صِفَاتُ جسد النبيّ صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

صِفَاتُ جسد النبيّ صلى الله عليه وسلم من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

اسم الكتاب:
السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي
المؤلف:
احمداحمدغلوش

ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة

من مقدمات البعثة أن محمدا صلى الله عليه وسلم تمتع بعلامات عرفت بخاتم النبوة، وقد رآها أهل الكتاب وغيرهم قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وأكثروا الحديث عنها.

وخاتم النبوة عبارة عن بضعة لحم مرتفعة عن الجسد، وجدت في ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم عند أسفل عظم كتفه اليسرى، وقد تكلم العلماء عن الحكمة في وضعه مع الخاتم خلف ظهره، وفي هذا المكان المواجه للقلب.

يقول ابن دحية رحمه الله: الحكمة في وضع الخاتم بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك1.

وقال في الفتح: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة2.

وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف: وحكمة وضعه -أي الخاتم- عند النغض من الكتف اليسرى عصمته من وسوسة الشيطان، ولأن ذلك الموضع منه يدخل الشيطان، فكان ذلك حفظا له من الشيطان3.

وروى ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأري جسده ممهي "يرى داخله من خارجه" وأري الشيطان في صورة ضفدع، عند كتفه حذاء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه، ويوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس.

قال في الفتح: وهو مقطوع، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى، وابن

__________

1 صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب المناقب - باب خاتم النبوة ج6 ص561.

2 فتح الباري على صحيح البخاري ج6 ص562.

3 الروض الأنف ج1 ص191.

عدي ولفظه: "إن الشيطان وضاع خطمه على قلب ابن آدم"1.

ميعاد ختم النبي بهذا الخاتم:

اختلف العلماء في موعد ختم النبي صلى الله عليه وسلم بخاتم النبوة، وذكروا أوقاتا تتفق غالبا مع الأوقات التي ذكروها لشق صدره صلى الله عليه وسلم، وهي:

- قال بعضهم: ختم حين مولده صلى الله عليه وسلم.

- وقال آخرون: ختم يوم شق صدره عند حليمة.

- وقال غيرهم: ختم قبيل المبعث.

- وقيل: ختم ليلة الإسراء والمعراج.

ولكل دليله وحجته..

ورجح ابن حجر أن الختم كان يوم شق صدره عند حليمة، وقطع به القاضي عياض؛ لأن الذين رأوه وشاهدوه ذكروا أن رؤيتهم للخاتم كانت قبل البعثة بوقت طويل.

ولا مانع من القول بأن الله تعالى كرر الختم لرسول الله في كل هذه المرات إعمالا للأحاديث كلها، وزيادة في البركة والعون.

وسميت هذه العلامة بالخاتم جريا على عادة الناس في إثبات صدق ما يكتبون بخاتم معين، فكأن هذا الخاتم دليل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

والأحاديث المثبتة لخاتم النبوة كثيرة، منها:

- عن السائب بن يزيد رضي الله عنه يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح صلى الله عليه وسلم رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة2.

__________

1 فتح الباري ج6 ص563.

2 صحيح البخاري بشرح فتح الباري - كتاب الوضوء - باب فضل استعمال وضوء الناس ج1 ص296.

- وعن سماك قال: حدثني جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام.

- وفي رواية أخرى قال: رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة حمام يشبه جسده1.

- وعن ابن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا زيد، ادنُ مني، فامسح ظهري"، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم.

قلت: وما الخاتم؟

قال: شعرات مجتمعات2.

- عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما، أو قال: ثريدا، فقلت له: هل استغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} .

قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل3.

- وعن أبي نضرة العوفي رضي الله عنه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة4.

وللعلماء في وصف خاتم النبوة أقوال:

- يصفها الحاكم في كتابه بأنها شعر مجتمع.

__________

1 صحيح البخاري بشرح النووي - كتاب الفضائل - باب شيبة النبي صلى الله عليه وسلم ج15 ص97.

2 قال الألباني في الشمائل: رواه الترمذي والحاكم وأحمد وابن حبان - بسند صحيح رقم 17.

3 الثآليل: جمع ثؤلول، وهو بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها، والحديث رواه مسلم - كتاب الفضائل - باب إثبات خاتم النبوة ج15 ص99.

4 ناشزة: مرتفعة، والحديث قال الألباني عنه في الشمائل: رواه الترمذي بسند حسن رقم 19.

- وفي كتاب البيهقي: بصقة ناشزة.

- وفي حديث عمرو بن أخطب: "كشيء يختم به".

- وفي تاريخ ابن عساكر: "مثل البندقة".

- وفي الترمذي: "كالتفاحة".

- وفي الروض: كرأس المحجم الغائص على اللحم.

- وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم.

- وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس.

- وفي تاريخ القضاعي: ثلاث مجتمعات.

- وعن عائشة رضي الله عنها: كتينة صغير تصرب إلى الدهمة1.

واختلاف العلماء في وصف خاتم النبوة ليس من قبيل التنافي والتضاد، إنما هو باعتبار أن كلا منهم شبه الخاتم بما سنح له وبما ظهر أمامه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستره بثوبه، فواصف الخاتم رآه بنظرة خاطفة، أو أري له فجأة، ومع وجود عوامل الهيبة والدهشة في هذا الموقف العجيب، ومن الملاحظ أن الأقوال متقاربة في وصف الخاتم من ناحية صورته وحجمه ومكانه.

ووجود الخاتم النبوي مندرج في خوارق العادات التي أحاط الله بها النبوات، ويجب التسليم بها.

__________

1 دلائل النبوة للبيهقي ج1 ص260 هامش، فتح الباري ج6 ص593.


ملف pdf

كلمات دليلية: