قم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا، فقام المهاجرون

__________

1 كتاب المغازي، باب غزوة الخندق 7/ 395 من "فتح الباري".

2 أي صخرة عظيمة.

والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك. جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقرب إلى أصحابه، ولم يزل هكذا حتى شبعوا جميعًا وبقيت بقية، فقال لزوجة جابر: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة".

وهناك رواية أخرى يذكرها الإمام البخاري عن جابر -رضي الله عنه- فيقول: "لما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعًا: "قوموا إلى جابر". فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت: جاءنا بخلق كثير على شاة وصاع من شعير، ودخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأهل الخندق أجمعين. فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فكشف عني غمًّا شديدًا. قال: فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "خدمي ودعيني من اللحم". وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: " كلي وأهدي". فلم نزل نأكل ونهدي بقية اليوم.

,

ألا إن في هذا الحادث العجيب لعبرة

!

فهذه الصخرة الكبيرة التي تعترض الجنود المسلمين، وهم يعملون في حفر الخندق فيعجزهم جميعًا أمرها، ما بالها الآن تصير رمادًا يتطاير من ضربة واحدة بمعول الرسول -صلى الله عليه وسلم، إنها إذن عناية الله التي يفيضها أبدًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتي لا تقف أمامها الحواجز والعقبات، بل يلين لها الحديد وتذوب أمامها الصخور الجلاميد.

وهكذا الصاع من الشعير تخبزه زوجة جابر، والشاة الصغيرة يذبحونها ليأكل منها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع نفر قليل من أصحابه فما بالهم الآن يفاجئون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه أهل الخندق أجمعون؟ إنهم خمسمائة رجل خماص البطون، وأقل ما يكفيهم في مثل هذه الظروف عشرون صاعًا وعشرون شاة، فكيف يكفيهم صاع واحد من الشعير، وشاة واحدة؟!

إنها إذن عناية الله، ومعجزة خالدة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وقد أطمأنت بها قلوب المؤمنين، ففرحوا واستبشروا، وصبروا وصابروا وكافحوا وثابروا، وسيظل لنا من ذكراها ما يشد أزرنا، ويقوي عزائمنا، على توالي الأجيال والقرون.

,

الأحزاب أمام الخندق

استمر العمل في حفر الخندق ستة أيام متتابعة1، وكان المسلمون يعملون طوال النهار، فإذا جنّ عليهم الليل آووا إلى بيوتهم، وفي هذه الأثناء حصنت جدران المنازل التي تواجه مأتى العدو، وأخليت المساكن التي كانت وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصنت، ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة، لتكون سلاحًا يرمى به العدو إذا سولت له نفسه اقتحام الخندق.

وكانت قريش وأحزابها تظن أنها -وقد خرجت في هذه الجموع الغفيرة-

__________

1 قال في "الفتح": بأن حفر الخندق استغرق ما يقارب شهرًا. وعن موسى بن عقبة: بقوا قريبًا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: بقوا أربعًا وعشرين، وفي "الروضة" للنووي: خمسة عشرة، وأيد ابن القيم في "الزاد" الأوّل وأنهم أقاموا شهرًا.

ستنتهي من الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين في ساعات معدودة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون سفرًا عاديًّا، أو رحلة تجارية يرجعون بعدها وقد قضوا على قوة المسلمين، وغنموا منهم عدتهم وعتادهم وكل شيء لديهم، ولكنهم كانوا يبنون الآمال على شفيرٍ هارٍ، ويقدرون فتضحك الأقدار.

ولقد وقفوا أمام الخندق وقفة المشدوه، وتملكهم العجب واشتدت بهم الحيرة، ولا غرو فهذا العمل كان مفاجأة غير منتظرة، وهذا السلاح جديد في نوعه لم يتعوده العرب من قبل في حروبهم.

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون -وعددهم حينئذٍ ثلاثة آلاف- يجعلون الخندق بينهم وبين أعدائهم حدًّا فاصلًا، وينظرون إلى تحركاتهم وتجمعاتهم من الجهة المقابلة، وقد أعدوا لكل احتمال عدته، واتخذ كل جندي أهبته، وكانوا يشددون الحراسة على الأماكن الضعيفة ويتبادلونها، حتى لقد كانت للرسول -صلى الله عليه وسلم- نوبته، فكان يخرج إليها أحيانًا في الليل المظلم والبرد القارس.

ولقد عرفت قريش والأحزاب أن الأمد سيطول بهم، وأنهم سيقيمون أمام هذا الخندق ما وسعتهم الإقامة، ولكنهم لن يستطيعوا اقتحامه، وهذه الخيام التي نصبوها قريبًا من الخندق سوف لا تجيدهم فتيلًا إذا فاجأهم ريح عاصف أو سيل جارف. عرفت قريش والأحزاب ذلك كله فتملك نفوسهم همّ بالغ وحزن عظيم، وبدأوا يفكرون ويفكرون ويسيحون في أودية الأوهام والظنون.

,

موقف رائع لعلي بن أبي طالب

وكان عمرو بن عبد ودّ قد استطاع أن يقتحم فرسه الخندق من ناحية ضيقة فيه، فنادى وهو مقنع بالحديد: من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.

فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "إنه عمرو، اجلس".

ثم نادى عمرو: ألا رجل منكم يبرز؟ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا.

فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "اجلس" ولكن عمرًا تمادى في غيه، وأخذ يصيح وينشد قائلًا:

ولقد بححت من الندا ... ء لجمعهم: هل من مبارز؟

وقفت إذا جبن المشجع ... موقف القرن المناجز

إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز

فقام علي فقال: يا رسول الله: أنا لها.

فقال له -صلى الله عليه وسلم-: "إنه عمرو".

قال: وإن كان عمرًا!

فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز

في نية وبصيرة ... والصدق ينجي كل فائز

ني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز

من ضرب نجلاء يبقى ... ذكرها عند الهزاهز1.

__________

1 "الروض الأنف" للسهيلي 2/ 191، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق، وعنه أسند القصة البيهقي في "الدلائل" 3/ 438، ونقل ابن كثير في "البداية" 4/ 106 عن البيهقي.

فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟

قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: يابن أخي مِن أبناء أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أريق دمك.

فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أريق دمك.

فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.

فاندفع علي نحوه في شجاعة وإيمان، وضربه على حبل عاتقه فسقط يتخبط في دمائه، وذهب صريع بغيه وعدوانه.

وسمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- التكبير، فعرف أن عليًّا قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل.

فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟

فقال: استحييت أن أسلبه درعه وسوءته مكشوفة.

وفي هذا الموقف الرائع يتغنى علي بن أبي طالب بنصر الله له، على هذا العدو الماكر.

ويتحدث بنعمة الله عليه، فيقول:

عبد الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدت رب محمد بصواب1

__________

1 وقبل هذا البيت أبيات.

فصدرت حين تركته متجندلًا ... كالجذع بن دكادك وروابي

وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المجندل بزَّني أثوابي

لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب

وكان في جيش المسلمين جماعة من المنافقين لا يعلمهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد وقف هؤلاء المنافقون -كعادتهم من المسلمين- موقف اللؤم والخيانة، ولا ريب أن عمر النفاق قصير، وأساليبه وحيله لا تخفى على العقلاء أمدًا طويلًا، ومهما بالغ المنافقون في ستر حقيقتهم فإنهم لدى الاختبار يخفقون في الميدان، ولا يثبتون أمام الشدائد.

وها هم أولاء في تلكم الغزوة يفزعون حينما يرون الأحزاب، وقد جمعوا جموعهم وتهيئوا للحرب والقتال، وتظلم نفوسهم، فيسخرون من وعود الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهم بالنصر على أعدائهم، ويقولون: كان محمد يعدنا كنز كسرى وقيصر، فما بالنا لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقد سجل الله ذلك القول منهم في تلكم الآية الكريمة:

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} 1.

ثم يتمادى المنافقون في غدرهم وخيانتهم فينسحبون من صفوف المؤمنين ويثبطون الهمم والعزائم ويقولون: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} 2.

ويعتذرون عن رجوعهم بالأعذار الكاذبة التي أظهر الله حقيقتها بقوله:

__________

1 سورة الأحزاب، الآية 12.

2 سورة الأحزاب، الآية 13.

{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} 1.

ولكن هل تحقق لهؤلاء المنافقين ما كانوا يريدون؟ إنهم أرادوا أن يخفوا حقيقتهم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكشف الله سترهم، وفضح أمرهم، وأرادوا أن يضعفوا شوكة المسلمين بانسحابهم، فأمد الله المسلمين بقوته، وكانوا يطمعون في الغنائم فأفاءها الله على المؤمنين، وباء المنافقون بالخسران والحرمان.

__________

1 سورة الأحزاب، الآية 14

,

الخدعة في الحرب

:

وفي وسط هذا الشر المطبق والبلاء المحدق، ينبت الله الفرج من الضيق، ويسوق الخير للمسلمين من أيسر طريق، وذلك هو ما قام به نعيم بن مسعود الأشجعي من خدعة محكمة لهؤلاء الأحزاب فرق بها جمعهم، وأفسد عليهم مكرهم.

وكان نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- من قبيلة غطفان، وكان صديقًا لقريش وصديقًا لليهود، وقد شاء الله أن يدخل هذا الرجل في الإسلام في الوقت العصيب الذي أحاط فيه الأعداء بالمسلمين، فجاء إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وقومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال الرسول: "أنت رجل واحد، وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة".

فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين. فلما رأوه أكرموه لصداقته معهم. فقال: يا بني قريظة تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نعم، فقال: قد رأيتم ما وقع لبني قينقاع وبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإن قريشًا وغطفان

ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم، وأما أنتم فتساكنون الرجل -يريد محمدًا، صلى الله عليه وسلم- ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأرى ألا تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، وذلك بأن تأخذوا رهائن عندكم سبعين شريفًا منهم..

فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.

ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودي لكم ومحبتي إياكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعًا من أشرافهم ونعطيهم لك، وترد جناحنا التي كسرت -يعني: ترجع يهود بني النضير إلى ديارهم- فرضي بذلك منهم، وهاهم أولاء سيرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفًا ... ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشًا، فاضطربت نفوسهم، وأخذ زعماؤهم يتشاورون مع زعماء قريش كي يلتمسوا طريقًا لحل هذه المشكلة، وأرادوا أن يتأكدوا من كلام نعيم، فأرسل أبو سفيان زعيم قريش وفدًا لبني قريظة يدعوهم للقتال غدًا -وكان ليلة سبت- فأجابوا: إننا لا يمكننا أن نقاتل في السبت، وإنه لم يصبنا ما أصابنا من البلاء إلا بالتعدي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم، حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم!!

وحينئذٍ لم يبق لدى قريش وغطفان شك في صدق كلام نعيم بن مسعود، وتحققوا أن اليهود من بني قريظة يريدون لهم الشر والوبال، فتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضًا.

وهكذا نرى أن الخدعة في الحروب هي أمضى سلاح ينال به العدو من

عدوه، فنتعلم من ذلك كيف نسدد الرمية بهذا السلاح في وقتها المناسب، ونتعلم من ذلك كيف نتقي هذا السلاح الخطير إذا صوبه إلينا أعداؤنا، وذلك إنما يكون بشدة الحيطة والحذر، وإساءة الظن بكل ما يشيعه العدو من أقوال، والتثبت في الشيء إلى أقصى درجة قبل أن يصدر الرأي فيه.

,

الفرج بعد الشدة

:

"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم".

هذا هو دعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم1 توجه به إلى الله حينما حاضر الأعداء، واشتد به وبالمسلمين الكرب والبلاء.

وقد تعود المسلمون أن يسمعوا مثل هذه الضراعة إلى الله من نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في ظلمات الشدة، ثم لا يلبثوا إلا قليلًا حتى يشرق عليهم فرج الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه.

وها هم أولاء يرون عناية الله بهم، إذ يسوق إليهم نعيم بن مسعود فيحبط بخديعته مؤامرة اليهود ويفسد عليهم تدبيرهم.

ثم يرون عناية الله بهم إذ يسوق إلى أعدائهم الرياح العاصفة، والأمطار الغزيرة، والبرد القارس، حتى اقتلعت تلك الرياح والأمطار خيامهم، وكفأت قدورهم، وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخيل إليهم -وكان الليل حالك الظلام- أن المسلمين قد انتهزوها فرصة ليهاجموهم ويوقعوا بهم، فقاموا يتحسسون

__________

1 أخرجه البخاري 7/ 406، ومسلم ص: 1363 من حديث عبد الله بن أبي أوفى.

الطريق إلى الفرار، وقام طليحة بن خويلد وقال: إن محمدًا قد بدأكم بالشر. فالنجاة النجاة. وقال أبو سفيان: يا معشر قريش: إنكم وما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف1، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا فيهم ما نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. وقد بلغ من خوفهم أن أبا سفيان كان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذرًا من أن يدخل بينكم عدو.

وهكذا تم رحيلهم في ظلام الليل، حتى إذا تنفس الصباح نظر المسلمون فوجدوا تلك الغمة الكثيفة وقد أزاحها الله عنهم: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} 2.

وهكذا صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

__________

1 الكراع: يراد به الخيل والبغال والحمير، والخف يراد به الإبل، المؤلف.

2 سورة الحزاب، الآية 25.

,

من العبر في غزوة الأحزاب

ما أعظم النصر بعد الصبر، وما أجمل الفرج بعد الشدة، وما أجل العبرة التي يجدها المؤمنون حينما يرون الأحزاب وهم في مثل هذه الجموع الحاشدة والعدة الهائلة، يرجعون خاسرين أمام الفئة القليلة المؤمنة دون حرب أو قتال، لقد عرفوا الله فأمدهم بعنايته، وآمنوا به فأيدهم بقوته: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} 1.

ويا لها من عبرة بالغة يجدها المؤمن حينما يرى موقف اليهود من بني النضير وبني قريظة لقد تبددت أحلامهم وآمالهم في القضاء على المسلمين، وانعكست الآية2 فارتد يهود بني النضير خائبين مع أحزابهم، وانهار الأساس الذي أقاموه بالعرق والدموع والكفاح المرير، وبذلوا في سبيله كل نفيسٍ وغالٍ.

أما يهود بني قريظة الذين كانوا يريدون الموت والفناء للمسلمين فقد قضي عليهم بالموت والفناء، وارتدت سهامهم المسمومة إلى صدورهم، وحاق بهم سيئ مكرهم. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 3.

فيا باغي الشر أقصر، فعلى الباغي تدور الدوائر.

ويا ساعيًا إلى الظلم حسبك، فإنك تظلم نفسك قبل أن تظلم غيرك، وإن عدل القضاء يتعقبك في الدنيا والآخرة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ

__________

1 سورة آل عمران، الآية 126.

2 قدمنا أن هذا التعبير لا يحسن استعماله.

3 سورة النحل، الآية 33.

مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه} 1.

ويا أيها المكروب الذي أظلمت أمامه السبل وأحاطت به الحيرة:

إن الصبر والإيمان والثقة بالله، ذلكم هو المنارة الهادية التي تؤنس المستوحش، وترشد الحائر، وتهدي الضال في دياجير الحياة.

{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} .

__________

1 سورة الزلزلة، الآيتان 7، 8.



كلمات دليلية: