عرض الإسلام على القبائل في موسم الحج من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

عرض الإسلام على القبائل في موسم الحج من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

عرض الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه على القبائل

304- يئس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يؤمن قومه فى هذا الوقت، ورحمة الله تعالى قد تحملهم على الإيمان، ولكن بعد أدوار من الزمان والأحوال، فإذا كان قد يئس من إيمانهم فى ذلك الوقت، فهو لم ييأس من إيمانهم بعد تعاقب الأحداث، لأن الله تعالى لم يقل له، كما قال لنوح عليه السلام: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «2» .

وإذا كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد من قومه إلا الأذى فى هذه الجولة، فإنه وجد فى بعض الذين يفدون إلى الحج، أو يفدون إليه من يجد قول الحق إلى قلوبهم سبيلا، وقد رأينا كيف كان نور الإسلام ينبعث خارج مكة المكرمة فيجيء احاد من القبائل العربية، ويستمعون القران الكريم وهم ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، فإذا تلى عليهم القران الكريم خروا لله ساجدين، ثم يدعون من بعد أقوامهم.

وقد رأى النبى صلى الله تعالي عليه وسلم أن يقدم إلى القبائل فى موسم الحج يدعوهم فى منازلهم التى ينزلونها فى منى يذهب إليهم قبيلة قبيلة، يدعوهم إلى الحق، ويتلو عليهم القران الكريم، وقد أحست قريش بذلك، فانبرى الذين يلجون فى عداوة الحق ليصدوا عن سبيل الله، وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، فكانا يتحريان أن يتبعاها، وإذ يدعو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله تعالى

__________

(1) سورة المائدة: 82- 85.

(2) سورة هود: 36.

بقوله: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» يتصدى أبو جهل وأبو لهب وهما يتناوبان فيقول: «يا بنى فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، إلى ما جاء من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه» .

وهكذا كانت الدعوة المحمدية تأخذ طريقها، والذين يصدون عن سبيل الله يدعثرونها، ولكن نور الحق لا تطفئه الضلالة، ولا تعمى عنه الأبصار، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة، اتبعوه أو فارقوه، وربما وجد غفلة عن اتباعه، فانتهزها. ومهما يكن مقدار الاستجابة، فإن إعلام الناس بعقيدة التوحيد ينبه الأذهان إلى التفكير فى الأوثان، ومجرد التفكير فيها يحبطها.

ولقد روى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب فى كل موسم، ويخاطب أشرافهم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول «لا أكره أحدا على شيء، من رضى منكم بالذى أدعو إليه، فذلك، ومن كره، لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزونى (أى تمنعونى) فيما يراد لى من القتل، حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله تعالى لى، ولمن صحبنى بما شاء» .

ونرى من هذا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم بالحكمة، فهو يأتيهم من قبل ما شهر عن العرب بحبهم للنجدة، ولا يأتيهم ابتداء بمحاربة تدينهم، كما قال الله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «1» .

وكان أكثر الجماعات لا يحبون دعوة الحق، ومنهم من يحسن الرد، ومنهم من كان يقول:

الحق بقومك. ولكن بعض الاحاد كانت تصغى أفئدتهم، وإن لم يستطع الكثيرون أن يخرجوا من ربقة ما هم عليه دفعة واحدة.

,

جماعات تقبل الواحدانية:

305- ومع الصدود من الجماعات، والصد من بعض الاحاد، والميل من اخر كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ماشيا فى الاتجاه إلى القبائل فى موسم الحج، وهو يتوسم الناس، ويتعرف الوجوه والأشراف ومعه أبو بكر الصديق، وهو من أعلم الناس بأحوال العرب.

وكان بجوار القبائل التى أعرضت، كانت جماعات قد أقبلت على الاستماع، وبدت منها الاستجابة، حتى كانت قبيلتا الأوس والخزرج، على ما سنبين، ولنذكر لك خبرا عن بعض الجماعات

__________

(1) سورة النحل: 125.

التى مالت ابتداء، قبل اللقاء بأهل يثرب، وسنجد فى كلامهم مجاوبة تدل على قدرتهم على المنعة، وقوة تفكيرهم.

روى أبو نعيم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صحب فى إحدى مرات عرضه نفسه الكريمة على القبائل على بن أبى طالب وأبا بكر رضى الله تعالى عنهما، وكان بين أبى بكر، وبين قبيلة من شيبان بن ثعلبة صلة ومودة، ثم جرى بينهم وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حديث طويل.

قال أبو بكر مخاطبا القوم: ممن القوم؟ قالوا: من بنى شيبان بن ثعلبة.

فالتفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: بأبى أنت وأمى ليس بعد هؤلاء من عز فى قومهم، وهؤلاء غرر فى قومهم، وغرر الناس، وكان فى القوم مفروق بن عمرو، وهانيء بن قبيصة؛ والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب الناس إلى أبى بكر مجلسا مفروق بن عمرو وكان قد غلب عليهم بيانا ولسانا فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟

فقال له مفروق بن عمرو: إنا لنزيد على ألف، ولن نغلب من قلة.

فقال له أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟

فقال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جد.

فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم،

فقال مفروق: إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش (أى النبى صلى الله عليه وسلم) .

فقال أبو بكر: إن كان قد بلغكم أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فها هو ذا.

فقال مفروق: بلغنا أنه يقول ذلك. ثم التفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مخاطبا له، فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

أدعوكم إلى شهادة ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنى رسول الله وأن تؤوونى وتنصرونى حتى أؤدى عن الله تعالى الذى أمرنى به، فإن قريشا تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد.

فقال مفروق: وإلام أيضا يا أخا قريش.

فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «1» .

فقال مفروق، وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان كلامهم لعرفناه.

فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «2» .

فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أساء قوم كذبوك، وظاهروا عليك.

وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانيء بن قبيصة، فقال: وهذا هانيء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.

فقال هانيء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك. وإنى أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا.. لم نتفكر فى أمرك، وننظر فى عاقبة ما تدعو إليه- زلة فى الرأى، وطيشة فى العقل، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الذلة فى العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.

وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.

فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبنى ما تكلمات به، والجواب هو جواب هانيء بن قبيصة. وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين حيزين:

أحدهما اليمامة، والاخر السماوة.

__________

(1) سورة الأنعام: 151- 153.

(2) سورة النحل: 90.

فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هذان الحيزان.

فقال له المثنى: أما أحدهما فطفوف البر، وأرض العرب، وأما الاخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، ولعل الأمر الذى تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فأما ما كان مما يلى العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلى بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول؛ فإن أردت أن تنصرف ونمنعك مما يلى العرب فعلنا.

فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أسأتم الرد، إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه.

ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مخاطبا: «أرأيتم، إن لم تلبثوا، إلا يسيرا، حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويغريكم بهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: «اللهم إن ذلك لك يا أخا قريش» .

فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجاً مُنِيراً «1» .

ثم نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قابضا على يدى أبى بكر.

يقول ابن كثير فى البداية والنهاية بعد أن ساق الخبر: هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وفصاحة العرب» «2» .

وفى الخبر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنبأ لهم أنهم سينصرون على فارس قريبا، وقد انتصروا فعلا، وأعلن ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال لأصحابه: «احمدوا الله كثيرا، فقد ظفر أبناء ربيعة بأهل فارس» وإن هذا الخبر الطويل يدل على أمور:

(أ) منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان دائبا على بث الدعوة بين القبائل فى موسم الحج، سواء أكانوا من القبائل المتاخمة لفارس، أم المتاخمة للروم فى الشام، وأنه كان يلقى تأييدا على حسب البعد.

(ب) ومنها- أنه كما كان يلقى صدودا، كان يلقى أيضا حسن تفهم، وإن كان ثمة تمرد، ومنشؤه أنهم لا يريدون أن يتركوا ما هم عليه ليغيروا بمجرد مجلس.

__________

(1) سورة الأحزاب: 45، 46.

(2) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 144، 145.

ومنها- أن المنافسة وحب السيطرة بالشرف، هى التى أضلت قريشا وحيث لا تكون منافسة يكون التدبر والتفكير.

ومنها تنبؤ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما يكون بإذن الله تعالى وعلمه.

,

الاسلام يخرج إلى القبائل:

224- من وقت أن أمر الله نبيه بأن يصدع بأمر به، وقد أخذ يلتقى بالجموع، فيغشى الأسواق داعيا، ويدخل النوادى صادعا بأمر ربه، ويقف فى مناسك الحج داعيا القبائل عندما يجد سميعا، والاحاد يذاكرهم، يسألونه فيجيبهم بما يوحى به الله تعالى فى سماحة صاحب الدعوة، وبإشراق نور النبوة حتى أصبح حديث القبائل التى تفد إلى بيت الله تعالى حجيجا أو معتمرين، أو تجارا مضاربين، ووجد من القبائل من صغت أفئدتهم إلى الإسلام، يستمعون دعوته، ويؤمنون بواحدانيته، ولعل من أدلة وصول الدعوة إلى القبائل إسلام أبى ذر الغفارى، وإسلام ضماد من أزد شنوءة.

روى البيهقى فى إسلام أبى ذر الغفارى أنه قال (أى أبو ذر) : أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشار فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

__________

(1) سورة القصص: 5.

ويظهر أن ذلك نتيجة لوقائع سابقة من مقتضاها أن خبر الإسلام سرى إلى بنى غفار، وأن دعوة النبى عليه الصلاة والسلام قومه قد وصلت إليهم فبعثت أبا ذر على البحث عنها، حتى عرف صدق النبى عليه الصلاة والسلام قبل أن يجيء إليه.

وروى البخارى بإسناده عن ابن عباس قال: «لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادى فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتنى، فانطلق الاخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتنى، فأتى المسجد، والتمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع، فراه على بن أبى طالب فعرف أنه غريب، فدعاه إلى ضيافته، فتبعه، ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبى حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به على فقال: أما ان للرجل أن يعلم منزله. فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعاد على مثل ذلك فأقام معه، فقال: ألا تحدثنى بالذى أقدمك، قال إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى قلت، فأخبره ... قال: فإنه حق، وإنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعنى، فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، وإن مضيت فاتبعنى، حتى تدخل مدخلى، ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل معه، وسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى» فقال: والذى بعثك بالحق لأصرحن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى فنادى بأعلى صوته: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فضربوه، حتى أضجعوه «1» .

فأتى العباس، فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنها طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه، وأثاروا عليه فأكب العباس ثانيا.

ومن هذا نرى أن الإسلام قد أخذ يذيع نبؤه خارج مكة المكرمة، ويقول الرواة إن غفار أسلمت تابعة أبا ذر، ولم يكن أمر الإسلام ليصل فقط إلى من هم على مقربة من مكة المكرمة، بل وصل خبره إلى أزد شنوءة فأسلم رجل منهم اسمه ضماد كما أشرنا.

__________

(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 34.

وضماد هذا كان رجلا يقول للعرب أنه يرقى من به مس من جنون أو سحر، فيشفى، فأراد سفهاء مكة المكرمة، أن يحسنوا النكاية بمحمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء سفهاء من مكة المكرمة، ودعوه ليعرضوا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالوا له إنه مجنون.

جاء ضماد فقال: أين هذا الرجل الذى تقولون عنه إنه مجنون لعل الله تعالى أن يشفيه على يدى.

لقى محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: له إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من شاء فهلم إلى.

فقال محمد صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثلاث مرات.

قال ضماد متأثرا وقد فتح الله قلبه للإيمان «والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام» فبايعه على الإسلام، ويروى أنه عندما سمع كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال له «أعد علىّ كلماتك هؤلاء فقد بلغن السحر» .

تلك كانت أحوال من يدخلون فى الإسلام، كانوا فرادى ولم يكونوا جماعات إلا ما قيل عن بنى غفار، وكانوا قليلا ولكنهم كانوا يزيدون ولا ينقصون، وكانوا من بيوت مختلفة، وشعب متفرقة، وتجاوزوا حجزات مكة المكرمة. فماذا تصنع قريش؟

,

المناوأة

225- توقع ورقة بن نوفل معركة تقوم بين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وقومه بسبب ما أوحى الله تعالى إليه والقيام بأداء الرسالة التى كلفه ربه أن يقوم بها، لأنه ما من أحد جاء قومه بمثل ما جاء به إلا عودى، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم كريما عند قومه، حبيبا إليهم يألفونه، ويثقون به الثقة المطلقة، حتى خاطبهم بما اتاه الله تعالى، فانقلب أكثر من بمكة المكرمة مخالفين، ثم مناوئين لدعوته، مستنكرين لها ابتداء، ومقاومين ومعادين، ومضطهدين فى الجملة لمن اتبعوه.

وذلك لأنهم فوجئوا بهذه الدعوة إلى الحق، ولم يكونوا متوقعين لها، ومن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والمفاجأة بتغيير أمر مألوف تولد الإنكار ما لم يكن ثمة أمر متوقع يقع.

وإن أمر رسول الله يجئ فى بنى إبراهيم وكان ذكره خارج مكة المكرمة، ولم يكن يتردد كثيرا بين أهلها، وأهلها قوم ماديون، لا يعنيهم إلا أمر التجارة، وأمر الحج، ولعل الحج لا يعنيهم إلا لما يعلون به من

شرف بين العرب، واستعلاء عليهم، وشعور بأن العرب لهم تبع، وهم السادة فى بلاد تصعب السيادة فيها، وبين أقوام لا يعترفون برياسة إلا ما يكون من قبل ذلك البيت المعظم، الذى كرمه الله تعالى، وجعله حرما امنا تجبى إليه ثمرات كل شيء.

ولا يهمهم من جوار البيت إلا ذلك الشرف الذى يكتسبونه من الجوار وأنه محل تجارة العرب، كما هو محل نسكهم، وأمنهم، إذ الناس فى خوف وتقاتل، فكانوا بالإقامة فى البيت امنين من ناحية المال إذ هو سبيل تجارتهم، وهو مأمنهم، كما قال الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «1» .

وإذا كانت المفاجأة التى لم يكونوا متوقعين لها قد دفعتهم إلى المبادرة بالإنكار، فقد ساروا فى طريقه، وانتقلوا من الإنكار إلى الاستنكار، وهو مرتبة أعلى من الإنكار المجرد،، لأن الإنكار المجرد أمر سلبى، قد يجيء من بعده الإيمان إذا جاء الدليل، أما الاستنكار فهو عمل إيجابى معناه أنه ينكر الحق، ويستنكر الدعوة إليه، ثم اندفعوا من بعد الاستنكار إلى المناوأة، وكل ذلك من المفاجأة، وقد تدفع المناوأة إلى الجحود، ويدفع الجحود إلى الكفر ثم الايذاء.

226- والدعوة المحمدية التى فوجئوا بها هى تغيير لما هم عليه، ألفوا عبادة الأوثان من غير إيمان قوى بها، ولكن كانت عباراتهم تتلوى بتقديسها يتوهمون فيها أوهاما، وبسيطرة هذه الأوهام يشركونها فى عبادة الله تعالى، وهم يعلمون أن الله تعالى خالق السماوات والأرض.

والذين يميلون إلى المال، ومجرد الاستعلاء بين الناس لا يحبون التغيير بل يحبون الحياة الرتيبة السهلة التى لا تبديل فيها، ولا انقلاب ولا تقلب فى المذاهب والأفكار، وليس فيهم شاغل بهذا، ولذلك كان جوابهم عندما يدعوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ «2» ، ويحكى سبحانه وتعالى عنهم فيقول تعالت كلماته: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ «3» .

ألفوا الشرك، ولم يألفوا التوحيد، ولو كان الحق ساطعا، والبرهان قائما، واستمسكوا بالأصنام، وهم لا يؤمنون بها، يحطمونها ويعبدونها، ويغيرون حجرا بحجر،. وإن كانت الأسماء لا تتغير، ولكنهم لا يتركونها إلى غير ما يألفون، ولقد توقعوا ما عرفوا من أخلاق محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام،

__________

(1) سورة قريش: 1- 4.

(2) سورة البقرة: 170.

(3) سورة لقمان: 21.

ومن معاملاته أنه سيدعوهم إلى تحريم الخمر، وهم يعاقرونها، لأنه لم يذقها فى الجاهلية، وقد جاء القران الكريم بأنها ليست رزقا حسنا وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً «1» فجعل الرزق الحسن مقابلا للسكر، فكانت إشارة إلى قبحه، والربا كان جزا من تجارتهم، وعلموا من تجارة محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا يزاوله ولا يرتضيه، والقران الكريم يتلى بينهم بالإشارة إلى تحريمه، إذ يقول سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ «2» .

فدل هذا بصريح العبارة أن هذا الدين الجديد الذى جاء به محمد عليه الصلاة والسلام عليهم سيزعج الربويين الذين يستغلون أموالهم بالربا، يدفعونه دينا ويأكلون من ثمرات تجارة غيرهم ربا، وكان فيهم كبراء أثروا من هذا الباب، وحسبوه كالبيع، وقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا «3» .

وهكذا حسبوا أن ذلك الدين سيقلب عامة أمورهم، فعاجلوه بالإنكار، ولقد صور هذا الحال جعفر بن أبى طالب فى حديثه مع النجاشى، وإليك القصة كما جاءت فى الصحاح فى المجاوبة بين مهاجرة الحبشة، ولسانهم الناطق جعفر.

قال النجاشى:

«ما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا، قال: فما دينكم، قالوا الإسلام. قال. فما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال. من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله تعالى إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدق والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة الله تعالى واحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله تعالى، وعلمنا أن الذى جاء به هو من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبى الصادق وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادات الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا» .

هذا الكلام يصور بعض التصوير التغيير الذى رأوه فى عاداتهم، فتجردوا لمناوأته، وأخذ الطريق عليه إن استطاعوا.

ومما دفع إلى مبادرتهم بالإنكار غرابة الأمر فى ذاته عليهم، ما كانوا يؤمنون بأن هناك يوما اخر يحاسب فيه المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وأنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، ولقد أكد ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما وقف لينذر قومه بعد أن أمره ربه، فقد جاء فى تلك الخطبة تأكيد لليوم

__________

(1) سورة النحل: 67.

(2) سورة الروم: 39.

(3) سورة البقرة: 275.

الاخر، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أنهم عنه غافلون «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالشر شرا، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر بين يدى عذاب شديد» .

إن المشركين من العرب كانوا قوما ماديين لا يؤمنون إلا بالحس، يعرفون الله، ولكن يصورون حجارة ليعبدوها فلا يعبدونه سبحانه، وهو غيب عنهم، فكان كل هذا غريبا، ومن يستغرب من غير دليل، ينكر، ثم يستنكر من غير دليل أيضا، ولقد حكى الله تعالى عنهم فى إنكار اليوم الاخر وما يكون:

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَإِذا كُنَّا تُراباً، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ «1» .

ويقول سبحانه وتعالى فى استغرابهم الخلق من جديد: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «2» .

ولجهلهم بالنبوات أثار عجبهم، والغرابة فى نفوسهم أن جاءهم بالرسالة عن الله تعالى رجل منهم يدعو إلى الله سبحانه، ولو كانوا يعلمون أن الرسول لا يكون إلا رجلا يمشى بين الناس ما ثار عجبهم لكونه رجلا، ولقد قال قائلهم فى الدعوة إلى التمسك بالحجارة: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ «3» ، وهكذا كانت من أسباب غرابتهم بشرية الرسول، لأنهم أميون لم يعرفوا الرسالة، ولم يدركوها من قبل.

ولقد قال الله تعالى عنهم: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً «4» .

فجهلهم بالنبوات والرسلات، وعدم وجود أنبياء بينهم علموا منهم رسالات الله تعالى إلى خلقه، وأن الرسل قوم من البشر، جعلهم يستغربون أن يكون الرسول بشرا سويا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وإذا كان الأمر غريبا عليهم، فقد كان حقا عليهم أن يتعرفوا الحقائق لتزول الغرابة عنهم، ويستأنسوا بنور النبوة، ولكنهم عاندوا فلج بهم العناد، فكان منهم الجحود والكفران.

__________

(1) سورة الرعد: 5.

(2) سورة يس: 78.

(3) سورة ص: 6، 7.

(4) سورة الفرقان: 7، 8.

227- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه الدعوة التى تسوى بين الغنى والفقير، وتوجب حقا للفقير فى مال الغنى- قد مس كبرياءهم وهز مراكزهم هزا عنيفا، وأحسوا بالأرض تميد من تحتهم إذ أن ذوى الأنساب منهم يستعلون بأنسابهم، ويحسبون أنهم الأشراف واحدهم، والناس دونهم، وهم الأعلون وغيرهم الأدنى، فكان لابد أن يقاوموا ذلك الداعى الجديد الذى يقول بلسان المقال وبلسان الفعال «لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأن الجنة لمن أطاع، ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصى، ولو كان شريفا قرشيا» فهو يأخذ بنواصى الأقوياء ليضعها بجوار رؤس الضعفاء، وقد لمحوا ذلك فى أتباعه، فقد رأوا أبا بكر نسابة العرب ومألف قريش، يكون بجوار بلال وعبيد أبى بكر نفسه، لا يفرق بينهما إلا فضل الإيمان، فهو مقياس الشرف والضعف، والإكبار والإصغار.

بلا شك هذه مباديء اجتماعية لا يقبلها شرفاء مكة ورؤساؤها، ومحمد عليه الصلاة والسلام لابد منفذها، لأنه كان ينفذها قبل أن يكون نبيا رسولا، فكيف لا ينفذها، وقد نزل الوحى عليه، وجعلها هو نظاما واجب الاتباع، من لم ينفذه إن لم يعاقب اليوم فالنار الموقدة تلقاه يوم القيامة، ويلقى به فى السعير.

وقد قوى هذا أن الضعفاء أقبلوا على ما يدعو إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غير نافرين منه، بل كانوا مستجيبين أشد الاستجابة، وابتدأ الأقوياء الذين دخلوا فى الإسلام يعاملون الرقيق، كما يعاملون الأحرار.

إذن لابد من مقاومة ذلك التيار الذى جاء مع الدعوة، ولا يتركونه حتى ينمو، ويستغلظ ويستوى على سوقه، ويكون قوة تقوض ما تحت أيدى قريش من شرف وهمى، وسلطان استمدوه من ذلك الشرف الواهن فى بنيانه.

ثم إنهم كانوا الرؤساء الأعلون، ولهم شبه سلطان، وإنه إذا ذاع دين محمد عليه الصلاة والسلام، وصار السلطان للحق واحده، وحكمت المساواة، وذهبت المنازعات القبلية، فمحمد ذو السلطان، ويسلب كل ما لهم من سلطان، وما بنوه من مجد طريف وتالد ينهدم بين أيديهم، لأنهم يبنون سلطانهم على أنهم ذرية إسماعيل وضئضيء إبراهيم وها هو ذا يدعوا إلى ديانة إبراهيم، ويقول فى غير عوجاء ولا لو جاء، هذه ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، فأنى يكون لهم من بعد ذلك، لابد إذن من اقتلاع دعوة محمد عليه الصلاة والسلام من جذورها، والقضاء عليها فى مهدها.

ثم إن بعض الكبراء منهم كانوا ينفسون على محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، ويتسائلون لماذا كانت له تلك المنزلة علينا، ونحن أولى بها منه.

وقد ذكر ذلك الوليد بن المغيرة، وادعى أنه أولى بالنبوة وأنه أكثر مالا وأعز نفرا، ومثل ذلك عروة ابن مسعود الثقفى، ونزل فيهما قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ

الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ «1» .

228- وفوق ما ذكرنا كله- العصبية العربية الجاهلية التى كانت مستمكنة فى النفس العربية يتوارثونها جيلا بعد جيل، فالعرب تنفس على قريش مكانتها، وقريش تنفس على بنى قصى ما لهم من مكانة، وبنو قصى وغيرهم ينفسون على بنى عبد مناف، وبنو أمية ينفسون على بنى هاشم رياستهم للعرب، وكونهم فى المكانة العليا من سدانة البيت والقيام عليه، فهاشم ورث الرياسة من عبد مناف، وعبد المطلب أخذها عن هاشم، وأبو طالب ورثها عن عبد المطلب.

فالدعوة الإسلامية تعرضت لعداوة من عادوا قصيا، وتعرضت لمن عادوا عبد مناف، ثم تعرضت لمن كانوا أعداء لبنى هاشم، ومن كل هؤلاء تكونت المقاومة، ولعل أمثل صورة لهذه العداوات مجتمعة هو عمرو بن هشام الذى اشتهر فى الإسلام باسم أبى جهل، وهو به جدير. فقد كان فرعون هذه الأمة، وإن لم يكن فرعون فى مثل سفهه وحنقه ورعونته.

لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فناداه بكنيته أبا الحكم قائلا له: «هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب الهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أنك قد بلغت، فو الله لو أنى أعلم أن ما تقوله حق لا تبعتك» .

مناقشة هادئة، كلها حكمة من محمد عليه الصلاة والسلام، إذ أنه يناديه بكنيته يا أبا الحكم، وهى عجرفة من جانب عمرو بن هشام (أبى جهل) فبينما النبى عليه الصلاة والسلام يناديه بكنيته، لا يناديه بمثلها، بل يقول فى جفوة يا محمد.

وليس هذا هو المهم، إنما المهم أنه قال لمحدثه بعد انصراف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

«والله إنى لأعلم أن ما يقول حق، لكن يمنعنى شيء، إن بنى قصى قالوا: فينا الحجابة، فقلنا:

نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبى، والله لا أقبل» «1» .

__________

(1) البداية ج 3 ص 65.

كانت قبائل قريش تأخذ على بنى قصى أنهم جمعوا فى أيديهم الحجابة للبيت الحرام، والقيام على شئونه، وذلك شرف ليس فوقه شرف، وسقاية الحجيج، وذلك يذيع ذكرهم ويعلن اسمهم، والندوة، وهى شورى العرب، فكانوا بذلك رؤساءهم، وهم الذين يحملون لواء قريش، وهذا كله إثارة للعرب عليهم، ثم انحدرت هذه المنافسة إلى معاداة الحق الذى يأتى به أولاد قصي، وبنو هاشم على رأسهم، وقد ورثوا عنه بعض ما أخذه من قريش.

وإذا كانت قريش كلها تنفس على بنى قصى ما أخذوا أو يحسدونهم فبنو عبد مناف كانوا من بينهم يختصون بالحقد عليهم لأنهم الذين ورثوا شرف قصى، وما كان معه، ولقد ظهر ذلك على لسان فرعون هذه الأمة أبى جهل.

لقد سمعوا القران الكريم سرا، وكانوا هم الأعداء الذين قد أصيبوا بلدد الخصومة، ثم تذاكروا بعد السماع وقد تأثروا، وقد قال أحدهم لأبى جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال حانقا: «ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه «1» .

وإذا كان أبو جهل يمثل أعنف وأحمق معارضة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو فى معارضته أوضح صورة للعصبية الجاهلية، التى تضع على البصائر غشاوة، فتعمى عن الحق، ولا تدركه، بل تدركه، ولا تذعن له، وترضى بالرديء الوبيء عن الحق الصادق المريء.

نسوق هذه الأمور، لا لنبرر بها ذلك الموقف الجاهلى الذى وقفه أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إن شئت فقل خصومه الذين حاربوه وأعنتوه فى الخصومة والمعاندة، ثم عادوه، وكانوا شياطين الإنس الذين ذكروا فى القران الكريم على أن الله تعالى يجعل لكل نبى يبعثه عدوا من شياطين الإنس، ليكتب الله تعالى له ثواب الجهاد والمصابرة..

ولكن سقناه لنعلل الوقائع بأقرب أسبابها، ولكى تزول كل غرابة فى معاداتهم للحق، وقد بدا وضحه، وليعرف الباحث البواعث الحقيقية لتلك اللجاجة فى العداوة التى ذهبت بهم إلى الإيذاء، وأسرفوا بها فى القول، وأثاروا نيران البغضاء، والواقع أن البغضاء للدين كانت مستكنة فى نفوسهم، واستيقظت بقوة دعوة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.

__________

(1) سيرة ابن هشام ح 1 ص 316 طبعة الحلبى.

وإن إسناد الأمور لأسبابها لا يعد تبريرا لها، ولكن يكون تبيانا للوقائع، وإن الأسباب فى ذاتها إثم، والإثم لا يولد إلا إثما، واللجاجة لا تولد إلا فجورا واثاما.

لقد يعجب الناس كيف يمارى أولئك وفيهم عقل فى الواحدانية، ويجادلون فى الله تعالى وهم يعلمونه، وهو شديد المحال، كيف يقف أمثال الوليد بن المغيرة وهو من أذكياء العرب، والنضر بن الحارث موقف المعارضة، وفيهم إدراك سليم، ولكن عميت عليهم الأمور بسبب ما ذكرنا فكانوا فى حيرة بين ماض ألفوه، وألفوا معه الدعة والمال والجاه والسيطرة، وحاضر قد أدركوه، ورأوا نور الحق الذى ساروا فيه، ولكن ما أن يبرق عليهم نوره ويمشوا فيه، حتى تكون غاشية المال، وغاشية الجاه، وغاشية الاستعلاء، وغاشية التعصب القبلى المردى.

ومنهم من كان يرد النور إلى قلبه رويدا رويدا، فكان فى وسط ذلك الأتون من العداوة نور يهدى إلى التى هى أحسن، والله عليم بذات الصدور.

,

تلقى الناس للدعوة

229- تلقى الناس فى مكة المكرمة دعوة النبى عليه الصلاة والسلام بعد أن أعلنها على الصفا، مخاطبا عشيرته الأقربين أولا، ثم مخاطبا العرب أجمعين ثانيا، حين صدع بأمر ربه، تلقوها مشدوهين لغرابة الجديد، فقسم صغى قلبه إليها، وأولئك السابقون الأولون الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل دعوته، ومعاونة النبى عليه الصلاة والسلام فى تبليغ رسالته، ونشرها فى الأرض ومجاوزتها الأقطار من بعده.

وكان من هؤلاء الضعفاء الذين حرموا السلطان ومتعة الحياة، ورأوا فى دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أملا مرجى فى الاخرة وإذ لم يكونوا فى حال مرضية البقاء، بل هى مرجوة الإنهاء، فأوجد فيها الإسلام الأمل فى إنهائها، فسارعوا إليها، وذاقوا العذاب فى سبيلها، فصبروا من غير انزعاج أو ارتداد، بل مضوا فى الطريق حاملين البؤس والبأساء، فى جلد وصبر وإيمان، وقد مكن الله تعالى لهم، ووفاهم صبرهم وإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «1» .

والقسم الثانى أعلن العداوة للنبى منذ ابتدائها، وشنوا غارة على الذين يؤمنون، وعلى رأس هؤلاء أبو لهب عم النبى عليه الصلاة والسلام، ومن هؤلاء من ذهبت غلواؤهم فى العداوة، ولجاجتهم فى الخصومة إلى إيذاء المؤمنين، وتعذيب الضعفاء من العبيد والفقراء، ومن لا حول لهم ولا طول من عشيرة تحميهم، وعزة من النفر يدافعون عنهم، وكثير ممن دخلوا فى الإسلام كانوا على ذلك النحو، إذ لم يجدوا جوارا من أحد يدفع عنهم الأذى وعلى رأس المؤذين أبو جهل.

__________

(1) سورة الزمر: 10.

والقسم الثالث وسط بين هؤلاء، فلم يعتنق الإسلام، ولم يكن من السابقين الأولين، بل وقف وقفة المنتظر، أو وقفة من رد الدعوة من غير معاداة، ولا مناوأة، وكان من هؤلاء أكثر بنى هاشم، وبعض بنى أمية، وبعض القرشيين، وكان فى كل عشيرة بعض من هؤلاء، كما كان فى كل عشيرة بعض ممن أسلم.

ومن هذا القسم من كان يشرح الله تعالى صدره للإسلام، فيدخل فى صفوف المسلمين مجاهدا صابرا، متحملا الأذى، وأقله السخرية والاستهزاء، فقد كان الإسلام ينمو من هؤلاء، بل إنه كان ينمو أيضا من المعذبين المؤذين، وحسبنا عمر بن الخطاب، كان من المؤذين، حتى هم فيما يقول الرواة بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن تداركته رحمة الله تعالى، فشرح الله تعالى صدره للإسلام، فكان له عزا، وكتب الله تعالى الحق على قلبه ولسانه.

أخذ النبى عليه الصلاة والسلام يدعو، ولا ينى عن دعوته، ولا يلين ولا يخفف من دعوته الإعراض مهما يكن مقدار المعرضين ولا الأذى ينزل به وبكبراء صحابته، ولا الاضطهاد يشتد على ضعفاء أتباعه، ولكنه يأسى ويحزن على ما ينزل بهم ويواسيهم ويدعوهم إلى الصبر، ويصبر هو ليتأسوا به، ويعينهم بالمال إن احتاجوا، ويعينهم كبار الذين آمنوا على فك رقابهم.

وكلما ازداد عدد المؤمنين، ازداد الأذى وازدادت المعارضة، فإنه كلما قوى الحق ونما أهله، يئس المخالفون من أن يطفئوا نور الله تعالى الذى انبثق فى مكة المكرمة. ولكن بوادر اليأس كانت تزيده حجة ولجاجة فى الباطل، وكل يسير فى طريق التمسك بالباطل، ففريق الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا سوط عذاب يستمرون فى غيهم يعمهون، والذين ارتضوا المعارضة من غير إيذاء، والمقاومة من غير إعنات لمن جاؤا بالدين الجديد، ساروا فى طريقهم ومنهاجهم، يدعون النبى عليه الصلاة والسلام لأن يكف عن دعوته، ويجادلونه، ويعرضون عليه ما يرونه مغريا بالإعراض عن دعوته، على حسب تفكيرهم، وعلى مقتضى ما يسول لهم شيطان المادة.

230- ويذكر الأكثرون من الرواة أن النبى عليه الصلاة والسلام كان يلقى منهم مسالمة، ودفاعا عن عقائدهم بالتى هى أحسن، أو عدم اهتمام بعضهم بمقاومته عندما كان يدعو من غير أن يذكر الهتهم بسوء، أو يسفه أحلامهم، وأحلام ابائهم، فلما أخذ يسب الهتهم، ويسفه أحلامهم، انتقلوا إلى مقاومة عنيفة، أخذت صورة الإيذاء من بعضهم والاستنكار المرير من بعض اخر، ثم تطورت الأمور إلى العداوة والإغراء بالبغضاء وقطع الأرحام الموصولة.

وفى الحق أننا لا نرى فارقا زمنيا، بل نجد أن دعوة التوحيد وتحريم عبادة الأوثان، والإشراك بالله ابتدأت منذ جاء عليه الصلاة والسلام، ومنذ أعلن عشيرته باستنكار عبادة الأصنام، فقال عقب الإنذار بالبراءة منهم إن عصوا، فقال الله تعالي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «1» .

وجاء مثل ذلك عند الأمر بالجهر بالدعوة، وإعلان قريش خاصة والعرب عامة، إذ قال الله تعالى:

فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «2» .

وإذا كنا لا نجد فارقا زمنيا يحد ما بين الدعوتين، وإذا كانت الايات التى نزلت فى أول الدعوة بمكة المكرمة تتشابه فى معانيها من ناحية الأوثان مع الايات التى نزلت فى اخر مقامه عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة. فإن من الحق علينا أن نقول إننا لا نجد تفريقا بين حال لم تذكر فيها أوثانهم بسوء وحال قد ذكرت فيها بسوء.

وإن الذى نجده أو نظنه ظنا أن مقاومتهم ابتدأت بحال دهشة مما فوجئوا به، وتساؤل فيما بينهم، ما شأن هذا الذى جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وهم بين من علم أن محمدا عليه الصلاة والسلام دعا إلى هذه الدعوة، وبين متشكك فى نسبة القول إليه، وبينما هم يتسائلون كانت الدعوة تسرى فى الأوساط، وتجد لها من بينهم مصادقين ما بين سادة وعبيد، وأشراف وضعاف، فتنبهوا حينئذ للمقاومة، لأمر وجدوه جدا لا هزل فيه، وقويا لا ضعف يعتريه، وإذا كان الذين يتبعونه قليلا، فهم يزيدون وسيكونون كثيرا ولابد أن يأخذوا الأهبة لمدافعة هذا الواقع، وهو لا يزال نبتا، قبل أن يستغلظ سوقه.

231- وعلى ذلك نقرر أن المقاومة كانت تتزايد فى الشدة كلما تزايدت الدعوة عموما، وتكاثر المستجيبون لها، فهم كلما رأوها تنمو ولو قليلا يحسون بالخطر شديدا، وكلما أحسوا بالخطر ازدادوا لجاجة وعنفا، لأنهم يرون الخطر على سيادتهم، ونظمهم الاجتماعية، والأرض تنهار من تحتهم شيئا فشيئا، فتزداد المقاومة بصورها المختلفة، وكل يعمل على شاكلته، وعلى الطريقة التى يرضاها خلقه، ففريق بالايذاء، وفريق بالاستهزاء، وفريق بالشكوى لأبى طالب حاميه، ويتلاقى الجميع على أمر يكون متلاقيا مع كل طبائعهم ... هكذا.

__________

(1) سورة الشعراء: 214- 217.

(2) سورة الحجر: 94.

وإن اعتراضهم أخذ ثلاث صور، الصورة الأولى محاولة حمل النبى عليه الصلاة والسلام على ترك الدعوة التى يقوم بها، وينشر الإسلام عن طريقها ويحارب الوثنية بكل ضروبها.

الصورة الثانية- المجادلة ومحاولة إحراج النبى عليه الصلاة والسلام بمطالب هى غير معقولة فى ذاتها، بقصد تعجيزه، وإظهار عجزه أمام الناس أجمعين عسى أن يكون فى ذلك صد الناس عنه.

الصورة الثالثة- الإيذاء فى صوره المختلفة، بالإيذاء الفعلى الاحادى للنبى عليه الصلاة والسلام خاصة، وللذين يؤمنون من الناس، ولم يخلص منهم كبراؤهم، ووقع شديد على ضعفائهم، ثم كان من ذلك إيذاء جماعى، أنزل من قريش كلها على بنى هاشم كلهم وإخوانهم بنى المطلب، وقد تلقوا جميعا مقاطعة قريش لهم، ولم يقبل دنية الافتراق عن أسرته إلا أبو لهب، أما الباقون فتحملوه صابرين مشاركين معاونين، واستوى فى ذلك مؤمنو بنى هاشم وبنى المطلب على سواء.

وقد لوحظ أن الإيذاء كان يجعل الإيمان يذيع وينمو، لأن الناس تنفطر نفوسهم لألم المتألمين، ويدفع حمية الذين لهم صلة بمن يؤذون، فتدفع المروءة إلى مشاركتهم فى سبب الإيذاء تحديا ومقاومة لذلك الشر، فقد دفع الإيذاء للنبى عليه الصلاة والسلام حمزة بن عبد المطلب لأن يعلن إسلامه، ثم يعلن إيمانه، كما سنبين إن شاء الله تعالى فى إسلام حمزة.

وقد يكون اندفاع المؤذى فى إيذائه مفرطا فيه دافعا لأن ينفطر قلبه، فيجد سبيلا للإيمان، كما كان الشأن فى إيمان عمر بن الخطاب، فقد كان الدم الذى انبثق من شج أخته إيذاء لها على إيمانها سببا فى أن فتح الله تعالى قلبه لأنه استمع إلى الايات التى تتلى، فرحمه الله تعالت كلماته بأن فتح صدره للإيمان فامن.

وكان الإيذاء سببا فى الهجرة إلى الحبشة، وفى الهجرة إليها شاع اسم الإسلام فى ربوعها، وإن لم يتبعه إلا ملكها، وسنذكر بعون الله تعالى تلك الصور المختلفة للمقاومة بعد أن نتكلم فى درجات الدعوة، والجهر بها.

,

الذين استجابوا لله والرسول

232- سرى الإسلام إلى النفوس من أول نزوله، وإذا كان الذين سارعوا إلى الدخول فيه عددا قليلا، فذلك شأن كل دعوة تعتمد على الحق المجرد، فإنها تدخل فى قلوب الجماعات فى ريث من غير تعجل، ولا انسياق من غير تفكر وتدبر، ولكنها صارت كالجبال.

وقد يقول قائل إن دعوة محمد عليه الصلاة والسلام كانت ثورة فكرية واعتقادية واجتماعية واقتصادية وإنسانية بشكل عام، ومن شأن الثورات أن تجتذب الجماهير فتندفع فى نصرتها والأخذ بها، ونقول فى الإجابة عن ذلك أن ما أتى به محمد عليه الصلاة والسلام كان فى نتيجته وغايته أعظم ثورة إنسانية راها التاريخ الإنسانى، فى نتيجتها وثمراتها وغاياتها، لا فى وقائعها وأشكالها، فإن الثورات الجامحة انفعالات للجماهير تكون كانفعال الأشخاص لا تلبث أن تنطفئ، إذ ذلك شأن الانفعالات دائما، لا فرق بين أن تكون فى الاحاد وأن تكون فى الجماعات، واعتبر ذلك بالثورات الأوربية، فأعظمها مظهرا الثورة الفرنسية، انفعلت بها فرنسا انفعالة شديدة، ثم لم تلبث حتى أخذت تأكل نفسها، وكثرت ثورات زعمائها على أنفسهم جماعة بعد جماعة حتى رسبت فى اخر الأمر فى حكم يشبه حكم القياصرة، كما كان فى عهد نابليون الذى نال الكمثرى فيها بعد أن نضجت.

أما دعوة محمد عليه الصلاة والسلام، فقد كانت نابعة من أحكام المنطق وأحكام العقل، والإمداد الإلهى بروح القدس، وما كانت انفعالة، بل كانت نفوسا مطمئنة راضية مرضية امنت بالحق وأخذت به، دخلها الإيمان ولم يخرج منها. وهذا يكون من شأنه الدوام والاستقرار فى النفوس التى يدخلها، فإذا أشرق فيها إشراق لا ينطفيء، فلا يشبه نار الهش من الأحطاب الذى ينطفيء بأقل الرياح، بل يشبه الماء العميق البعيد الغور الذى لا تهزه الرياح، فلا تعبث به الأهواء.

لذلك كان الذين يدخلون قليلا قليلا من غير طفرة، وانتقال انفعالى.

233- ولقد اختبرت قلوبهم من أول دخولهم- لقد ابتدأ الإسلام يسرى كالنور فى الظلام، فأشرقت به قلوب مؤمنة، فدخلها واستقر بها فى وسط لجاجة الشرك وعوجاء أهله، أسلم قوم مؤمنون، ولكن منعوا من أن يقيموا شعائر دينهم، فكانوا ابتداء لا يصلون فى المسجد الحرام، بل كانوا يذهبون للصلاة فى شعاب مكة المكرمة مستخفين بدينهم، لا يجهرون بقراءة القران الكريم بين ظهرانيهم، ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك، ومكانته بين قريش مكانته، وجاء أبو جهل الذى اشتهر بذلك الاسم فى الإسلام واستحقه بعمله، وقال فى تبجح ظاهر للنبى عليه الصلاة والسلام: «ألم أنهك يا محمد عن الصلاة هنا» فلم يلتفت إليه النبى عليه الصلاة والسلام، لأنه يعلم أن أدب الإسلام أنه إذا مر باللغو مر كريما ولم يلتفت.

وكان المسلمون الأولون لا يستطيعون أن يجتمعوا ليتعلموا من الرسول دينهم، بل كانوا يجتمعون خفية فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، قالوا إنه يجتمع فى هذا البيت الطاهر نحو تسعة وثلاثين كانوا هم المجتمعين عندما أسلم عمر رضى الله تبارك وتعالى عنه، وليس معنى ذلك أن الذين أسلموا كانوا هذا العدد

فقط، فقد كان ثمة عبيد آمنوا، وكانوا فى مهنة مالكى رقابهم، ومنهم من كان يعذب العذاب الأليم ليفتن عن دينه، ويكره على الخروج منه.

ومن المؤمنين من كان يؤمن، ويخفى إيمانه عن أهله. أبيه وأمه وأخيه فرارا بدينه من أن يمنى بملام أو تعذيب، فقد كان أهل كل بيت كان فيه من دخل فى الإسلام، يأخذ ذلك المسلم بالتأنيب واللوم الزاجر، ثم ينتقل الأمر من اللوم إلى التعذيب، إن استرسلوا فى غوايتهم، ولم يكن ما يمنعهم من رحم شفيقة، أو قوة عزيمة ممن منحه الله تعالى الإيمان، واعتصم ببرد اليقين.

ولم يكن المسلمون يجهرون بقراءة القران الكريم خوف الأذى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كانت دعوته وتبليغ رسالة ربه توجبان عليه أن يجهر مهما يكن الأذى الذى ينزل به. فإن الله تعالى عاصمه من الناس، وما كانت قريش تستطيع دفعه، بل إنهم كانوا يتناهون فيما بينهم أن يسمعوه، ولكنهم يذهبون خفية ليسمعوه، يذهب كل واحد مختفيا عن جماعته ثم يلتقون فى الاستماع إليه، وقد تناهوا، ولكن كل واحد خالف ما اتفق عليه معهم، ويحسب أنه المخالف واحده، وإذا هم جميعا مختلفون وإذا هم جميعا ناقضون لما اتفقوا.

ويذكر الرواة أن أول من جهر بالقران الكريم بعد النبى عليه الصلاة والسلام، يروى ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام أنه قال: كان أول من جهر بالقران الكريم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: «اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القران يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعونه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم، قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من العدو إذا أرادوه. فقال: دعونى، فإن الله تعالى سيمنعنى، فعاد ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ رافعا صوته.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ «1» ثم استقبلهم يقرؤها، قال فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن أم عبد، ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه فى وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله تعالى أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الان، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا: حسبك حسبك أسمعتهم ما يكرهون

__________

(1) سورة الرحمن: 1- 4.

234- وإن هذا كله يدل على ثلاثة أمور:

أولها: الاستخفاء بالعبادة إلا ما كان من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان حريصا على أن يجهر بصلاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يجهر بالقران الكريم ما وسعه ذلك، غير ممتنع، ولا متردد، لأن الأمر جاء إليه بذلك، وهو يبلغ الرسالة، ويظهر إن المشركين، وإن كانوا يتضايقون من ذلك، لم يكونوا يمنعونه، وإن حاولوا المنع لم يجدوا مستجيبا لما يدعون، فكانوا يعمدون إلى الاستهزاء به انا وإيذائه انا، والإعراض عنه دائما، وفى كل وقت، لأنهم قد جعلوا فى قلوبهم وقرا، فلا يستمعون، وقد كان المشركون يشتدون فى أذاهم.

الأمر الثانى: أن الأذى الذى كانوا ينزلونه بالمؤمنين لم ينهنه من عزمهم، ولم يضعف أنفسهم، فهذا عبد الله بن مسعود يضربونه، فيستمر فى قراءته، وهم يستمرون فى ضربه حتى يبلغ ما شاء الله تعالى أن يبلغه، غير ملق اهتماما إلى ضربهم.

وإن حال الايذاء فى أثناء قراءته يصور حال المؤمنين مع إيذاء الكافرين، ومع الإيمان استمروا فى الإيذاء، واستمر الإسلام فى ازدياد.

الأمر الثالث: أن المشركين حين كانوا يسمعون القران الكريم من النبى صلى الله عليه وسلم يتميز غيظهم، وإن كان الغيظ ثابتا، إذ يتبعه إيذاء أحيانا، ولكنهم يتميزون غيظا عندما يسمعونه من غيره، لأنهم بذلك يعلمون سريان الدعوة، وزيادة الأتباع حينا بعد حين، فليس غيظهم فقط من سماع القران الكريم، بل إنه منه، ومن نمو عدد المستجيبين، فالأمر إذا كان يزيد ولو بقدر ضئيل يبشر أصحابه ببلوغ الغاية، وينذر أعداءه بالعاقبة المريرة.


ملف pdf

كلمات دليلية: