صلح الحديبية_21244

صلح الحديبية


غزوة الحديبية

«1»

,

الأعمال التمهيدية

1- الحصول على المعلومات:

أ- المسلمون:

لما وصل الرسول صلّى الله عليه وسلم الى (ذي الحليفة) «1» قلّد الهدي وأشعره «2» وأحرم بالعمرة.

__________

(1) - ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات اهل المدينة الذي يحرمون عنده للحج. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 3/ 329.

(2) - قلد: وضع قلادة على الهدي، والهدي ما أهدي الى البيت وتقرب به الى الله، واشعره من الأفعال التي هي علامات الحج.

وأرسل رجلا من خذاعة ليستطلع له أمر قريش، فلما وصل (عسفان) «1» على بعد مرحلتين من شمال مكة عاد الخزاعي وأخبر المسلمين أنّ قريشا وقسما من حلفائها قد أجمعوا أمرهم على قتالهم ليصدوهم عن زيارة البيت الحرام.

استشار النبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه، فكان القرار النهائي: أن هدفهم من غزوتهم هذه هو زيارة البيت، ولن يقاتلوا إلا إذا صدتهم قريش عن هدفهم بالقوّة.

ولكنهم رأوا خيل المشركين على مرمى النظر قريبا من (عسفان) ، فأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه بالحركة على طريق فرعية غربي الطريق العام، وكانت طريقا وعرة قطعها المسلمون بصعوبة، فتخلصوا بذلك من الاصطدام بالمشركين، حتى وصلوا (الحديبية) على بعد ثلاثة أميال شمال مكة، وعسكروا هناك.

ب- المشركون:

بلغ قريشا أمر حركة المسلمين، فخافوا أن يكون إدعاء المسلمين بأنهم جاءوا معتمرين لا مقاتلين حيلة حربية يقصد المسلمون من ورائها مباغتتهم والقضاء عليهم، فعقدوا لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على مائتي فارس مع قسم من المشاة، وتقدّم هذا الجيش ليحول بين الرسول صلّى الله عليه وسلم ومكة، ولكنّ فرسان قريش بوغتوا بانحراف المسلمين الى الطريق الفرعية وتملّصهم من الاصطدام بهم، فعادت قوات المشركين أدراجها لتدافع عن مكة قبل أن يصلها المسلمون.

وجاء بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة الى قريش وأخبرهم أن محمدا جاء زائرا ولا يريد حربا، ولكنّ قريشا أجابت: (إن كان جاء لا يريد قتالا، فو الله لا يدخل علينا عنوة أبدا ولا تتحدّث بذلك عنا العرب) ...

__________

(1) - عسفان: قرية أو منهلة بين المدينة ومكة على مرحلتين من مكة.

2- المناوشات:

حاول قسم من متعصبي قريش أن يهاجموا معسكر المسلمين، وفعلا هجم ما يقرب من خمسين مشركا على المسلمين، ولكنّ المسلمين استطاعوا أسرهم جميعا، فأطلقهم الرسول صلّى الله عليه وسلم حتى يثبت نياته السلمية عمليا ولا يترك حجّة لقريش تتشبث بها لتجميع العرب ضد المسلمين.

3- المفاوضات الابتدائية:

أ- المشركون:

أرسلت قريش مكرز بن حفص ليرى موقف المسلمين، فعاد إليهم ليخبرهم أن محمدا لم يأت مقاتلا، وإنما جاء زائرا لهذا البيت.

وأرسلوا بعده الحليس بن علقمة سيد الأحابيش «1» ، فلما رآه الرسول صلّى الله عليه وسلم قال: (إن هذا من قوم يتألهون (أي إنه متدين) فابعثوا الهدي أمامه ليراه) .

رأى الحليس الهدي في الوادي فعاد الى قريش قبل أن يصل الى الرسول صلّى الله عليه وسلم إعظاما لما شاهد، وأخبرهم بما رأى، فأجابوه: (اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك) . فاستشاط الحليس غضبا وصاح: (يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلّن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد) ... فرجته قريش أن يكفّ عنها حتى تفكر في الأمر!

ورأت قريش أن توفد عروة بن مسعود، وهو من سادات ثقيف وهو رجل

__________

(1) - الأحابيش: أحياء من العرب رماة، سموا بذلك لاسودادهم أو نسبة الى حبشي (بضم الحاء وسكون الباء) جبل بأسفل مكة. وهم خلائط من العرب يتبعون كنانة بن خزيمة.

متزن حكيم، فكره عروة أن يعود من مفاوضة النبي صلّى الله عليه وسلم، فيسمعه رجال قريش ما يسوءه؛ فاعتذرت له قريش مؤكدة أنه عندهم غير متّهم، وأنها تطمئن الى حكمته وحسن رأيه؛ فخرج الى محمد صلّى الله عليه وسلم وذكر له أن مكة المكرمة بلده الحبيب وأن بها قومه وعشيرته، فلا يصح له مهاجمتها بمن جمع من أوشاب «1» الناس الذين سينكشفون عنه منهزمين إذا اشتد الخطب. فأجابه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (أنحن ننكشف عنه) ؟!

وعاد عروة الى حديثه مع الرسول صلّى الله عليه وسلم وجعل يمسّ لحية النبي صلّى الله عليه وسلم وهو يكلّمه، فقرع المغيرة بن شعبة الثقفي «2» يد عروة وهو يقول: (أكفف يدك عن وجه رسول الله قبل ألا تصل إليك) ...

وردّ النبي صلّى الله عليه وسلم على عروة بما يقطع لجاجته وينفي كل شبهة: (إنه لا يريد حربا وإنما يريد أن يزور البيت كما يزوره غيره) ...

عاد عروة من اجتماعه بالرسول صلّى الله عليه وسلم الى قريش، وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضّأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه؛ فرجع الى قريش ليقول: (يا معشر قريش! إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه؛ ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم) .

عادت كل سفراء قريش إليها دون أن يتعرّض بهم أحد من المسلمين، وقد اطمأنوا جميعا الى نيّات المسلمين السلمية، مما جعل حلفاء قريش يقاومون فكرة القتال، بل كادت تنشب حرب أهلية بين متعصبي قريش ومنصفيها.

__________

(1) - الأوشاب: الأخلاط.

(2) - أنظر سيرته في: قادة فتح العراق والجزيرة 387- 411.

ب- المسلمون:

بعث الرسول صلّى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي الى أشراف قريش ليبلغهم عنه بما جاء له، فعقرت قريش ناقته وأرادت قتله، لولا حماية الأحابيش له، فخلّوا سبيله على مضض.

وبعث الرسول صلّى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه الى قريش، فخرج برسالة النبي صلّى الله عليه وسلم، فلقيه أول ما دخل مكة إبان بن سعيد فأجار عثمان حتى يفرغ من تبليغ رسالته. وبلّغ عثمان ما جاء به لقريش. قالت قريش: (يا عثمان إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل) ...

قال عثمان: (ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله، إنما جئنا لنزور البيت العتيق ولنعظّم حرمته ولنؤدي فرض العبادة عنده، وقد جئنا بالهدي معنا، فإذا نحرنا رجعنا بسلام) ...

وأجابت قريش: بأنها أقسمت لن يدخل محمد مكة هذا العام عنوة.

وطال الحديث وطال احتباس عثمان بن عفّان رضي الله عنه عن المسلمين، وترامى إليهم أن قريشا قتلته غيلة وغدرا.

وحين بلغت هذه (الإشاعة) مسامع النبي صلّى الله عليه وسلم قال: (لا نبرح حتى نناجز القوم) .

ودعا النبي صلّى الله عليه وسلم الناس الى مبايعته، فبايعه المسلمون على الموت تحت الشجرة بيعة الرضوان؛ فلما أتمّ المسلمون البيعة ضرب الرسول صلّى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى بيعة لعثمان بن عفّان رضي الله عنه كأنه حاضر معهم.

على أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يطل احتباسه، فان قريشا جزعت أن تصيبه بأذى وهو من سراتها بمكان، فعاد وأبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بأن قريشا لم تبق عندهم ريبة في أنه وأصحابه جاءوا معظمين للبيت، ولكنهم لا يتركون

المسلمين يدخلون مكة هذا العام عنوة، حتى لا تتحدّث العرب بأنهم هزموا أمام تهديد المسلمين وضغطهم.

4- المفاوضات النهائية:

أرسلت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي صلّى الله عليه وسلم، على أن يتفق معه على رجوع المسلمين هذا العام عن مكة، فاستقبله الرسول صلّى الله عليه وسلم وهو أرغب ما يكون في موادعة القوم.

وتكلّم سهيل فأطال، والمسلمون من حول النبي صلّى الله عليه وسلم يسمعون أمر هذه المحادثات ويضيق قسم منهم بأمرها صبرا، ولولا ثقة المسلمين بالنبي صلّى الله عليه وسلم ثقة لا حدود لها وإيمانهم العميق به لرفضوا الاتفاق مع قريش ولقاتلوهم حتى يدخلوا مكة عنوة؛ ولكنّ الرسول صلّى الله عليه وسلم بقي مسيطرا على أعصابه مالكا هدوءه؛ ولما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مغيظا من سير المفاوضات قال له: (أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني) ...

ومما أثار حفيظة المسلمين صبر الرسول صلّى الله عليه وسلم أثناء كتابة العهد بين المسلمين وقريش، فقد دعا الرسول صلّى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له:

(أكتب بسم الله الرحمن الرحيم) .

فقال سهيل: (أمسك! لا أعرف الرحمن الرحيم، بل اكتب باسمك اللهم) .

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (اكتب باسمك اللهم) . ثم قال:

(اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو) .

قال سهيل: (أمسك! لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك) ...

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله) ...

الهدنة «1»

1- نص وثيقة الهدنة:

(باسمك اللهم!

(هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع

__________

(1) - راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي. 1- الهدنة: اتفاق يبرم بين الفريقين المتحاربين بوقف القتال مدة يتفق عليها فيما بينهما. والهدنة إما هدنة عامة أو هدنة محلية او جزئية. فالهدنة العامة يسري وقف القتال فيها على جميع القوات المتحاربة ويشمل جميع مناطق القتال. والهدنة المحلية او الجزئية هي التي يقتصر وقف القتال فيها على بعض القوات المتحاربة دون بعضها الآخر. 2- شروط ,

الهدنة

وآثارها: تعقد الهدنة في العادة كتابة ولكن لا يوجد ما يمنع قانونا من عقدها شفهيا، وينص عقد الهدنة على مبدأ قيامها وانتهائها، ويتوقف القتال خلال إعلان الهدنة كما ينص بعبارة واضحة على شروط الهدنة. 3- نقض الهدنة وانتهاؤها: اختلف الشراح فيما بينهم على الآثار المترتبة على حصول إخلال من أحد الطرفين بعقد الهدنة، وحق الفريق الآخر بنقضها لهذا السبب. والعودة الى اعمال القتال مباشرة. وكان من رأي فريق من الشراح ان أي إخلال يقع من احد الطرفين بما يجب عليه من الهدنة، يبيح للطرف الآخر العودة الى اعمال القتال مباشرة دون سابق إنذار. أما الشراح المحدثون، فيرون ان حصول الإخلال يبيح للطرف الآخر أن يعلن الطرف المخل بنقض الهدنة ولا يبيح له العودة الى اعمال القتال مباشرة. وتنتهي الهدنة بانتهاء المدة المحددة لها، فاذا لم ينص في اتفاقية الهدنة على تاريخ معين لانتهائها، جاز لكل من الطرفين استئناف القتال بعد اعلان الطرف الآخر وفقا لما هو منصوص عليه في الاتفاقية من الشروط.

الحرب عن الناس عشر سنين؛ يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّوه إليه.

(وأن بيننا عيبة مكفوفة «1» ، وأنه لا إسلال «2» ولا إغلال «3» ، وأنه من أراد أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

(وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه اذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا: معك سلاح الراكب؛ السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها) .

2- أهم بنود الهدنة:

أ- اعتراف قريش بالمسلمين طرفا مساويا لها.

ب- فتح المجال للرسول صلّى الله عليه وسلم لعقد محالفات مع القبائل التي لم تكن تطمئن لمحالفته: لقوة قريش، بوجود الكعبة في مكة المكرمة. وخير دليل على ذلك إعلان خزاعة حلفها للرسول صلّى الله عليه وسلم بعد هذا الصلح مباشرة.

ج- تيسر الوقت للمسلمين لنشر دعوتهم بأمان «4» .

د- السماح للمسلمين بزيارة البيت الحرام بعد عام والبقاء بمكة ثلاثة أيام.

هـ- إنها لوثيقة تجلّت فيها روح الحكمة من رسول موهوب، وقائد عظيم، ولئن كانت قريش قد أحسّت بها بعض اللين من جانب الرسول صلّى الله عليه وسلم فقد فاتهم ان هذا اللين هو إرهاص ليوم فتح قريب.

__________

(1) - عيبة مكفوفة: المراد هو اننا نكف عنك وتكف عنا.

(2) - الإسلال: السرقة الخفية.

(3) - الإغلال: الخيانة.

(4) - كانت مدة الهدنة عشر سنين في رأي اكثر مؤرخي السيرة، وسنتين في رأي الواقدي.

,

دروس من الحديبية

1- توخّي الهدف:

توخي الهدف مبدأ من مبادىء الحرب المهمة، وهو أن نعرف هدفنا تماما ونفكر بأقوم الطرق لتحقيقه، ثم نقرّر خطة مناسبة للحصول عليه وننفذ تلك الخطة جاعلين هدفنا الرئيس وحده نصب أعيننا دون أن تعيقنا أو تغيّر من خطتنا الأهداف الثانوية الأخرى.

وقد برز مبدأ توخي الهدف لدى الرسول صلّى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية بأجلى مظاهره حتى يمكن أن تكون دروس هذه الغزوة من أروع الأمثلة المفيدة للذين يريدون أن يفهموا معنى توخي الهدف.

قرّر الرسول صلّى الله عليه وسلم منذ مغادرته المدينة ألا يحارب قريشا، بل يبذل كل جهده للتفاهم معها، إلا اذا لم يجد مناصا من القتال ...

ووضع هذا الهدف نصب عينيه دائما.

خرج محرما، واستصحب أسلحة الراكب وهي السيوف في القرب؛ فلما علم من دوريات استطلاعه اعتزام قريش على قتاله، أصرّ على (السلم) ، فخرج عن الطريق العام الى طريق فرعية وعرة شديدة الوعورة، مما جعل أصحابه يكابدون المشقات عند قطعها؛ ولم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلم يهدف من الخروج عن الطريق العام إلا التملص من اصطدام أكيد بطلائع قريش، لأن المكوث في موضع (عسفان) الذي وصله المسلمون، يؤدي الى اصطدام الفريقين، لاندفاع خيالة قريش أمام قواتها الأصلية واقترابها من مواضع المسلمين. ولو انسحبت قوات المسلمين إلى الخلف باتجاه المدينة، لطاردتهم قوات قريش أيضا، وفي هاتين الحالتين سيحصل الاصطدام الذي لا يريده الرسول صلوات الله وتسليمه عليه.

ولكن خروجه عن الطريق العام الى طريق فرعية باتجاه مكة، جعل طلائع قريش تضطر الى الاسراع في العودة أدراجها للدفاع عن مكة، لأن المسلمين هدّدوها تهديدا مباشرا وأصبحوا قريبين منها. ولم تكن حركة المسلمين على هذه الطريق خوفا من قوات قريش، لأن الذي يخاف عدوه لا يقترب من قاعدته «1» الأصلية وهي مركز قواته، بل يحاول الابتعاد عن قاعدة العدو الأصلية حتى يطيل خطوط مواصلات «2» العدو، ويذلك يزيد من صعوباته ومشاكله ويجعل فرصة النصر أمامه أقلّ من حالة الاقتراب من قاعدته الأصلية.

وعندما وصل الرسول صلّى الله عليه وسلم (الحديبية) بقي مصرا على هدفه (السلام) الذي لم ينسه قط: أفسح المجال لمفاوضي قريش بالقدوم الى معسكر المسلمين في كل وقت للتأكد من نيات المسلمين السلمية، وأرسل مفاوضين من المسلمين ليؤكدوا للمشركين صدق نياتهم السلمية.

وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر المسلمين ورموهم بالنبل، حاول المسلمون حينذاك أن يلقوا القبض على المهاجمين دون أن يوقعوا بهم خسائر بالأرواح أو بالأموال؛ فاستطاعوا فعلا تطويقهم والقبض عليهم، ثم أطلقوا سراحهم وأعادوهم الى قريش دون أن يلحقوا بهم أي أذى.

ألا يدل ذلك على إصرار الرسول صلّى الله عليه وسلم على التفاهم مع قريش وإحلال السلم بين الطرفين؟

لقد لاحظنا في هذه الغزوة دون غزوات الرسول صلّى الله عليه وسلم الأخرى، أنه لم يستشر أصحابه في عقد الهدنة واستقلّ هو برأيه، وسبب هذا الإصرار على

__________

(1) - القاعدة: هي المنطقة التي يستند اليها الجيش قبل شروعه في العمليات الحربية، والقاعدة نوعان: قاعدة العمليات وقاعدة التموين، وتتوحدان على الأغلب ويندر ان تكونا منفصلتين.

(2) - خطوط المواصلات: هي الخطوط التي تربط الجيش بقاعدته.

الرأي واضح جدا، فقد كان قرار الرسول صلّى الله عليه وسلم في التشبث بالتفاهم مع قريش نهائيا وحاسما، ولا يحتاج مثل هذا القرار الى استشارة أحد.

إن الرسول صلّى الله عليه وسلم كان يتوخى من التفاهم مع قريش أهدافا بعيدة جدا ليس من مصلحة الدعوة ولا من مصلحة المسلمين الإخبار عنها، وقد ظهرت أهدافه فيما بعد.

كانت قوات المسلمين في الحديبية ستمائة وألف رجل، فأصبحت قواتهم يوم فتح مكة بعد عامين عشرة آلاف رجل ... وشتان بين العددين ... وهذا بعض ما في صلح الحديبية من فوائد للمسلمين.

فهل كان بامكان الإسلام أن ينتشر بهذه السرعة في مثل تلك الظروف، لو لم تضع الحرب أوزارها بعض الوقت ويتهادن الطرفان؟

2- الضبط «1» :

لا أكاد أقرأ تفاصيل غزوة (الحديبية كما ترويها كتب السيرة، إلا وأهتف من صميم نفسي: ما أعظم الضبط الذي كان يتحلى به الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه حينذاك!

لم يكن موقف الرسول صلّى الله عليه وسلم والمسلمين سهلا أثناء مفاوضات الهدنة وبعدها حتى عودتهم الى المدينة المنورة، فقد كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يعرف أهدافه القريبة والبعيدة ويعمل لتحقيقها بصبر وأناة وإصرار، ولكنّ كيف السبيل الى إفهام كل تلك الأهداف للمسلمين في مثل تلك الظروف؟

__________

(1) - الضبط: اصطلاح عسكري يقصد به الحالة العقلية التي تساعد الفرد على عمل واجبه باعتبار أنه ملزم بأدائه سواء كان مراقبا أو غير مراقب. أو القدرة على حبس بعض الانفعالات غير الاعتيادية كالخوف والغضب والجوع ... الخ. وإنجاز العمل المطلوب بحرص وأمانة وإخلاص في الحالات الصعبة.

أما المسلمون، فما أصعب موقفهم! ...

لم يكن أحد منهم يشك في دخول مكة، فانهارت آمالهم أثناء المفاوضات.

ولم يكن أحد يفهم ما يبرّر الهدنة، فشاهدوا هذه الهدنة تصبح أمرا مفروغا منه.

وكانت عقيدتهم تطغى على كل شيء سواها، فوجدوا إخوانهم المستضعفين من المسلمين يردّون الى المشركين ليفتنوهم عن دينهم.

ولو كان المسلمون ضعفاء أو يشعرون بالضعف لهان الخطب، ولكنهم كانوا أقوياء ماديا ومعنويا، فكيف يقتنعون بالهدنة في شكلها وأسلوبها الذي كان؟

بينما كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يكتب عقد الهدنة، جاء الى المسلمين أبو جندل- وهو ابن سهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضات- يرسف في الحديد، فقد اعتنق الإسلام فلقي العذاب من أهله المشركين. فلما رأى سهيل ابنه ضرب وجهه وجعل يجرّه ليرده الى قريش، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته: (يا معشر المسلمين، أأردّ الى المشركين يفتنونني عن ديني) ؟!

ليس من السهل احتمال المسلمين لمثل هذا الموقف حينذاك. ولكنهم احتملوه صابرين، على الرغم من بعض التذمر الخافت الذي كان يخالج بعض نفوس المسلمين، والذي كان يثيره حرصهم الشديد على عزة الإسلام.

إن ضبط الرسول صلّى الله عليه وسلم أعصابه أثناء المفاوضات وبعدها على الرغم من تذمر بعض المسلمين. وضبط المسلمين أعصابهم في مثل ذلك الموقف على الرغم من حنق بعضهم على المفاوضات والهدنة، كل ذلك يدل على تحلي المسلمين حينذاك بالضبط المتين بشكل يدعو الى الإعجاب الشديد.

3- الحياد المسلح «1» :

ما كاد عهد (الحديبية) يبرم حتى حالفت خزاعة محمدا صلّى الله عليه وسلم وحالفت بنو بكر قريشا؛ فربح المسلمون حليفا قويا له أهمية خاصة لقرب دياره من قريش.

لقد كانت خزاعة تميل قلبيا الى المسلمين قبل اليوم، وكان الاسلام قد انتشر بين أفرادها، ولكنها لم تستطع أن تحالف المسلمين قبل هذه الهدنة، لأن ذلك يهدّد مصالحها الدينية لوجود البيت الحرام بمكة التي تسيطر عليها قريش، هذا بالإضافة الى تهديد مصالحها الأخرى.

والهدنة حرمت يهود (خيبر) من الأمل في معاونة قريش لها، وقريش هي ألد أعداء المسلمين وذلك حين يأتي موعد محاسبة المسلمين ليهود.

والهدنة جعلت المنطقة الجنوبية (جنوب المدينة) أمينة بالنسبة للمسلمين، وكانت هذه المنطقة أخطر ما يهدد الدعوة، لأن فيها قبائل قوية ذات حضارة وعقيدة، بينما كانت قبائل الشمال حتى حدود العراق والشام بدوية ممعنة في البداوة.

فإذا أمّنت هذه الهدنة الاستقرار الذي جعل الإسلام ينتشر بسرعة فائقة، وأمنت القوة والمنعة للمسلمين، فماذا أمنت لقريش؟

توخت قريش أهدافا سطحية دفعتها اليها العصبية الجاهلية: هي ردّ المسلمين عن زيارة البيت الحرام هذا العام ليعودوا لزيارته في العام المقبل، وردّ الذين يسلمون من قريش بدون رضى أوليائهم، حتى لا يكثر عدد المسلمين؛

__________

(1) - الحياد المسلح: معنى الحياد في القانون الدولي، الحالة القانونية التي توجد فيها الدولة التي لا تشتبك في حرب قائمة وتستبقي علاقاتها السلمية مع الطرفين المتحاربين، والحياد المسلح كالحياد العادي، إنما يتميز عن الحياد العادي بما يصدر عن الدولة المحايدة من إعلان عزمها على استعمال القوة للمحافظة على حيادها ومنع الدول المحاربة من الاخلال به.

وأن ينالوا بهذه الهدنة الاستقرار ليتفرغوا لتجارتهم، وهذا أهم هدف حيوي بالنسبة لقريش.

فماذا كانت النتيجة؟

وفد أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية من مكة الى المدينة مسلما بغير رأي مولاه وهو ثقفي حليف لبني زهرة، فكتب أزهر بن عوف والأخنس بن شريق الى النبي صلّى الله عليه وسلم كي يرده، وبعثا بكتابهما مع رجل من بني عامر ومعه مولى لهما.

قال النبي صلّى الله عليه وسلم: (يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق الى قومك) ...

قال أبو بصير: (يا رسول الله! أتردّني الى المشركين يفتنونني في ديني) ؟

فكرّر الرسول صلّى الله عليه وسلم عليه قوله الأول.

انطلق أبو بصير مع الرجلين، حتى اذا كان بذي الحليفة «1» ، سأل حارسه العامري أن يريه سيفه، وما أن استوت قبضته في يده حتى علا به العامري، فقتله؛ فعاد المولى يعدو ناحية المدينة، حتى أتى النبي صلّى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: (قتل صاحبي) ! ثم ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف موجها الحديث الى الرسول صلّى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! وفت ذمتك وأدّى الله عنك. أسلمتني الى القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي) .

لم يخف الرسول صلّى الله عليه وسلم إعجابه به وتمنيه لو كان معه رجال، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لأصحابه عن أبي بصير: (ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه رجال) !

__________

(1) - ذو الحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أو سبعة أميال، وهي ميقات أهل المدينة الذي يحرمون عنده للحج.

أدرك أبو بصير أنه لا مقام له في المدينة ولا مأمن له في مكة، فانطلق الى ساحل البحر الى ناحية تدعى (العيص) «1» وشرع يهدد قوافل قريش المارة بطريق الساحل أهم طرقها الى الشام.

وسمع المسلمون بمكة عن مقام أبي بصير وعن كلمة الرسول صلّى الله عليه وسلم فيه:

(مسعر حرب لو كان معه رجال) ! فتجمعوا حول أبي بصير في مكمنه يشدون إزره، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين مسلما فيهم أبو جندل بن سهيل ابن عمرو.

وألّف هؤلاء المعذبون في الأرض الناقمون على المشركين المستقتلون في سبيل عقيدتهم الذين لا ملجأ لهم إلا سيوفهم، وقد فروا من أهلهم وأموالهم بعقيدتهم وإيمانهم، ألّف هؤلاء قوة مغاوير «2» لا تمر قافلة لقريش إلا اغتنموها ولا يرون رجلا من قريش إلا قتلوه.

وإذا بقريش تبعث الى الرسول صلّى الله عليه وسلم تسترحمه وتناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء المسلمين الذين ضيّقوا عليها الخناق، فلا حاجة لها بهم.

وبذلك نزلت قريش طائعة عن الشرط الذي اعتبرته نصرا لها واعتبره المسلمون شرطا لا يناسب كرامتهم على أقل تقدير.

