غزوة أحـد_17038

غزوة أحـد


(12) غزوة أحد

بضم الهمزة والحاء، وبالدال المهملة، مصروف، وأحد: جبل مشهور بالمدينة، سمّي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هناك، قال فيه صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه الشيخان: «أحد جبل يحبّنا ونحبّه» وهذه المحبة حقيقية؛ فقد خاطبه صلى الله عليه وسلم مخاطبة من يعقل، فقال لما اضطرب: «اسكن أحد؛ فإنّما عليك نبيّ، وصدّيق، وشهيدان» فوضع الله الحب فيه، كما وضع التسبيح

فأحد بربح عير صخر ... تأهّبوا ليتروا من بدر

في الجبال مع داوود، وكما وضع الخشية في الحجارة التي قال فيها: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وكما حنّ الجذع لمفارقته صلى الله عليه وسلم، حتى سمع الناس حنينه، فلا ينكر وصف الجماد بحب الأنبياء، وقد سلّم عليه الشجر والحجر، وسبّحت الحصاة في يده الشريفة، وكلّمه الذراع، إلى غير ذلك.

وكانت عند هذا الجبل هذه الوقعة سنة ثلاث من الهجرة في شوال، يوم السبت، لإحدى عشرة ليلة خلت منه على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة؛ فلذلك قال: (فأحد) أي:

بعد بحران غزوة أحد. (بربح) بكسر الراء، يتعلق بقوله:

(تأهّبوا) وهو مضاف إلى (عير) بكسر العين، والمراد:

التجارة التي تحملها العير، وأضيف ذلك إلى أبي سفيان (صخر) بن حرب؛ لأنّه المقدّم فيهم إذ ذاك (تأهبوا) أي:

أعدّوا ذلك الربح (ليتروا) أي: ليأخذوا بثأرهم (من بدر) .

,

العدد والكراع في الجيشين:

(وخرجوا) أي: المشركون (ب «يه» ) أي: بهذا العدد المشار إليه، بالياء والهاء»

، وذلك خمسة عشر من النساء، وهو المعنيّ بقوله: (ظعن) : جمع ظعينة، يقال للهودج، وللمرأة ما دامت فيه، وإنما خرجوا بهنّ التماس الحفيظة «2» ، وأن لا يفرّوا (و) أمّا (هم) أي: الرجال من قريش ف (جيم ألوف) أي: ثلاثة آلاف عددهم، كما جزم به ابن إسحاق، وتبعه اليعمري، فيهم مئتا دارع، (والخيول) :

جمع خيل لجماعة الأفراس، ولا واحد له من لفظه، (لهم) أي: لقريش (راء) أي: مئتان (و) الحال أنّه (ما) أي:

ليس (للمسلمين فرس) واحد، وقد جزم موسى بن عقبة

__________

(1) بحساب الجمل، فالياء بعشرة، والهاء بخمسة، وكذا الجيم بثلاثة، والراء بمئتين.

(2) بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء، قال السهيلي: (أي: الغضب للحرم) انظر في «سيرة ابن إسحاق» أسماءهنّ.

وقيل: فيهم فرس تحت أبي ... بردة النّدب وأخرى للنّبي

وقد رأى في نومه خير الأمم ... أن كان في ذباب سيفه ثلم

بذلك، كما في «الفتح» وأمّا عدد من خرج معه صلى الله عليه وسلم فألف رجل، كما عند ابن إسحاق (وفي زروع) يتعلق بقوله: (احتبسوا) وهو مضاف إلى (قيلة) وهي أم الأوس والخزرج.

قال الناظم في «عمود النسب» :

أوس وخزرج هم الأنصار ... وقيلة أمّهم واختاروا

(إحتبسوا وقيل فيهم) أي: المسلمين (فرس تحت أبي بردة) هانئ بن نيار (النّدب) أي: الظريف النجيب (و) فرس (أخرى للنّبيّ) صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ في «الفتح» : (وقع في «الهدي» : أنّه كان معهم خمسون فرسا، وهو غلط بيّن، وقد جزم موسى بن عقبة بأنّه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقديّ: كان معهم فرس له عليه الصّلاة والسّلام، وفرس لأبي بردة) .

رؤيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتأويلها:

(وقد رأى) قبل هذه الوقعة ليلة الجمعة، كما عند عقبة وابن عائذ (في نومه) رؤيا (خير الأمم) صلى الله عليه وسلم، ورؤياه حق لا يتسلط عليها شيطان، وهي: (أن)

وأنّه أدخل في درع يده ... وبقرا يذبح أيضا وجده

فالثّلم ألعمّ وأمّا البقر ... يذبح فهو النّفر المعفّر

من صحبه ودرعه الحصينه ... أدخل فيها يده المدينه

بفتح الهمزة مخففة من الثقيلة؛ أي: أنّه (كان في ذباب) بضم الذال المعجمة: طرف (سيفه) أو حده (ثلم) : كسر، وهو من باب ضرب، وفرح.

قال في «روض النّهاة» : (وهذا السيف هو ذو الفقار بالفتح، سيف العاص بن منبّه، الذي سلب منه يوم بدر، وكان هو والصّمصامة سيف عمرو بن معد يكرب من حديدة وجدت في أساس الكعبة، ثمّ أعطاه صلى الله عليه وسلم عليّا رضي الله عنه) .

(و) رأى في منامه هذا أيضا: (أنّه أدخل في درع) حصينة (يده) الشريفة (وبقرا يذبح أيضا وجده) صلى الله عليه وسلم في منامه هذا.

إذا سمعت ما تلوته عليك من الرؤيا، وأردت تعبيرها حقا (فالثّلم) الذي رآه في السيف: (العم) فكان سيدنا حمزة بن عبد المطّلب استشهد فيها (وأمّا البقر يذبح فهو النّفر) من أصحابه صلى الله عليه وسلم يقتلون، ووصفهم بقوله:

(المعفّر) وهو المضروب بالعفر، وهو ظاهر التراب (من صحبه) بيان للنفر، وهو عدة رجال، من ثلاثة إلى عشرة، ففيه مسامحة (ودرعه الحصينة) أي: المحكمة التي (أدخل فيها يده) هي (المدينة) المنوّرة.

قال في «شرح المواهب» : (ووجه التأويل: أنهم كانوا أشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن) .

وهذا المذكور في النظم من المرفوع، قال ابن هشام:

(وحدّثني بعض أهل العلم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت بقرا لي تذبح، قال: فأمّا البقر.. فهي ناس من أصحابي يقتلون، وأمّا الثلم الذي رأيت في ذباب سيفي.. فهو رجل من أهل بيتي يقتل) .

استشارة الرسول صلّى الله عليه وسلّم أصحابه في الخروج أو البقاء بالمدينة:

قال ابن إسحاق: (قال: - أي: الرسول صلى الله عليه وسلم-: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها.

وكان رأي عبد الله بن أبيّ ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى ألّا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجل من المسلمين ممّن أكرم الله بالشهادة يوم أحد، وغيره ممّن كان فاته بدر:

يا رسول الله؛ اخرج بنا إلى أعدائنا؛ لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبيّ: يا رسول الله؛ أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قطّ إلّا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه، فدعهم

واستكرهوا خير الورى فأخرجوه ... وبعد ما استلأم فيها استثبطوه

يا رسول الله، فإن أقاموا.. أقاموا بشرّ محبس، وإن دخلوا.. قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا.

فلما يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كان من أمرهم حبّ لقاء القوم.. حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ورأى الخروج، فعمّماه، وألبساه، وصفّ الناس ما بين حجرته إلى منبره، ينتظرون خروجه عليه الصّلاة والسّلام، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة) .

عزم الرسول صلّى الله عليه وسلّم على القتال:

وخرج عليهم عازما على القتال، لابسا لأمته، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك، فلمّا خرج عليهم صلى الله عليه وسلم..

قالوا: يا رسول الله؛ استكرهناك، ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت.. فاقعد، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .

واللأمة بالهمزة وقد تترك تخفيفا، وجمعه لأم، كتمرة وتمر: هي الدرع، أو السلاح، أو أداة الحرب.

وإلى هذه الإشارة بقوله: (واستكرهوا) أي: أكرهوا، فالسين زائدة للتأكيد (خير الورى) صلى الله عليه وسلم على

الخروج إلى العدوّ بقولهم المتقدم: اخرج بنا إلى عدونا، والناس بين راغب في الشهادة، آسف على فوات بدر (فأخرجوه) صلى الله عليه وسلم من بيته وقد لبس اللأمة (وبعد ما استلأم) أي: لبس لأمته، أي: أداة الحرب (فيها) أي: المدينة (استثبطوه) أي: طلبوا لبثه بالمدينة على رأيه الأوّل صلى الله عليه وسلم، وقالوا ما تقدم ذكره.

قال في «شرح المواهب» : (فإن قيل: لم عدل صلى الله عليه وسلم عن رأيه الذي لا أسدّ منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار، وابن أبيّ- وإن كان منافقا لكنه من الكبار المجرّبين للأمور؛ لذا أحضره صلى الله عليه وسلم واستشاره- إلى رأي «1» هؤلاء الأحداث؟

قلت: لأنّه صلى الله عليه وسلم مأمور بالجهاد، خصوصا وقد فجأهم العدوّ، فلمّا رأى تصميم أولئك على الخروج لا سيّما وقد وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين: كحمزة، والأنصار: كابن عبادة.. ترجح عنده موافقة رأيهم، وإن كرهه ابتداء؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذا ما ظهر لي ولم أره لأحد) اهـ

قال العبد الضعيف كان الله له: ويمكن أن يقال في الجواب: إنّ المسألة لم يكن فيها وحي من الله تعالى يتبع، بل كان الأمر فيه إلى اجتهاده صلى الله عليه وسلم، قد أعلمه الله

__________

(1) يتعلق بقوله: (عدل) اهـ

فراح نحو أحد وابتكرا ... وخام عنه ابن أبيّ وامترا

تعالى بمقتضى تلك الرؤيا، من استشهاد بعض أصحابه، وما يصيبهم من التمحيص في ذلك اليوم، وكان ذلك مرتبا على الخروج إلى العدوّ. وهذا ما ظهر، والعلم عند الله تعالى.

(فراح) أي: ذهب صلى الله عليه وسلم بعد الزوال وصلاة الجمعة، ولبس لأمته (نحو) أي: جهة جبل (أحد، وابتكرا) أي: سار بكرة، ومعه صلى الله عليه وسلم ألف من أصحابه، وعقد ثلاثة ألوية:

لواء للأوس، بيد أسيد بن الحضير، ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر، ولواء المهاجرين، بيد مصعب بن عمير.

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه على الصلاة بالناس.

ثمّ ركب فرسه، وتقلد القوس، والمسلمون عليهم السلاح، وخرج السعدان يعدوان أمامه، والناس عن يمينه، وعن شماله، حتى انتهى إلى رأس الثّنيّة، حتى إذا كان بالشيخين «1» .. التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل فقال:

«ما هذه؟» فقالوا: هؤلاء حلفاء ابن أبيّ من يهود، فقال:

«لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك» .

__________

(1) اسم موضع بطريق أحد، فإنّ شيخا وشيخة كانا يجلسان عليه يتناجيان هناك، وهو مشهور عند أهل المدينة بهذا الاسم.

قال في «الإمتاع» : (ولبس عليه الصّلاة والسّلام من الشيخين درعا واحدة حتى انتهى إلى أحد فلبس درعا أخرى، ومغفرا، وبيضة فوق المغفر، ولمّا نهض عليه الصّلاة والسّلام من الشيخين.. زحف المشركون على تعبئة، وقد ترأس فيهم أبو سفيان لقتل أكابرهم ببدر، ووافى عليه الصّلاة والسّلام أحدا وقد حانت الصلاة وهو يرى المشركين فأذّن بلال وأقام، فصلّى عليه الصّلاة والسّلام بأصحابه الصبح صفوفا) .

,

انخزال المنافقين:

وانخزل ابن أبيّ عن المسلمين بثلث الناس كما قال الناظم:

(وخام) أي: نكص، ورجع (عنه) صلى الله عليه وسلم عبد الله (ابن أبيّ) ابن سلول في ثلاث مئة من قومه المنافقين (وامترا) أي: شكّ، وقال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟! فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه- وكان خزرجيا كابن أبيّ- فقال: يا قوم؛ أذكركم الله ألّا تخذلوا قومكم ونبيّكم بعد ما حصر من عدوّهم، فقالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون.. لما أسلمناكم، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال، فلمّا أبوا.. قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.

فلمّا انخزل ابن أبيّ بمن معه.. سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهمّا أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج،

واستلّ سيف رجل ذبّ فرس ... فقال شم سيفك والحرب افترس

وبنو سلمة من الأوس، وفي الصحيح عن جابر: نزلت هذه الآية فينا: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بني سلمة، وبني حارثة، وما أحبّ أنّها لم تنزل، والله يقول: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما.

قال الحافظ: أي: أنّ الآية، وإن كان في ظاهرها غضّ منهم.. لكن في آخرها غاية الشرف لهم، فبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مئة وجعل أحدا خلف ظهره، واستقبل المدينة المنوّرة.

,

تفاؤله صلى الله عليه وسلم:

(واستلّ سيف رجل) بالنصب مفعول ل (استل) ، مقدم على فاعله الذي هو (ذبّ) أي: دفع (فرس) بذنبه؛ يعني:

أنّه من عادة الفرس أن يذب بذنبه ما يؤذيه، وكان رجل من الصحابة حاملا سيفه في غمده، فدفع الفرس بذنبه السيف، فأخرجه من غمده (فقال) عند ذلك صلى الله عليه وسلم للرجل: (شم سيفك) أمر من شام يشيم: إذا سلّه أو أغمده، والمراد هنا الثّاني (والحرب) أي: القتال، بالنصب معمول مقدم لقوله: (افترس) بمعنى: تفرّس «1» ، وفاعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

__________

(1) قال صاحب «الروض» : (وافترس: افتعل من الفراسة؛ أي: تفرس صلى الله عليه وسلم الحرب، ويؤيده: أنّه رتب عليه قوله: «وكان لا يعتاف» ) اهـ قلت: وهو إنّما يصح لو وجد افترس بمعنى الفراسة، وقد قال في «القاموس» : (الفراسة: اسم من التفرس) اهـ

وكان لا يعتاف إلّا أنّه ... يعجبه الفأل إذا عنّ له

قال ابن إسحاق: (ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. حتى سلك في حرّة بني حارثة، فذبّ فرس بذنبه، فأصاب كلّاب «1» سيف فاستلّه، فقال صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف «2» - لصاحب السيف: «شم سيفك؛ فإنّي أرى السيوف اليوم ستسل» ) وفي هذا دليل ظاهر للقول بأنّ معهم فرسا، ولم يكن هذا منه عليه الصّلاة والسّلام تطيّرا، كيف وقد نهى عن الطّيرة؟! فلذلك قال الناظم:

(وكان) صلى الله عليه وسلم (لا يعتاف) من العيف؛ أي: لا يتشاءم، يقال: عفت الطير، واعتفتها عيافة، واعتيافا، قاله السّهيليّ.

(إلّا أنّه يعجبه الفأل) الحسن (إذا عنّ) أي: عرض (له) .

ذكر السهيليّ في «الروض الأنف» : (أنّه صلى الله عليه وسلم مرّ في غزوة بدر بجبلين، فسأل عن اسميهما؟ فقيل له: أحدهما اسمه مسلح، والآخر اسمه مخرىء «3» فعدل عن طريقهما، وقال: ليس هذا من باب الطّيرة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من باب كراهة الاسم

__________

(1) كلاب السيف: الحديدة العقفاء، وهو التي تلي الغمد.

(2) جملة معترضة بين القول ومقوله.

(3) ضبطه في «الشامية» بصيغة اسم الفاعل في الاسمين.

القبيح، فقد كان عليه الصّلاة والسّلام يكتب إلى أمرائه: إذا أبردتم لي بريدا فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم، ذكره البزّار من طريق بريدة) .

قلت: وذكر الحافظ ابن عبد البرّ في «الإستيعاب» بسنده إلى عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يتطيّر، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «من أنت؟» قال: أنا بريدة، فالتفت إلى أبي بكر، فقال: «يا أبا بكر؛ برد أمرنا وصلح» قال: ثمّ قال لي: «ممّن أنت؟» قلت: من أسلم، قال لأبي بكر: «سلمنا» . ثمّ قال لي: «من بني من؟» قلت: من بني سهم، قال: «خرج سهمك» .

وقال الإمام مالك في «الموطأ» : عن يحيى بن سعيد، قال صلى الله عليه وسلم في لقحة: «من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال له: «ما اسمك؟» قال: مرّة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجلس» ، ثمّ قال:

«من يحلب هذه؟» فقام رجل فقال: أنا، فقال له:

«ما اسمك؟» قال: حرب، قال: «اجلس» ثمّ قال:

«من يحلب هذه؟» فقام آخر، فقال: «ما اسمك؟» قال:

يعيش، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احلب» .

قال الشمس الشامي- لما ذكر نحو ذلك عن ابن سعد في

ومرّ في طريقه بالحاثي ... في أوجه القوم وكان راثي

الطبقات-: وفي رواية ابن وهب: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله؛ كنت نهيتنا عن التطيّر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تطيرت، ولكني آثرت الاسم الحسن» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ما كان من المنافق مربع بن قيظي حين سلك النبي صلّى الله عليه وسلّم حائطه:

(ومرّ) صلى الله عليه وسلم (في طريقه) إلى أحد (بالحاثي) أي: الرامي التراب (في أوجه القوم) المسلمين؛ وذلك: أنّه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «من رجل يخرج بنا على القوم من كثب- أي: من طريق قريب- لا يمر بنا عليهم؟» فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرّة بني حارثة، وبين أموالهم، حتّى سلك في حائط لمربع بن قيظيّ، وكان رجلا منافقا أعمى البصر؛ فلمّا سمع صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين.. قام يحثي في وجوههم التراب ويقول:

إن كنت رسول الله فإنّي لا أحلّ لك أن تدخل حائطي.

قال ابن إسحاق: وقد ذكر لي: أنّه أخذ حفنة من تراب في يده، ثمّ قال: والله لو أنّي أعلم أنّي لا أصيب بها غيرك يا محمّد.. لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر» وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجّه، (وكان) بهذه الفعلة الشنيعة

أجاز أبناءيه واستصغرا ... من دونهم والجيش ذالا انبرى

(راثي) أي: أحمق ووقف به على لغة ربيعة.

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشّعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، واستقبل المدينة وجعل جبل عينين- وهو جبل الرماة- على يساره.

إجازته صلى الله عليه وسلم أبناء خمس عشرة وردّه من دونهم:

(أجاز) صلى الله عليه وسلم في الخروج لميدان القتال في أحد (أبناءيه) أي: أبناء خمس عشرة سنة؛ لما عرضوا عليه (واستصغرا) بألف الإطلاق (من دونهم) في السن، وردّهم؛ لأنّه لم يرهم بلغوا، منهم: أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس «1» ، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن حبتة «2» ، وزيد بن جارية، ورافع بن خديج.

__________

(1) عرابة هذا هو الذي يقول فيه الشماخ الأسدي:

رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين

إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين

وهو بفتح العين المهملة، صحابي جليل.

(2) بفتح المهملة وسكون الموحدة وفتح الفوقية: هي أمه، واسم أبيه بجير مصغرا. ذكر الحافظ ابن عبد البر في «الإستيعاب» عن جابر بن عبد الله: (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نظر إلى سعد بن حبتة يوم الخندق يقاتل قتالا شديدا وهو حديث السن، فدعاه وقال له: «من أنت يا فتى؟» قال: سعد بن حبتة، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أسعد الله جدك، اقترب مني» فاقترب منه، فمسح على رأسه، قال: ولا يختلفون أنّ-

وقال من يأخذ هذا السّيفا ... بحقّه فناله واستوفى

ثمّ أجاز رافعا لما قيل له: إنّه رام، فقال سمرة بن جندب الفزاري لزوج أمه- مري بن سنان- أجاز رافعا وردّني وأنا أصرعه، فأعلمه صلى الله عليه وسلم، فقال: تصارعا، فصرع سمرة رافعا، فأجازه (والجيش) أي: جيش المسلمين المخلصين (ذالا) أي: سبع مئة (انبرى) أي: اعترض.

أمّا المشركون.. فثلاثة آلاف رجل كما تقدم، وتلك صورة من إيمان الصحابة الصادق، وبطولتهم الحقّة حيث نافسوا بأنفسهم، وأرواحهم، وتسابقوا إلى ميدان القتال، وهم في هذه السن الصغيرة رضوان الله عليهم وجعلنا من محبيهم وحزبهم، آمين.

إعطاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم السيف لأبي دجانة:

(وقال) صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد أخذ سيفا:

(من يأخذ هذا السيفا بحقّه) «1» فقام إليه رجال، من أبطال المسلمين كل واحد يريد أن يأخذه منهم غمير والزّبير، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة، فقال: وما حقه

__________

أبا يوسف القاضي هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبتة الأنصاري) . قال في «الحلبية» : (وقد دعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم له بالبركة، ما مات حتى كان أبا لعشرين، وعمّا لأربعين، وخالا لأربعين) اهـ

(1) ذكر أبو الربيع في «الإكتفاء» - كما في «شرح المواهب» -: (أنّه كان مكتوبا في إحدى صفحتيه:

في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر

أبو دجانة وخال إذ مشى ... ومشيه من بغضه جلّ حشا

يا رسول الله، قال: «أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني» فقال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله (فناله واستوفى أبو دجانة) سماك ابن خرشة الأنصاريّ الساعديّ، المتفق على شهوده بدرا؛ فإنّه كان رجلا شجاعا «1» (وخال) أي: تكبّر (إذ مشى) في ميدان القتال، (ومشيه من بغضه) أي: الله عزّ و (جلّ حشا) هذا الموطن؛ فإنّ الله لا يبغض هذه المشية فيه؛ لدلالتها على احتقار العدوّ، وعدم الاكتراث به، وحشا: لغة في حاشا.

قال الزّبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة وقلت: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه، وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني، فقلت:

والله لأنظرنّ ما يصنع أبو دجانة، فاتبعته، فأخذ عصابة له حمراء، قال في «المواهب» : مكتوب في أحد طرفيها:

نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر: الجبانة في الحرب عار، ومن فرّ لم ينج من النار، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت، فخرج وهو يقول:

__________

(1) قال في «الإستيعاب» : (كان أبو دجانة بهمة من البهم الأبطال، استشهد يوم اليمامة، وهو ممّن اشترك في قتل مسيلمة يومئذ مع عبد الله بن زيد بن عاصم ووحشي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي دجانة وعتبة بن غزوان) اهـ وسيأتي له ذكر في هذه الغزوة أيضا، فارتقب.

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل

أن لا أقوم الدهر في الكيّول «1» ... أضرب بسيف الله والرسول

قال ابن إسحاق: (فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلّا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلّا ذفّف «2» عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتّقاه بدرقته، فعضت بسيفه «3» ، فضربه أبو دجانة فقتله، ثمّ رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند، ثمّ عدل السيف عنها؛ يعني: إكراما لسيف رسول الله أن يضرب به امرأة) .

قال الزّبير فقلت: الله ورسوله أعلم.

وبدأت نار الحرب تشتعل وأوّل من أشبّها أبو عامر الفاسق «4» .

قال في «الإمتاع» : (طلع في خمسين من قومه مع عبدان

__________

(1) الكيول- بفتح الكاف، وتشديد المثنّاة التحتية المضمومة-: مؤخر الصفوف.

(2) بالذال المعجمة والمهملة، وشد الفاء الأولى مفتوحات: أسرع قتله.

(3) عض به عضا: مسكه ولامسه.

(4) هو عبد بن عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وكان يسمى في الجاهلية: الراهب، فسمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم: الفاسق.

واستأصلوا أهل اللّوا فانهزموا ... وشمّرت عن سوقهنّ الحرم

قريش فنادى يا للأوس أنا أبو عامر، فقالوا له لا مرحبا بك ولا أهلا يا فاسق: فقال لقد أصاب قومي بعدي شر، فتراموا بالحجارة ساعة حتى ولّى) اهـ

,

استئصال أهل اللواء من المشركين:

ودعا أهل اللواء إلى المبارزة، فاستأصلهم المسلمون كما قال الناظم:

(واستأصلوا أهل اللّوا فانهزموا) أي: أتى المسلمون على جميع أهل اللواء قتلا، وهم آل أبي طلحة بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، واللواء: أحد الخمسة التي أتحف بها قصيّ ابنه الكبير عبد الدار لمّا لم تبلغ همّته همّتهم، قال الناظم في «عمود النسب» :

حجابة سقاية رفاده ... لواء النّدوة بالقلاده

أتحف عبد الدار إذ رآه ... دون مدى إخوته مداه

,

تحريض أبي سفيان قريشا على الحرب:

قال في «روض النّهاة» : (لمّا ورد المشركون أحدا..

قام أبو سفيان، فحرّض الناس، فقال: يا بني عبد الدار؛ إنّكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم وإنّما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت.. زالوا، فإمّا أن تكفونا

لواءنا، وإمّا أن تخلوا بيننا وبينه.. فنكفيكموه، فهمّوا به وتوعّدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غدا إذا التقينا ما نصنع! وذلك ما أراده أبو سفيان) .

,

تحريض هند والنسوة قريشا على الحرب:

فلمّا التقى الناس.. قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال، فقالت هند:

ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأديار

ضربا بكلّ بتّار

وقالت:

إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النّمارق

أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق

فاقتتل الناس، وحميت الحرب، والرماة يرشقون «1» خيل المشركين، كما أمرهم صلى الله عليه وسلم، يردونها هوارب، فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء: من يبارز؟ فقام إليه عليّ فقتله، وهو كبش الكتيبة- أي: رئيسها-

__________

(1) أي: يرمونها بالنبل، وهو من (باب نصر) .

مولولات إثرهم ورغبا ... في المغنم الرّماة حين استلبا

ثمّ حمل اللواء أخوه عثمان «1» ، فحمل عليه حمزة، فقطع جناحه، حتى انتهى إلى مؤتزره، وبدا سحره، ثمّ حمله أبو سعد أخوهما، فقتله سعد بن أبي وقاص، ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فقتله عاصم بن ثابت. ثمّ حمله الحارث أخوه، فقتله عاصم أيضا. ثمّ حمله كلاب أخوهما، فقتله الزّبير، ثمّ حمله الجلاس أخوهم، فقتله طلحة بن عبيد الله، ثمّ حمله أرطاة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف، فقتله عليّ، ثمّ حمله شريح بن قارظ، فلا يدرى من قتله. ثمّ حمله غلام اسمه صؤاب، فقيل: قتله عليّ، وقيل: سعد بن أبي وقّاص، وقيل: قزمان العبسيّ، وهو أثبت الأقاويل «2» . فهؤلاء عشرة.

(وشمّرت) أي: رفعت (عن سوقهنّ) جمع ساق:

ما بين الكعب إلى الرّكبة (الحرم) بضم ففتح: جمع حرمة، وهي ما يحمى ويقاتل عليه، والمراد به هنا: نساء قريش:

هند وصواحباتها الخارجات؛ لئلّا يفرّ الناس.

(مولولات) أي: فعلن ذلك حال كونهنّ داعيات بالويل، وهو حلول الشر للجد في الهروب (إثرهم) أي:

خلف رجالهنّ الفارين. ولما كانت تلك الهزيمة عليهم، بقتل

__________

(1) أي: وهو يقول:

إنّ على أهل اللواء حقا ... إن يخضبوا الصعدة أو تندقا

(2) هكذا في «شرح المواهب» وبه جزم ابن إسحاق.

حاملي لوائهم.. بقي اللواء ملقى في الأرض لا يلتفت إليه.

ثمّ أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية «1» ، ورفعته لهم، فاستداروا به، واجتمعوا عنده، وفي ذلك يعيّرهم سيدنا حسان رضي الله عنه بقوله:

ولي البأس منكم إذ رحلتم ... أسرة من بني قصيّ صميم

عمرة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع «2» من القنا مخزوم

لم تطق حمله العواتق منكم ... إنّما يحمل اللواء النجوم

,

اشتغال الرماة بالغنائم عن الحرب:

ثمّ تبعهم المسلمون حتى أزالوهم، ووقفوا ينتهبون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم، واشتغلوا عن الحرب (ورغبا في المغنم) بفتح الميم الأولى؛ أي: في أخذ الغنمية (الرماة) جمع رام بالنبل وهم الخمسون الذين أمرهم الرسول عليه الصّلاة والسّلام أن يثبتوا في مركزهم على جبل عينين، وأميرهم عبد الله بن جبير (حين استلبا) بالبناء للمفعول؛ أي: أخذ اللواء من أيدي المشركين، وبقي ملقى بالأرض، حتّى أخذته عمرة الحارثية.

__________

(1) قال في «شرح المواهب» عن البرهان: (لا أعلم لها إسلاما، والظاهر: هلاكها على دينها) اهـ

(2) الرعاع: الأحداث الطغام.

وخالف الرّماة أمر المصطفى ... بالصّبر والثّبات خلف الحنفا

فتركوا ظهورهم لخالد ... فكرّ راجعا بكلّ حارد

(وخالف الرماة) أي: أكثرهم (أمر المصطفى) صلى الله عليه وسلم (بالصبر) في موطن الحرب، (والثبات خلف الحنفا) المجاهدين، وقال عليه الصّلاة والسّلام: «إن رأيتمونا تخطّفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم» لكن رئيس الرماة عبد الله بن جبير في أقل من عشرة من أصحابه لم يخالف، بل ذكّرهم أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر والثبات فقالوا: لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، وقد انهزم المشركون، فما بقاؤنا هنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهبون معهم، وأخلوا الجبل، حتى كان من شؤم المخالفة له صلى الله عليه وسلم في أمره ما أشار له الناظم بقوله:

حملة خالد على من بقي من الرّماة:

(فتركوا) أي: المسلمون (ظهورهم لخالد) بن الوليد، وقد أسلم رضي الله عنه بعد الحديبية مرجع النبي صلى الله عليه وسلم منها (فكرّ) بتشديد الراء، يتعدّى بعلى، بمعنى عطف، وبعن: بمعنى رجع، فقوله: (راجعا) حال مؤكدة على الثّاني، والمعنى: أنّه لما نظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل من الرّماة، وقلة أهله.. كرّ بالخيل (بكل) رجل (حارد) أي: غضبان، فحملوا على من بقي من الرماة

وحالت الرّيح ودارت الرّحى ... وذاق من خالفه ما اجترحا

فقتلوهم، وقتلوا أميرهم عبد الله بن جبير، وانتقضت صفوف المسلمين.

,

شؤم مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم:

(وحالت الريح) قلت: يصح قراءته بالجيم المعجمة، من الإجالة بمعنى الإدارة، والمراد بالريح: القوة؛ أي:

ودارت القوة للعدوّ على المسلمين بشؤم المخالفة، ويصح قراءته بالحاء المهملة؛ أي: حالت الريح، وتغيرت إلى دبور، بعد أن كانت صبا، والله أعلم (ودارت الرحى) أي:

رحى الحرب.

قال في «روض النّهاة» : (إن أراد بها حومة الحرب..

فحسّية، وإن أراد الرحى المعروفة.. فاستعارة عن انقلابها إلى الهزيمة، إكراما وتمحيصا للمسلمين، أكرم الله تعالى من أكرم منهم بالشهادة) .

روى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس: أنّهم لما رجعوا.. اختلطوا بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا؛ أي: حتى صاروا يقاتلون من غير شعارهم الذي هو: (أمت أمت) فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض (وذاق من خالفه) صلى الله عليه وسلم عاقبة (ما اجترحا) أي: اكتسب من المخالفة.

وصرخ الصّارخ أن مات النّبي ... فارتهبوا لذاك كلّ الرّهب

وقال إذ ذلك: «لو كان لنا» ... من دهش قائلهم فافتتنا

(وصرخ) أي: صاح (الصارخ) إبليس اللعين وقد تصور في صورة جعال بن سراقة (أن مات النّبي) صلى الله عليه وسلم؛ ليرهب بذلك المؤمنين (فارتهبوا لذاك) الخبر المشؤوم (كل الرّهب) الخوف، وقيل: إنّ الصارخ هو عبد الله بن قميئة بوزن سفينة، لما قتل مصعب بن عمير، فظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه كان يشبهه إذا لبس اللأمة، فصاح: أن قتلت محمّدا.

قال موسى بن عقبة: ولما فقد عليه الصّلاة والسّلام قال رجل منهم: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فارجعوا إلى قومكم؛ ليؤمّنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنّهم داخلوا البيوت.

وقال آخرون: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيّكم، حتى تلقوا الله عزّ وجلّ شهداء؟ منهم أنس «1» بن مالك، شهد له بهذه المقالة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ.

(وقال إذ ذلك) أي: وقت صرخ الصارخ: أن مات النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (لو كان لنا) من الأمر شيء ما قتلنا

__________

(1) قال اليعمري في «عيون الأثر» : (كذا وقع في هذا الخبر أنس بن مالك، وإنّما هو أنس بن النضر، عم أنس بن مالك بن النضر) اهـ

ونجل مطعم جبير إذ قتل ... حمزة عمّه طعيمة احتفل

لقتله بأن عليه ذمّرا ... وحشيّه يومئذ وحرّرا

ههنا، قولا صادرا (من دهش) وتحيّر، وفاعل قال:

(قائلهم) معتّب بن قشير، وكان يرمى بالنفاق، وقيل: كان منافقا (فافتتنا) أي: وقع في الفتنة بتلك المقالة، وقيل: لم يكن منافقا؛ لأنّه شهد بدرا، ولم يشهدها منافق.

,

استنكار فعلة أبي سفيان بحمزة بعد استشهاده:

(و) بعد ما قتل وحشيّ سيدنا حمزة رضي الله عنه (دقّه في شدقه) أي: جانب فمه بزجّ رمحه أبو سفيان صخر (بن حرب فقال: ذق عقق) بوزن عمر، وهو فاعل العقوق، ضد البر؛ أي: ذق يا عاق جزاء فعلك؛ فلذا قال: (أي: ذق حربي) .

قال ابن إسحاق: (إنّ سيد الأحابيش الحليس بن زبّان مرّ بأبي سفيان وهو يضرب بزج لرمح في شدق سيدنا حمزة، ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة؛ هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما، فقال: ويحك! اكتمها عني، فإنّها كانت زلّة.

مقتل قزمان العبسي منافقا كما أخبر الرسول صلّى الله عليه وسلّم بذلك:

(أبلى) بالبناء للفاعل؛ أي: اختبر نفسه في الحرب (بلاء) أي: اختبارا (حسنا قزمان) بضم القاف ابن الحارث

__________

(1) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، على الأشهر الذي جزم به الواقدي وغيره.

وعكسه الأصيرم المخردل ... ليس له غير القتال عمل

العبسي، حليف الأنصار، فقد قتل في ذلك اليوم سبعة أو ثمانية من المشركين، ووصف البلاء بالحسن باعتبار ما يؤول إليه من الظفر والغنيمة أو الشهادة، لكن لم يتم ذلك لقزمان؛ لأنّه إنّما كان يقاتل (على الحفاظ) بكسر الحاء المهملة؛ أي: الحمية، والذب عن المحارم؛ فلذلك قال الناظم:

(فله الخسران) فهو من أهل النار، كما أخبر بذلك عليه الصّلاة والسّلام.

وجاء في قزمان هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ولما قتل ذلك العدد.. هنّىء به فقال: كلا، إن قاتلت إلّا عن أحساب قومي، فلمّا آذته الجراحات.. عمد إلى نفسه فقتلها، فجاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان شقّ عليه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ قزمان من أهل النار» مع ما يرى من فعله، فقال: أشهد أنّك رسول الله، قال: «وما ذاك؟» قال:

الذي قلت لنا: «إنّه من أهل النار» قتل نفسه.

,

استشهاد أصيرم بني عبد الأشهل:

(وعكسه) أي: عكس قزمان عمرو بن ثابت بن وقش بن عبد الأشهل (الأصيرم) بالتصغير، المقاتل في سبيل الله لا حمية، فإنّه لما خرج إلى أحد.. وقع الإسلام في قلبه، فجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ أسلم أم أقاتل؟ فقال: «أسلم وقاتل» فأسلم، وأخذ سلاحه،

وقاتل حتى أثبتته الجراحات، فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة.. إذا هم به، فقالوا: والله إنّ هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنّه لمنكر لهذا الحديث.

فسألوه: ما جاء بك يا عمرو هنا؟ أحدبا على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله، وأسلمت، ثمّ أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثمّ لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنّه من أهل الجنة» .

(المخردل) بالخاء المعجمة والدال المهملة؛ أي:

المقطع لحمه في الله (ليس له غير القتال) في سبيل الله (عمل) من أعمال الإيمان، فدخل الجنة بمجرد الإيمان، ومن ثمّ كان أبو هريرة يقول: حدّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ قطّ، فإذا لم يعرفه الناس قال: أصيرم بني عبد الأشهل.

,

ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم والثابتون معه:

ولمّا انكشف المسلمون بسبب مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم.. ثبت صلى الله عليه وسلم بإجماع، فروى البيهقي عن المقداد: (فو الّذي بعثه بالحق؛ ما زالت قدمه شبرا واحدا، وإنّه لفي وجه العدوّ، تفيء إليه طائفة من أصحابه مرة،

وثبتت مع النّبيّ اثنا عشر ... بين مهاجر وبين من نصر

منهم أبو دجانة وابن أبي ... وقّاص الّذي افتداه بالأب

وتفترق مرة، فربّما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر، حتى انحازوا عنه) .

(وثبتت مع النّبي اثنا عشر) رجلا، ولا ثبوت الجبال الرواسي (بين مهاجر وبين من نصر) من الكماة الأشاوس لحديث البراء في «البخاريّ» : (لم يبق مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا) .

(منهم أبو دجانة) سماك بن خرشة المتقدم؛ فإنّه ترّس بنفسه دونه صلى الله عليه وسلم، يقع النّبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النّبل. (و) سعد (بن أبي وقّاص) بن أهيب بن عبد مناف «1» (الذي افتداه)

__________

(1) يكنى أبا إسحاق، دعا له صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهمّ؛ استجب لسعد إذا دعاك» رواه الترمذي وابن حبان والحاكم، فكان دعاؤه أسرع الدعاء إجابة، وممّا شوهد في إجابة دعائه: ما رواه الإمام البخاري بسنده إلى جابر بن سمرة قال: (شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنّه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق؛ إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أمّا أنا والله.. فإنّي كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها، أصلّي صلاة العشاء فأركد- أي: أطول- القيام في الأوليين، وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلّا سأل عنه، ويثنون عليه معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقال رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا.. فإنّ سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله؛ لأدعونّ بثلاث: اللهمّ؛ إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة.. فأطل-

وطلحة وفيه شلّت يده ... إذ اتّقى النّبل بها يصمده

رسول الله صلى الله عليه وسلم (بالأب) ففي «صحيح البخاريّ» بسنده إلى عبد الله بن شدّاد قال: سمعت عليّا يقول: ما سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإنّي سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد؛ ارم، فداك أبي وأمي» .

(و) منهم (طلحة) بن عبيد الله الجواد بنفسه، الفياض بماله، من قضى نحبه، وأرضى ربه، ففي الصحيح بسنده إلى قيس قال: رأيت يد طلحة شلّاء، وقى بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد؛ فقد قاتل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالا شديدا حين أحدق به المشركون من كل ناحية، وصار يذبّ بالسيف من بين يديه ومن ورائه، وعن يمينه، وعن شماله، يدور حوله، ويترّس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن هو إلّا جنة بنفسه عن رسول الله حتى انكشفوا (وفيه) أي: النّبيّ صلى الله عليه وسلم (شلّت يده) بالبناء للفاعل والمفعول: أصابها الشلل، وهو فساد اليد (إذ اتّقى) أي: لأنّ طلحة كان اتقى (النبل) والسهام (بها) أي: بيده

__________

عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن. قال: أي: عبد الملك بن عمير أحد الرواة-: وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنّه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهنّ) اهـ ورواه أيضا مسلم، وأبو داوود، والنسائي. مات سعد بالعقيق من المدينة المنوّرة، ودفن بالبقيع سنة بضع وخمسين من الهجرة. رضي الله تعالى عنه. اهـ

وتحته جلس أن جهضه ... درعاه والجراح فاستنهضه

حال كون النبل (يصمده) بضم الميم؛ أي: يقصد النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

(وتحته) صلى الله عليه وسلم (جلس) أي: طلحة، فرفعه حتى استوى على الصخرة (أن جهضه درعاه) أي: غلبه عن الصعود درعاه، وكان ظاهر عليه الصّلاة والسّلام بين درعين (و) غلبته (الجراح) التي أصابته ذلك اليوم عن الصعود (فاستنهضه) أي: أراد منه بذلك الفعل: أن ينهض عليه الصّلاة والسّلام، ويقوى على الصعود.

وفي طلحة يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه:

حمى نبيّ الهدى والخيل تتبعه ... حتى إذا ما التقوا حامى على الدّين

صبرا على الطعن إذ ولّت جماعتهم ... والناس ما بين مهزوم ومفتون

يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وكم زوّجت من عين

يشير بقوله: (يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت) إلى قوله صلى الله عليه وسلم لطلحة في ذلك اليوم: «أوجب طلحة» أي: أحدث أمرا يستوجب به الجنة، قالوا: وكان لطلحة يومئذ المقام المحمود.

وفي هذا اليوم سمّاه طلحة الخير؛ رضي الله تعالى عنه، قال في «الهمزية» :

والعمران وعليّ وعفا ... إلهنا عن الّذي منهم هفا

وثبتت نسيبة المبايعه ... قبل وعن خير الورى مدافعه

طلحة الخير المرتضيه رفيقا ... واحدا يوم فرّت الرّفقاء

فقد كان رضي الله عنه أعظم الناس غناء ودفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(و) ثبت معه صلى الله عليه وسلم (العمران) : أبو بكر وعمر (وعليّ) بن أبي طالب (وعفا إلهنا) بقوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (عن الذي منهم هفا) أي: زلّ، يقال: هفا الرجل: زل، وهي الهفوة، للزلة والسقطة، ومنه لكل عالم هفوة، والإنسان كثير الهفوات، والزلّة في قول المؤمنين الذين جالوا يومئذ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا وأولى بالعفو من لم يقل، وهذا بناء على ما قيل: إنّ الآية نزلت في جميع المؤمنين الذين جالوا، وقيل: نزلت في الذين جالوا دون الذين قالوا تلك المقالة، كعثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان من بني زريق، وعليه فهفا: بمعنى أسرع.

قال في «القاموس» : هفا يهفو هفوا وهفوة: أسرع وخفّ.

(وثبتت) مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم (نسيبة) بالتكبير، كما ضبطه غير واحد، وهي أم عمارة بنت كعب

المازنية «1» (المبايعة) رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجها زيد بن عاصم (قبل) أي: قبل أحد، وذلك بالعقبة الثانية، ولم يشهدها من النساء إلّا هي وأختها، كما قاله في «الإصابة» .

(وعن خير الورى مدافعه) بالسيف ضربا، والقوس رميا، دفاع الكماة الأبطال رضي الله عنها، فإنّها قالت:

خرجت أوّل النهار، حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذبّ عنه صلى الله عليه وسلم بالسيف، وأرمي عن القوس، حتى خلصت- أي: وصلت- الجراح إليّ، أصابني ابن قمئة أقمأه الله، لما ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممّن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ثلاث ضربات، ولكن عدوّ الله كان عليه درعان.

قالت أم سعد بنت سعد بن الرّبيع: فرأيت على عاتقها

__________

(1) من بني مازن بن النجار الأنصارية، قال أبو عمر: (شهدت العقبة وأحدا مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وجرحت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وحبيب هو الذي أرسله النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب بكتاب، فقال له: أتشهد أنّ محمّدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ فيقول: أنا أصم، قال له ذلك مرارا، فقطعه- لعنه الله- عضوا عضوا) اهـ

وجرحت فيه وشلّت يدها ... وللتّبرّك الورى تقصدها

في حفرة وقع خير مرسل ... فناشه طلحة والصّهر علي

جرحا أجوف له غور، وكان معها يقاتل ابناها، عبد الله وحبيب ابنا زيد بن عاصم، قال عليه الصّلاة والسّلام لابنها عبد الله: «بارك الله عليكم من أهل بيت، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك- يعني غزية بن عمرو زوج أمه- خير من مقام فلان وفلان، ومقامك خير من مقام فلان وفلان رحمكم الله أهل بيت» .

قالت أم عمارة: ادع الله أن نرافقك في الجنة، قال:

«اللهمّ؛ اجعلهم رفقائي في الجنة» . قالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا أو جرحت.

(وجرحت فيه) أي: في دفاعها ذلك المحمود اثني عشر جرحا، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف (وشلّت) أي:

يبست (يدها) وعاشت بعد ذلك دهرا يقصدها الناس تبرّكا، كما قال (وللتبرّك الورى تقصدها) من مسافة بعيدة، فتمسح يدها الشّلاء على العليل، وتدعو له، فيشفيه الله تعالى.

,

ما لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد:

(في حفرة) من الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون (وقع خير مرسل) صلى الله عليه وسلم (فناشه) أي: تناوله (طلحة) بن عبيد الله التيميّ السابق (والصّهر علي) بن أبي طالب رضي الله عنهما، فأخذ

إذ عتبة هشّ رباعيته ... وشقّ من شقوته شفته

عليّ بيده، واحتضنه طلحة حتى استوى قائما.

(إذ عتبة) أي: وقع صلى الله عليه وسلم في حفرة حين عتبة بن أبي وقاص (هشّ) أي: ضرب فكسر (رباعيته) بفتح الراء وتخفيف الياء، السن التي بين الثنيّة والناب؛ لأنّه رماه بأربعة أحجار، فكسر حجر منها رباعيته اليمنى السفلى، كما في رواية ابن هشام.

قال في «شرح المواهب» : (والمراد: أنّها كسرت فذهب منها فلقة، ولم تقع من أصلها، قاله في «الفتح» ) .

(وشق) عتبة (من شقوته) مثلث الشين؛ أي: من شقائه (شفته) صلى الله عليه وسلم السفلى.

روى ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: ما حرصت على قتل رجل قطّ حرصي على قتل أخي عتبة لما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه رسوله» .

واعلم: أنّه ليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه، بل فيها ما يصرح بموته على الكفر، قاله في «شرح المواهب» .

قال السهيلي في «الروض» : (لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحلم إلّا وهو أبخر، أي منتن الفم، أو أهتم، أي

وشجّه ابن قمئة وابن شهاب ... صلّى عليه الله ما سحّ سحاب

مكسور الثنايا من أصلها، يعرف ذلك في عقبه) اهـ

قلت: وهذا من شؤم الآباء على الأبناء، نسأل الله السلامة والعافية بمنّه وكرمه.

(وشجه) عليه الصّلاة والسّلام عبد الله (بن قمئة) ويقال: ابن قميئة، في وجنته، فدخلت فيها حلقتان من المغفر، وقال حين ذاك: خذها وأنا ابن قمئة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أقمأك الله» أي: أذلّك وصغّرك «1» .

(و) عبد الله (ابن شهاب) الزّهريّ، وقد أسلم بعد ذلك رضي الله عنه، وهو جدّ الإمام محمّد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزّهري، شيخ الإمام مالك، قيل له:

أكان جدك عبد الله شهد بدرا؟ فقال: نعم، ولكن في الجانب الآخر، وأخو عبد الله هذا عبد الله الأكبر من مهاجرة الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة رضي الله عنه.

قال في «الهمزية» معربا أنّ هذه الشجة زادته حسنا وجمالا على حسنه وجماله:

مظهر شجّة الجبين على البر ... ء كما أظهر الهلال البراء

__________

(1) قد استجاب الله دعاءه صلى الله عليه وسلم فيه؛ فإنّه بعد الوقعة خرج إلى غنمه، فوافاها على أعلى الجبل، فأخذ يعترضها، فشدّ عليه كبشها، فنطحه نطحة أردته من شاهق الجبل، فتقطع.

وازدرد الدّمّ أبو الخدريّ ... وانتزع الحلقة في النّبيّ

ستر الحسن منه بالحسن فاعجب ... لجمال له الجمال وقاء

فهو كالزّهر لاح من سجف ... الأكمام والعود شقّ عنه اللّحاء

وقال سيدنا حسان رضي الله عنه، في وصف جبينه الشريف وأحسن:

متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدّجى المتوقد

فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظاما لحقّ أو نكالا لملحد

(صلّى عليه الله) وسلّم (ما سحّ) صبّ (سحاب) بالمطر، واتصلت عيون بنظر، والمقصود: الدعاء المستمر.

(وازدرد) أي: ابتلع (الدم) من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: دم جراحاته مالك بن سنان رضي الله عنه، وهو (أبو) أبي سعيد (الخدريّ) وحين امتصه قال عليه الصّلاة والسّلام: «من مسّ دمي دمه لم تصبه النار» .

وفيه من الفقه أنّ دم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف غيره من الدماء في التحريم، وأنّ دمه طاهر، حيث لم يغسل منه فمه، ولم يأمره بذلك.

أبو عبيدة فكان أثر ما ... بساقط الثّنيّتين أعلما

بملء درقة من المهراس ... جاء ليشرب شفيع النّاس

(وانتزع الحلقة) من المغفر (في) جرح (النّبيّ) صلى الله عليه وسلم الذي جرحه ابن قمئة، وهما حلقتان، وفاعل انتزع هو قوله: (أبو عبيدة) عامر بن الجراح انتزع إحداهما، فسقطت ثنيته، ثمّ انتزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى (فكان) أبو عبيدة (أثرما) بفتح الهمزة وهو ساقط الثنيتين أو إحداهما، والرّباعيات، وهو هنا ساقط الثنيتين، فلذلك قال: (بساقط الثنيتين) والباء سببية.

وقوله: (أعلما) خبر بعد خبر لكان.

والأعلم كأحمر: الرجل المشقوق الشفة العليا، ومؤنثه علماء، ويقابله الأفلح، وهو: مشقوق الشفة السفلى، قال العلّامة الزمخشري في أبيات:

ومذ أفلح الجهّال أيقنت أنّني ... أنا الميم والأيام أفلح أعلم

(بملء درقة) بالتحريك وقد تسكن الراء كما هنا:

الجحفة «1» (من المهراس) بيان لقوله: (بملء) المتعلق بقوله: (جاء) والمهراس، بكسر الميم: صخرة منقورة تمسك الماء فيتوضّأ منه، شبه بالمهراس الذي هو الهاون، قال السّهيليّ: (وهم المبرّد، فجعل المهراس اسما علما

__________

(1) هي الترس.

حيدرة فعافه ورحضا ... عن وجهه الدّمّ ففاز بالرّضا

للمهراس الذي بأحد خاصة، وإنّما هو اسم لكل حجر نقر، فأمسك الماء) .

يعني: أنّه لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشّعب.. جاء بالماء الذي ملأ به الدرقة (ليشرب شفيع الناس) صلى الله عليه وسلم منه (حيدرة) لقب لسيدنا علي رضي الله عنه، وهو فاعل لجاء، فلمّا جاء به.. وجد له ريحا (فعافه) أي: كرهه ولم يشرب منه (ورحضا) بالحاء المهملة المفتوحة: أي غسل (عن وجهه) الشريف (الدم) وصبّ على رأسه (ففاز) سيدنا علي رضي الله عنه (بالرضا) من الله تعالى، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال في «شرح المواهب» : (وهذا وقع قبل انصراف الكفار من عليّ وحده، ثمّ لمّا انصرفوا- كما في رواية الطبراني- أتت السيدة فاطمة رضي الله عنها فجعلت تغسل، وعلي يسكب، وهو صلى الله عليه وسلم يقول: «اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه نبيه» رواه البخاريّ) .

قال في «روض النّهاة» : (إنّ عليّا وفاطمة رضي الله عنهما كانا يغسلان الدم، ويزداد سيلانا، فعمدت السيدة فاطمة رضي الله عنها إلى حصير فأحرقته، ووضعته في الجرح، فرقأ الدم، وأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سيفه، وقال: «اغسلي يا بنيّة هذا، فقد والله صدقني

اليوم «1» » ثمّ ناولها عليّ سيفه، وقال: وهذا فاغسليه، فقد صدقني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت أحسنت القتال، فقد أحسنه معك عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، والحارث بن الصّمة، وسهيل بن حنيف» وقال رضي الله عنه:

أفاطم هاء السّيف غير ذميم ... فلست برعديد ولا بلئيم

وهبّت يومئذ ريح سمعوا فيها قائلا يقول:

لا سيف إلّا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلّا عليّ

ومرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني النجار، ثمّ من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فلمّا نعوا إليها..

قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أمّ فلان، هو بحمد الله كما تحبّين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته.. قالت: كلّ مصيبة بعدك جلل؛ أي: حقيرة.

قلت: ومن هذا تعرف مقدار ما يحمل الأصحاب الكرام من محبة صادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا فرق بين

__________

(1) هذا يدل على أنّه صلى الله عليه وسلم ضرب بسيفه في هذه الغزوة حتى أصابه الدم.

صغير وكبير، ورجل وامرأة.

وإليك حادثة أخرى من هذا الطراز تزداد بها حبا، ويقينا، وإيمانا وعقيدة في شأن هؤلاء السادة الأبطال العظام الذين يفخر بهم الإسلام.

يقول العلّامة المقريزي في «الإمتاع» : (خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج إلى أحد وهو يقول: اللهمّ؛ لا تردّني إلى أهلي، فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد وعبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي، فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام زوجة عمرو بن الجموح على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة رضي الله عنها وقد خرجت عائشة في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ.

فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك، أمّا رسول الله..

فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا، قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابن خلاد وزوجي عمرو بن الجموح، قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم قالت: حل- تزجر بعيرها- فبرك. فقالت عائشة: لما عليه، قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك، وزجرته فقام، فوجّهته راجعة إلى أحد، فأسرع.

فرجعت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك،

فقال: «إنّ الجمل مأمور، هل قال عمرو شيئا؟» قالت: إنّ عمرا لما وجه إلى أحد.. قال: اللهمّ؛ لا تردّني إلى أهلي خزيان، وارزقني الشهادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلذلك الجمل لا يمضي، إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله.. لأبرّه، منهم: عمرو بن الجموح، يا هند؛ ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة، ينظرون أين يدفن» ، ثمّ مكث عليه الصّلاة والسّلام حتى قبرهم، ثمّ قال: «يا هند؛ قد ترافقوا في الجنة عمرو بن الجموح وابنك خلاد وأخوك عبد الله» قالت:

يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني معهم) اهـ

وهذه الحوادث مشهورة في كتب السير الصحيحة، وفيها برهان واضح على كمال إيمان هؤلاء الأصحاب الكرام، ومنهم تلك المرأة التي أصيبت بزوجها عميد أسرتها، وابنها فلذة كبدها، وأخيها في يوم واحد، مبتهجة قائلة: كل مصيبة دونك يا رسول الله جلل.

نعم؛ صدقت، وصدقوا؛ لأنّهم أخبروا بأمر واقعي تكنه صدورهم وتعرب عنه ألسنتهم، وهذا العمل الخالد المبرور منهم قلّ من جل، ممّا يعبر عن محبتهم الصادقة وإيمانهم الكامل، وحسبهم شرفا ثناء الله عليهم في الكتاب القديم قبل بروزهم إلى هذا الوجود، فجدير بنا أن نتّخذ لهم من سويداء قلوبنا محلا نجعلهم فيه، ونتّخذ لنا من أمثال هذه الحوادث

قتادة ذو العين ردّها النّبي ... بقوسه وقد تشظّظت حبي

درسا نقتدي بهم فيه؛ حتى ننال سعادة الدارين بشرف هذا الحب الخالص، وجدير بأبنائنا وشبابنا أن يتخذوا من سيرة الرسول العطرة وأصحابه الكرام ما يجعلونه سميرهم في هذه الحياة.

,

بلاء قتادة والمعجزة في حادثة عينه:

(قتادة) أي: ممّن ثبت قتادة بن النعمان بن زيد الأوسيّ «1» (ذو العين) التي أصيبت يوم أحد، فوقعت على وجنته، فأتى بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: «إن شئت صبرت، ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله لك، فلم تفقد منها شيئا» فقال: يا رسول الله؛ إنّ الجنة لجزاء جميل، وعطاء جليل، ولكني رجل مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور، فلا يردنني، ولكن تردّها وتسأل الله لي الجنة، فقال: «أفعل يا قتادة» ، ف (ردها النّبي) صلى الله عليه وسلم، بأن أخذها بيده الشريفة، وردها إلى موضعها، وقال: «اللهمّ اكسه جمالا» .

وروى الطبرانيّ وأبو نعيم عن قتادة: (كنت أتّقي السهام بوجهي دون وجهه صلى الله عليه وسلم، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي، وسعيت إلى رسول الله

__________

(1) شهد جميع المشاهد معه صلى الله عليه وسلم، سمعه عليه الصّلاة والسّلام يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها فقال: «وجبت» وتوفي سنة ثلاث وعشرين عن خمس وستين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب.

صلى الله عليه وسلم، فلمّا رآها في كفّي.. دمعت عيناه، فقال: «اللهمّ؛ ق قتادة كما وقى وجه نبيّك، فاجعلها أحسن عينيه، وأحدّهما نظرا» فكانت كذلك) .

قال البرهان في «النور» : (روى الأصمعيّ عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة، فقال ممّن الرجل؟ فقال:

أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ... فردّت بكف المصطفى أحسن الرّدّ

فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدّ

فقال عمر:

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل المتوسلون.

ووصله وأحسن جائزته) .

وقال البوصيريّ يصف راحته الكريمة عليه الصّلاة والسّلام:

وأعادت على قتادة عينا ... فهي حتى مماته النجلاء

وقد تضمنت هذه معجزة له عليه الصّلاة والسلام، ومزية لسيدنا قتادة، وأشار لمزية له أخرى بقوله: (بقوسه) أي:

أوّل من عرفه فبشّرا ... به ابن مالك قريع الشّعرا

بقوس النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو يتعلق بقوله:

(حبي) .

(وقد) أي: والحال أنّها قد (تشظّظت) بالبناء للفاعل؛ أي: تفرقت (حبي) أي: أعطي قتادة بلا جزاء.

قال ابن إسحاق: «وحدّثني عاصم بن عمرو بن قتادة:

أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها «1» ، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده» .

,

عودتهم للرسول صلى الله عليه وسلم:

(ف) لمّا سمع الصحب الكرام ذلك (عاودوه) أي:

النّبيّ صلى الله عليه وسلم مسرعين (وتساقطوا) أي: تتابعوا

__________

إسلام دوس، وهما:

قضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثمّ أغمدنا السيوفا

تخبرنا، ولو نطقت لقالت ... قواضبهنّ دوسا، أو ثقيفا

فلمّا بلغ ذلك دوسا.. قالوا: خذوا لأنفسكم؛ لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. قال ابن حبان: مات أيام قتل علي بن أبي طالب، وقال البغوي: بلغني أنّه مات بالشام في خلافة معاوية. اهـ ملخصا من «الإصابة»

فبايعوا على الممات المجتبى ... صلّى عليه الله ما هبّ الصّبا

وبعد ما اطمأنّ في الشّعب علت ... عالية من فوقهم فأنزلت

في وقوعهم (عليه) لكثرتهم، فلم يكن التتابع توانيا منهم (ونهضوا) معه صلى الله عليه وسلم (للشّعب) لينظر حال الناس، هو بكسر الشين: الطريق في الجبل (إذ أووا) أي:

التجأوا (إليه) صلى الله عليه وسلم.

(فبايعوا على الممات المجتبى) أي: المختار (صلّى عليه الله) وسلّم (ما هبّ) ريح (الصّبا) وهي ريح النصر.

قال اليعمريّ في «العيون» : (لما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نهضوا به، ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة، والزّبير، والحارث بن الصّمة، ورهط من المسلمين، وقال موسى بن عقبة: بايعوه على الموت) .

(وبعد ما اطمأنّ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (في الشّعب) معه أولئك النفر (علت عالية) جماعة من مشركي قريش الجبل (من فوقهم) فقال صلى الله عليه وسلم:

«اللهمّ؛ إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا» (فأنزلت) الجماعة العالية من الجبل لما قاتلهم عمر بن الخطاب، ورهط من المهاجرين.

قال اليعمريّ: (ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان

صلّى بهم وقعدوا وقعدا ... ظهرا لما من الجراح أجهدا

بدّن «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهر بين درعين، فلمّا ذهب لينهض.. لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها) .

قال ابن إسحاق: (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عن عبد الله، عن الزّبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ: «أوجب طلحة» «2» حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع) .

قال ابن هشام: (وبلغني عن عكرمة عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنيّة في الشّعب) .

(صلّى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (بهم) أي:

بالصحابة (وقعدوا) متابعة، أو من الجراح التي أصابتهم (وقعدا) عليه الصّلاة والسّلام (ظهرا) معمول لقوله:

(صلّى) ، (لما) أي: للجراح التي أجهدته، وشقت عليه، فقوله: (من الجراح) بيان لما (أجهدا) .

قال ابن هشام: (وصلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم الظهر يومئذ قاعدا، من الجراح التي أصابته، وصلّى المسلمون خلفه قعودا) .

__________

(1) قال البرهان: (بدّن- بفتح الدال المهملة المشددة- أي: أسن أو ثقل من السن) اهـ «شرح المواهب»

(2) قال اليعمري: (يعني: أحدث شيئا يستوجب به الجنة) اهـ

واستبدلت هند من اللآلي ... قلائدا من آنف الرّجال

وطوّقت وحشيّها الفريدا ... وأدبرت تردّد النّشيدا

,

تمثيل هند بنت عتبة بالشهداء:

(واستبدلت هند) بنت عتبة بن ربيعة المتقدم في بدر «1» (من اللآلي) جمع لؤلؤة: الدر (قلائدا) : جمع قلادة، وهي ما يجعل في العنق؛ يعني: أنّها جعلت (من آنف الرجال) قلائد بدلا من اللآلي، وآنف على أفعل: جمع أنف.

قال ابن إسحاق: (ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن: أي يقطعن الآذان، والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدما «2» وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا كما قال: (وطوقت وحشيّها الفريدا) ، وهو الدر إذا نظم وفصّل بغيره، أي: ألبسته الفريد، وجعلته طوقا في عنقه، وأضيف إليها، إمّا لأنّه لبني عبد مناف، وهي من رؤسائهم يومئذ بمكّة، أو لرضاها عنه يومئذ حتّى جعلته كالابن، أو لغير ذلك.

__________

(1) أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بليلة، وشهدت معه اليرموك، روى الأزرق وغيره: أنّها لما أسلمت جعلت تضرب صنمها في بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وتقول: كفاني غرورا. روى عنها ابنها معاوية وعائشة، وماتت سنة أربع عشرة.

(2) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة: الخلاخيل، واحدها: خدمة.

نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر

(وأدبرت تردّد النشيدا) بأعلى صوتها، وتقول:

(نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر «1»

ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمّه وبكر «2» )

وبعده:

شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صدري «3»

فشكر وحشيّ عليّ عمري ... حتى ترمّ أعظمي في قبري «4»

قال في «روض النّهاة» : (ليس بكرها حنظلة بن أبي سفيان، ولا قيس بن الفاكه، كما يزعم بعض الجهلة؛ لأنّ حنظلة أمه صفية بنت أبي العاص عمة عثمان، وأمّا قيس بن الفاكه.. فأمه أم عثمان بنت عم أبيه الفاكه، وهند أول ما ولدت من الرجال: أبان بن حفص بن المغيرة، لكن

__________

(1) بضم السين والعين، وفيها التسكين أيضا، وهو المناسب هنا؛ أي: والحرب ذات التهاب.

(2) بكسر الباء، تريد حنظلة بن أبي سفيان الذي هو كأول أولادها.

(3) الغليل- بالغين المعجمة-: العطش، وأيضا: حرارة الجوف.

(4) ترم- بفوقية مفتوحة فراء مكسورة- أي: تبلى أعظمي.

لم نقف على أنّه قتل يوم بدر، ولا على نفيه عنه) اهـ

وأجابتها هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطلب المطلبية، أخت مسطح بقولها:

خزيت «1» في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر

صبّحك الله غداة الفجر ... ملهاشميين «2» الطوال الزّهر

بكل قطّاع «3» حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري

إذ رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر «4»

ونذرك السّوء فشرّ نذر

قال في «شرح المواهب» : (قال الحافظ أبو الرّبيع في «الإكتفاء» : هذا قول هند والكفر يحنقها، والوتر يقلقها،

__________

(1) خزيت- بخاء معجمة فزاي- والخزي: الذلة والإهانة، والوقاع- بتشديد القاف: الكثير الوقوع في الدنايا.

(2) بميم مكسورة، فلام ساكنة: أصله (من الهاشميين) ، فحذفت النون لالتقاء الساكنين، والزهر- بضم الزاي المشددة- أي: البيض.

(3) الحسام- بضم الحاء المهملة-: السيف القاطع، ويفري- بالتحتية المفتوحة- أي: يقطع.

(4) رام بمعنى: طلب، وفاعله (شيب) مرخم من شيبة في غير النداء، وهو جائز، وخضب بالضاد المعجمة المشددة- وضواحي النحر: ما ظهر منه.

كلا المجدّع وسعد المفتدى ... سأل ربّ العرش منهم أسدا

والحزن يحرقها، والشيطان ينطقها، ثمّ إنّ الله هداها إلى الإسلام، وعبادة الله، وترك الأصنام، أخذ بحجزتها عن سوء النار، ودلّها على دار السلام، فصلحت حالها، وتبدّلت أقوالها، حتّى قالت له صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله؛ ما كان على أهل الأرض أهل خباء أحبّ إليّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم أهل خباء أحبّ إليّ أن يعزّوا من أهل خبائك، فالحمد لله الذي هدانا برسوله أجمعين) .

,

استشهاد عبد الله بن جحش كما سأل ربه:

(كلا المجدّع) بصيغة اسم المفعول في الأصل:

المقطوع الأذن، أو الأنف، أو هما، أو اليد، أو الشفة، والمراد به هنا: سيدنا عبد الله بن جحش «1» ؛ فإنّه قطع في هذا

__________

(1) ابن رياب- براء وتحتانية وآخره موحدة- ابن يعمر الأسدي، حليف بني عبد شمس أحد السابقين، قال ابن إسحاق: هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا. روى البغوي من طريق إبراهيم بن سعد عن مسلم بن محمّد الأنصاري، عن رجل من قومه قال: (آخى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت) ومن طريق زياد بن علاقة عن سعد بن أبي وقاص، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية قال: «لأبعثنّ عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش» فبعث علينا عبد الله بن جحش، فكان أوّل أمير في الإسلام. قال الزّبير: كان يقال له المجدع في الله، وكان سيفه قد انقطع يوم أحد، فأعطاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم عرجونا، فصار في يده سيفا، فكان يسمّى ذا العرجون قال: وقد بقي هذا السيف حتى بيع من بغا التركي بمئتي دينار. اهـ ملخصا

اليوم أنفه وأذناه في سبيل الله تعالى (وسعد) بالجر معطوف على (المجدّع) الواقع مضافا إليه، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص (المفتدى) أي: الذي افتداه النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأبويه، ولم يفد بهما غيره، قيل: والزّبير يوم الخندق.

وفاعل قوله: (سأل) عائد على كلا الواقع مبتدأ، خبره جملة سأل (ربّ العرش) عزّ وجلّ (منهم أسدا) أي: رجلا شجاعا يقاتل كل منهما في سبيله تعالى.

وذلك ما حدّث به سعد: أنّه لقي يوم أحد أوّل النهار عبد الله بن جحش، فخلا به، وقال له عبد الله: يا سعد؛ هلمّ فلندع الله، وليذكر كل منا حاجته في دعائه، وليؤمّن الآخر، قال سعد: فدعوت الله أنّي ألقى فارسا شديدا بأسه، شديدا حرده «1» فأقتله، وآخذ سلبه، فقال: اللهمّ؛ آمين، ثمّ استقبل عبد الله القبلة، ورفع يديه إلى السّماء، وقال: اللهمّ؛ لقّني فارسا شديدا بأسه، شديدا حرده، يقتلني ويجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدا تقول لي: يا عبد الله؛ فيم جدع أنفك؟ فأقول:

فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، قل يا سعد: آمين، قال: فقلت: آمين، ثمّ مررت به آخر النهار قتيلا مجدوع الأنف والأذنين، وإنّ أنفه وأذنيه معلّقتان في خيط، ولقيت أنا فلانا من المشركين، فقتلته، وأخذت سلبه.

__________

(1) بفتح الحاء والراء؛ أي: شديدا غضبه.

أمّا المجدّع فللشّهاده ... وسعد الفتك به أراده

وإذ أبو رهم الغفاريّ نحر ... بريقه في الحين قام مستمر

وإلى ذلك أشار بقوله: (أمّا المجدع فللشهادة) كان سؤاله، فظفر بها (و) أمّا (سعد) فأراد (الفتك به) فهو مفعول لفعل مقدر يفسره قوله: (أراده) .

والفتك: هو ارتكاب ما همّ من الأمر، وانتهاز الفرصة بالقتل، وهو المراد هنا، وهذا ليس من تمنّي الموت المنهي عنه، وإنّما يكون المنهي عنه لضرّ نزل به، وقاتل عبد الله كما في «الإصابة» أبو الحكم ابن الأخنس بن شريق لعنه الله تعالى وقد قتل يومئذ والحمد لله، وكانت سنّ سيدنا عبد الله بن جحش يومئذ بضعا وأربعين سنة، ودفن مع خاله سيدنا حمزة بن عبد المطلب في قبر واحد رضي الله عنهما.

(وإذ أبو رهم) بضم الراء مع إسكان الهاء، وهو سيدنا كلثوم بن الحصين (الغفاري نحر) بالبناء للمفعول؛ أي:

أصابه سهم في نحره.

(بريقه) صلى الله عليه وسلم، وهو يتعلق بقوله: قام (في الحين) أي: في وقته (قام مستمر) أي: قام مستمرا بالبرء في حين بصق عليه صلى الله عليه وسلم، وأبو رهم هذا هو الذي استخلفه صلى الله عليه وسلم على المدينة لمّا توجه إلى فتح مكّة، هو ممّن بايع تحت الشجرة.

واستشهد اللّذان قد تخلّفا ... لكبر فلحقا وزحفا

هما حسيل اليماني أسلمه ... حذيفة إذ أهلكته المسلمه

,

استشهاد حسيل بن جابر اليماني:

(واستشهد) بالبناء للفاعل؛ أي: طلب الشهادة (اللذان قد تخلّفا) أي: قعدا عن الخروج ابتداء مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم (لكبر) بكسر الكاف وفتح الباء (فلحقا) أي: بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم (وزحفا) أي: قاتلا، والزحف الدنو من القتال.

و (هما) سيدنا (حسيل) بالتصغير، ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة (اليماني) سمي بذلك لأنّه أصاب دما في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسمي به لمحالفته اليمانية، وهم الأنصار (أسلمه) أي:

أعطاه ابنه (حذيفة) «1» للمسلمين؛ يعني: ردّ ديّته ولم يقبلها

__________

(1) يكنى: حذيفة أبا عبيد الله، كما ذكره السهيلي، حليف بني عبد الأشهل. قال في «روض النهاة» : (شهد أحدا وما بعدها، وكان من كبار الصحابة، بعثه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينظر إلى قريش، وكان يعرف بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر يسأله عن المنافقين، وكان يتحرّاه في شهود الجنائز، وخيره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، شهد نهاوند، وأخذ الراية بعد قتل نعمان بن مقرن، ففتح الله على يديه، وسئل: أي الفتن أشد؟ قال: أن يعرض عليك الخير والشر، ولا تدري أيّهما تركب. وقال: لا تقوم الساعة حتى تسود كل قبيلة منافقوها. مات رضي الله عنه سنة بضع وثلاثين، وقتل ابناه صفوان وسعيد مع علي رضي الله عنه بوصية أبيهما) اهـ

وثابت بن وقش المستشهد ... أخوه وابناه وكلّ وتد

من المسلمين (إذ أهلكته المسلمة) خطأ، اختلفت عليه أسيافهم، يظنونه من المشركين، وكان الذي قتله خطأ سيدنا عتبة بن مسعود «1» رضي الله عنه.

,

استشهاد ثابت بن وقش، وأخيه رفاعة، وابنيه الأصيرم، وسلمة:

(وثابت بن وقش) بالرفع، معطوف على حسيل، قال ابن إسحاق: (حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، قال: لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد.. رفع حسيل بن جابر اليماني أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن وقش في الآطام، مع النساء والصبيان،

__________

(1) هو أخو سيدنا عبد الله بن مسعود، وجد عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه، ذكره عبد بن حميد في «التفسير» . وعتبة أوّل من سمّى المصحف مصحفا فيما روى ابن وهب في «الجامع» نقله السهيلي. وقال في «روض النّهاة» : (أسلم عتبة قبل أخيه عبد الله، واستشهد يوم اليمامة، ونحو ابني مسعود هذين ابنا الخطاب عمر وزيد، قال عمر رحم الله: أخي سبقني إلى الحسنيين: الإسلام والشهادة، وكان عمر رضي الله عنه حريصا على الشهادة، رمى في هذا اليوم بدرعه لأخيه زيد، فقال له زيد: يا أخي؛ أريد من الشهادة ما تريد، فتركاها جميعا) اهـ

فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان: لا أبا لك! ما ننتظر؟! فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلّا ظمء حمار «1» ، إنّما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا، ثمّ نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعلّ الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذا أسيافهما، ثمّ خرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يعلم بهما.

فأمّا ثابت بن وقش.. فقتله المشركون، وأمّا حسيل بن جابر.. فاختلفت عليه أسياف المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي والله! فقالوا: والله إن عرفناه! وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم والله أرحم الراحمين. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدّق حذيفة بديته على المسلمين. فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا.

وقوله: (المستشهد) بالرفع: صفة لثابت (أخوه) رفاعة بن وقش، فإنّه استشهد يوم أحد (وابناه) أي: ثابت، وهما: عمرو بن ثابت بن وقش الملقب بالأصيرم، المتقدم خبره، وسلمة بن ثابت رضي الله تعالى عنهم، ونفعنا بحبهم، (وكلّ) من المذكورين (وتد) بفتحتين، شبههم بالجبال، التي هي أوتاد الأرض، تشبيها بليغا، لشرفهم في قومهم، وفضلهم في الإسلام.

__________

(1) مقدار ما يكون بين شربتي الحمار، وهو أقصر مسافة، وهو كناية عن قرب الأجل.

وابن الرّبيع سعد اللّذ سألا ... نبيّنا عنه فألفي على

شفا الشّهادة فأرسل الرّضا ... إلى النّبيّ بالسّلام والرّضا

استشهاد سعد بن الرّبيع:

(و) استشهد (ابن الرّبيع) بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الحارث، واسمه (سعد، اللذ سألا نبيّنا) صلى الله عليه وسلم (عنه) يوم أحد بعد إسفارهم عن المعركة، فقال:

«من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الرّبيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، قيل: هو أبيّ بن كعب، وقيل: محمّد بن مسلمة، فنادى في الأموات فلم يجبه، إلى أن قال: يا سعد؛ إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثني أنظر له ما صنعت؟ أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأجابني بصوت ضعيف: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنّي السّلام، وقل له إنّ سعد بن الرّبيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمّته، وأبلغ قومك عنّي السلام، وقل لهم: إنّ سعد بن الرّبيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف، ثمّ قال: فلم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته خبره، وهذا ما أشار له بقوله:

(فألفي) أي: فوجد (على شفا) أي: على طرف (الشهادة) وشفا كل شيء: حرفه، وطرفه، يقال للرجل عند موته: ما بقي منه إلّا شفا (فأرسل الرضا) أي: المرضيّ

وذو الوصايا الجمّ للبشير ... وهو مخيريق بني النّضير

عند الله، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيدنا سعد، وهو فاعل (أرسل) .

(إلى النّبيّ بالسلام والرّضا) عنه، ودفن هو وابن عمه خارجة بن زيد في قبر واحد، رضي الله عنهما، وعنّا بهما، وجمعنا بهما في دار كرامته، من غير سابقة عذاب، بمنّه وكرمه، آمين.

استشهاد مخيريق من بني النّضير:

(و) استشهد (ذو الوصايا الجم) بضم الجيم جمع جمّ بفتحها؛ أي: الوصايا الكثيرة (للبشير) صلى الله عليه وسلم (وهو مخيريق) رضي الله عنه، ونفعنا به، وهو من (بني النضير) كان حبرا، كثير المال، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته، وغلب عليه إلف دينه، فلم يزل على ذلك، حتّى إذا كان يوم أحد يوم السبت.. قال: والله يا معشر يهود؛ إنّكم لتعلمون أنّ نصر محمّد عليكم لحقّ، قالوا: إنّ اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثمّ أخذ سلاحه، فخرج حتّى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه: إن قتلت فمالي لمحمّد يصنع فيه ما أراه الله، فلمّا اقتتل الناس.. قاتل حتّى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«مخيريق خير يهود» .

ومصعب شمّاس والمجدّع ... بحمزة المهاجرون أربع

فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقاته صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم حين انصرف منها جعلها أوقافا، وهي أوّل حبس حبس في الإسلام، وكانت سبع حوائط، أسماؤها في «الإصابة» في ترجمته، وهذا أحد الأدلة الكثيرة على مشروعية الوقف في الإسلام، خلافا لبعض علماء العصر ممّن يريد حلّ الأوقاف الإسلامية اتباعا للهوى، هدانا الله وإياهم إلى الصراط المستقيم.

قال في «روض النّهاة» : (ولم تزد الكتب في نسب مخيريق على كونه من بني النّضير) .

,

استشهاد مصعب بن عمير وشماس المخزومي:

(ومصعب) بن عمير المتقدم، و (شمّاس) هو ابن عثمان الشريد المخزومي «1» (والمجدّع) عبد الله بن جحش

__________

(1) قال في «الإستيعاب» : (اسمه عثمان، وشماس لقب غلب عليه، أمه صفية بنت ربيعة بن عبد شمس، كان من مهاجرة الحبشة، ثم شهد بدرا، كان يوم قتل في أحد ابن أربع وثلاثين سنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما وجدت لشماس شبها إلّا الجنة» يعني: ممّا يقاتل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرمي ببصره يمينا ولا شمالا.. إلّا رأى شماسا في ذلك الوجه يذب بسيفه، حتى غشي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترس بنفسه دونه حتى قتل، فحمل إلى المدينة وبه رمق، فأدخل على عائشة رضي الله عنها، فقالت أم سلمة: ابن عمي يدخل على غيري؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احملوه إلى أم سلمة» فحمل إليها فمات عندها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن-

المتقدم أيضا، (بحمزة) أي: مع حمزة بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف «1» ، ووصفهم بقوله: (المهاجرون) وأخبر عن الأسماء المذكورة بقوله (أربع) ، أي ممّن استشهد في وقعة أحد من المهاجرين وبقية السبعين من الأنصار.

__________

- يرد إلى أحد، فيدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها، بعد أن مكث يوما وليلة، إلّا أنّه لم يأكل ولم يشرب) . قلت: قال في «روض النّهاة» : (قالت أخته ترثيه وقيل: زوجته- وأراه لو كانت له ثمّ زوجة.. لما تنازعه غيرها من النساء:

يا عين جودي بدمع غير إبساس ... على كريم من الفتيان لباس

صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس

أقول لمّا أتى الناعي به جزعا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي

وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله منا قرب شماس»

(1) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في «الإستيعاب» : (يكنّى أبا عمارة، وأبا يعلى؛ بابنيه، أسلم في السنة السابعة من المبعث) . ذكر البكائي عن ابن أسحاق قال: (كان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، كان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنة، ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حمزة سيد الشهداء» وروي: «خير الشهداء، ولولا أن تجد صفية.. لتركت دفنه حتى يحشر في بطون الطير والسباع» وكان قد مثل به وبأصحابه يومئذ، ولما رأى النّبي صلى الله عليه وسلم ما صنع بحمزة من المثلة.. قال: «لئن ظفرت بقريش.. لأمثلنّ بثلاثين منهم» فأنزل الله عزّ وجلّ: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ* وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ* إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) . هذا: وترجمته وكراماته رضي الله عنه تضيق عنها الصحف.

حنظلة الغسيل نجل الفاسق ... زوج جميلة ابنة المنافق

أجنب منها فاستخفّه القتال ... عن شقّه أو عن جميع الاغتسال

,

استشهاد حنظلة غسيل الملائكة:

وممّن استشهد بأحد أيضا: (حنظلة) الملقب ب (الغسيل) لما سيأتي (نجل) أي: ابن أبي عامر (الفاسق) بتلقيب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وكان قبل يسمّى الراهب (زوج جميلة ابنة) عبد الله بن أبيّ، (المنافق أجنب منها) أي: أمنى من زوجته جميلة، لما ابتنى بها تلك الليلة، فأراد الاغتسال (فاستخفه القتال عن) غسل (شقه) على أنّه اغتسل، وبقي شقّه (أو عن جميع الاغتسال) على أنّه لم يغسل شيئا، فأو لتنويع الخلاف.

قال في «روض النّهاة» : (وكانت زوجه جميلة رأت تلك الليلة في النوم كأنّ بابا من السماء قد فتح له، فدخله وأغلق دونه، فعلمت أنّه ميّت، فدعت رجالا من قومها حين أصبحت، فأشهدتهم على الدخول بها، خشية أن يكون في ذلك نزاع، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ صاحبكم لتغسله الملائكة» وفي رواية: «رأيت الملائكة تغسله في صحاف الفضة، بماء المزن، بين السماء والأرض» فسئلت، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة، والتمس في القتلى، فوجدوه ورأسه يقطر ماء، وليس بقربه ماء، تصديقا لقوله عليه الصّلاة والسّلام.

وفي هذا القول متعلّق لمن قال من الفقهاء: إنّ الشهيد

وقال صخر إذ رآه قتله ... شدّادهم حنظلة بحنظله

واستشهد الأعرج عمرو بن الجموح ... وعن حياة المصطفى أبا الفتوح

يغسل إذا كان جنبا، ومنهم من قال: لا يغسل كسائر الشهداء؛ لأنّ التكليف سقط عنهم بالموت.

وحملت جميلة تلك الليلة بعبد الله بن حنظلة، إمام أهل المدينة لما خلعوا اليزيد، فكانت عليهم وقعة الحرّة) .

(وقال) أبو سفيان (صخر) بن حرب (إذ رآه) أي:

رأى حنظلة المقتول: قد (قتله) أي: حنظلة، وفاعل (قتله) (شدّادهم) أي: قريش، وهو شداد بن أبي نعيم بن الأسود بن شعوب الليثي، حليف العباس بن عبد المطلب، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتله المسلمون ببدر: (حنظلة بحنظلة) بالرفع؛ أي: حنظلة هذا، مقتول بحنظلة بن أبي سفيان. أو بالنصب؛ أي: قتلنا حنظلة بحنظلة.

والذي قتل حنظلة بن أبي سفيان زيد بن حارثة في يوم بدر، هذا هو الصواب، خلافا لمن قال: إنّ القاتل له هو حنظلة الغسيل: لأنّ الغسيل لم يشهد بدرا.

,

استشهاد عمرو بن الجموح:

(واستشهد) بالبناء للمفعول على الأكثر؛ أي: طلب الشهادة فنالها (الأعرج) هو كما في «القاموس» : من أصابه شيء في رجله، يقال: عرج كجلس، أو يثلث إذا كان غير خلقة، وإذا كان خلقة فهو كفرح، ومشية العرجان محركة.

والمراد هنا سيدنا (عمرو بن الجموح) بفتح الجيم، وتخفيف الميم، ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاريّ، وإنّما ذكره الناظم بصفة العرج؛ لأنّها صفة مانعة له عن الخروج، ويعذر عن الجهاد من اتّصف بها، ولكن حمله على الخروج قوة إيمانه وعظيم إيقانه رضي الله عنه ونفعنا به.

وكان شديد العرج، ولما عرف بنوه منه ذلك.. أرادوا حبسه، فشكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

«أمّا أنت فقد عذرك الله» ثمّ قال لبنيه: «ما عليكم ألّا تمنعوه؛ لعلّ الله يرزقه الشهادة» فأخذ سلاحه، وأقبل على القبلة وقال: اللهمّ؛ ارزقني الشهادة، ولا تردّني إلى أهلي خائبا، فلمّا انكشف المسلمون.. حمل هو وابنه خلّاد فقتلا رضي الله عنهما، وجمعنا بهما في دار كرامته، بمنّه وكرمه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ منكم من لو أقسم على الله.. لأبرّه، منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته» .

ولمّا استشهد.. حمله أهله على بعيره، فاستصعب عليهم، فكلّما وجهوه إلى جهة.. سارع إليها، إلّا جهة المدينة، فكلّما وجهوه إليها.. امتنع، فذكروا قوله: اللهمّ؛ لا تردني، فدفنوه في مصرعه مع ابن عمه عبد الله في قبر واحد.

روى الإمام مالك في «موطئه» : (أنّ عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين السّلميّين كان قد حفر السيل قبرهما، وكان قبرهما ممّا يلي السيل، وكانا في قبر واحد، وهما ممّن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما، ليغير من مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنّهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثمّ أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة) .

,

تعرف مقصد جيش المشركين:

(وارتقبوا) أي: أشرف المسلمون للنظر في جيش العدوّ هل يريد مكة أو الرجوع إلى المدينة المنوّرة؟! ف (إن) بكسر الهمزة (يجنبوا) بفتح الياء المثنّاة؛ أي: يقودوا الخيل (فهم) أي: الكفار (قفل) بالتحريك: اسم جمع لقافل؛ أي: راجعون عن طيبة إلى مكة.

(أو) إن (يسرجوا) الخيل؛ أي: يجعلوا السروج عليها (فهم لطيبة نسل) بضمتين؛ أي: مسرعون؛ وذلك بأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ بن ابي طالب، أو لسعد بن أبي وقّاص؛ فإنّه قال له: «اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون؟ - أي: ما يريدون؟ - فإن كانوا جنبوا الخيل- أي:

وبأبيّ مرّ بعد ابن عمر ... وهو الّذي رماه خالق البشر

جعلوها منقادة بجانبهم- وامتطوا الإبل- أي: ركبوا مطاها، وظهورها- فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل.. فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده، لئن أرادوها.. لأسيرنّ إليهم، ثمّ لأناجزنّهم فيها» قال علي، أو سعد: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون؟ فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكّة، بعد ما تشاوروا في نهب المدينة، فأشار عليهم صفوان أن لا تفعلوا، فإنّكم لا تدرون ما يغشاهم.

ثمّ فرغ الناس لقتلاهم فهناك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «من رجل ينظر لنا ما فعل سعد بن الرّبيع ... »

الحديث، وقد تقدم.

مقتل أبيّ بن خلف لعنه الله:

(وبأبيّ) يتعلق بقوله: (مرّ) أي: مر بأبيّ بن خلف الجمحيّ (بعد) أي: بعد وقعة أحد، سيدنا عبد الله (بن عمر) رضي الله عنه (وهو) أي؛ أبيّ (الذي رماه) حقيقة (خالق البشر) جلّت قدرته، وكان في الرّمية حتفه، قال تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى، وفي ذلك نزلت، وقيل: في القبضة التي رمى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بها المشركين يوم بدر.

وكان من حديث أبيّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا لقيه بمكّة يقول: يا محمّد؛ إنّ عندي العوذ- يعني فرسا-

أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه، فيقول له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بل، أنا أقتلك إن شاء الله» فلمّا انحاز المسلمون عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان يقيه مصعب بن عمير فقتله ابن قمئة.. جاء أبيّ وهو يقول: أين محمّد؟

لا نجوت إن نجا، فاعترضه رجال من المسلمين، فأمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يخلّوا طريقه.

قال الزّبير: وكان معي حربة، فأخذها مني «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعراء- وهي ذباب صغير له لدغ- عن ظهر البعير إذا انتفض، فأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبيّ بين سابغة الدرع والبيضة؛ فطعنه فيها، فوقع عن فرسه صريعا، ولم يخرج من طعنته دم، فأدركه المشركون وارتثّوه «2» وله خوار، وهو يقول: قتلني والله محمّد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس، فقال: إنّه قد كان قال لي بمكّة: أنا أقتلك، والله لو بصق علي.. لقتلني، فقفلوا به نحو مكّة وهو يقول: والذي نفسي بيده، لو أنّ الذي بي بأهل المجاز.. لماتوا أجمعون، ومات عدوّ الله بسرف- ككتف- موضع قريب من التنعيم، وظهر بهذا أنّ قوله: (وهو الذي رماه خالق البشر) جملة معترضة بين قوله: (مرّ بعد ابن

__________

(1) ويقال: أخذها من الحارث بن الصمّة.

(2) أي: حملوه من المعركة.

مسلسلا صديان فاستسقاه ... والسّقي عنه ملك نهاه

ومرّ أيضا بأبي جهل لدى ... بدر به أضرّ لاعج الصّدى

عمر) وبين الحال، وهو قوله:

(مسلسلا) أي: مجعولا فيه السلسلة من الحديد، وحال كونه (صديان) أي: عطشان (فاستسقاه) أي: طلب منه السقي، (والسقي عنه) متعلق بقوله: (نهاه) الواقع خبرا لقوله: (ملك) بفتح اللام، من الملائكة لم يعيّن (نهاه) فقال لابن عمر: لا تسقه؛ فإنّه كافر.

(ومرّ) سيدنا عبد الله بن عمر (أيضا بأبي جهل لدى) أي: عند (بدر به) يتعلق بقوله: (أضر لاعج) هو مضاف إلى (الصّدى) بفتح الصاد؛ أي: العطش، من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الصدى اللاعج؛ أي: المحرق، قال في «القاموس» : لعج الجلد: أحرقه، والبدن ألمه.

أشار رحمه الله في هذه الأبيات إلى ما ذكره الثعالبيّ عند قوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً بسنده إلى عبد الله بن عمر، والزرقاني في «شرح الموطأ» عند حديث:

(الواحد شيطان) .

قال الثعالبيّ: قال أبو عمر في كتاب «التمهيد» مسندا إلى سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: خرجت مرة فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة، ومعي إداوة من ماء، فلمّا رآني.. قال:

يا عبد الله؛ اسقني، قال: فقلت: عرفني فدعاني باسمي،

أو كلمة تقولها العرب: يا عبد الله- إذ خرج على إثره رجل من القبر، فقال: يا عبد الله؛ لا تسقه؛ فإنّه كافر، ثمّ أخذ السلسلة، فاجتذبه فأدخله القبر.

قال: ثمّ أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بول وما بول، شنّ وما شن؟

فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان زوجا لي، وكان إذا بال لم يتّق البول، وكنت أقول له: ويحك! إنّ الجمل إذا بال..

تفاجّ، وكان يأبى، فهو ينادي من يوم ما مات: بول وما بول؟ قلت: فما الشن؟ قالت: جاء رجل عطشان، فقال: اسقني، فقال: دونك الشنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، وهو ينادي منذ مات: شنّ وما شن.

فلمّا قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم..

أخبرته، فنهى أن يسافر الرجل وحده.

قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به، ولكن للاعتبار، وما لم يكن حكم، فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء.

وذكر الثعالبيّ أيضا عن الوائليّ نحوه، وزاد: أنّ الرجل الأول هو أبو جهل، قال الثعالبي: (وذكرنا الحكاية الأولى عن الوائلي في (سورة اقرأ) بغير هذا السند، وأنّ الرجل الأول هو أبو جهل) اهـ

,

العبرة فيما أصاب المسلمين بأحد:

إذا علمت ما شرحناه لك في قصة أحد.. فليكن على بالك أنّ في القصة وما اشتملت عليه ممّا أصيب به المسلمون يوم أحد، فوائد وحكما ربانية، ودلائل نبوية:

منها: تعريفهم سوء عاقبة المخالفة، وشؤم ارتكاب النهي، لمّا ترك الرّماة موضعهم الذي أمر به المصطفى صلى الله عليه وسلم أن لا يفارقوه.

ومنها: أنّهم لو انتصروا دائما.. دخل في المسلمين من ليس منهم، ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائما.. لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين؛ ليتميز الصادق من الكاذب، فلمّا وقع ذلك.. ظهر أهل النفاق، فعرف المسلمون: أنّ لهم عدوّا في ديارهم، فتحرّزوا منهم، وكانت العاقبة على كل حال للمؤمنين.

ومنها: أنّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفوس، فلمّا ابتلي المؤمنون.. صبروا، وجزع المنافقون.

ومنها: أنّ الله هيّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لا تبلغها أعمالهم، فقيّض لهم أسباب الابتلاء والمحن؛ ليصلوا إليها.

ومنها: أنّ الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها الله تعالى إليهم.

وبعدها غزوة حمراء الأسد ... كانت لإرهاب صبيحة أحد

ومنها: أنّه تعالى أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك، من كفرهم، وبغيهم، وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحّص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين، إلى غير ذلك من الفوائد التي يعلمها الله تبارك وتعالى.



كلمات دليلية: