عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.

عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.


الخطبة الثانية والثلاثون: غزوة بدرالكبرى

عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الثاني والثلاثين من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بدرٍ الكبرى وهي الغزوة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل.

وأعزَّ الإِسلام وأهله وأذلَّ الكفر وأهله.

عباد الله! وحديثنا عن غزوة بدرٍ سيكون حول العناصر التالية:

,

العنصر الأول: بعد غزوة بدر الكبرى، كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.

عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بدرٍ الكبرى وتبين لنا أن الله قد منَّ على المسلمين بنصر عظيم على الكافرين؛ بأن قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وعندما وصلت أخبارُ النصر إلى مكة لم يصدقوا، حتى أنهم اتهموا الذي يخبرهم بالجنون حتى وصل جيش الكفر يجر أذيال الهزيمة والخيبة والعار، فلما تبين لهم صدق الخبر صُعِقَ نفرٌ منهم فهلك لتوِّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل.

ولم تزدهم الهزيمة إلا كُرها للإسلام، ونقمة على محمَّد وصحبه واضطهاداً لمن يدخل في دينه.

ولما وصلت أخبار النصر إلى المدينة؛ لم يُصدق الخبر المنافقون والمشركون واليهود حتى أنهم اتهموا المسلمين الذين يُذيعون الخبر بالكذب، حتى جاء جيش الإِسلام من بدرٍ وأعلام النصر ترفرف عليه، والأسرى مقرنين في

الأصفاد، والغنائم بين يديه، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً، وقلوبهم تغلي حقداًَ وحسداً وكفراً، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وفريق آخر سلك أسلوب الدسِّ والنفاق والغدر والتمرد.

عباد الله! كفار مكة بعد هزيمتهم في بدر، يفكرون في الانتقام من محمَّد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولكنهم يريدون أن يكون ذلك عن طريق اليهود في المدينة، فأرسلوا إليهم تهديداً، إذا لم تقتلوا محمداً فعلنا بكم كذا وكذا.

فلما وصل ذلك لليهود في المدينة بدأ الغدر، ونقض العهود والمواثيق والخيانة، وأول من نقض العهد يهود بني قينقاع.

عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم -: "أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدرٍ إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتُقاتلُنَّ صاحبنا -أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحولُ بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل .. " (1).

عباد الله! لما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة أجمعوا على الغدر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأولُ من نقض العهد وغدر؛ هم يهود بني قينقاع، وكانوا يسكنون داخل المدينة -في حي باسمهم- وكانوا صاغة وحدادين، وكانت عندهم خبرةٌ بالقتال وصنع السلاح، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة مقاتل.

عباد الله! وبعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ أخذ يهود بني قينقاع يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل مَنْ ورد سوقهم من

__________

(1) "صحيح سنن أبي داود" (2595).

المسلمين، حتى أخذوا يتعرضون لنسائهم فجاءت امرأة إلى السوق عندهم لتبيع شيئاً، فلما جلست عند الصائغ اليهودي راودها على أن تكشف وجهها فأبت فاجتمع اليهود وراودوها أن تكشف عن وجهها فأبت، فقام الصائغ بربط طرف ثوبها في ظهرها خفية دون أن تعلم، فلما قامت المرأة انكشفت سوءاتها، فضحك اليهود فقام مسلم يوجد في السوق فقتل اليهودي فاجتمع اليهود على هذا المسلم فقتلوه، فجاء أهل المسلم واستنصروا بالمسلمين فوقع الشر بين المسلمين وبين يهود بني قينقاع.

وهذه رواية يذكرها أصحاب السير وإن كان في إسنادها ضعف، ولكن هذا لا يستغرب من أفعال اليهود.

ولم يكتفوا بذلك بل قالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا محمَّد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفراً من قريش، كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحنُ الناس، وأنك لم تلق مثلنا.

فأنزل الله تعالى قرآناً ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)} [آل عمران: 12 - 13].

عباد الله! وفي قولهم هذا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعلان منهم سافرٌ عن الحرب، ونقضٌ منهم للعهود والمواثيق، ولم يكتفوا بذلك بل أخلُّوا بالأمن في داخل المدينة وأخذوا يتعرضون لنساء المسلمين فلما فعلوا ذلك سار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتائب، المسلمة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فأراد قتلهم

فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبي، رأسُ النفاق وزعيم المنافقين وكانوا حلفاءه فوهبهم له.

وأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات بالشام، ولم يبقوا هنالك طويلاً حتى هلك أكثرهم.

العنصر الثاني: ولا يحيق المكُر السيئ إلا بأهله.

عباد الله! لم يعتبر باقي اليهود بما أصاب كفار قريش في بدرٍ من القتل والأسر، ولا بما أصاب بني قينقاع من الجلاء عن المدينة.

فأخذ اليهود في المدينة يمكرون بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً.

قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال:30].

وقال تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران: 54].

ومن هؤلاء اليهود الذين مكروا بالإِسلام والمسلمين مكراً سيئاً كعب بن الأشرف، وكان هذا اليهودي من أشد اليهود حنقاً على الإِسلام والمسلمين، وإيذاءً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتظاهُراً بالدعوة إلى حربه.

وهذا اليهودي كان من يهود بني النضير، وكان غنياً مترفاً، معروفاً بجماله في العرب، وكان شاعراً من شعرائها.

ولما بلغه أول خبرٍ عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدرٍ قال: أحقٌ هذا؟ هؤلاء أشرافُ العرب، وملوكُ الناسِ والله! إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.

عباد الله! ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ويمدح عدوَّهم، ويحرضهم عليهم بل أخذ يتغزل بنساء الصحابة

في شعره، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريشٍ، فنزل على أحد أشرافهم وجعل ينشد الأشعار، يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يُثيرُ بذلك حفائِظهم، ويزكي حقدهم على النبي- صلى الله عليه وسلم -، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمَّد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ فقال عدو الله: أنتم أهدى منهم سبيلاً وأفضل، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)} [النساء: 51 - 52].

ثم رجع كعب بن الأشرف اليهودي إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب -أي يتغزل- في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بصلاقة لسانه أشد الإيذاء.

عباد الله! عندها قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله، قال محمَّد بن مسلمة - رضي الله عنه -، أنا يا رسول الله.

عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة قتل هذا المجرم- كعب بن الأشرف اليهودي- الذي آذى الله ورسوله، ومكر بالمسلمين مكراً سيئاً، لتعلموا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.

عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ ".

فقام محمَّد بن مسلمة - رضي الله عنه - فقال: أنا يا رسول الله! أتحب أن أقتلهُ؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "نعم".

قال: تأذن لي أن أقول شيئاً (أي: ائذن لي أن أتكلم في حقك من أجل المصلحة).

قال - صلى الله عليه وسلم -: "قل".

فأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا (أي أوقعنا في العنت والحرج وكلَّفنا ما لا نجد).

فقال كعبٌ- وقد بدى البِشْرُ على وجهه مما سمع من محمَّد بن مسلمة في حقِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله! لتمَلُّنَّهُ.

فقال محمَّد بن مسلمة: إنا قد اتبعناهُ، وما نريد أن نرجعَ عنه حتى نرى إلى ماذا ينتهي أمرهُ وشأنه، فَسَلِّفني وسْقاً أو وَسقين.

فقال كعب: نعم أرهنوني.

قال محمد بن مسلمة: ماذا تريد أن نُرهنك؟

فقال كعب: أَرهنوني نساءكمُ

قال ابن مسلمة: كيف نُرهنك نساءنا وأنت أجملُ العربِ؟

قال كعب: فارهنوني أبناءكم.

قال ابن مسلمة: كيف نُرهِنُك أبناءَنا، فيسبُ أحدُهم، فيقال: رُهِنَ بوسقٍ أو وسقين -أي هذا عارٌ علينا-.

قال كعب: فماذا ترهنوني؟

قال ابن مسلمة: نرهنك اللأمة - (يعني: السسلاح) - وأراد ابن مسلمة بذلك، أنه إذا جاءه بعد ذلك والسلاح في يده لا ينكرهُ؛ لأنه في اعتقاده أنه جاء بالسلاح ليضعه عنده رهناً-.

قال كعب: نعم

ثم وعده محمد بن مسلمة أن يأتيه في الليلة القادمة ببعض رجالٍ على مثل ما هو عليه في محمد - صلى الله عليه وسلم -.

فجاءَوه في الليلة التالية وهم متسلحون، فدعوه ليلاً لينزل إليهم فقالت امرأتهُ: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم!

فقال كعب لها: إنه أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي -أي أخي في الرضاعة- أبو نائلة، ولو دُعي الفتى لطعنةٍ ليلاً لأجاب، فنزل.

فقال محمَّد بن مسلمة لأصحابه قبل أن ينزل إليهم: إني سأمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم فاقتلوه.

فلما نزل إليهم كعب نزل متوشحاً، تفوح منه رائحة الطيب.

فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟

فقال كعب: نعم عندي أعطرُ نساء العرب.

فقال محمَّد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم؟ فوضع يده في رأسه فمسح رأسه بيده ليأخذ من طيب رأسه ثم شمّها، ثم ساروا قليلاً ثم عاد محمَّد بن مسلمة فقال: أتأذن لي أن أعود فاشمَّ؟

قال كعب: نعم شمَّ، فوضع يده في رأسه، فلما استمكن من رأسه قال لأصحابه: دونكم فاقتلوه، فقتلوه" (1).

عباد الله! نزلت السيوف على جسد هذا المجرم فوقع عدو الله قتيلا، وقد

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2510)، ومسلم (رقم 1801).

صاح صيحة شديدة، أفزعت من حوله من اليهود فلم يبق حصنٌ إلا أوقد النار -أي استيقظ من نومه- وفي الصباح علمت بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف فدب الرعب في قلوبهم العنيدة {جَزَاءً وِفَاقًا (26)} {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.

وهكذا يفعل الله بكل من مكر بالإِسلام والمسلمين، قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].

عباد الله! هذا عذابهم في الدنيا، قتلٌ، خزيٌ، فضيحة، أما في الآخرة فالعذاب الأليم قال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)}، وقال تعالى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)}

ليعلم الجميع أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.

,

العنصر الأول: بين يدي الغزوة.

العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.

العنصر الثالث: نتائج الغزوة.

العنصر الأول: بين يدي الغزوة.

وصلت الأنباء إلى المدينة أن قافلة ضخمةً لقريش عائدةٌ من الشام إلى مكة تحمل لأهلها الثروة الطائلة، يقودُها أبو سفيان بنُ حربٍ مع رجالٍ لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين.

ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها" (1)

وأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك أن يضرب قريشاً ضربة اقتصادية تقصم

__________

(1) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، انظر "فقه السيرة" (ص 218).

ظهورهم؛ لأنهم بهذه الأموال يستعينون بها على محاربة الإِسلام والمسلمين.

وأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أن يعوض أصحابه ما تركوا من أموال وديار في مكة أرغموهم عليها كفار قريش.

ولم يعزم الرسول- صلى الله عليه وسلم - على أحدٍ بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، ثم سار بمن أمكنه الخروج.

وخرج المسلمون إلى بدر وهم ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلاً، منهم مئة من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرسٌ للمقداد بن الأسود، وفرسٌ للزبير بن العوام - رضي الله عنهما -.

وكان معهم سبعون بعيراً يتعقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، حتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان له زميلان يتعاقبان بعيراً.

عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا يوم بدرٍ كل ثلاثةٍ على بعير، وكان أبو لبابة وعليٌ بن أبي طالبٍ زميلي رسول الله- صلى الله عليه وسلم -.

قال: وكانت عقبةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - (جاء دورة ليمشي).

فقال أبو لبابة وعليُّ بن أبي طالب: يا رسول الله نحن نمشي عنك - ليظل راكبًا-.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" (1).

عباد الله! قد بلغ أبا سفيان خروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها في

__________

(1) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن، انظر "فقه السيرة" (ص 219).

طريق الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستصرخ أهلها حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم.

واستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدةِ قاطبةً، فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفهُ، وحول رحلهُ، وشق قميصه، يصيحُ: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث، الغوث!

عباد الله! فقام أشراف مكة، يحثون أهل مكة على أن ينفروا سراعاً؛ ليُخلِّصوا تجارتهم، من محمَّد وأصحابه، فخرجوا في نحو الألف، معهم مائة فارسٍ ومعهم- المغنيات يضربن بالدف، ويغنين بهجاء المسلمين.

وخرجوا من ديارهم كما أخبرنا الله تعالي: {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 47] وأقبلوا في تحملٍ وحنقٍ عظيم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ لما يريدون من أخذ عيرهم.

عباد الله! ولما رأى أبو سفيان أنه قد نجا وأحرز العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيركمُ وقد سلَّمها الله، فوصلهم الخبرُ وهم بالجحفةَ. فهمُّوا بالرجوع؛ إلا أن أبا جهل أصرَّ على الخروج والوصول إلى بدر، قائلاً: والله لا نرجع حتى نأتي بدراً فنقيم عليها ثلاثاً، ننحرُ الجُزر، ونطعم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، حتى تسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعد ذلك اليوم أبداً، ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدرٍ، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا.

وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.

عباد الله! ولما وصل الخبرُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن كفار قريش قد خرجوا لملاقاتهم، وأن العيرَ قد نجت، وهي على مشارف مكة استشار أصحابه في لقاء العدو،

فقال بعضهم: ما خرجنا إلا للعير، وما أردنا النفير، ولم نستعد له، وقد أخبرنا الله -عز وجل- في كتابه عن هؤلاء، فقال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)} [الأنفال: 5 - 7].

عباد الله! وكان الأنصار قد بايعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيعة العقبة الثانية على أن يحموه في بلدهم (المدينة)، ولم يبايعوه على القتال معه خارج المدينة، لذلك اقتصرت السرايا التي سبقت بدرٍ على المهاجرين، ونظرًا لوجود الأنصار مع المهاجرين ببدرٍ، وتفوقهم العددي الكبير فقد أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - معرفة رأيهم من الموقف الجديد.

فاستشار - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عامةً وقصد الأنصار خاصة.

وقد روى ابن إسحاق خبر المشورة بسند صحيح قال:

"فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما

قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد (1) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.

فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم - خيراً ودعا له.

ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشيروا عليَّ أيها الناس؟ وإنما يريد الأنصار .. فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل.

قال سعد: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرُ به عينك، فسر على بركة الله. فسُر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونشّطه ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم" (2).

عباد الله! فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - طاعة الصحابة وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية، بدأ بتنظيم جندهُ ثم أرسل عيونه - الجواسيس- يأتونه بأخبار القوم، فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أين القوم، وعددهم، ومن فيهم من أشراف قريش.

__________

(1) وهو مكان يضرب فيه المثل في البعد.

(2) انظر "السيرة النبوية الصحيحة"، أكرم ضياء العمري (1/ 358 - 359).

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "هذه قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها"؟ ونزل جيش الإِسلام بالعدوة الدنيا، ونزل جيش الكفر بالعدوة القصوى، ولا يعرف كل منهم ما وراء هذا اللقاء الرهيب.

,

العنصر الثالث: ما فعله الرسول- صلى الله عليه وسلم -بعد انتهاء الغزوة.

عباد الله! ولما ولَّى المشركون مدبرين ولم يحرزوا نصراً، ولم يقتلوا ما أرادوا من المسلمين، ولكنهم أصابوا من المسلمين ما أصابوا لحكمة يريدها الله، قام - صلى الله عليه وسلم - وصف المسلمين خلفه ثم رفع يديه يثني على ربه:

"اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مُقرِّب لما بعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من فضلك ورحمتك وبركتك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم القيلة -أي الفاقة-، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الفجرة، الذين

__________

(1) رواه البخاري (رقم 3039، 4043).

(2) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 2805)، ومسلم (رقم 1903).

يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق" (1).

عباد الله! ثم قام - صلى الله عليه وسلم - يتفقد أصحابه ويجمع الشهداء، وحمل نفرٌ من المسلمين شهداءهم ليدفنوهم بالمدينة في مقابر أهلهم فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ادفنوا الشهداء في مضاجعهم" (2).

ومن هنا كانت السنة عدم نقل الموتى من بلدٍ إلى بلدٍ.

وقام - صلى الله عليه وسلم - بنفسه يشرف على دفن الشهداء، وأمر أن يُدفنوا في ثيابهم ودمائهم ولم يُغسِّلهم ولم يصل عليهم، وكان ربما جمع الشهيدين والثلاثة في قبر واحد، لكنه كان يقول: "أيهم أكثر أخذاً للقرآن فإذا أُشير إلى أحدٍ منهم قدمه في اللحد على أصحابه" (3) إكراماً لأهل القرآن.

فلما فرغ من دفنهم قام ينظر إليهم، ويشهد لهم شهادة لا تُرد أبداً إن شاء الله تعالى، قام يقول: "أنا شهيدٌ على هؤلاء، ما من جريح جُرحَ جرحاً في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة ينزف جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك".

عباد الله! ثم عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر النهار من يوم السبت، السادس من شوال، من السنة الثالثة للهجرة، فلما بات ليلة الأحد خاف - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع العدو إلى المدينة مرة أخرى، فانتدب سبعين من أصحابه يخرجون في إثر العدو.

عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قرأت قول الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} [آل عمران: 172].

__________

(1) صحيح انظر: "فقه السيرة" (ص 284 - 285) تحقيق الألباني.

(2) "صحيح سنن النسائي" (1893).

(3) رواه البخاري (رقم 1343).

فقالت لعروة ابن أختها: يا ابن أختي كان أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فانتدب منهم سبعين رجلاً كان فيهم الزبير وأبو بكر (1) ".

عباد الله! ولما انتهى أبو سفيان إلى مكان بعيد عن المدينة لقيه رجلٌ. فقال: هل أنت مُبلِّغ عني محمداً ولك كذا وكذا؟ قال: نعم فقال: أخبر محمداً أنا راجعون إليهم لنستأصل بقيتهم ونسبي نساءهم وذراريهم، فلما بلغ الخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

يقول ابن عباس - رضي الله عنهما- "حسبنا الله ونعم الوكيل"، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمَّد - صلى الله عليه وسلم - قال لهم الناس: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)} (2).

حسبنا الله لديننا، حسبنا الله لكتابنا، حسبنا الله لسنة نبينا، حسبنا الله ونعم الوكيل.

اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين واخذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بالكفرة الفجرة الذين كذبوا رسولك وصدوا عن سبيلك.

__________

(1) متفق عليه، رواه البخاري (رقم 4077)، ومسلم (رقم 2418).

(2) رواه البخاري (رقم 4563).

,

عباد الله! العنصر الثالث نتائج الغزوة.

انتهت غزوة بدرٍ بنصر الإِسلام والمسلمين، وهزيمة الشرك والمشركين، وكان من نتائج الغزوة.

أولاً: نصر عظيم من الله للمؤمنين.

قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ

__________

(1) رواه أحمد (1/ 17) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.

بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)} [آل عمران: 123 - 126]

ثانياً: هلاك أئمة الكفر:

فقد قتل المسلمون سبعين رجلاً من بينهم أئمة الكفر.

,

عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.

هذا اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، وأعز الله فيه الإِسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله، يقول الله -عز وجل-: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)} [الأنفال: 41 - 44].

عباد الله! وبات الجيش المسلم ليلة الجمعة، ليلة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ببدرٍ يرتقب هجوم العدو الكافر في أي ساعةٍ، فطار النوم من عيون المسلمين، وخافت قلوبهم، فأرسل الله عليهم النعاس، فناموا تلك الليلة حتى احتلم بعضهم، فلما أصبحوا ولا ماء أنزل الله عليهم من السماء ماءً فكان على المشركين وبالاً شديداًَ منعهم من المتقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على

قلوبهم قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)} [الأنفال: 11].

عباد الله! ووصف عليٌّ - رضي الله عنه - كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدرٍ وأمامهم معسكر المشركين؟

قال: "لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وما منا إلا نائم، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان يصلى إلى شجرة ويدعو حتى أصبح .. " (1).

عباد الله! وفي الصباح صف النبي - صلى الله عليه وسلم - جنوده للقتال كما يحب الله عز وجل.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)} [الصف: 4].

وقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر القتال بنفسه.

قال عليٌّ - رضي الله عنه -: لقد رأيتُني يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو- أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً" (2).

فئة مؤمنة تقاتل من أجل لا إله إلا الله، وفئة كافرة جاءت لتقضي على الذين يقولون لا إله إلا الله.

__________

(1) رواه أحمد في "المسند".

(2) رواه أحمد في "المسند" (2/ 228).

عباد الله! بدأ القتال بمبارزاتٍ فردية، فقد تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنهُ الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتُدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم، طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم.

وقد تمكن حمزة من قتل عتبة، ثم قتل عليٌ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه عليٌ وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين" (1).

عباد الله! وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا بالهجوم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، حرصاً على الإفادة من النبال بأقصى ما يُستطاع.

فقال - صلى الله عليه وسلم - "إذا أكثبوكم -يعني دنوا منكم- فارموهم واستبقوا نبلكمُ" (2).

ورمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصى في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه".

قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17].

عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أُمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فأخذ كفاً من الحصى فاستقبلنا به فرمى بها وقال: "شاهت الوجوه".

فأنزل الله -عز وجل-: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (3).

عباد الله! وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات

__________

(1) صحيح أبي داود (2321).

(2) رواه البخاري (رقم 2900).

(3) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، "فقه السيرة" (ص 228).

والأرض"، فقال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟

قال: "نعم". فقال: بخ بخ.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حملك على قولك بخ بخ"؟

قال: رجاءَ أن أكون من أهلها، فقال: "فأنت من أهلها".

فأخرج عميرٌ تمرات ليأكلها فجعل يأكلها، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم رمى بالتمرات، وأقبل على القوم فدخل في صفوفهم فقاتلهم - رضي الله عنه - حتى قُتل" (1).

عباد الله! حميَ الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء والابتهال، ومناشدة ربه -عز وجل- حتى سقط رداؤه عن منكبيه.

وها هو عمر - رضي الله عنه - يخبرنا الخبر فيقول: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائةٍ وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه -أي يصيحُ ويستغيث بالله بالدعاء- "اللهم أنجز لي ما وعدتني: اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابةُ -أي الجماعة من أهل الإِسلام- لا تُعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءهُ فألقاه على منكبيه، ثم التزمهُ ورائه وقال: يا نبي الله! كذلك -أي كفاك- مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.

__________

(1) رواه مسلم (رقم 1901).

فأنزل الله -عز وجل-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)} [الأنفال: 9 - 9] فأمده الله بالملائكة (1).

وقد خرج - صلى الله عليه وسلم - من العريش الذي بُني له وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)} [القمر: 45] (2).

عباد الله! وتقدم المسلمون يقتلون المشركين، والملائكة تقاتل معهم حتى قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط، وصوت فارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرَّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فجاء ذلك المسلم وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ذلك من مدد السماء الثالثة" (3).

قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)} [الأنفال: 9 - 10]، وقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)} [الأنفال: 12]

وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عريشه وهو يقول: "يا أبا بكر، أبشر أتاك نصر

الله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه عليه آلة الحرب" (4).

__________

(1) "شرح النووى على صحيح مسلم" (12/ 84 - 85).

(2) رواه البخاري (رقم 4875).

(3) رواه مسلم (1763/ 1383/ 3).

(4) أخرجه ابن إسحاق كما في "الفتح" (7/ 313).

ولما جيء بالعباس بن عبد المطلب أسيراً جاء به رجل من الأنصار

قصير يقول:

يا رسول الله أسرتُ هذا، فقال العباس: يا رسول الله! والله ما أسرني هذا ولكن أسرني رجل أبلج، على فرس أبلق وجهه كأحسن وجوه الناس، لا أراه في القوم فقال الأنصاريُ: أنا يا رسول الله أسرتُه.

فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اسكت لقد أعانك الله عليه بملك كريم" (1).

عباد الله! ورجع كفار مكة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، قُتِلَ منهم سبعون وأُسِرَ منهم سبعون.

قال تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)} [آل عمران: 127]، وقال تعالى: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)} [الأنفال: 7 - 8].



كلمات دليلية: