عرض الإسلام على القبائل في موسم الحج سنة 10 من البعثة

عرض الإسلام على القبائل في موسم الحج سنة 10 من البعثة

ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغل مواسم الحج وإقبال الناس وتوافدهم إلى بيت الله الحرام، فيدعوهم إلى توحيد الله تعالى، ويخبرهم أنه نبي مرسل، لعلَّ أحدًا منهم أن يستجيب له فيؤويه وينصره بعد ما كذَّبه قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف، إلا دعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده إلا أن قريشا كانت له بالمرصاد، كانوا يصدون الناس عنه وعن دعوته.

يحكي لنا عن ذلك جابر -رضي الله عنه- قال: «مَكَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النّاسَ في مَنازِلِهِمْ بعُكاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَواسِمِ بِمِنًى يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِيني؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلامَ قُرَيْشٍ لا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصابعِ ...» (رواه أحمد).

ومن القبائل التي عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليها؛ قبيلة كِنْدة، وبطن من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله، وبنو حنيفة، بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن خصفة ، وفزارة ، وغسان ، ومرة ، وحنيفة ، وسليم ، وعبس ، وبنو نضر ، وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب ، والحارث بن كعب ، وعذرة ، والحضارمة ، فلم يستجب منهم أحد . [الطبقات الكبرى لابن سعد]

إسلام أول مجموعة من الأنصار

وظل النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك- إلى أن أَذِنَ الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم يعرض نفسه على القبائل.

فالتقى بجماعة من الخزرج أراد الله بهم خيرًا. فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالي يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟ » قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله -عز وجل-، وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن.

وكان بعض أولئك النفر قد سمعوا من اليهود أن نبيًا مبعوثًا قد أظل زمانه، وكانوا يتوعدونهم بأنهم سيتبعونه وينصرهم الله به على العرب، فلما كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.

وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله تعالى بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدَّقوا، وهم ستة نفر جميعهم من الخزرج: أسعد بن زرارة بن عُدَي، وعوف بن الحارث بن رفاعة (ابن عفراء)، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حَديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب [السيرة النبوية، لابن هشام]