وهكذا حافظ المسلمون على عهودهم كلها، وانصرفوا الى نشر دعوتهم، بينما استمر مشردو المسلمين في التعرض على قريش، وهكذا بقي المسلمون محايدين وبقي الفارون بدينهم من قريش والقبائل الموالية لها مقاتلين؛ وبذلك تمّ الحياد المسلّح في أقوى مظاهره للإسلام.

__________

(1) - العيص: موضع من ناحية ذي المروة على ساحل البحر الأحمر بطريق قريش التي كانوا يسلكونها من مكة الى الشام في تجارتهم. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 6/ 248.

(2) - المغاوير: جمع مغوار، والمغوار هو الفدائي، يقابل كلمة Commando: الانكليزية.

4- حرب الدعاية:

شنّ المسلمون على قريش بخروجهم لزيارة البيت العتيق، أضخم حرب للدعاية التي هي من أهم أركان الحرب الباردة.

لقد أظهروا تعظيمهم للبيت الحرام بصورة عملية لا تقبل الشك والمماراة، فتسامع العرب بذلك؛ فلما أصرّت قريش على رجوع المسلمين دون زيارة المسجد الحرام، اعتبر العرب قريشا ظالمة للمسلمين، إذ ليس لها أن تحرم أحدا جاء لتعظيم البيت وزيارته.

وقد رأيت كيف أن قريشا أرسلت الحليس بن علقمة لمفاوضة الرسول صلّى الله عليه وسلم، فلما رأى الهدي في الوادي، عاد أدراجه دون أن يقابل النبي صلّى الله عليه وسلم وأخبر قريشا بما رأى وهدّدهم أعنف تهديد.

بل إن هذه الدعاية كادت أن تثير حربا أهلية داخل مكة بين قريش نفسها من جهة وبين قريش والأحابيش من جهة أخرى.

أما عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد استطاع أن يتصل بالمسلمين في مكة حين بعثه الرسول صلّى الله عليه وسلم لمفاوضة قريش ويوجههم الى أهداف الإسلام الحيوية.

لقد كانت غزوة الحديبية حرب دعاية من الطراز الأول.

,

نتائج الحديبية

1- أهم نتائج غزوة الحديبية هي ما يأتي:

أ- اعتبار المسلمين طرفا مساويا لقريش، وهذا أول اعتراف بالدولة الإسلامية من أشد أعدائها وأقواهم في الحجاز.

لقد كانت قريش تعتبر المسلمين من قبل عصاة شقوا عليها عصا الطاعة، ولم تكن تعتبرهم ندا لها قدرا وقيمة وقوة ومكانة.

ب- أصبح المجال مفتوحا أمام الرسول صلّى الله عليه وسلم لمحالفة القبائل التي لم تكن تطمئن الى محالفته، لقوة قريش ولوجود الكعبة في مكة، وبذلك قوي جانب المسلمين وكثر حلفاؤهم وازدادت قوتهم الضاربة.

ج- التفريق بين قريش وحلفائها الطبيعيين يهود خيبر الذين كانوا لا ينفكون يحرّضون القبائل على الرسول صلّى الله عليه وسلم.

د- الاستقرار الذي أمّن التفرّغ للدعوة وانتشار الإسلام.

هـ- نجاح المسلمين في الحصول على الحياد المسلح: المسلمون محايدون ومشردوهم الذين فروا بدينهم من قريش وحلفائها مسلحون يقاتلون.

وإثارة المسلمين للرأي العام ضد قريش لصدّها المسلمين عن زيارة البيت الحرام وتعظيمه، مما أكسب المسلمين عطف كثير من القبائل وكثير من قريش نفسها وكثير من أهل المنطقة المجاورة لقريش، مما سهّل عملية فتح مكة عليهم فيما بعد.

2- هذه هي نتائج (الحديبية) ، وهي بعض أهداف الرسول صلّى الله عليه وسلم البعيدة التي لم يستطع المسلمون إدراكها في حينه، فلما عادوا الى المدينة واستقر بهم المقام هناك ورأو بعض تباشير هذه النتائج، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه معبرا عن رأي المسلمين: (لم يجلب نصر للإسلام ما جلب صلح الحديبية) .

ثم نزل في هذا النصر قول الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) «1» .

وبدأ المسلمون حينذاك يلمسون بعد نظر الرسول صلّى الله عليه وسلم وتباشير ما بشّرهم به من فتح قريب.

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة الفتح 48: 1.

فترة الهدنة

(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) .

(القرآن الكريم)

,

ثمرات الحديبية

,

دروس من ثمرات الهدنة

1- القضايا التعبوية:

أ- المباغتة:

حركة الرسول صلّى الله عليه وسلم الى اتجاه (الرجيع) وعودته الى (خيبر) وقيامه بارسال مفرزة صغيرة الى ديار غطفان ليجبرها على العودة لحماية أموالها وذراريها والنكوص عن معاونة حلفائها يهود في محنتهم، أدّى الى إيهام غطفان بأن الرسول صلّى الله عليه وسلم يريدهم بقواته، وإيهام يهود بأنه يريد غطفان ولا يريدهم، كل ذلك كان مباغتة كاملة لليهود وغطفان على حد سواء.

كما يعتبر مسير اقتراب «1» قوات المسلمين الى (خيبر) ووصولها ليلا الى منطقة (خيبر) دون أن يستطيع يهود معرفة وصولها، يعتبر ذلك مثالا متميزا لضبط المسير ومباغتة فذّة لليهود.

هذه المباغتة في المكان والزمان حالت دون تعاون يهود مع حلفائهم وضمنت النصر للمسلمين عليهم، بالرغم من استقتالهم ورصانة حصونهم وتيسر قضاياهم الإدارية بشكل متميّز للغاية.

__________

(1) - مسير الاقتراب: تعبير عسكري يقصد به تقدّم القوة لمجابهة عدو احتل موضعا دفاعيا أو في حالة المسير.

ب- قتال المدن والأحراش:

خطة الرسول صلّى الله عليه وسلم في الاستيلاء على حصون يهود المنيعة، كانت تتلخص بمشاغلة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسة، حتى يتم له الاستيلاء على الحصن، ثم ينتقل بهجومه المركّز الى حصن آخر.

كما أنه قسّم قواته الى أقسام بالنسبة الى قبائلها وبطونها، وجعل لكل قسم منها قائدا، حتى يشتدّ التنافس بين القوات، ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطه من الراحة ليستأنف القتال مرتاحا عند الحاجة.

إنّ هذه الخطة تتفق مع أحدث الخطط العسكرية الحديثة في قتال المدن والأحراش.

ولو أنه قاتل بأسلوب (الكر والفر) ، أو بأسلوب (الصفوف) في مثل هذا الموقف، لما كتب للمسلمين النصر على يهود.

ج- الانسحاب:

يعتبر نجاح خالد بن الوليد رضي الله عنه في انسحابه من (مؤتة) تجاه قوات متفوقة على قوته فواقا ساحقا، يعتبر هذا الانسحاب عملا عسكريا فذّا.

كما أن أسلوب قتال مؤخرة قوات المسلمين كان رائعا حقّا: احتلت جبهة واسعة لتجبر العدو على الانفتاح على جبهة واسعة أيضا، مما يضعف قواته، وأثارت تلك المؤخرة ضجّة عظيمة، مما جعل العدو يعتقد بوجود قوات كبيرة للمسلمين جاءت مددا لهم.

كل ذلك أنقذ قوة القسم الأكبر «1» للمسلمين من التطويق، وسهّل عليهم عملية الانسحاب.

__________

(1) - القسم الأكبر: تعبير عسكري يقصد به القوة الرئيسة التي تعمل مفارز الحماية المتقدمة على حمايته من مباغتة العدو.

2- المعنويات:

أثّرت عمرة القصاء في معنويات قريش تأثيرا كبيرا.

وقف كثير من قريش عند دار الندوة بمكة، كما عسكر آخرون فوق الجبال والهضاب المحيطة بها ليشاهدوا دخول الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مكة والبيت الحرام وسعيهم بين الصفا والمروة.

فلما دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: (رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة) ثم استلم الركن وأخذ يهرول ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عن قريش.

والتطواف بهذه السرعة إظهار لقوة المسلمين وتكذيب لإشاعات الضعف التي زعمتها قريش للناس.

في هرول وهرول أصحابه حين سعوا بين الصفا والمروة.

ونحر الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه الهدي عند المروة، ثم بقي بمكة ثلاثة أيام وعاد بعدها الى المدينة، وهو لا يشك بتأثير ما رأته قريش من قوة المسلمين ومن ضبطهم وإطاعتهم للرسول صلّى الله عليه وسلم ومن تعظيمهم للبيت الحرام في معنويات قريش، فلم يكد يترك مكة حتى وقف خالد بن الوليد رضي الله عنه يقول في جمع من قريش قائلا: (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحقّ على كل ذي لب أن يتبعه) .

وسمع أبو سفيان بن حرب بما كان من قول خالد بن الوليد، فبعث في طلبه وسأله عن صحة ما سمع عنه، فأكد له خالد صحته، فاندفع أبو سفيان الى خالد في غضبه، فحجز عنه عكرمة بن أبي جهل وكان حاضرا! وقال:

(مهلا يا أبا سفيان! فو الله خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه.

أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه، والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم) .

وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة رضي الله عنهم؛ بل ظهر الإسلام في كل بيت من قريش سرا وعلانية.

إنّ عمرة القضاء فتحت أبواب قلوب أهل مكة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكة نفسها بعد حين.

3- الامانة:

أ- حرص المسلمون على الوفاء بعهودهم كل الحرص، ولم يحاولوا بتاتا أن ينتهزوا الفرص السانحة للقضاء على خصومهم حرصا على الوفاء بتلك العهود.

كان بامكان المسلمين احتلال مكة في أيام عمرة القضاء والبقاء فيها، وفعلا أراد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أن يقذف في وجه قريش بصيحة الحرب، فصدّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصدّه الرسول صلّى الله عليه وسلم.

ب- كان المسلمون في غزوة خيبر يعانون أشد العناء من نقص في مواد إعاشتهم حتى جاءت جماعة من المسلمين الى الرسول صلّى الله عليه وسلم يشكون اليه قلة مئونتهم ويطلبون اليه إعطاءهم ما يسدون به رمقهم، فلم يجد شيئا يعطيهم إياه، وأذن لهم بأكل لحوم الخيل على ندرتها وقيمتها العسكرية الكبيرة حين ذاك.

في هذا الموقف العصيب، أقبل عبد حبشي بغنمه على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأسلم، ثم قال: (يا نبي الله! إن هذه الغنم عندي أمانة) ، وكانت هذه الغنم تعود الى يهودي من (خيبر) . قال له الرسول صلّى الله عليه وسلم: (أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك) ...

فعل العبد ما أمره به الرسول صلّى الله عليه وسلم، فرجعت الغنم الى صاحبها، فعلم اليهودي أن غلامه أسلم.

إنّ مثل هذه الأمانة في مثل هذا الموقف تدعو الى الإعجاب والتقدير الشديدين.

4- إكمال الحشد:

أ- الهدف:

حشد أكبر قوة ممكنة من المسلمين للقيام بالعمل الحاسم: فتح مكة وتوحيد شبه الجزيرة العربية، لتكون القاعدة الأمينة لحركات المسلمين المقبلة، لنشر الإسلام بين الناس كافة، وتأسيس الدولة الإسلامية.

ب- عودة مهاجري الحبشة:

التجأ قسم من المسلمين الى الحبشة قبل هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم الى المدينة فرارا من أذى قريش، وبقوا هناك بضعة عشر عاما، حتى أصبح سلطان المسلمين قويا، ولم يبق هناك مبرر لبقائهم في الحبشة بعيدين عن إخوانهم المسلمين الذين يحتاجون لمعاونتهم في نشر الدعوة وتوطيد دعائم الإسلام.

وفعلا بعث الرسول صلّى الله عليه وسلم الى النجاشي يطلب إليه إعادة مهاجري الحبشة، فعادوا الى المدينة بعد فتح (خيبر) مباشرة، ففرح المسلمون بقدوم هؤلاء المهاجرين، واندمجوا بقوات المسلمين ليقوموا بواجبهم في الجهاد.

5- نشر الاسلام:

دعوة الملوك والأمراء والرؤساء للإسلام.

راجع الملحقين المرفقين الملحق (ك) والملحق (ل) حول دعوة الملوك والأمراء والرؤساء المسيطرين على البلاد العربية حين ذاك، من النصارى الذين كانوا يدينون بدين الروم، ومن المجوس الذين كانوا يدينون بدين الفرس.

لقد أتاحت مكاتبات الرسول صلّى الله عليه وسلم لهؤلاء الفرصة لانتشار الإسلام خاصة في

منطقة البحرين وفي اليمن، كما أتاحت الفرصة لعدد عظيم من الناس أن يعرفوا أهداف الدين الجديد وغاياته، مما جعل قلوب كثيرين منهم تهوي إليه سواء تظاهروا بذلك أم أبقوه في طي الكتمان.

إن انتشار الاسلام في اليمن له أهمية خاصة من الناحية العسكرية، فقد جعل قريشا مطوقة بالمسلمين من الشمال والجنوب.

وبذلك تقرر مصير مكة وقريش نهائيا.

6- القضايا الادارية:

أ- الإعاشة:

كانت مواد الاعاشة قليلة جدا عند المسلمين في غزوة (خيبر) ، فجاع قسم منهم، ولم يجد الرسول صلّى الله عليه وسلم شيئا عنده ليسد به رمقهم، ولكنّ تداعي حصون (خيبر) التي تكدست فيها الأرزاق واستسلامها للمسلمين حسّن موقف الإعاشة عند المسلمين.

أما يهود فقد كان موقف إعاشتهم متميزا.

ب- الماء:

استفاد يهود من الآبار وبعض العيون في غزوة (خيبر) لتموينهم بالماء، وعندما علم المسلمون بذلك، سيطروا على المياه خارج الحصون وحرموا يهودا منها، مما سهّل عليهم استسلام الحصون.

ج- الصحة:

كان جو (خيبر) وخما وفي المنطقة كثير من المستنقعات، فأدى ذلك إلى إصابة المسلمين بالحميات.

وقد أفاد المسلمون من النساء في غزوة (خيبر) لتمريض الجرحى والمرضى.

د- المجندات:

أفاد المسلمون من النساء المتطوعات في غزوة (خيبر) ؛ لإدامة المقاتلين بالسهام والنبال، ولتهيئة السويق وتضميد الجرحى والمرضى وتمريضهم.

هـ- الغنائم:

قسمت غنائم (خيبر) بالتساوي بين المقاتلين، وقد كانوا ممن حضر صلح الحديبية وبيعة الرضوان، كما أشرك الرسول صلّى الله عليه وسلم في الغنائم مهاجري الحبشة العائدين منها توّا الى أحضان المسلمين؛ لأن حالتهم الاقتصادية كانت رديئة للغاية، ولا بد من مكافأتهم لإخلاصهم وعنائهم بهجرتهم الى الحبشة وبقائهم هناك بضعة عشر عاما.

وأسهم للنساء المتطوعات من مواد الإعاشة فقط كما أسهم للرجال.

7- النتائج:

كانت نتائج فترة هدنة الحديبية ما يلي:

أ- القضاء الأخير على يهود في شبه الجزيرة العربية.

ب- السيطرة على القبائل العربية شمال المدينة المنورة وجنوبها.

ج- التأثير في معنويات قريش وحلفائها مما سهّل فتح مكة.

د- انتشار الإسلام انتشارا عظيما داخل الجزيرة العربية.

كل ذلك جعل المسلمين يعيدون تنظيم صفوفهم على أسس مكينة، وينجزون حشد قواتهم بحيث أصبحت أكبر قوة في شبه الجزيرة العربية كلها.



كلمات دليلية: