غزوة الأحزاب الخندق _14048

غزوة الأحزاب الخندق


غزوة الأحزاب (الخندق)

في شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة وقعت غزوة الأحزاب، وسببها أن قريشًا، وزعماء اليهود في خيبر، أثارت مخاوفهم النجاحات التي أحرزها المسلمون، وأدت إِلى فرض هيبتهم على القبائل العربية، وحضورهم في كل الأحداث المهمة، مما أدى إِلى تضييق الخناق على قريش سياسيًا واقتصاديًا، فجاء وفد من يهود بني النضير الذين استقروا في خيبر بعد إِجلائهم من المدينة بزعامة حيي بن أخطب، وتفاهموا مع قريش على تنسيق الجهود وتأليب القبائل لاستئصال المسلمين بجهد جماعي يضم كل القبائل الموتورة والمتوجسة من دولة الإِسلام بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3).

__________

(1) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 262.

(2) إِبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق 329.

(3) انظر: ابن هشام، السيرة 2/ 146، وابن سعد، الطبقات 2/ 65.

وكان من حديث يهود أن قريشا سألوا يهود: أديننا خير أم دين محمَّد، فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} (1).

ففرحت قريش بذلك الثناء من قبل اليهود (2)، لا سيما أنهم كانوا أهل كتاب، وما ذلك إِلا لتستخدمه في دعايتها ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وبعد أن عزمت قريش على الحرب انضمت إِليها بنو سُليم، وغطفان، وأسد، وفزارة، ومُرَّة، وأشجع، وبذلك شكَّلوا قوة الأحزاب (3).

ولما جاءت الأخبار إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعزم الأحزاب على مهاجمة المدينة واستئصال المسلمين، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بالبقاء في المدينة وأن يحفر خندقًا في الجهة الشمالية من المدينة وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الأحزاب (4).

وشرع المسلمون بحفر الخندق بجدٍ ونشاطٍ ومعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووقع في أثناء الحفر بعض دلائل نبوته - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك: البشارة بفتح الشام، والبشارة بفتح فارس،

__________

(1) سورة النساء، الآيات 50 - 55.

(2) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 147.

(3) ابن سعد: الطبقات 2/ 66.

(4) المرجع السابق 2/ 66؛ أكرم العمري، السيرة النبوية 2/ 420.

والبشارة بفتح اليمن، وكذلك تكثير الطعام القليل الذي لا يكفي أهل بيت واحد، فإِذ به يشبع جيشًا كاملًا (1).

استطاع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حشد ثلاثة آلاف مقاتل، وتم وضع النساء والذراري في أحد الحصون، فلما وصلت قريش والأحزاب فوجئوا بالخندق ومن خلفه المسلمون بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرروا حصار المدينة، ومراسلة يهود بني قريظة الذين كانوا داخل المدينة فمالت يهود بني قريظة إِلى الأحزاب (2). واشتعل النفاق، وقد وصف الله سبحانه وتعالى هذا الموقف العصيب بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (3).

وقد طال أمد الحصار، ونزل بالمسلمين من الكرب ما لا يعلمه إِلا الله، حتى أنهم شُغلوا عن أداء الصلاة في وقتها، فدعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم) (4)، فأرسل الله سبحانه وتعالى على الأحزاب جندًا من جنده لنصرة عباده الموحدين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (5).

ونزل الرعب في قلوب الأحزاب، وأصبح هَمُّ كلُّ واحد منهم العودةَ إِلى دياره،

__________

(1) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 456.

(2) ابن سعد: الطبقات 2/ 67.

(3) سورة الأحزاب، آية 10 - 11.

(4) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 468، 467.

(5) سورة الأحزاب، آية 9.

فانصرفوا مخذولين خائفين لم ينالوا شيئًا (1)، وعند ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبشرًا أصحابه رضوان الله عليهم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، ونحن نسير إليهم) (2).

__________

(1) ابن سعد، الطبقات 2/ 71؛ البيهقي، دلائل النبوة 3/ 449 - 455.

(2) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 467.



كلمات دليلية: