عدل الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب رحمة الله للعالمين

عدل الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب رحمة الله للعالمين

اسم الكتاب:
رحمة الله للعالمين
المؤلف:
محمدحسن عبدالله

ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في العدل

]

وقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في العدل، ومن ذلك أنه قال: «سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلِّ إلا ظِلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله. . .» الحديث (1).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل وكِلتَا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حُكمِهم، وأهليهم، وَمَا وَلُوا» (2).

العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات. . . وغير ذلك.

_________

(1) البخاري، برقم 660، ومسلم، برقم 1031.

(2) مسلم، برقم 1827.

,

ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم العدل

الأمثلة الآتية:

المثال الأول: مع المرأة المخزوميَّة التي سرقت: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى.

فعن عائشة - رضي الله عنها - «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتيَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: "أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.

قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).

إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله - عز وجل - به في القول والحكم، فقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ

_________

(1) البخاري مع الفتح بنحوه مختصراً في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع 12/ 86، برقم 6786، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان 12/ 87، برقم 6788 6/ 513، برقم 3475، 5/ 255، برقم 2648، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود 3/ 1315، برقم 1688، وانظر: شرح النووي 11/ 186، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 12/ 95، 96.

كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152] وقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].

ولاشك أن هذا الخلق العظيم وغيره من أخلاقه صلى الله عليه وسلم مما يوجب على المسلم تطبيقها أسوة به صلى الله عليه وسلم (1).

المثال الثاني: مع النعمان بن بشير وابنه رضي الله عنهما: وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال وهو على المنبر: «أعطاني أبي عطيَّةً، فقالت عمرة بنتُ رواحة: لا أرضَ حتى تُشهِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيَّةً فأمرتني أن أُشهدكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطيت سائر

_________

(1) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود 2/ 242، والترمذي 3/ 137، والنسائي 7/ 64، وانظر أيضاً: البخاري مع الفتح 3/ 292، برقم 1423، 2/ 143، برقم 640، 11/ 312، برقم 6479، 12/ 112، برقم 6806، ومسلم 3/ 1458، برقم 1827 - 1830 وهذا الحبيب يا محبّ ص534، 535.

ولدك مثل هذا؟ " قال: لا. قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردَّ عطيته. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألك ولدٌ سواه؟ " قال: نعم، قال: فأراه قال: "لا تُشهدني على جور» وفي لفظ: «لا أشهد على جور» وفي لفظ: «إني نحلتُ ابني هذا غلامًا، فقال: "أَكُلَّ ولدك نحلتَه مثلَهُ؟ " قال: لا. قال: "فأرجعه» وفي لفظ لمسلم: «أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ " قال: بلى، قال: "فإني لا أشهد» (1).

والنحلة: العطية بغير عوض (2) وفي هذا الحديث حرص النبي صلى الله عليه وسلم على العدل بين الأولاد، ووصيته صلى الله عليه وسلم بالتقوى، وبالعدل بين الأولاد وغيرهم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله يقول: (وهذا واضح أنه لا يجوز تخصيص بعض الأولاد بشيء؛ لأن

_________

(1) البخاري، برقم 2586، 2587، 2650، ومسلم، برقم 18 - (1623).

(2) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، 5/ 213.

هذا يسبب الشحناء بين الأولاد والعداوة، وللذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث على الصحيح، ويعدل بين الطائعين والعصاة، ويُوجِّه العصاة وينصحون) (1).

المثال الثالث: عدله مع أهله صلى الله عليه وسلم: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملكُ فلا تلُمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ» (2).

وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم فعدل بين نسائه، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: قوله: "فلا تلمني فيما تملك" يعني القلب، وما يتعلق به؛ فإن المحبة والمودة شيء في القلب، لا يستطيع الزوج أَنْ يسوِّيَ بينهنَّ فيه، وله أسباب تحبب المرأة إلى زوجها: من دينها، وشبابها، وغير

_________

(1) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم 2586 من صحيح البخاري.

(2) أبو داود، برقم 2134، والترمذي برقم 1140، والنسائي 7/ 64، وابن ماجه، برقم 1971، وسمعت ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام: (إسناده جيد).

ذلك، وإنما يملك العبد القسم بينهن بالسوية في الليل والنهار، والنفقة وإحسان العشرة، وطيب الكلام، أما الشيء الذي يتعلق بالقلب والشهوة فهذا لا يملكه) (1).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إِحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (2).

وهذا الحديث يدل على تحريم الميل الذي يستطيعه الإنسان، أما الميل الذي لا يستطيعه فالله يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ

_________

(1) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم 1084.

(2) أحمد 2/ 347، وأبو داود برقم 2133، والترمذي برقم 1141، والنسائي، 7/ 63، وابن ماجه برقم 1969، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1/ 593.

فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]، وفي هذا الحديث الوعيد لمن تعمَّد الجور والظلم، وأنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، وهذه عقوبة ظاهرة (1).

ومن سنته صلى الله عليه وسلم أن من تزوَّج بكرًا أقام عندها سبع ليالٍ ثم قسم بين زوجاته إذا كان له أكثر من واحدة؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرجل البكر على الثيِّب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (2).

وعن أم سلمة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان (3) إن شئت سبَّعتُ لَكِ، وإن سبَّعتُ لَكِ سبَّعْتُ لنسائي» (4).

_________

(1) سمعته من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام.

(2) متفق عليه، واللفظ للبخاري: البخاري، برقم 5214، ومسلم، برقم 1461.

(3) هوان: يعني ليس لكِ عندي هوان

(4) مسلم، برقم 1460.

وعن عائشة رضي الله عنها: «أن سودة بنتُ زَمْعةَ وَهبت يومها لعائشة، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» (1).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفضِّل بعضنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٍ إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنتُ زَمعة حين أسنت (2) وفَرِقت (3) أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، قالت: نقول في ذلك: أنزل الله تعالى وفي أشباهها - أُرَاه قال - {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: 128]» (4).

_________

(1) البخاري برقم 5212، ومسلم برقم 1413.

(2) أسنت: كبرت في السن.

(3) فرِقت: خافت.

(4) أبو داود، برقم 2135، وقال الألباني في صحيح أبي داود، 1/ 594: = ... = ((حسن صحيح))، وأصل هبة سودة يومها لعائشة في صحيح مسلم برقم 1463 وصحيح البخاري برقم 5212.

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم سودة بعد خديجة وَقَبْلَ عائشة وطالت حياتها معه فلما أسنت وخافت أن يطلقها قالت: «يا رسول الله: يومي لعائشة». رواه أبو داود وإسناده جيد، وهذا يدل على أنه لا بأس أن تتنازل المرأة عن يومها لإحدى ضرَّاتها إذا رضي الزوج، فيكون للموهوبة يومان ولغيرها يوم (1).

وقد كان هذا الوقت المشترك بعد العصر؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن. . .» (2) وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: وهذا يدل على حسن عشرته صلى الله عليه وسلم، فقد كان خير الناس لأهله، فكان يطوف عليهن كل عصر يتفقد أحوالهنَّ وحاجاتهنَّ وذلك من

_________

(1) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم 1089.

(2) البخاري برقم 5268، ومسلم واللفظ له برقم 1474.

غير جماع، وربما طاف بهنَّ وجامعهن كما في حديث أنس، بغسل واحد، ولعل هذا نادر والجمع بين حديث عائشة هذا وحديث أنس أنه في الغالب من غير مسيس وربما جامع، فالمثبت مقدم على النافي (1).

ولفظ حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال الراوي لأنس: أَوَكان يُطيقه؟ قال: كُنَّا نتحدَّثُ أنه أُعطي قوَّة ثلاثين»، وقال سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم (تسع نسوة) (2) وقد حمل الحافظ ابن حجر أنه ضمَّ مارية، وريحانة: جاريتيه إلى زوجاته التسع، وأطلق عليهن (نسائه) تغليبًا (3) وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: (هذه قوة عظيمة عنده تسع نسوة،

_________

(1) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم 1089.

(2) البخاري، برقم 268، 284، 5068، 5215.

(3) فتح الباري، 1/ 389.

وجاريتان: ريحانة، ومارية) (1) (وهذا يدل على أن الرجل له أن يجامع زوجاته [في الوقت المشترك بينهن] تأسيًا به صلى الله عليه وسلم، وهذا من خلقه الكريم)، وفي حديث أنس قال: «كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فَكُنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. . .» (2). وسمعت شيخنا ابن باز يقول: (وهذا عِلاوة على طوافه عليهن كل عصر، وهذا يكسبهن تعارفًا وإبعادًا عن الوحشة؛ فإن بين الضرات وحشة، فاجتماعهن كل ليلة يسبب التآلف) (3).

ومن عدله صلى الله عليه وسلم بين نسائه أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بينهن، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها

_________

(1) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 268، بتاريخ 23/ 7/1418هـ.

(2) مسلم، برقم 1462.

(3) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث 1089.

خرج بها معه» (1).

ومن عدله وكرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم ما قاله أنس رضي الله عنه، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين صحفةً فيها طعام، فضربت التي النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أُمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيه» (2).

هذه الأحاديث تدل على عِظَمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وعلى عدله مع نسائه، وحسن خلقه معهن، وملاطفتهن، والقيام بحقوقهن صلى الله عليه وسلم.

_________

(1) البخاري، برقم 2593، ومسلم برقم 2770.

(2) البخاري، برقم 5225 و2481.

المبحث العاشر

تواضعه صلى الله عليه وسلم

[


تحميل : عدل الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب رحمة الله للعالمين

كلمات دليلية: