صلح الحديبية_19952

صلح الحديبية


الفصل العشرون صلح الحديبية

«إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ «لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما «تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ «صِراطاً مُسْتَقِيماً. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ «نَصْراً عَزِيزاً.»

(القرآن الكريم، السورة 48، الآية 1- 3)

لقد أثبتت معركة الأحزاب أن الاسلام مؤيّد بروح الهية. فقد بذلت قريش قصارى جهدها للقضاء على الدين الجديد في معركتين متواليتين، بدر وأحد، ولكنها لم توفّق إلى أكثر من انزال بعض الاذى به. وناضلت القبائل البدوية المختلفة أيضا، كل بمفردها، لزعزعة قدمي الاسلام الراسختين، ولكنها عجزت عن ذلك.

وسعى المنافقون واليهود إلى نسف الاسلام من داخل، ولكن عبثا.

وأخيرا، قامت قريش، وقبائل البدو، والمنافقون، واليهود- يعني

الاعداء الخارجيين والاعداء الداخليين معا- بمحاولة مشتركة للأطاحة بالاسلام، ولكن النتيجة كانت هي هي، لم تتغير ولم تتبدل. وكان هذا هو النضال الأخير. ومنذ ذلك الحين لم يجد العدوّ في نفسه الجرأة على مهاجمة المدينة. إن هذه حقائق تاريخية، يسلّم بصحّتها الصديق والعدوّ على حد سواء، ومع ذلك يرفع بعض القوم عقائرهم قائلين ان الاسلام مدين بانتشاره للسيف. ولكن الوقائع والارقام، كما دوّنت في وضح التاريخ، تشير إلى عكس ذلك تماما. فالحقيقة هي ان الاسلام انتشر، لا بالسيف، ولكن برغم السيف. إن أيما دين لم يتكشّف قط عن مثل هذه البسالة. لقد سلّت السيوف على الاسلام من كل حدب وصوب، ولكنها بدلا من أن تهلكه ساعدت، إذا جاز التعبير، على نشره. لقد شنّت على المدينة ثلاث حملات متعاقبة، ابتغاء إبادة الاسلام، وكل منها أعنف من سابقتها وأقوى. ولكن ما كانت النتيجة؟ هل أوهنت قوة الاسلام بأية حال؟ على العكس، فنحن نلاحظ في كل مرة تزايدا في عدد المسلمين المعبّأين للقتال.

ففي معركة بدر كان الجيش الاسلامي مؤلفا من ثلاثمئة رجل ليس غير، على حين ارتفع عدده بعد عام واحد، في معركة أحد، إلى سبعمئة، وأخيرا ارتفع ذلك العدد، في معركة الاحزاب، فبلغ نحوا من ألفين.

وهكذا نشهد نموا في قوة الاسلام يتناسب واستفحال سورة الهجوم عليه. يعني ان ازدهار الاسلام كان يتعاظم كلما قويت المحاولة الرامية إلى سحقه، وأن قدمه كانت تزداد رسوخا كلما تنافس أعداؤه في السعي إلى كبته. ويوما بعد يوم اشتد ساعد الاسلام. لقد عجزت أيما عاصفة عن استئصاله، وعجزت ايما سموم عن تصويحه. كانت يد الله تعمل على دعمه.

وكان قد انقضى على معركة الاحزاب نحو من عام عندما رأى الرسول نفسه، في ما يرى النائم، يؤدي فريضة الحج، مع أصحابه، في

الكعبة. لقد خيّل للمسلمين ان قريشا، وقبائل البدو التي بذلت أقصى جهدها لمقاومة الاسلام، قد أكبرت فيه قوته الفطرية. وظنوا كذلك ان القوم قد أعجبوا بصدق الاسلام، ومن أجل هذا لن يتعرضوا للمسلمين وهم يؤدون فريضة الحج. وفوق ذلك، فقد كان حجّ البيت حقا لم ينكر قطّ حتى على ألدّ الخصام. ومن هنا لم يكن ثمة أيما سبب يدعو القرشيين إلى اعتراض سبيل المسلمين. وهكذا خرج الرسول في السنة السادسة للهجرة، على رأس ألف وأربعمئة من صحابته، يريد الحج إلى مكة. وقد حظر على أصحابه، حذر أن يسيء القرشيون فهم دوافعه، ان يحملوا سلاحا. وكان خليقا بهذا أن يطامن شكوك القرشيين ويؤكد لهم نيات المسلمين السلمية. كانت السيوف المغمدة هي كل ما أجيز للمسلمين حمله. وكان السيف، في تلك الايام، شيئا عاديا يحمل على نحو موصول، مهما يكن الأمن مخيّما على الربوع.

وساق المسلمون معهم الهدي [سبعين بدنة*] ، جريا على مألوف عادتهم، وانطلقوا كلهم- وعدّتهم كما ذكرنا ألف واربعمئة- نحو مكة. حتى إذا أمسوا على مقربة دانية من مكة ألفوا قريشا على استعداد لأن تصدّهم عنها بقوة السلاح. وحمل بديل [بن ورقاء] ، زعيم خزاعة- ولم يكن مسلما ولكنه كان يستشعر للاسلام مودة- هذا النبأ إلى الرسول، فكلفه أن ينقلب إلى قريش ليعلمها ان المسلمين أقبلوا ليؤدوا فريضة الحج لا ليقاتلوا. واقترح الرسول أيضا على قريش عقد صلح بينه وبينها إلى أجل بعينه. ومن ثم توقف المسلمون في الحديبية، على مسيرة يوم من مكة.

وحمل بديل الرسالة إلى قريش. ونزعت العناصر الاكثر تعقّلا وخبرة إلى قبول ما عرضه الرسول من الصلح. فقد كانت لديهم أسباب وجبهة تدعوهم إلى الاعتقاد بأنهم عاجزون عن انزال ايما اذى بالاسلام.

__________

(*) البدنة: الناقة المسمنة. (المعرب)

كانوا قد بذلوا قصارى جهدهم غير مرة، في تلك السبيل، ولكن على غير طائل. وإلى هذا، فأن عقد الصلح خليق به أن يمكّنهم من استئناف التجارة مع الشام، تلك التجارة التي عطّلت بسبب الحرب مع المسلمين المسيطرين على طريقها. وهكذا أوفد القرشيون عروة [ابن مسعود الثقفي] سفيرا يفاوض المسلمين في شروط الصلح. وخلال المناقشة قال عروة ان من الخير للرسول أن لا يطمئن إلى أصحابه اطمئنانا كثيرا، لأنهم سوف ينصرفون عنه في سهولة ويسر إذا ما ألمّ به خطب. فثارت ثائرة ابي بكر لدن سماعه هذا الكلام، وصاح به [منكرا ان ينصرف الناس عن رسول الله] وعامله في شيء من القسوة.

واتفق ان أذّن لصلاة العصر وعروة هناك ما يزال. حتى إذا قام الرسول يتوضأ شاهد عروة أصحاب الرسول يبتدرون وضوءه فلا يدعون نقطة من الماء الذي توضأ به تسقط على الارض. إلى هذا المدى قادهم حبّهم لشخص الرسول. والواقع أن هذا المشهد ترك في نفس عروة اثرا عميقا. صحيح ان المفاوضات أخفقت آخر الأمر، ولكن عروة حمل إلى قريش انطباعته عن الاحترام العظيم الذي أكنّه الصحابة للرسول.

لقد قال لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، [والنجاشيّ في ملكه] وإني والله ما رأيت [ملكا] في قوم قط مثل محمد في أصحابه. [لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا، فروا رأيكم.] »

وبعث الرسول إلى قريش بموفد آخر، ولكنهم أساؤا معاملته، وعقروا جمله. ليس هذا فحسب، بل لقد خرجت سريّة قرشية مسلحة ابتغاء أخذ المسلمين على حين غرّة، ولكن المسلمين أسروهم.

وأيا ما كان فسرعان ما خلّى الرسول سبيلهم جميعا لأنه لم يأت ابتغاء القتال. وأخيرا عهد إلى عثمان [بن عفان] في مفاوضة قريش،

فاحتجزته قريش لديها. وسرت شائعة تقول إن عثمان قتل. وشرع المسلمون يعتقدون ان قريشا مصممة على القتال. لقد كان الموقف موقفا حرجا. فالمسلمون عزّل من السلاح تقريبا، وعددهم أقلّ من عدد القرشيين بكثير. كانت قريش تتمتع دونهم بكل مظهر من مظاهر التفوق والامتياز. ولكن يا للايمان الراسخ بالرعاية الالهية! فحين أخفقت المفاوضات كلها، وبدا تصميم العدو على سفك الدم، لم يكن لمسلم أن ينقلب على عقبيه. ودعا الرسول أصحابه اليه ليبايعوه من جديد، بالنظر إلى حرج الموقف إلى حدّ بعيد، على القتال حتى آخر رجل فيهم، دفاعا عن الدين. فبايعوه تحت شجرة ما، مجاورة، وملء نفوسهم البشر والابتهاج. وإنما تعرف هذه البيعة، في التاريخ، ب «بيعة الرضوان» . ولقد كانت عملا باسلا من أعمال التضحية بالذات في سبيل الحق، يعزّ نظيره، كما كانت حدثا بارزا في تاريخ الاسلام. وبعد وفاة الرسول، أخذ الناس يكثرون من الاختلاف إلى تلك الشجرة التي أحيت ذكرى ذلك القرار البطوليّ. فلم يكن من عمر، الخليفة الثاني، إلا أن أصدر أمره بقطعها مخافة أن تضفي عليها سلامة النية، آخر الأمر، ضربا من القداسة. إلى هذا الحد انتهت غيرة المسلمين الأولين على مبدأ وحدانية الله. فلم يكن في ميسورهم أن يتسامحوا بكل ما له نكهة كنكهة الوثنية، أيا ما كانت أهميته أو طرافته التاريخية.

وكان في عزم المسلمين على اراقة آخر نقطة من دمهم دفاعا عن دينهم ما ردّ قريشا إلى صوابها. والحق ان تجربتها الماضية نفعتها في هذا المجال. فقد أمسى في ميسورها الآن أن تدرك ما يعنيه مثل هذا القرار يتخذه المسلمون. وكان في امكانها ان تستشف الكارثة العظمى المدّخرة لها إذا ما جدّ الجد، برغم ان المسلمين كانوا عزّلا من السلاح، وكانوا دون عدوّهم عددا. وحملها ضعف معنويّتها هذا

على ايفاد رجل منها، سهيل بن عمرو، إلى الرسول لاستئناف المفاوضات، [وقالت له: إئت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا ان يرجع عنا عامه هذا. فو الله لا تحدّث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا] . وتوصل الفريقان [بعد مفاوضات طويلة] إلى الاتفاق على شروط صلح يقرّ السلام بينهما عشر سنوات. واليك أهم مواد تلك المعاهدة:

1. يرجع الرسول عامه ذاك فلا يؤدي فريضة الحج.

2. يجوز للمسلمين ان يفدوا في العام القادم على مكة، ولكن لا يجوز لهم ان يلبثوا في مكة أكثر من أيام ثلاثة.

3. لا يحق للمسلمين ان يصطحبوا أيا من المسلمين المقيمين في مكة، ولا ان يعترضوا سبيل أيما امرئ منهم قد يرغب في التخلف في مكة.

4. من أتى محمدا من قريش من غير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع محمد لم يردّوه عليه.

5. من أحب من العرب ان يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

حتى إذا شرعوا في تدوين نصوص الاتفاق استهل عليّ العهد، وكان هو المكلّف بالكتابة، بهذه الكلمات: «بسم الله الرحمن الرحيم» .

فاعترض سهيل على افتتاح الوثيقة بهذا الاستهلال الاسلامي، مصرّا على اصطناع الصيغة التقليدية الشائعة منذ عهد بعيد في بلاد العرب، أعني «باسمك اللهم.» فقال رسول الله لعلي: «اكتب باسمك اللهم» . [ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.» ] فاعترض سهيل على ذلك قائلا: «أمسك، لو شهدت انك رسول الله لم أقاتلك. ولكن اكتب اسمك واسم

أبيك.» ولكن عليا قال انه لن يشطب كلمتي «رسول الله» بيده هو. اما الرسول فلم يعلق أية أهمية على مثل هذا التفصيل التافه، فسأل عليا ان يدله على موضع الكلمتين المختلف عليهما. حتى إذا دلّه عليّ عليهما محاهما بيده هو وأملى بدلا منهما: «محمد بن عبد الله» .

لقد أثارت شروط الصلح اشمئزاز المسلمين إثارة بالغة، ولكنهم لزموا الهدوء احتراما منهم لموقف الرسول. وفي غضون ذلك أقبل على المسلمين أبو جندل بن سهيل [بن عمرو] . كان قد اعتنق الاسلام في مكة، وكانت قريش قد عذّبته بسبب من ذلك.

وأخيرا وفّق إلى الفرار من أيدي مضطهديه، وكان قد أقبل الآن إلى معسكر المسلمين متوقعا، طبعا، أن يلقى ثمة ترحيبا حارا. لقد أظهر المسلمين على آثار التعذيب في جسده، فتأثر الرسول لمشهدها، وحاول أن يدخل على المادة الرابعة من الاتفاقية تعديلا يكون في مصلحة أبي جندل. ولكن سهيلا أبى في عناد، وهكذا تعيّن على الرسول أن يذعن. وحرّكت محنة أبي جندل مشاعر المسلمين تحريكا بالغا. انهم لم يطيقوا ان يروا اليه يعاد إلى أشداق الاضطهاد. وبلغ التأثر بعمر ابن الخطاب حدا جعله أعجز من أن يضبط نفسه. فراح يجادل الرسول، ناطقا بلسان جمهرة المسلمين جميعا. لقد سأله: «ألست برسول الله؟» قال: «بلى» . قال: «أولسنا بالمسلمين؟» قال: «بلى» قال: «اوليسوا بالمشركين؟» قال: «بلى» . قال: «فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟» قال: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره [ولن يضيعني] .» فسأله عمر: «ألم تقل لنا إننا سوف نؤدي فريضة الحج؟» فأجابه الرسول: «أنا لم أقل لكم اننا سوف نؤدي فريضة الحج هذا العام.» وعلى النحو نفسه جادل عمر ابا بكر في الموضوع

نفسه، فكان جواب ابي بكر إن الرسول لا يخالف أمر الله في كل ما يفعله.

وبكلمة موجزة، استشعر المسلمون قلقا عظيما من جراء ابي جندل ولكنهم لم يغيّروا من الأمر شيئا. ولاحظ الرسول ان هذه المحنة تنطوي على امتحان حاسم لعهد المسلمين ووعدهم، وان عليهم ان يحترموا كلمة الشرف التي أعطوها، مهما كلّفهم ذلك. ثم إنه واسى ابا جندل أيضا قائلا له: «إصبر واحتسب فأن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين مخرجا.»

حتى إذا انقلب الرسول إلى المدينة نزل الوحي على الرسول [بسورة الفتح، فتلا على أصحابه] قوله تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً.» *

إن ما اعتبره المسلمون صالحا شائنا كان في عيني الله نصرا حقيقيا.

وعلى التوّ دعا الرسول عمر بن الخطاب ليزفّ اليه النبأ السعيد. وأوجس عمر في نفسه خيفة، ذلك بأنه كان قد انفعل أكثر مما ينبغي في نقاشه مع الرسول حول شروط الصلح، فحسب أنه إنما دعي لكي يلام على ما بدر منه ويؤنّب. ولكنه لم يكد يدخل على الرسول ويسمع الوحي الالهي حتى تبدّل خوفه بهجة. وسأل عمر الرسول: «هل نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية؟» حتى إذا أجابه الرسول أن نعم آمن مع غيره من المسلمين بأن ذلك الصلح كان في الحقيقة نصرا لهم.

كان كل امرئ، حتى ذلك الحين، ناقما على شروط المعاهدة المخزية؛ أما الآن فقد أمست سورة الفتح على كل شفة ولسان. والواقع

__________

(*) السورة 48، الآية 1- 3.

أن تجاربهم في الماضي أقنعتهم بصدق الوحي. كان تاريخ الاسلام مفعما، حتى تلك الفترة، بأحداث مماثلة.

والحق ان الايام أثبتت ان صلح الحديبية كان هو انتصار الاسلام أيضا. يدلك على ذلك ان الرسول، حين وفد على مكة بعد عام ونصف عام، رافقه عشرة آلاف من صحابته بدلا من الف واربعمئة وهو عدد من كان معه زمن ذلك الصلح. فكيف نعلل هذا الازدياد العظيم في عدد المسلمين؟ الواقع ان حالة الحرب التي سادت حتى ذلك الحين بين المسلمين والمشركين كانت قد أقامت بينهما برزخا عريضا. كان الحقد العام على الاسلام قد حال بين العرب وبين الامتزاج بالمسلمين، ومن هنا لم تتح لهم أيما فرصة للاحتكاك بالمسلمين، والتعرّف إلى الفضائل الاسلامية. فاذا بصلح الحديبية يعقد ما بين الفريقين- للمرة الاولى منذ انبثاق الحركة الاسلامية، ولمدة من الزمن غير يسيرة- جسرا على ذلك البرزخ القديم. لقد أتاح ذلك للمشركين فرصة التفكير الهادئ في فضائل الاسلام الفطرية. فأدركوا كيف هذّب جميع اولئك الذين تأثروا بسلطان الرسول الاخلاقي ورفعوا إلى صعيد أسمى. إن من طبيعة النفس البشرية أن يعمى المرء عن رؤية محاسن من يضمر لهم العداء ولو في أوهن أشكاله. وكان العرب قد عقدوا العزم على إبادة الاسلام، فهم في وضع لا يساعدهم على ان يقدروا تعاليم الاسلام حق قدرها.

أما وقد أزبل ذلك الحاجز الآن، واستؤنف الاتصال السويّ بالمسلمين فقد أمسوا في مركز يمكّنهم من ان يدرسوا أخلاق المسلمين وعاداتهم.

لقد تلاشت جميع انطباعاتهم الخاطئة عن الرسول، تلك الانطباعات التي خلقتها العداوة والبغضاء. وأدركوا بأنفسهم أنه لم يكن براغب في قطع صلة الرحم ولا بمثير للشقاق أو متاجر به، كما توهموا من قبل.

لقد تجلّى لهم الآن نبل طبيعته وجمال أخلاقه. وأدركوا انهم كانوا ضحية التمويه والتضليل، وان شخصية الرسول كانت أسمى بكثير مما

صوّرت لهم. والواقع ان عددا كبيرا منهم أعجبوا بسموّ مثل الرسول العليا وطهارة مسالك أصحابه، فدخلوا في الجماعة الاسلامية. وهكذا تحقق الوحي الالهي الذي أنزل على الرسول في طريق عودته من الحديبية: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.» * لقد محيت جميع الذنوب التي عزاها الحقد اليه، فتكشّفت للقوم، كرة أخرى، شخصيته الفاتنة بكامل الغنى المميّز لجمالها. وقوله تعالى «وما تأخّر» ينطوي أيضا على وعد خاص بالمستقبل. فهذه الكلمات النبوئية تعلن ان كل اتهام ضده، في المستقبل، لن يجاز له أن يصمد؛ لا، إنه سوف يتهافت هو الآخر، كما تهافتت الاتهامات السابقة. وليس على المرء إلا أن يلاحظ التغير اليومي الطارئ على نظرة اوروبة إلى الرسول حتى يدرك صحة هذا الجزء من الآية القرآنية. فالصورة الكاريكاتورية البشعة التي رسمها الاوروبيون له حتى الآن، سواء من طريق الجهل أو التضليل، تخضع اليوم- من ذات نفسها- لتغير ملحوظ. ان اوروبة لتدرك، يوما بعد يوم، نبل شخصيته وصفاءها. ولا بدّ أن يقرّ الناس، عاجلا أو آجلا، إقرارا جماعيا بسمو حياة الرسول، كما تنبأ القرآن. ومثل هذا الاقرار يجب ان يتمّ اليوم، كما تمّ من قبل، في أعقاب سلم شامل. أما وقد أشبع الآن نهم اوروبة إلى التوسع الإقليمي فقد أمسى في ميسور المرء أن يرجو انبثاق عهد من المثالية جديد. ان اتصال اوروبة بالاسلام قد غدا أوثق من ذي قبل، ولقد حان الوقت لأن يؤدي هذا الاتصال إلى تحريرها من فكراتها الخاطئة عن الاسلام، فتدرك، شأن أعداء الرسول قبل ثلاثة عشر قرنا، ان وجه الاسلام الوسيم بريء من أيما وصمة الصقها به الحقد والضغينة. انها قد تدرك، خلال بحثها الحاليّ عن الضياء الذي تفتقده في معتقداتها،

__________

(*) السورة 48، الآية 2.

أن خلاصها كامن في ذلك الاسلام نفسه الذي دأبت منذ البدء على تصويره بألوان ليس أشدّ منها قتاما. عجيبة هي طرائق الله، فلا غرابة إذا ما أعاد تاريخ الاسلام نفسه. إن اولئك الذين عقدوا العزم على إبادته قد يسحرهم، عما قريب، سلطانه الاخلاقي كالذي حدث عند عقد صلح الحديبية. ومن يدري فقد تتجلّى قوة الله كرة أخرى، فاذا بما يبدو اليوم- وفقا لكل تقدير بشريّ- وكأنه قهر نهائيّ للاسلام ينقلب غدا ليصبح انتصار الاسلام الحقيقي.

إن قبول الرسول لمثل هذه الشروط القاسية [التي انطوى عليها صلح الحديبية] لم يكن خلوا من حكمة الهية. فالحادثة نفسها شهادة بليغة على ان الرسول كان شديد المقت للحرب. كان المسلمون، حتى ذلك الحين، هم أصحاب اليد العليا في مختلف النزاعات التي نشأت بينهم وبين قريش. إنهم لم يعرفوا الهزيمة مرة واحدة قط، برغم تألب القبائل كلها عليهم وتعاونها ضدهم. لقد اعتبروا تلك الشروط ماسة بكرامة دينهم، وأصرّوا على رفضها. وكانوا قد أقسموا ليقاتلنّ حتى آخر رجل فيهم دفاعا عن شرف الاسلام. ومع ذلك، نجد الرسول- في حيثما بدا له اضأل دليل على جنوح العدو للسّلم- يرحب بتلك البادرة ترحيبا قلبيّا. إن المسلمين لم يهزموا، ولكن أحكام المعاهدة بدت وكأنها تعاملهم بوصفهم الفريق المغلوب، ومع ذلك قبلها الرسول. أفيمكن لمثل هذا الموقف أن يكون موقف رجل وطّن النيّة على التحكّم بالآخرين والاستبداد بهم، كما يزعم الزاعمون؟ أليس ذلك برهانا قاطعا على مدى حب الرسول للسلم وتعلّقه به؟ إن القرآن أيضا ليوصي بضرورة اتخاذ هذا الموقف نفسه حين يقول: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.» *

__________

(*) السورة 8، الآية 61.

ولكن ما كانت، على أية حال، ثمرة الصلح الذي بدا مذلا حتى في أعين المسلمين أنفسهم؟ هل وضع حدا لدخول الناس في الدين، في مكة؟ لقد كان خليقا بذلك الصلح، وفقا لكل منطق بشريّ، أن يفضي إلى ذلك. ذلك بأنه كان برهانا جديدا على عجز المسلمين وقلة حيلتهم. كان في ميسور الداخلين في الدين، حتى ذلك الحين، ان يعتمدوا على العون يأتيهم من اخوانهم المسلمين في المدينة. ولكن المسلمين حرموا، بحكم شروط الصلح، حقّهم في نجدة معتنقي الدين الجديد، الذين كانوا في قبضة ظالميهم ومضطهديهم.

ليس هذا فحسب، بل لقد أمسوا عاجزين عن إيواء هؤلاء المؤمنين الجدد إذا ما وفّقوا للفرار بأنفسهم إلى المدينة. إنه لعزاء عظيم للمرء أن يجد نفسه، في أيام المحنة، بين فريق من أصدقائه، برغم ان اولئك الاصدقاء أنفسهم قد لا يكونون في حال أفضل. إنه لمما يسريّ عن النفس أن يكون معهم في مركب واحد، كما يقولون.

ولكن حتى مصدر السلوان الأخير هذا أنكره صلح الحديبية على الداخلين حديثا في الاسلام. فكيف يجد امرؤ في نفسه الجرأة، في ظل تلك الأحوال، على اعتناق الاسلام؟ كان المسلم يخضع، في موطنه [مكة] ، لضروب من العذاب رهيبة، ولكنه لم يعدّ يطمع في أن ينعم، الآن، في المدينة نفسها، بحال أفضل. إن ما أصاب أبا جندل لا يزال ماثلا في أذهان القوم، وخليق به ان يوهن عزيمة أكثر الناس حماسة. والواقع ان مثل هذا الوضع كان ينبغي أن يضع حدا لتقدّم الاسلام. ولكن أليس مما يروع المراقب ان يكون الضياء الاسلامي قد انتشر- على عكس ذلك- في هذه الفترة بالذات بسرعة تبلغ عشرة أضعاف سرعته السابقة؟ فما هو اذن الاستنتاج المنطقي الوحيد؟ إنه ليس شيئا أكثر من هذا: إن قيمة الاسلام الجوهرية لترجح رجحانا عظيما شبح التعذيب والاضطهاد

على اختلاف ضروبهما. إن جمال الاسلام الفاتن لينسي محبّه جميع الآلام التي قد يجرّها اعتناقه عليه. لقد عجز التنكّر في المدينة، بقدر ما عجز الاضطهاد في مكة، عن تثبيط همّتهم، فاذا بالآلام والمحن تتلاشى أمام حبّهم للحقيقة على نحو استغرق كل شيء. وتلك مناسبة أخرى تغري الناقد بالتأمّل والتفكير. أيتعيّن عليه أن يدعو هذا الوضع انتشار الاسلام بالسيف، أم انتشار الاسلام برغم سيف العدو؟

وحذا عتبة، وهو رجل جريء آخر اعتنق الاسلام فعذبته قريش من غير رحمة، حذو ابي جندل، ففرّ ناجيا بنفسه إلى المدينة. عندئذ عهدت قريش إلى رجلين اثنين في تعقّب آثاره، فطلبا إلى الرسول ردّه، وفقا لأحكام صلح الحديبية. فلم يكن من الرسول إلا أن أشار عليه، كما أشار على أبي جندل من قبل، أن ينقلب عائدا إلى مكة. فاحتج عتبة في دهش، قائلا: «يا رسول الله أتردّني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟!» ذلك وضع حرج جديد: - عتبة يتضرع باسم الدين، من ناحية، وقريش نصرّ على تنفيذ المعاهدة، من ناحية أخرى. وهذه المرة كان مركز الرسول، بوصفه في المدينة، أشدّ منعة مما كان في قضية ابي جندل بالحديبية، يوم كان المسلمون حفنة ليس غير ... حفنة عزلاء من السلاح أيضا. ولكن قانون الشرف النبوي لا يجيز نقض العهد في استخفاف، حتى ولو أفضى ذلك إلى ارتداد مسلم عن دينه.

وقال الرسول للرجل: «لا مناص لنا، يا عتبة، من ردّك إلى قريش.

وإن الله لجاعل لك مخرجا.» إن احترام الرسول لعهده الذي قطع لرائع، ولكن حب عتبة للاسلام ليس أقل روعة. ما الذي يدعوه إلى المبالاة بالاسلام، بعد، وقد ردّه الرسول نفسه إلى أيدي المشركين؟ ولكنه لا يجيز لنفسه، وهو المفتون بسحر الاسلام،

أن يتساءل لماذا يفعل الرسول ذلك. وهكذا نزل عند ارادة الرسول، في اذعان لا يعرف التردد، ورافق الرجلين المكيّين عائدا إلى حيث كان الموت ينتظره ويحدّق إلى وجهه عن كثب. لم تكن ثمة قوة أرضية تقيه غيظ قريش، وكانت غريزة حفظ الذات تكرهه على النجاة بنفسه. لقد قال في ذات نفسه إن عليه، أيا ما كانت النتائج، ان يضرب الضربة التي تنقذ حياته. وهكذا اغتنم فرصة ملائمة أتيحت له فقتل واحدا من حارسيه، على حين ولى الآخر الأدبار فرارا من الموت. ولكن المدينة كانت لا تزال أرضا محرّمة عليه. إن عليه ان يبحث عن مفزع له في مكان آخر. وهكذا نزل العيص على ساحل البحر [في طريق قريش إلى الشام] ، وكان شبه منطقة محايدة.

ومن ثم فزع سائر المسلمين المضطهدين في مكة، والذين أوصدت في وجوههم أبواب المدينة، إلى الموطن نفسه، فإذا به ينمو، شيئا بعد شيء، ليصبح آخر الأمر مستوطنا كبيرا للاجئين المسلمين. ولم يكونوا ثمة بخاضعين لأحكام صلح الحديبية. وسرعان ما أوقعت قوّتهم النامية الذعر في قلوب القرشيين، الذين خافوا ان يعمد هؤلاء المسلمون، في يوم من الايام، إلى اعتراض طريق تجارتهم مع الشام. وهكذا رأوا ان من الخير لهم أن ينسخوا المادة التي فرضت إعادة الفارين من مكة [إلى مكة] ، إذ وجدوا ان مثل هذا النّسخ خليق به أن يضعف مستوطن «العيص» إضعافا كبيرا.



كلمات دليلية: