عمرة القضاء_3595

عمرة القضاء


الباب السادس والعشرون في عمرة القضاء

لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن البيت، وأنزل الله تبارك وتعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة 194] الآية. أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أصحابه أن يتجهزوا للعمرة، ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها، إلّا رجال استشهدوا بخيبر، ورجال ماتوا، فقال رجال من حاضري المدينة من العرب: يا رسول الله، والله مالنا زاد، وما لنا أحد يطعمنا، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم المسلمين أن ينفقوا في سبيل الله- تعالى، وأن يتصدقوا، وألا يكفوا أيديهم فيهلكوا، فقالوا: يا رسول الله، بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «بما كان ولو بشق تمرة»

[ (1) ] .

وروى وكيع وابن عيينة وابن سعيد، ومنصور، وعبد بن حميد، والبخاري، والبيهقي في سننه عن حذيفة، ووكيع، وعبد بن حميد، والبيهقي عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهم- وابن جرير عن عكرمة، ووكيع عن مجاهد- رحمهما الله- تعالى- قالوا في قوله تعالى:

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة 195] إن التهلكة ترك النفقة في سبيل الله، ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك في سبيل الله، أنفق ولو مشقصا [ (2) ] .

قال محمد بن عمر، وابن سعد [ (3) ] : واستعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة أبا رهم- بضم الراء، وسكون الهاء- الغفاري- رضي الله عنه- وقال ابن هشام: واستعمل عويف- بالواو والفاء، تصغير عوف، ويقال فيه عويث- بتحتية فمثلثة ابن الأضبط- بضاد معجمة، فموحدة، فطاء مهملة- رضي الله تعالى عنه- وقال البلاذري: استعمل أبا ذرّ. ويقال: عويف بن الأضبط والله أعلم.

ذكر ما ساقه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الهدي وتقديمه السلاح والخيل أمامه

روى محمد بن عمر عن عبد الله بن دينار- رحمه الله تعالى- قال: جعل رسول

__________

[ (1) ] انظر فتح الباري 7/ 571.

[ (2) ] انظر فتح القدير 1/ 194.

[ (3) ] انظر الطبقات الكبرى 2/ 92.

الله- صلى الله عليه وسلّم- ناجية بن جندب الأسلمي على هديه، يسير به أمامه، يطلب الرّعي في الشجر، معه أربعة فتيان من أسلم، زاد غيره: وأبو هريرة [ (1) ] .

وروى محمد بن عمر عن محمد بن إبراهيم بن الحرث قال: ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في القضية ستين بدنة وروى أيضا عن شعبة مولى ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قلّد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هديه بيده [ (2) ] .

وروى أيضا عن عاصم بن عمر عن قتادة- رحمه الله تعالى- قال: حمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السلاح، والبيض، والدروع، والرماح وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدّم الخيل أمامه، واستعمل على السلاح بشير بن سعد، بالموحدة والشين المعجمة، وزان أمير،

فقيل يا رسول الله: حملت السّلاح وقد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلّا سلاح المسافر، السيوف في القرب! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «إنّا لا ندخله عليهم الحرم، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا هيج من القوم كان السّلاح منّا قريبا

[ (3) ] .

فمضى بالخيل محمد بن مسلمة- رضي الله عنه- إلى مرّ الظهران، فوجد بها نفرا من قريش فسألوه فقال: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله- تعالى- ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا، حتّى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوه من الخيل والسلاح، ففزعت قريش، وقالوا والله ما أحدثنا حدثا، وإنّا على كتابنا، ومدّتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه.

قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى-: بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحرث يخطبها عليه، قلت: وسيأتي بيان ذلك في ترجمتها.

ذكر خروجه- صلى الله عليه وسلّم- من المدينة وإحرامه

روى محمد بن عمر- رحمه الله- تعالى- عن جابر- رضي الله- تعالى عنه- قال: أحرم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من باب المسجد، لأنه سلك طريق الفرع، ولولا ذلك لأهلّ من البيداء.

قالوا: وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلبي والمسلمون معه يلبّون، حتى انتهى إلي مرّ الظّهران، وقدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السلاح إلى بطن يأجج حيث نظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز- بكسر الميم، وسكون الكاف، وكسر الراء، وبالزاي- بن حفص في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحق، فقالوا له: والله يا

__________

[ (1) ] انظر المغازي للواقدي 2/ 71 والبيهقي في الدلائل 4/ 320 وابن كثير في البداية 4/ 230.

[ (2) ] المغازي 2/ 733.

[ (3) ] المصدر السابق.

محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا- بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألّا تدخل إلّا بسلاح المسافر، السيوف في القرب!!

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «إني لا أدخل عليهم بسلاح.»

فقال مكرز: هو الذي تعرف به، البرّ والوفاء، ثم رجع مكرز سريعا إلى مكة بأصحابه، فقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم [ (1) ] .

روى الإمام أحمد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مرّ الظّهران في عمرته، بلغ أصحابه أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا جمامة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «لا تفعلوا، ولكن اجمعوا إليّ من أزوادكم» ، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع فأكلوا حتّى تركوا، وحشا كلّ واحد في جرابه

[ (2) ] .

ذكر دخول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة

قال ابن عباس- رضي الله عنهما- قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، ولمّا جاء مكرز قريشا بخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- استنكف رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غيظا وحنقا، ونفاسة، وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، ودخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على راحلته القصواء وأصحابه محدقون به، قد توشّحوا السيوف يلبّون، فلما انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى ذي طوى وقف على راحلته والمسلمون حوله، ثم دخل من الثنية التي تطلعه على الحجون.

وروى البخاري تعليقا، وعبد الرّزاق، والترمذي، والنسائي، وابن حبان عن أنس- رضي الله عنه- وابن عقبة عن الزهري، وابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دخل مكة عام القضيّة على ناقته وعبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، وهو يقول:

خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... نحن ضربناكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

قد أنزل الرّحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله

يا رب إني مؤمن بقيله ... إنّي رأيت الحقّ في قبوله

فقال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يا ابن رواحة؟ بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-

__________

[ (1) ] انظر الطبقات الكبرى 2/ 92 والبيهقي في الدلائل 4/ 321 والواقدي في المغازي 2/ 734.

[ (2) ] أخرجه أحمد 1/ 305 وذكره الهيثمي في المجمع 3/ 278 وانظر البداية 4/ 231.

وفي حرم الله- تعالى- تقول الشعر؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «خل عنه يا عمر» فلهي أسرع فيهم من نضح النبل» . وفي رواية «يا عمر إني أسمع، فاسكت يا عمر» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا ابن رواحة قل: «لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» . فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قالها

[ (1) ] .

ذكر طواف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ماشيا وما جاء انه طاف راكبا

روى الإمام أحمد، والشيخان، وابن إسحاق عن ابن عباس- رضي الله- تعالى عنهما- قال: «قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مكّة، وقد وهنتهم حمّى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم غدا قوم قد وهنتهم الحمّى، ولقوا فيها شدّة، فجلسوا على قعيقعان مما يلي الحجر، فأطلع الله- تعالى- نبيه على ما قالوا، فلما دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده الأيمن، ثم قال: «رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوّة» . وفي رواية: «أروهم ما يكرهون»

وأمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الرّكنين، ليرى المشركون جلدهم، ثم استلم الركن، وخرج يهرول وأصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم، واستلم الرّكن اليماني مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أشواط ومشى سائرها. قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها للإبقاء عليهم، فقال المشركون: «هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا، ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظّبي» وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يكايدهم كلّما استطاع [ (2) ] .

قال محمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم: ولم يزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلبّي حتّى استلم الركن بمحجنه.

وروى الحميديّ والبخاريّ [ (3) ] ، والإسماعيلي عن عبد الله بن أبي أوفى- رضي الله عنه- قال: لما اعتمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- سترناه من غلمان المشركين، وفي رواية من السّفهاء والصبيان مخافة أن يؤذوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وروى يونس ابن بكير- رحمه الله تعالى- عن زيد بن أسلم- رحمهما الله تعالى- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- دخل عام القضية مكّة، فطاف على

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري معلقا 7/ 570 وانظر كلام الحافظ ابن حجر 7/ 572 وانظر مغازي الواقدي 2/ 736 والبيهقي في الدلائل 4/ 323.

[ (2) ] أخرجه البخاري 7/ 581 (4256) ومسلم 2/ 923 (240/ 1266) ، وأحمد 1/ 373 وأبو داود (1885) والطحاوي في المعاني 2/ 179 والطبراني في الكبير 11/ 386، وانظر البداية 4/ 227 والبيهقي في الدلائل 4/ 326 والتمهيد لابن عبد البر 2/ 71.

[ (3) ] أخرجه البخاري 7/ 581 (4255) ، والبيهقي في الدلائل 4/ 328.

ناقته، واستلم الركن بمحجنه. قال هشام، وابن سعد: من غير- علّة- والمسلمون يشتدّون حول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة يقول الرجز السابق: وذكر محمد بن عمر، وابن سعد: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- طاف راكبا، وتبعهما القطب في المورد.

ذكر دخوله- صلّى الله عليه وسلّم- البيت

روى البيهقي من طريق محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- قال:

لما قضى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طوافه في عمرة القضاء دخل البيت، فلم يزل فيه حتّى أذّن بلال بالصبح، فوق ظهر الكعبة، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل- وأسلم بعد ذلك- لقد أكرم الله- تعالى- أبا الحكم، حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول.

وقال صفوان بن أمية- وأسلم بعد ذلك- الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا.

وقال خالد بن أسيد- كأمير- وأسلم بعد ذلك: الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حين يقوم بلال ابن أم بلال ينهق فوق الكعبة وأمّا سهيل بن عمرو- وأسلم بعد ذلك- ورجال معه لما سمعوا ذلك غطوا وجوههم، كذا في هذه الرّواية: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل البيت.

وروى البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد- رحمه الله تعالى- أن رجلا سأل ابن أبي أوفى- رضي الله عنه- كان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- دخل في القضيّة الكعبة؟ قال: لا [ (1) ] .

وقال محمد بن عمر بعد أن روى ما سبق عن ابن عباس: حدثني إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين قال: لم يدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكعبة في القضيّة. وقد أرسل إليهم، فأبوا وقالوا: لم يكن في شرطك.

ذكر سعيه- صلى الله عليه وسلّم- بين الصفا والمروة

روى محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- طاف بين الصّفا والمروة على راحلته، فلما كان الطّواف السّابع عند المروة عند فراغه- وقد وقف الهدي عند المروة- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر، فنحر عند المروة»

[ (2) ] .

قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- وقد كان اعتمر مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قوم لم

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 328 والواقدي في المغازي 2/ 737.

[ (2) ] أخرجه ابن سعد: 2/ 1/ 88 والموطأ (393) وأحمد (1/ 76) والترمذي (885) ، وابن خزيمة (2889) .

يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، فأمّا من شهدها وخرج في القضيّة فإنهم اشتركوا في الهدي. وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السّلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا.

ذكر خروجه- صلى الله عليه وسلّم- من مكة

روى محمد بن عمر عن عمر بن علي بن أبي طالب- رحمه الله تعالى- قال: لما كان عند الظهر يوم الرابع أتى سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى- وأسلما بعد ذلك قال ابن إسحاق: وكانت قريش قد وكّلت حويطب بإخراج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأتياه وهو في مجلس من الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت طعاما؟!» فقالا: لا حاجة لنا في طعامك اخرج عنّا، ننشدك الله يا محمد، والعقد الذي بيننا وبينك إلّا خرجت من أرضنا، فهذه الثلاثة قد مضت

[ (1) ] .

وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم ينزل بيتا، إنّما ضربت له قبّة من أديم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها، ولم يدخل تحت سقف بيت من بيوتها، فغضب سعد بن عبادة- رضي الله عنه- لما رأى من غلظة كلامهم للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال لسهيل بن عمرو: كذبت لا أم لك ليست بأرضك ولا أرض أبيك، والله لا يخرج منها إلّا طائعا راضيا، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال يا سعد: لا تؤذ قوما زارونا في رحالنا، وأسكت الرجلان عن سعد.

وفي الصحيح عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- أن الأجل لما مضى أتى المشركون عليا- رضي الله عنه- فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنّا فقد مضى الأجل، فذكر ذلك علي- رضي الله عنه- لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أبا رافع- بالرحيل، وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين» وركب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى نزل بسرف، وتتامّ الناس، وخلّف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبا رافع ليحمل إليه زوجته ميمونة حين يمسي، فأقام أبو رافع حتّى أمسى، فخرج بميمونة ومن معها، ولقيت من سفهاء مكة عناء،

وسيأتي الكلام على دخول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بها في ترجمتها.

ذكر خروج ابنة حمزة- رضي الله عنها

روى الشيخان عن البراء بن عازب، والإمام أحمد عن علي، ومحمد بن عمر عن ابن عباس- رضي الله عنهم- قال ابن عباس: أن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب، وقيل اسمها

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي 4/ 330 وانظر السيرة لابن هشام 3/ 321.

أمامة قال الحافظ: وهو المشهور وأمها سلمى بنت عميس، كانت بمكّة،

فلما قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة كلّم علي بن أبي طالب- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: علام نترك ابنة عمّنا يتيمة بين ظهراني المشركين؟، فلم ينهه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخرج بها.

وقال البراء: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما خرج تبعته ابنة حمزة تنادي يا عمّي يا عمّي، فتناولها عليّ فأخذ بيدها. وقال لفاطمة- رضي الله عنها-: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها.

زيد وعلي وجعفر، أي بعد أن قدموا المدينة

كما سيأتي.

وكان زيد وصيّ حمزة، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد واخى بينهما حين واخى بين المهاجرين. فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمّي، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وقال جعفر: بنت عمّي وخالتها أسماء بنت عميس تحتي. وقال زيد: بنت أخي. فقضى فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» . وفي حديث ابن عباس- رضي الله عنه- «وأما أنت يا عليّ فأخي وصاحبي» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي» . وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» . وفي حديث ابن عباس- رضي الله عنه- «أنت مولى الله ورسوله»

[ (1) ] .

قال محمد بن عمر: فلمّا قضى بها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «ما هذا يا جعفر» ؟ قال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل.

قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- ثم انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ذي الحجة.

وكان عدّة المسلمين سوى النّساء والصّبيان ألفين.

قال ابن هشام- رحمه الله- تعالى-: فانزل الله- تعالى- فيما حدّثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح 27] يعني خيبر.



كلمات دليلية: