غزوة الأبواء أو ودان_17835

غزوة الأبواء أو ودان


مطلب في غزوة ودان وتحويل القبلة

]

«السنة الثانية» قال ابن اسحاق وفي صفر على رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة غزا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم غزوة ودّان يريد قريشا وبنى ضمرة من كنانة فوادعه سلمان الخير آخر فقد وهم أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان وكان قد سمع بان النبى صلى الله عليه وآله وسلم سيبعث فخرج في طلب ذلك فأسر وبيع بالمدينة فاشتغل بالرق حتى كان أوّل مشاهده الخندق وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق وولى المدائن وقال ابن عبد البر يقال انه شهد بدرا وكان عالما زاهدا روى عنه أنس وكعب بن عجرة وابن عباس وأبو سعيد وغيرهم من الصحابة ومن التابعين أبو عثمان النهدي وطارق بن شهاب وسعيد بن وهب وآخرون بعدهم قيل كان اسمه ما به بكسر الموحدة ابن بود قاله ابن مندة بسنده وساق له نسبا وقيل اسمه بهبود ويقال انه أدرك عيسى بن مريم وقيل بل أدرك وصي عيسي ورويت قصته من طرق كثيرة من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه واخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضا واخرجه الحاكم من حديث بريدة وعلق البخارى طرفا منها وفي سياق قصته في اسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه وروي البخاري في صحيحه عن سلمان أنه تناوله بضعة عشر سيدا قال الذهبى وجدت الاقوال في سنه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين والاختلاف انما هو في الزائد قال ثم رجعت عن ذلك وظهر لى أنه ما زاد على الثمانين* قلت لم يذكر مستنده في ذلك واظنه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجه امرأة من كندة وغير ذلك مما يدل علي بقاء بعض النشاط لكن ان ثبت ما ذكروه يكون ذلك من خوارق العادات في حقه وما المانع من ذلك فقد روى أبو الشيخ في طبقات الاصبهانيين من طريق العباس بن يزيد قال أهل العلم يقولون عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة فاما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها قال أبو ربيعة الايادي عن أبى بريدة عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ان الله يحب من أصحابى أربعة فذكره فيهم وقال سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال آخي النبى صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي الدرداء وسلمان ونحوه في البخاري من حديث أبى جحيفة في قصته ووقع في هذه القصة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابى الدرداء سلمان أفقه منك مات سنة ست وثلاثين في قول أبى عبيد أو سبع في قول خليفة وروى عبد الرزاق عن جعفر ابن سليمان عن ثابت عن أنس دخل ابن مسعود على سلمان عند الموت فهذا يدل على أنه مات قبل ابن مسعود ومات ابن مسعود قبل سنة أربع وثلاثين فكأنه مات سنة ثلاث أو سنة ثنتين وكان سلمان اذا خرج عطاؤه تصدق به وينسج الخوص ويأكل من كسب يده (ودان) قال ياقوت بالفتح كانه فعلان قرية جامعة من نواحي الفرع بينها وبين هرشي ستة أميال وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال قرية من الجحفة وهي لضمرة وغفار وكنانة (وبنى ضمرة) بفتح الضاد المعجمة واسكان الميم بن بكر بن عبد مناة بن كنانة

مخشى بن عمرو الضمري ورجع وهى أوّل غزوة غزاها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واستعمل على المدينة سعد بن عبادة وتسمى غزوة الأبواء وقال المحب الطبرى في خلاصة السير كانت لسنة من الهجرة وشهرين وعشرة أيام والله أعلم* وفيها حولت القبلة وكان تحويلها في صلاة الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان وقيل في رجب على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا من الهجرة وكان ذلك فى منازل بنى سلمة وذلك ان النبى صلى الله عليه وآله وسلم زار امرأة منهم يقال لها أم بشر قال ابن اسحاق فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه تاركه وصالحه قال في المواهب وكانت نسخة الموادعة فيما ذكر ابن اسحاق بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبنى ضمزة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وان لهم النصر على من رامهم ان لا يحاربوا في دين الله ما بلّ بحر صوفة وان النبي اذا دعاهم لنصر أجابوه عليهم بذلك ذمة الله ورسوله (مخشى) بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة (ابن عمر والضمري) قال ابن سحاق وكان سيدهم في زمانه (الابواء) بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة قال قوم سمى بذلك لما فيه من الوباء قال ياقوت ولو كان كذلك لقيل الاوباء الا ان يكون مقلوبا. وقال غيره الابواء فعلاء من الابرة أو أفعال كانه جمع بوّ وهو الجلد الذى يحشى ترأمه الناقة فتدر عليه اذا مات ولدها أو جمع بوي وهو السواء والابواء قرية من أعمال الفرع من المدينة وقال السكرى جبل شامخ مرتفع ليس عليه شئ من النبات غير الخزام والبشام وهو لخزاعة وضمرة وبالابواء قبر آمنة بنت وهب أم النبى صلى الله عليه وسلم كما تقدم وسيأتي (وفيها حولت القبلة) أى الاستقبال لا ما يستقبله المصلى اذ لا يتعلق به تحويل (في صلاة الظهر) وذلك على ما رواه النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى وفي البخاري انها كانت صلاة العصر كذا حكاه القسطلاني في المواهب اللدنية (يوم الثلاثاء نصف شعبان) قاله محمد بن حبيب وجزم به النووي في الروضة (وقيل في رجب) في المواهب وقيل يوم الاثنين نصف رجب رواه الامام أحمد عن ابن عباس باسناد صحيح قال الواقدي وهذا أثبت قال الحافظ وهو الصحيح وبه جزم الجمهور (على رأس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا) هذه رواية البخاري والترمذي عن البراء بن عازب ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا بالشك وروى مسلم والنسائي عن البراء ستة عشر شهرا رواه البزار والطبراني من حديث ابن عباس وقيل ثمانية عشر شهرا رواه ابن ماجه عن البراء قال الحافظ وهذا الاخير شاذ وأما الروايات الاول فسهل الجمع بينها فان من جزم بستة عشر لفق من شهري القدوم والتحويل شهرا والغى الزائد ومن جزم بسبعة عدهما معا ومن شك تردد في ذلك وذلك ان القدوم كان في شهر ربيع الاول بلا خلاف وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح (بنى سلمة) بكسر اللام والنسبة اليها بالفتح على المشهور (أم بشر) بنت البراء بن معرور وتقدم ذكر البراء ونسبه. قال ابن حجر قيل اسمها خليدة وقيل السلاف والذي ظهر لى بعد البحث ان خليدة والدة بشر بن البراء ثم ذكر اختلافا في ذلك

فصنعت له طعاما فحانت صلاة الظهر فصلى بهم وأنزل عليه وهو راكع في الثانية قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية فاستدار صلى الله تعالى عليه وآله وسلم واستدارت الصفوف خلفه وتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال ثم صلى ما بقي من صلاته الى الكعبة ولم يستأنف فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين وأخبر أهل مسجد قباء بذلك وهم في صلاة الصبح فاستداروا كما هم الى الكعبة وبهذا استدل أصحابنا في جواز الصلاة الواحدة الى جهات متعددة بالاجتهاد وكان أمر القبلة اول منسوخ من أمور الشرع وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل الهجرة يصلي الى الكعبة فلما هاجر استقبل صخرة بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود واختلف العلماء هل كان ذلك بوحي أم اجتهاد ونقل القاضي عياض عن الاكثرين انه كان بسنة لا بقرآن ففيه دليل لمن يقول ان القرآن ينسخ السنة قلت بل الصواب والله أعلم ان توجهه الى بيت المقدس تلك الاشهر كان بوحي من الله بدليل قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها مع ما ورد انه صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي الي بيت المقدس كان يقول لجبريل عليه السلام وددت لو حولنى ربي الى الكعبة فانها قبلة ابي ابراهيم فقال له جبريل عليه السلام انما انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فسل أنت ربك فانك عند الله بمكان وعرج جبريل الى السماء وجعل صلى الله عليه وآله وسلم يقلب طرفه الى السماء منتظرا فنزل في ذلك قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ الآية وكل هذا يدل على انه لم يكن باجتهاد ويحتمل ان يكون أوّل ذلك اجتهاد الموافقة اليهود رجاء اسلامهم ثم نزل الوحي بتقريره والله أعلم. وحين عدل صلى الله عليه وسلم قبلة مسجده اماط جبريل عليه السلام كل جبل بينه وبين الكعبة فعدلها وهو ينظر الى الكعبة وصارت قبلته الى الميزان ولما حولت القبلة وقع في ذلك القالة من اليهود وارتد من رق ايمانه وقالوا رجع محمد الى دين آبائه ونزل في ذلك قوله تعالى (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ) اى التحويلة (لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وكان (وهم في صلاة الصبح) أي من اليوم الثاني وذلك الي ان وصلهم الخبر لانهم خارج المدينة. قال في المواهب وفي هذا ان الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به وان تقدم نزوله لانهم لم يؤمروا باعادة العصر والمغرب والعشاء (وقع في ذلك القالة) أى القيل والقال كناية عن الارتياب والشك (من اليهود) وقالوا ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها (وارتد) عن دينه (من رق إيمانه) من المنافقين فانزل الله في جوابهم قل لله المشرق

قد مات على القبلة الأولى ناس من المسلمين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالهم فى صلاتهم تلك فنزل قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى في صلاتكم ان الله بالناس لرؤف رحيم*

[



كلمات دليلية: