صلح الحديبية_14060

صلح الحديبية


دروس وعبر

:

1 - هذه النماذج من وفود العرب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُسلِمين، توضح مدى نجاح دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وانتشار الإِسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وتوحيدها تحت راية الإيمان وتوحيد الله.

2 - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُعطي من حسن الخلق ما جعله يستوعب النماذج المختلفة، من الرجال والمواقف والأقوال، ويكسب حبها جميعًا، ويحسن التعامل معها، ويُقَدِّر رجالاتها، ويهيء لهم الضيافة والاستقبال، ويمكنهم من التعلم والفقه في الدين، ثم يحسن صلتهم وجوائزهم إِذا رجعوا إِلى بلدانهم، ويزودهم بالوصايا والآداب الإِسلامية التي جعلت منهم نماذج حية لمن وراءهم، في قبول الإِسلام والعمل بأحكامه وآدابه.

3 - مدح صفة الحلم والآناة وأن الله يحبهما، وضدهما الطيش والعجلة وهما خلقان مذمومان (1).

4 - التأني والصبر في الدعوة إِلى الله، وأن لا يعجل بالعقوبة والدعاء على العصاة (2).

5 - قال ابن القيم: وإِقرار الكاهن الكتابي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي لا يدخله في الإِسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته. قال: ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين للنبي بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإِسلام، علم أن الإِسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة والإِقرار، بل المعرفة والإِقرار، والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا (3).

__________

(1) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 608.

(2) المصدر نفسه 3/ 627.

(3) المصدر نفسه 3/ 638.

,

دروس وعبر

:

تضمنت صلح الحديبية حكمًا وفوائد جمة، قال عنها ابن القيم: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إِلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده (3).

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 210، 213. محمد البوطي، فقه السيرة 319.

(2) سورة الفتح، آية 18 - 19.

(3) زاد المعاد 3/ 309.

ومن تلك الدروس والحكم:

1 - توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى مكة معتمرًا وهي بأيدي الكفار وتحت سلطانهم هو من باب السياسة الشرعية، ويعرف في السياسة المعاصرة بقلب الطاولة على العدو وإِحراجه في المفاوضات، فإِن قريشًا تدعي حماية البيت واحترام من جاءه حاجًا ومعتمرًا فكيف تصد المسلمين وهم جاءوا عمارًا؟

2 - ذهب أكثر أهل العلم إِلى أن مقدار المدة التي تجوز بها مهادنة المشركين لا تزيد على عشر سنين، وتجدد إِن كان هناك ضرورة أو مصلحة عليا للأمة يراها الإِمام (1).

3 - في معارضة بعض الصحابة لصلح الحديبية في أول الأمر، نأخذ منه اتهام العقل أمام النصوص الشرعية، والحذر من معارضة نصوص الشرع بالعقل والرأي (2).

4 - من فوائد الصلح اعتراف قريش بالدولة الإِسلامية، حيث جلست معهم وعاملتهم معاملة الند للند (3).

5 - تحييد قريش وتوقيف الصراع معها، وتفرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - للدعوة، ومراسلة ملوك الأرض، وكذلك تفرغه - صلى الله عليه وسلم - لتصفية وكر التآمر اليهودي في خيبر (4).

6 - لقد كانت الحديبية ابتداء الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع بين الطرفين من الأمن ورفع الحرب، فتمكن من يخشى قريشًا من الدخول في الإِسلام الوصول إِلى المدينة، ثم تتابعت الأسباب إِلى أن كمل الفتح بفتح مكة (5). قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} (6).

__________

(1) حافظ حكمي، مرويات غزوة الحديبية 283.

(2) حافظ حكمي، مرويات غزوة الحديبية 301، زيد الزيد، فقه السيرة 539.

(3) أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة 2/ 450.

(4) زيد الزيد، فقه السيرة 544.

(5) ابن حجر، فتح الباري 7/ 506.

(6) سورة الفتح، آية 1.

7 - فضل من شهد بيعة الرضوان، وفضل عثمان - رضي الله عنه - الذي حصلت لأجله تلك البيعة (1).

,

دروس وعبر

:

1 - فضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأنه أول أمير للحج، وبهذا مضت السنة بتأمير من يقيم للناس الحج ويقود الحجيج في هذه الشعيرة العظيمة.

2 - إِبلاغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنزل الله إِليه من وجوب منع المشركين من قربان المسجد الحرام، وأن يكون الحج ومشاعره خالصا للمسلمين لا يشركهم فيه أحد من المشركين، ولذا أرسل بها عليًا بعد خروج الصديق إِلى مكة، فناديا بذلك طيلة أيام الحج حتى تم البلاغ وقامت الحجة بذلك.

3 - بيان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في أداء نسك الحج وهو القائل: خذوا عني مناسككم.

4 - التأكيد على أصول الدين وثوابته، وإعلان الحقوق الشرعية للإِنسان رجلًا أو امرأة.

__________

(1) الزعيم: الكفيل.

(2) انظر: حجة الوداع لابن كثير، تحقيق خالد أبو صالح، دار الوطن ط/1، 1416 هـ.

5 - تحريم التقاليد والعادات الجاهلية والالتزامات المترتبة عليها، وأنها كلها موضوعة.

6 - التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض.

7 - وجوب طاعة ولي الأمر، ولزوم الجماعة، والتحذير من التفرق، والاختلاف، والحرص على الوحدة والائتلاف والتعاون على البر والتقوى.

,

الثاني: حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها).

وقصة هذه الحادثة أن عائشة - رضي الله عنها - كانت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلق، فلما انتهت الغزوة أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل، وفي إِحدى مراحل الطريق رَحَل القوم ليلًا، فجاء الرجال الموكلون برحلها فحملوا الهودج ويظنوها به بينما هي قد ذهبت تقضي حاجتها، وفقدت عقدًا لها فأخذت تبحث عنه، فلما عادت عائشة - رضي الله عنها - وجدت الناس قد ارتحلوا، فجلست في مكانها لعلمها أنهم إِذا فقدوها سيرجعون إِليها، فجاء الصحابي الأمين صفوان بن المعطل السلمي في الصباح، على راحلته، وكان قد أخذه النوم فتأخر عن الجيش، فلما رأى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، قال: إِنا لله وإِنا إِليه راجعون، ثم قرب إِليها راحلته فركبت وسار بها حتى لحق الجيش، فلما رأى المنافقون -قاتلهم الله- هذا المنظر، تكلموا في عِرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستطالوا في ذلك وزَلَّت بعض الأقدام، واهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك، واحتبس عنه الوحي في هذا الشأن شهرًا كاملًا، ثم نزل الوحي ببراءة أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، فاضحًا المنافقين الذين تطاولوا على عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1).

وقد بينت الآيات في سورة النور حقيقة ما حصل، والآداب التي ينبغي للمسلمين أن يتأدبوا بها في مثل هذه الحوادث (2).

__________

(1) سورة النور آية 11.

(2) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 496.

,

دروس وعبر

:

1 - لقد عززت هذه الغزوة مكانة المسلمين وهيبتهم بين القبائل العربية الأخرى التي كانت تفكر في غزو المدينة النبوية (1).

2 - زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، ابنة زعيم بني المصطلق، فيه من الحِكم الدعوية العديدة، ومن ذلك حفظ كرامة هذه القبيلة العربية التي تعرضت للأسر، وما ترتب على ذلك من تسابق الصحابة في إِطلاق سراح أسرى بني المصطلق، أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، وما نتج عن ذلك من إِسلام هذه القبيلة، بسبب هذا الزواج المبارك (2).

3 - حكمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع الشجار الذي حصل حول ماء المريسيع، وأَمْرُهُ النَّاسَ بالمسير، حتى ينشغلوا عن الحديث، وتوليد الكلام، في أمرٍ من أمور الجاهلية، والعصبية القبلية إِلى الاشتغال بأنفسهم (3).

4 - أن عقيدة الولاء والبراء هي التي تحكم تصرفات المسلم، وعلاقته مع الآخرين، ويظهر ذلك في موقف الصحابي الكريم عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، من والده المنافق، وفيه بيان أن رابطة العقيدة مقدمة على جميع الروابط الأخرى.

5 - أما حادثة الإِفك فإِنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإِيذاء والمحن التي لقيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4)، ذلك من أجل تحطيم شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصرفه عن الدعوة بأي وسيلة، حتى ينشغل عن الدعوة إِلى الله بأهل بيته.

__________

(1) زيد الزيد، فقه السيرة 477.

(2) محمَّد أبو شهبه، السيرة النبوية 2/ 253؛ إِبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق 351.

(3) محمَّد البوطي، فقه السيرة 284.

(4) المرجع السابق 285.

6 - وفي حادثة الإِفك بيان لبشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إِذا يجري عليه من الابتلاء ما يجري على سائر الناس (1). قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (2).

7 - في الحادثة بيان أن الوحي الإِلهي ليس شعورًا نفسيًا، أو أمرًا خاضعًا لإِرادته - صلى الله عليه وسلم - كما يدعي الذين لا يعلمون، وإِلا لكان من السهل على المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن ينهي تلك المعاناة في مهدها، دون أن ينتظر شهرًا كاملا من الألم هو وأهل بيته عليه الصلاة السلام (3).

8 - في حادثة الإِفك درسٌ في أهمية التثبت والتعامل مع الإشاعات، والتي لم ينج منها ومن شرها أي مجتمع على مر التاريخ (4)، قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (5).

9 - يلاحظ اهتمام القرآن بذكر أوصاف المنافقين والإِعراض عن أسمائهم، وفي هذا إِشارة إِلى أن هذا النوع من البشر يتجدد وجوده في كل عصر (6).

10 - وعن تأخر الوحي شهرًا كاملًا يقول ابن القيم رحمه الله: (لتتم العبودية المرادة من الصِّدِّيقة، وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، لتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها، والافتقار إِلى الله والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع

__________

(1) إبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق 353.

(2) سورة الكهف، آية 110.

(3) محمَّد البوطي، فقه السيرة 287.

(4) زيد الزيد، فقه السيرة 486.

(5) سورة النور، آية 12 - 13.

(6) زيد الزيد، المرجع السابق 482.

رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النُصرة والفرج على يد أحد من الخلق ... وأيضًا فإِن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامته عليهم، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون لرسول الله فيه عمل، ولا ينسب إِليه، بل يكون هو وحده المتولي لذلك ... وأيضًا فإِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان هو المقصود بالأذى الذي رميت به زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها) (1).

11 - إِجماع العلماء على كفر من قذف عائشة - رضي الله عنها - مما برأها الله سبحانه وتعالى منه؛ لأن القرآن نزل ببراءتها، فمن قذفها فقد كذب بشيء من القرآن، والعياذ بالله. (2).

,

دروس وعبر

:

1 - محبة الصحابة - رضي الله عنهم - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كانوا يخرجون كل يوم ينظرون مقدمه ولا يعودون حتى يشتد عليهم حر الشمس، يقول البراء - رضي الله عنه -: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى جعل الإماء

__________

(1) سورة البقرة آية: 54.

يقلن: قدم رسول الله، هذا رسول الله" (1).

2 - نزول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قباء على كلثوم بن الهدم لأنه كبيرهم. وهذا من حسن الخلق واحترام ذوي الهيئات.

3 - حسن اعتذار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زعماء قبائل الأنصار الذين طلبوا منه النزول عندهم، فكان يقول: "خلوا سبيلها فإِنها مأمورة". أي من الله سبحانه وتعالى وهي معجزة ظاهرة ولا تصرف له مع أمر الله، وبهذا يرضَى الجميع.

4 - المبادرة إِلى بناء المسجد لأنه أهم المؤسسات الإِسلامية، ففيه تقام الصلاة جماعة، ويؤدي وظيفة تعليمية وتوجيهية واجتماعية.

5 - المؤاخاة التي عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، دليل على شمول الإِسلام لأمور الدين والدنيا، ففيها الاهتمام بعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وكان غايتها كما يقول السهيلي: ليذهب عن المهاجرين وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة إلأهل والعشيرة، ويشد أزر بعضهم ببعض (2). والمؤاخاة بين المؤمنين من أعظم النعم التي يذكر بها القرآن الكريم قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} (3)، فنعمة الأخوة ونعمة الإِيمان التي أنقذهم الله بها من النار هي أعظم النعم.

6 - في عقد المؤاخاة ظهر فضل الأنصار وكرمهم ومواساتهم لإِخوانهم من المهاجرين، بل تعدوا ذلك إِلى الإيثار ولو كان بهم خصاصة، فاستحقوا ثناء الله ومدحه لهم.

__________

(1) صحيح البخاري ح 3925.

(2) الروض الأنف 2/ 252.

(3) سورة آل عمران، آية 103.

7 - في المعاهدة التي كتبها النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود يظهر كمال التشريع الإِسلامي الذي ينظم علاقة المسلم مع غير المسلمين الذين يعيشون داخل المجتمع الإِسلامي أو خارجه، كما نظم علاقة المسلم بربه وعلاقته بإِخوانه المسلمين.

8 - وفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث التزم بالعهد، قابله خبث اليهود وسوء طويتهم وعداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين، فقد تتابعوا على الغدر ونقض العهد قبيلة بعد أخرى في زمن وجيز، وقد لاقوا ثمرة غدرهم ونقضهم جزاء وفاقا لسوء عملهم (1).

9 - إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - لليهود كان بعد وقوع الغدر منهم والإِخلال بالعهد الذي وافقوا عليه.

,

دروس وعبر

:

1 - أن الشدائد تطهر الصف المسلم وتنقيه من الخبث، ويتضح ذلك من انسحاب المنافق ابن أبي بن سلول بثلث الجيش، وانكشاف المنافقين المندسين داخل الصف المسلم، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (3).

2 - الحذر من الحرص على الدنيا، وكيف أن فرحة بعض الرماة بالغنائم جعلتهم يتركون أماكنهم وينسون وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (4).

__________

(1) سورة آل عمران، آية 121.

(2) ابن القيم، زاد العاد 3/ 218.

(3) المصدر السابق 3/ 219. والآية 179 من سورة آل عمران.

(4) د. زيد المزيد، فقه السيرة 450. والآية 152 من سورة آل عمران.

3 - معرفة سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصاب المسلمين يوم أحد إِنما هو بشؤم ذلك، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظةً، وتحرزًا من أسباب الخذلان (1).

4 - إِن ما نتج من خبر إِشاعة مقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتردد بعض المسلمين في القتال، ورجوعهم إِلى المدينة، يبين لنا أهمية التثبت في قبول الأخبار، كما يوضح خطورة الإِشاعة على الصف المسلم (2).

5 - أن دين الله لا يتعلق بالأشخاص، وهذا ما نبه الله سبحانه وتعالى المسلمين إِليه، عندما أشيع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قتل، قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3).

6 - أهمية الرجوع إِلى أهل العلم فيما يشكل من الأمور، وهذا واضح من قول الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما نقول؟ في ردهم على أبي سفيان (4).

7 - تحذير الجماعة المؤمنة من الهزيمة النفسية في كل زمان ومكان، وأنها أشد فتكًا بالأمة من الهزيمة المادية، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (5).

__________

(1) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 218.

(2) زيد الزيد، فقه السيرة 452.

(3) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 224. والآية 144 من سورة آل عمران.

(4) زيد الزيد، فقه السيرة 455.

(5) سورة آل عمران، آية 139 - 140.

فجمع لهم في الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إِدالة الكفار عليهم، فأنتم وإن استويتم معهم في القرح والألم، فإِنكم قد تباينتم في الرجاء والثواب، فما بالكم تهنون وتضعفون لما أصابكم يوم أُحد وأنتم قد أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي، في حين أن ما أصاب الكفار يوم بدر كان في سبيل الشيطان (1).

,

دروس وعبر

:

1 - أهمية الجزيرة العربية وموقعها الاستراتيجي، وشرفها العظيم باحتضانها الكعبة المشرفة والبلد الحرام الآمن مكة المكرمة.

2 - نقاء عنصر أهلها، وفصاحة لغتهم ولسانهم، واعتناؤهم بالأنساب ومكارم الشيم.

3 - حفظ الله لحرمه من المستعمر الخارجي، فبقيت فطرتهم محفوظة من التواءات المدنيات ومفاسدها، وذات نقاء يسهل استصلاحها.

4 - كان في العرب جهل وأمية سببت لهم انحرافات في الاعتقاد والتصور، غير أن جهلهم لم يكن جهلا مركبا ومفلسفا، وعندما عرض عليهم الحق أسرع كثير منهم إِلى الاستجابة.

5 - تفرق العرب وانعدام الوحدة السياسية بين أقاليم الجزيرة، وانتشار العصبية القبلية وهي من مظاهر الجاهلية

6 - كان العرب كغيرهم من الأمم يتخبطون في ظلمات الجاهلية، إِنحراف عقدي، وتفكك اجتماعي، واضطراب سياسي، وترد اقتصادي، فكانوا أحوج ما يكونون إِلى من يخرجهم من الظلمات إِلى النور.

,

دروس وعبر

:

1 - طهارة نسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلوه وشرفه بين العرب واصطفاء الله له، فهو خيار من خيار من خيار، فقد بُعِث من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا حتى كان من القرن الذي كان فيه.

2 - فضل الله على أهل مكة وغيرهم بإِنباع الماء المبارك، ماء زمزم، والشرف العظيم الذي حصل لجدّ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حفر زمزم بعد إندراسها.

__________

(1) ذكر قصة النذر ابن إِسحاق في السيرة 1/ 131. من غير إِسناد، وأخرجها ابن جرير في التاريخ 2/ 139 بإِسناد حسن عن ابن عباس. أما حديث "يا بن الذبيحين" فقد أخرجه ابن جرير في التفسير 23/ 85 وقال القرطبي: روي من طريق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ولا يثبت. [أحكام القرآن 15/ 113]. وذكره ابن كثير في التفسير 7/ 35 وقال: غريب جدًا.

(2) عن الذبيح من ولد إِبراهيم من هو: إِسماعيل أو إسحاق؟ انظر: تفسير القرطبي 15/ 113. ومجموع الفتاوى لابن تيمية 4/ 331.

3 - ضلال الجاهلية وفقدهم لمصدر الحق (الوحي) ولهذا يرجعون عند المشكلات إِلى الكهان والعرافين، وإِلى الاستقسام بالأزلام والقداح، وهي وسائل لا توصل إِلى الحق.

4 - ضعف العرب أمام أبرهة وجنوده، بسبب انحرافهم العقدي الذي أفقدهم الاعتماد والتوكل على الله وطلب النصر منه، كما أورثهم الفرقة والاختلاف.

5 - حادثة الفيل وإِهلاك الله للظالمين، مقدمة وآية بين يدي البعثة النبوية، وإِظهار لمكانة الحرم وحماية الله له.

,

دروس وعبر

:

1 - دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - مكة في جوار رجلٍ من أشرافها، وهو القادر على أن يأمر ملك الجبال فيطبق على أهلها الأخشبين عندما أرسله الله إِليه، إِنها المفارقة العجيبة. قريش تريد أن تفتك به، وهو يحمل لها في قلبه أملًا في أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.

فأيّ درس يحمله هذا الموقف من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلى الدعاة والمصلحين، لا انتصار للنفس، ولا تشفٍ من الخلق، بل نصح وإرشاد، وشفقة ومحبّة.

2 - لقد كان ثمرة الصبر واللجوء إِلى الله سبحانه وتعالى سلسلة من الإِكرامات التي أكرم الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم -:

أولها: إِسلام عداس ذلك الغلام النصراني.

ثانيها: إِرسال ملك الجبال إِليه ليأمره بأمره في أعدائه لكنه - صلى الله عليه وسلم - صفح وصبر ورحمهم من الهلاك رغم كفرهم، ورجا الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده، فصار منهم من عبد الله فضلًا عن ذرياتهم.

ثالثها: أن الله صرف له طائفة من الجن استمعوا قراءته وآمنوا بالله وصدقوا رسوله.

رابعها: قمة الإِكرامات والفضائل من الله لرسوله، الرحلة العظيمة العجيبة في ملكوت السماوات والأرض في الإِسراء والمعراج.

__________

(1) انظر ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 381.

,

دروس وعبر

:

1 - الدلالة على عالمية الإِسلام.

2 - احترام وتقدير الزعامات بعبارات الاحترام والتفخيم اللائقة.

3 - انتشار الإِسلام في الجزيرة وخارجها حتى صار يُتحدث به، بل دخل فيه بعض الأفراد من خارج الجزيرة العربية.

4 - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزاوج في نشر الإِسلام والدعوة إِليه بين السلم والحرب بحسب مواقف الدول والقبائل من الدعوة، فيقدم عليه الصلاة والسلام الدعوة؛ لكن إِذا حصلت عقبة توجب المواجهة العسكرية فإِنه لا يتردد في المواجهة، كما في الغزوات التي وقعت بعد صلح الحديبية.

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 4/ 216، وابن سعد، الطبقات الكبرى 1/ 260.

(2) ابن حجر، فتح الباري 8/ 129.

(3) ابن كثير، البداية والنهاية 4/ 273.

,

دروس وعبر

1 - جواز التعرض لأموال الكفار الحربيين دون غيرهم من المعاهدين أو المستأمَنين. لقد كانت السرايا والغزوات السابقة موجهة لضرب القوافل التجارية القرشية دون غيرها من القبائل، لأن قريشًا قد كفرت بربها، وكذبت رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأخرجته ومن معه من المسلمين من مكة، واستولت على دورهم وأموالهم، ووقفت في سبيل الدعوة، فهم في حالة حرب مع المسلمين، لذا فقد كان من الحكمة ضرب الاقتصاد القرشي الذي ازداد نموًا بعد الاستيلاء على أموال وممتلكات المسلمين في مكة، وفي ذلك إِضعاف لقوة ظالمة تقف في سبيل الدعوة، والمقصود الأعظم من الجهاد هو إِعلاء كلمة الله، والذب عن الملة، وأما الغنائم فتابعة له (1).

2 - جواز الانصراف عن العدو من غير قتال إِذا ضعف المسلمون عن قتال عدوهم، أو لمصلحة يراها أميرهم، كما حصل في سرية حمزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه - (2).

3 - وجوب اتخاذ أمير للسرية قلَّت أو كثرت، وكذلك جواز اتخاذ الألوية في الحرب (3).

4 - أُسْنِدت قيادة معظم السرايا السابقة إِلى أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقاربه، ليكونوا أول من يضحي في سبيل الدعوة، حتى لا يقال؛ إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضن بأهل بيته عن القتل وضحى بغيرهم من الناس، وليعطي بذلك القدوة الحسنة للدعاة في كل زمان ومكان (4).

__________

(1) وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإِسلامي 550؛ محمود العيساوي: فقه السرايا ص 63.

(2) محمود العيساوي، فقه السرايا ص 63.

(3) المرجع السابق نفسه، ص 60، 62.

(4) بريك العمري: السرايا والبعوث النبوية ص 82.

5 - اقتصرت السرايا والغزوات السابقة على المهاجرين دون الأنصار من أجل إِحياء قضيتهم في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، لأن المهاجرين أصحاب حق سليب، أخوجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، وهم أولى الناس بالانتصار ممن ظلمهم (1)، قال الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (2). ولأن البيعة مع الأنصار مختصة بالحماية في المدينة.

6 - حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اكتشاف قدرات أصحابه العسكرية والسياسية والإدارية، من خلال تنويعه في اختيار قادة السرايا، ومن خلال تعدد نوابه الذين يستخلفهم على المدينة عند خروجه غازيًا - صلى الله عليه وسلم -.

7 - جواز قتال الكفار المحاربين في الأشهر الحرم، وهذا ما دلت عليه سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه -، وما تلاها من غزوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن تعظيم حرمة تلك الأشهر باقٍ وإِن أبيح فيها القتال (3).

,

دروس وعبر

:

1 - أسفرت هذه الغزوة عن استعادة المسلمين لهيبتهم بين القبائل في أعقاب غزوة أحد، وجردت قريشًا من كل مكاسبها السياسية التي نالتها عقب غزوة أحد (1).

2 - أهمية استثمار الإِعلام في بسط هيبة الدولة الإِسلامية، ويظهر ذلك جليًا في اختيار رسول الله -صلى الله عليه وسلم - المجيء لبدر الموعد، زمن سوق عظيم من أسواق العرب.

,

دروس وعبر

:

1 - لقد كانت غزوة بدر معركة من معارك العقيدة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (2)، وانتصار الحق على الباطل سُنّة جارية، ووعد دائم لا يخلف إِلا إِذا أخلف الناس؛ ذلك قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (3).

2 - إِن الانتصار في معارك العقيدة لا تحكمه الحسابات المادية وحدها، بل يخضع لتطبيق المسلمين لشروط النصر الواردة في القرآن والسنة، من إِقامة الدين، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والصبر والثبات، ولزوم الطاعة، والاجتماع وعدم الفرقة، والاعداد بما يستطاع من القوة؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (4).

__________

(1) ابن القيم: زاد المعاد 3/ 18.

(2) سورة الأنفال، آية 41.

(3) سورة الرعد، آية 11.

(4) سورة الأنفال، آية 45 - 46.

وقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ... الآية} (1).

3 - ظهور عقيدة الولاء والبراء بأوضح صورها، حيث تقابل أبناء القبيلة الواحدة، والأسرة الواحدة، بل الإِخوة والآباء والأبناء، بأسيافهم، لأن قيم الإِيمان جعلت ولاءهم لله سبحانه وتعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأصبحت رابطة العقيدة بين أفراد المجتمع المسلم تعلو فوق كل الروابط الأخرى، فهي ليست معركة اقتصادية على مصالح مادية، ولا معركة قومية، وإِنما كانت معركة عقيدة، وفي هذا رد على الذين يفسرون تاريخ المسلمين تفسيرا قوميا أو اقتصاديا.

4 - في استشارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه تربية للأمة من بعده على هذا المبدأ العظيم الذي ينبغي أن يتجذّر في ثقافة الأمة (2).

5 - في قضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليلة بدر في الدعاء والاستغاثة والتضرع إِلى الله، بيان لأهمية الفزع إِلى الله واللجوء إِليه وخاصة في الشدائد، مع اتخاذ الوسائل المادية والمعنوية (3).

6 - في وقوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على البئر ومخاطبته قتلى المشركين، إِثبات للحياة البرزخية للأموات، وما فيها من النعيم والعذاب (4).

7 - استثمار النصر وتثبيته والانتقال إِلى مواقع متقدمة، فبعد رجوعه - صلى الله عليه وسلم - من بدر بسبعة أيام خرج لغزو بني سُلَيم فلم يقم له أحد، وفي ذي الحجة خرج لقتال

__________

(1) سورة الأنفال، آية 60.

(2) زيد عبد الكريم المزيد، فقه السيرة 419؛ محمَّد البوطي، فقه السيرة 218.

(3) زيد عبد الكريم الزيد، فقه السيرة 424.

(4) محمود العيساوي، فقه الغزوات 122.

أبي سفيان في غزوة السويق، وفي آخر ذي الحجة خرج إلى نجد يريد غطفان في غزوة ذي أمر.

,

دروس وعبر

:

1 - عناية الباري سبحانه وتعالى برسوله - صلى الله عليه وسلم - وعصمته من كيد الخائنين (5).

2 - أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإِتلافها منوط بما يراه الإِمام أو القائد من مصلحة النكاية بالأعداء، لأنها داخلة في باب السياسة الشرعية. وإن كان الأصل عدم الإتلاف (6).

__________

(1) ابن هشام، السيرة 2/ 132؛ محمَّد مهدي رزق الله، السيرة النبوية 417.

(2) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 133.

(3) عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن 787.

(4) سورة الحشر، آية 2.

(5) محمد أبو فارس، السيرة النبوية 538.

(6) محمد البوطي، فقه السيرة 262.

3 - أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال -وهو الفيء- يعود النظر والتصرف فيه إِلى ما يراه الإِمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، وهو ما بينته سورة الحشر (1).

,

دروس وعبر

:

1 - الكفر ملة واحدة في كل زمان ومكان، ويظهر ذلك من تَحزُّب المشركين واليهود لحرب المسلمين، وأن ذلك هو ديدنهم في كل عصر، وهذا ما نعيشه اليوم من التحالف الدولي من الكفار ضد المسلمين ومصالحهم.

2 - أهمية الأخذ بالأسباب المادية في قتال الأعداء، مثل حفر الخندق، وأن الاستفادة مما لدى المشركين من أسباب مادية، يعد من الأمور المباحة ما لم يتعارض مع ثوابت الإِسلام، أو يكون سببًا لهدم الدين (4).

3 - على الداعية والقائد المطاع إِذا أمر بخير أن يكون أول المبادرين إِليه والمسهمين فيه، ويظهر ذلك من اشتراك الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه في حفر الخندق (5).

__________

(1) البخاري، المصدر نفسه 7/ 470.

(2) المصدر نفسه 7/ 475.

(3) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 94.

(4) محمد البوطي، فقه السيرة 296.

(5) زيد الزيد، فقه السيرة 499.

4 - الثقة بنصر الله، وأن جند الله هم الغالبون، رغم المخذلين والمرجفين، ويظهر ذلك من تبشير المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بفتح الشام، وفارس، واليمن، وهم في تلك الحالة من الكرب العظيم، وفي ذلك تحذير للأمة من الخذلان والشك في نصر الله، والواجب على الدعاة تحذير الأمة من الخذلان، والعمل على تثبيت الناس في الشدائد التي قد تطيش فيها العقول (1).

5 - إِن أسباب انتصار المسلمين في غزوة الأحزاب هي نفسها التي كانت سببًا للنصر في غزوة بدر، ألا وهو التضرع إِلى الله، والإِقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، وإِخلاص العبودية لله سبحانه وتعالى، مع الأخذ بالأسباب والاستعداد بالمستطاع من القوة المادية (2).

6 - وجوب قضاء الصلاة الفائته، وهو ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عندما شغلهم الأحزاب عن الصلاة (3)، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، وجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بُطحان (4)، فتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (5).

7 - جواز قتال من نقض العهد وخان الأمة (6).

__________

(1) المصدر نفسه، 499، 500.

(2) محمد البوطي، فقه السيرة 302.

(3) محمود العيساوي: فقه الغزوات 320.

(4) اسم وادي بالمدينة.

(5) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 468.

(6) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 92؛ محمد البوطي، فقه السيرة 307.

8 - جواز تحكيم أهل العلم والعدالة والصلاح في أمور المسلمين ومهامهم العظام، وهذا مأخوذٌ من جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَمْر بني قريظة إِلى سعد بن معاذ - رضي الله عنه -.

9 - أن يهود بني قريظة عُوقبوا بجنس ما كانوا يريدون فعله بالمسلمين لو انتصر الأحزاب، وهذا الحكم موافق لما صرحت به توراتهم، في حق العدو المهزوم، ففي سفر التثنية، الإِصحاح 13، فقرة 13، 14: (وإذا دفعها الرب إِلهك إِلى يدك فاضرب جميع ذكورهم بالسيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إِلهك). وهكذا فإِن ما حكم به سعد - رضي الله عنه - لم يخرج عما حكمت به التوراة، وهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب، بل خائنون غادرون، غير وافين بالعهد (1). وقد أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره أنه موافق لحكم الله.

,

دروس وعبر

:

1 - إن السيطرة على الاقتصاد هي مفتاح السيطرة على المجتمعات، وهذا ما يفعله اليهود قديمًا وحديثًا، لذا فحريٌ بنا أن نقتدي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في حماية اقتصاد الأمة من الارتهان للشرق أو الغرب.

2 - مع أن يهود بني قينقاع من الذين وقَّعوا على وثيقة المدينة، فإِن ذلك لم يردهم عن الخيانة ونقض العهد، وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهن الأمة المسلمة في كل زمان.

3 - بالنسبة لمعاملة المنافق في الإِسلام، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، ومن على شاكلته من أصحاب المذاهب والأفكار الإِلحادية، فإِنه يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، إِلا إِذا ظهر منه دليل واضح يدل على كفره وخيانته للأمة، فعند ذلك تطبق عليه أحكام الإِسلام (3).

__________

(1) ابن هشام، السيرة 2/ 32.

(2) ابن هشام، السيرة 2/ 32. والآية 51 من سورة المائدة.

(3) محمد البوطي، فقه السيرة 233.

4 - أهمية تحرير عقيدة الولاء والبراء، وخطورة موالاة المشركين (1).

5 - إِن الأسواق من مواطن الشر التي ينبغي على الأسرة المسلمة أخذ الحيطة والحذر عند النزول إِليها.

غزوة أُحُد

في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة توجهت قريش في ثلاثة آلاف مقاتل إِلى المدينة لقتال المسلمين انتقامًا لهزيمتها في غزوة بدر، واستعادةً لهيبتها ومكانتها التي اهتزت بين القبائل العربية في أعقاب بدر، وكذلك من أجل تأمين طريق تجارتها إلى الشام (2).

وجاءت الأخبار إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستشار أصحابه في أن يتم قتال قريش داخل المدينة، فقالت الأكثرية: ما دُخل علينا فيها في جاهلية فكيف يدخل علينا في الإِسلام؟ ورغبوا في ملاقاتهم خارج المدينة، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيته ولبس عدة الحرب، فلما خرج قالت الأنصار: ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: (ما ينبغي لنبي إِذا لبس لأمته (3) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبن عدوه) (4).

ولما وصل كفار قريش إِلى المدينة عسكروا عند جبل أحد فخرج لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جيش عدته ألف مقاتل، وفي الطريق إِلى أحد تظاهر المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بالغضب، وقال: أطاعهم وعصاني؛ لأنه كان من المؤيدين للقتال داخل المدينة، ورجع معه ثلث الجيش ممن كانوا على شاكلته من النفاق والشك (5).

__________

(1) المرجع السابق 234؛ محمد أبو فارس، السير النبوية 530.

(2) ابن هشام، السيرة 2/ 40.

(3) اللأمة، عدة الحرب.

(4) انظر: ابن القيم، زاد المعاد 3/ 193، والحديث أخرجه أحمد في السند 3/ 351 وقال الهيثمي في المجمع 6/ 107: رواه أحمد ررجاله رجال الصحيح.

(5) ابن حجر، فتح الباري 7/ 401.

وفي ميدان المعركة جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبل أحد خلفه، ووضع قوةً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير - رضي الله عنه - على جبل عينين والذي عرف فيما بعد بجبل الرماة، لتأمين الحماية للجيش، ومنع المشركين من اقتحام صفوف المسلمين، وقال لهم: لا تبرحوا، إِن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإِن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا (1).

خريطة موقعة أحد

__________

(1) البخاري، الصحيح مع الفتح 7/ 405.

وبدأت المعركة بالمبارزة ثم التحم الجيشان، فدارت الدائرة على المشركين أول النهار فولوا مدبرين حتى انتهوا إِلى نسائهم في مؤخرة الجيش، فلما رأى الرماة هزيمة قريش، قالوا: الغنيمة، الغنيمة، فنهاهم أميرهم وذكرهم عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يستجيبوا له، وحسبوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وعندما رأى خالد بن الوليد ما فعل الرماة، استغل هذا الأمر وجاء إِلى من بقي من الرماة فقتلهم، ثم التف على المسلمين، وعند ذلك كرَّ كفار قريش على المسلمين من كل اتجاه، فاضطرب المسلمون، واختل نظامهم، وثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكانه، وأصيب - صلى الله عليه وسلم -، وسالت الدماء من وجهه الشريف وأشيع أنه قُتل، فتراجع بعض المسلمين إلى المدينة، وقعد بعضهم عن القتال، واستُشهد سبعون صحابيًا منهم، حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير حامل اللّواء، وسعد بن الربيع رضوان الله عليهم جميعًا (1).

ولما برد القتال أشرف أبو سفيان على المسلمين ونادى: (أفي القوم محمَّد؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: - صلى الله عليه وسلم - لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إِن هؤلا قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله لك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعلُ هُبل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مُثلةً، لم آمر بها ولم تسؤني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (2). ثم انسحبت قريش عائدة إِلى مكة دون أن تستثمر نتيجة المعركة فلم تأخذ أسيرًا ولا غنيمة.

__________

(1) ابن سعد، الطبقات 2/ 41، ابن القيم، زاد المعاد 3/ 196.

(2) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح 7/ 405.

وقد أنزل الله سبحانه وتعالى في هذه الغزوة آيات مباركات من سورة آل عمران فيها وصف لهذه الغزوة وتبيان لما فيها من الأحكام والحكم والغايات المحمودة، وقد أشار الله سبحانه وتعالى إِلى أمهاتها وأصولها، حيث افتتح القصة بقوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1). إِلى تمام ستين آية من سورة آل عمران (2).

,

دروس وعبر

:

1 - فضل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومسابقتهم إِلى الإِنفاق في سبيل الله وتجهيز المجاهدين، وفضل علي - رضي الله عنه - حيث استخلفه في أهله وجعله بمنزلة هارون من موسى إِلا أنه لا نبي بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -.

2 - فضل أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - وحرصه على مشاهد الخير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

3 - فضل عبد الرحمن بن عوف وصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - خلفه.

4 - الحذر من دخول ديار المعذبين إِلا معتبرًا خائفًا وجلًا، وتحريم الإِقامة في أمكنة العذاب.

5 - خير أيام العبد يوم توبته وهداية الله له.

6 - فضل كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، بعد توبة الله عليهم، ونجاتهم بسبب الصدق، وخطر التسويف الذي كان سبب محنتهم، ووجوب المبادرة للطاعة والمسابقة في الخيرات.

7 - انضباط الصحابة مع أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

8 - القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف.

9 - في أمره - صلى الله عليه وسلم - بتحريق مسجد الضرار دلالة على أهمية حسم ما فيه ضرر على المسلمين وتفريق كلمتهم حتى لا يعود مرة أخرى، قال القرطبي: قال علماؤنا، كل مسجد بني ضرارًا أو رياءً وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه (1).

__________

(1) الجامع لأحكام القرآن 8/ 257.

,

دروس وعبر

:

1 - الحذر من الغرور والفرح بالكثرة، وأن النصر من الله سبحانه وتعالى.

2 - شجاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثباته، عندما انكشف عنه الناس.

3 - أهمية التوحيد والتعلق بالله وحده.

4 - زهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا وأموالها، فلم يأخذ من غنائم حنين شيئًا مع كثرتها.

5 - الرحمة من سمات أهل الإِسلام، وجواز الدعاء لن يرجى إِسلامه من الكفار؛ كما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثقيف بالهداية.

6 - الحنكة النبوية والقدرة على احتواء المشكلات وتسويتها.

7 - الاعتراض على حكم الله ورسوله من صفات المنافقين والخوارج.

8 - جواز الاستفادة من أدوات الحرب التي يملكها المشركون.

9 - جواز إِعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنائم، تأليفًا لهم على الإِسلام، أو لكف أذاهم وشرهم، تحقيقا لمصلحة الإِسلام والمسلمين.

10 - حرصه - صلى الله عليه وسلم - على إِنقاذ المشركين من النار، ودخولهم الإِسلام ولو بالمال.

11 - فضل الأنصار ومكانتهم ومنزلتم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

,

دروس وعبر

:

1 - تأمين الحدود الشمالية لدولة الإِسلام من عدو طالما حاك المؤامرات والدسائس على الإِسلام والمسلمين.

2 - التفرغ للدعوة ونشر الإِسلام ومخاطبة ملوك الأرض.

3 - أخذ الحيطة والحذر من اليهود وعدم الاغترار والانخداع بهم، مع الحزم في التعامل معهم.

4 - أهمية المباغتة للعدو وحصاره وقطع الإمداد عنه.

5 - في هذه الغزوة وقعت بعض دلائل النبوة مثل، نعي النبي - صلى الله عليه وسلم - لعامر بن الأكوع قبل استشهاده (6)، وتفله في عين علي - رضي الله عنه - لما أصابه الرمد فشفي مباشرة (7)،

__________

(1) المصدر نفسه ح 4243.

(2) المصدر نفسه ح 4201.

(3) المصدر نفسه ح 4211، 4212، 4213.

(4) المصدر نفسه ح4230.

(5) المصدر نفسه ح 4246، 4247، وانظر فتح الباري 7/ 496.

(6) المصدر نفسه ح 4196.

(7) المصدر نفسه ح 4210.

وإخبار ذراع الشاة المسمومة له أن بها سُمًا (1)، وكانت قد أهدتها له إِحدى نساء اليهود، وهي من دسائسهم وكيدهم.

6 - الحرص على هداية الناس إِلى دين الحق وإن كانوا أعداءً ومجرمين كما في وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه - عندما أعطاه الراية وقال له: أُنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إِلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم (2).

__________

(1) المصدر نفسه ح 5777.

(2) المصدر نفسه ح 4210.

,

دروس وعبر

:

1 - أن الباطل إِذا ترك انتفش وتطاول على أهل الحق، لذا فقد حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كسر شوكة الأعراب قبل أن يتجمعوا ويهاجموا المدينة النبوية.

__________

(1) المرجع السابق 263.

(2) أكرم العمري، 2/ 141.

(3) سميت بذلك لأن المسلمين رقعوا فيها راياتهم، وقيل نسبة لاسم شجرة في ذلك المكان. ابن هشام، السيرة 2/ 141.

(4) ابن هشام، السيرة 2/ 141.

2 - أهمية الصلاة وجلالة قدرها، وأن المسلم مأمورٌ بالحفاظ عليها وأدائها جماعة مع المسلمين، حتى في حال الخوف ومواجهة العدو.

3 - أن من أنواع النعم، وأنواع النصر، التي قد تغيب عن بعض المسلمين، كف أيدي المشركين، ورد كيدهم في نحورهم (1)، ومن ذلك عدم وقوع القتال في هذه الغزوة. وعن جنس هذه النعمة يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (2).

,

دروس وعبر

:

1 - كان فتح مكة من أهم الإِنجازات التي قام بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كانت قريش تمثل القيادة للعرب وبسقوطها سقطت بقية البلاد بسهولة، فقد روى البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تتلوم بإِسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإِنه إِن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح؛ بادر كل قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومه بإِسلامهم (3).

2 - حرمة مكة وتأكيد الرسول الله -صلى الله عليه وسلم - على ذلك بفعله وقوله.

3 - تواضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند دخوله مكة فاتحًا وهذه من أخلاق الأنبياء.

4 - العصببية والتفاخر باللون والنسب من سمات أهل الجاهلية.

5 - قوة إِيمان عمر - رضي الله عنه - حيث يقدم ما يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما تحبه نفسه.

6 - تحطيم الأصنام التي حول الكعبة وطمس الصور التي على جدرانها، وإِزالة الأصنام الكبار حول مكة مثل العزى، وسواع، ومناة، مما أزال عن الناس الرهبة والخوف من تلك الأصنام الذي سيطر على قلوبهم زمنًا طويلًا مما جعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا.

__________

(1) ابن سعد، الطبقات الكبرى 2/ 137.

(2) صحيح البخاري، كتاب المغازى ح 4313.

(3) المصدر نفسه ح 4302.

,

دروس وعبر

:

1 - أن مسؤولية الدعوة إِلى الإِسلام يشترك فيها جميع المسلمين وليست محصورة بالأنبياء والرسل عليهم السلام (3).

2 - أن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن يترفع عنها أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولنا عبرة في قصة خبيب - رضي الله عنه - الذي تخرج من مدرسة النبوة، وترفعه عن مقابلة الغدر بالغدر، فلم يقتل الطفل الذي درج إِليه في بيت بنت الحارث وقد تمكن منه لو أراد.

3 - إِثبات كرامة الله سبحانه وتعالى لأوليائه، وهذا ظاهرُ من إكرام الله سبحانه وتعالى لخبيب - رضي الله عنه - بإِطعامه العنب في غير زمانه (4)، وكذلك حفظ الله سبحانه وتعالى لعاصم بن ثابت - رضي الله عنه - من المشركين وإرسال الدَّبْر لمنع المشركين من أخذ جثمانه - رضي الله عنه -.

4 - شدة محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويظهر ذلك من خلال الحوار بين أبي سفيان، وزيد بن الدثنة - رضي الله عنه -، وهذا المستوى العظيم من المحبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يحرص عليه المسلم في كل عصر ومصر.

__________

(1) ابن حجر، فتح الباري 7/ 447.

(2) البخاري، الصحيح ح رقم 4090 و 4091و 4094.

(3) محمد البوطي، فقه السيرة 255.

(4) بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية 234.

5 - إِن للمسلم أن يمتنع عن قبول أمان الكافر، وعدم النزول على حكمه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، وهذا ظاهرٌ من صنيع عاصم بن ثابت - رضي الله عنه - (1).

6 - جواز الدعاء على المشركين عند وجود مناسبته.

7 - مشروعية الصلاة عند القتل، وهذا مأخوذ من صنيع خبيب - رضي الله عنه - والذي أقره عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (2).

8 - شدة يقين الصحابة، وعمق إِيمانهم بما أخبر به المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عما أعد الله للشهداء من النعيم المقيم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (3).

وهذا ظاهرٌ من قول حرام بن ملحان - رضي الله عنه -: فزت ورب الكعبة.

9 - مشروعية القنوت عند النوازل اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءه خبر استشهاد القُرَّاء رضوان الله عليهم، وأهل الرجيع!

,

دروس وعبر

:

1 - لقد كانت حادثة الإِسراء والمعراج تسلية للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - مّما أصابه من فقد زوجه خديجة - رضي الله عنها -، وموت عمّه أبي طالب، وأذى المشركين له، وإِكرام من الله له ليريه من آياته الكبرى.

2 - وقد كانت فتنة لبعض الناس، وعظُم تكذيب قريش له، ولم يتصورا قدرة الله وإِنما نظروا للأمر نظرة مادية، فقد كانوا يضربون أكباد الإِبل إلى بيت المقدس شهرًا، ويعودون منها شهرًا، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يذهب إِليها ويعود منها من ليلته!!. والذين كذبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة الإِسراء واستبعدوا وقوعه غفلوا عن شيء

__________

(1) أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج ح (3887)

(2) المصدر السابق ح 3886.

(3) انظر: زاد المعاد (3/ 39).

مهم في الآية، فالله سبحانه وتعالى يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} فالله هو الذي أسرى بعبده، ولم ينسب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإسراء إِلى نفسه، فالذي يكذب بالإسراء إِنما يطعن في قدرة الله سبحانه وتعالى (1).

3 - قالت عائشة - رضي الله عنها -: (لمّا أُسْري بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد إلاقصى، أصبح يتحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممّن آمن، وسعوا إِلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنّه أُسْريَ به الليلة إِلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدِّقه! قال: نعم، إِني لأصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سُمِّي الصدِّيق) (2).

4 - لقد كان إِخبار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لقريشٍ عن حادثة الإِسراء والعراج شيئًا يعجز الإِنسان عن وصفه، فقد أبان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن شجاعة نادرة، وقوة في الحقّ لا يخشى فيه أحدًا من الخلق.

5 - لقد وقف - صلى الله عليه وسلم - بالحجر يخبرهم عن قصته بكل ثبات، وبكل ثقة، لا يبالي من صدّقه أو كذّبه، فهو يخبر بقضيّة عاشها بكل ذرّات جسده، عاشها بكل لحظاتها، فانطلق يصفها بكل تفاصيلها، وقد أكرمه الله برفع الحجب بينه وبين بيت القدس وجلاّه له ينظر إِليه ويصفه لهم.

6 - في اختصاص الصلاة بتشريعها في العراج بيان لمكانتها، فهي عمود الإِسلام، وكونها شرعت في أول الأمر خمسين صلاة ثم خفضت إِلى خمس صلوات في

__________

(1) القسطلاني، المواهب اللدنية 3/ 15، وانظر: فقه السيرة لزيد الزيد ص 251.

(2) الذهبي، السيرة النبوية (1/ 202)، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 62 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

الفعل، وهي خمسون صلاة في الميزان (2). دليل على محبة الله لفعلها لما لها من الأثر في سلوك السلم، فإِنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد جعلت قرة عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة.

7 - إِن الربط بين المسجدين -المسجد الحرام والمسجد الأقصى- له دلالة عظيمة، فهما أقدم المساجد التي وضعت للناس، وبانيهما على التوحيد والإِخلاص لله هو أبو الأنبياء إِبراهيم الخليل، ومحمد النبي الخاتم وأمته هم الوارثون لها والمسئولون عنها وعن حراستها والعناية بها.

8 - فضل موسى -عليه السلام- على هذه الأمة ونصحه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمته حينما عرض عليه أن يعود ويراجع الله ويطلبه التخفيف، وموسى -عليه السلام- صاحب تجربة، يقول ابن حجر: والتجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة (2).

,

دروس وعبر

1 - أن النصر ليس بالكثرة بل هو بالثبات والصبر وتقوى الله.

2 - قتل الرسل والسفراء جريمة من الجرائم الشنيعة في عرف العقلاء.

3 - ميزان التفاضل هو التقوى لا غير، ولذا وَلّى - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة مولاه وقَدّمه على ابن عمه الشريف القرشي، وابن رواحة الأنصاري.

4 - منزلة جعفر ومن معه من القادة وأنهم من أهل الجنة (2).

5 - خالد بن الوليد سيف من سيوف الله كما قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وقد وهبه الله عبقرية عسكرية نادرة.

6 - مؤتة أول لقاء بين المسلمين والروم، واكتسب المسلمون خبرة أفادتهم عند الفتوحات الإِسلامية لبلاد الشام.

7 - الوصية النبوية للجيش تمثل الرحمة وقمة الإِنسانية واحترام الإِنسان، فلا تدمير للممتلكات، ولا قتل للضعفاء والعجزة وغير المقاتلين.

__________

(1) البداية والنهاية 4/ 259.

(2) ابن كثير، البداية والنهاية 4/ 255.

,

دروس وعبر

:

1 - نلاحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء لقاءاته بوفود العرب وعرض الإِسلام عليهم يبدأ بتلاوة القرآن الكريم وهذا منهج ينبغي الانتباه له في الدعوة إِلى الله والمحاضرات والخطب في مواضعه المناسبة، فإِن كلام الله له أثر عظيم في النفوس قال تعالى:

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (2).

وقال تعالى {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (3).

وقال جبير بن مطعم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} كاد قلبي أن يطير (4).

وكان جبير وقتها على شركه (5).

2 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول للناس وهو يتجول على القبائل في المواسم [يأيها

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 94 - 95.

(2) سورة التوبة، آية 6.

(3) سورة ق، آية 45.

(4) صحيح البخاري، كتاب التفسير ح 4854.

(5) انظر: زيد المزيد، فقه السيرة ص 267.

الناس قولوا لا إِله إِلا الله تفلحوا] فالبدء بالتوحيد وتعليم العقيدة والحث على مكارم الأخلاق هو المقدم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكما تنزل القرآن عليه في مكة؛ لأن التكاليف وقبول التشريعات ثمرة للعقيدة وفرع عنها؛ فإِذا استقرت العقيدة في النفوس وقوي الإيمان واستقامت الأخلاق، حصلت الاستجابة والرضا والمسارعة إِلى تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي.

3 - في استجابة الأنصار للدعوة واستعدادهم لحماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيان فضلهم وحكمة من الله بأن هذا الدين لايقوم على العصبية القبلية فقبيلته قريش وبلده مكة تخرجه ويجد عند غيرهم نصرة ومأوى.

4 - إِنّ الدعاة إِلى الله تعالى بحاجة إِلى الحماية في دعوتهم من أذى أهل الباطل والإِفساد، فهذا خير البشر، المؤيّد من الله بملائكته وجنده، يطلب حماية الأنصار له، فغيره من باب أولى وهذا من اتخاذ الأسباب المأمور بها.

5 - لقد كان الأنصار يعلمون وهم يعقدون هذه البيعة أن العرب سترميهم عن قوس واحدة، ولكنهم طلبوا الجنّة، ودفعوا مهرها، فكم للأنصار من أيام، ويوم بيعة العقبة من أيامهم الخالدة.

6 - كبح جماح العاطفة والحماس والعجلة تحقيقا للمصلحة الشرعية، فعندما استأذن الأنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يميلوا على أهل منى منعهم - صلى الله عليه وسلم - وقال: لم أومر بذلك.

,

دروس وعبر

:

1 - ثبات النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحق والدعوة إِلى الإِسلام كما أمره الله، فبدأ أولًا سرًا، حتى إِذا وجد أنصارًا أمره الله بالإِعلان فأعلن ثابتًا غير هياب. والإِعلان والإِسرار في البلاغ هو بحسب الأحوال والمصالح الشرعية والأصل الإِعلان، والإِسرار استثناء.

2 - تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمغريات كثيرة من المشركين، ولم تغير من منهجه شيئًا حيث استمر في دعوته إِلى الحق بكل ثبات وطمأنينة إِلى ما معه من الحق.

3 - أوذي أصحابه - رضي الله عنهم - وواجههم المشركون بألوان من الأذى والتعذيب، فصبروا حتى اجتازوا المحنة ونصرهم الله ومَكّن لهم.

4 - تعدد الأساليب التي واجه بها المشركون دعوة الحق وتنوعها -معنوية وحسية-

__________

(1) البنية: المراد الكعبة لأنها بنية إِبراهيم -عليه السلام-.

(2) ابن أبي شيبة، المصنف ح 18409، والبيهقي في الدلائل 2/ 202 بأطول من هذا، وانظر: البداية والنهاية 4/ 155. وقال الهيثمي في الجمع 6/ 20: فيه الأجلح الكندي مختلف في توثيقه وبقية رجاله ثقات.

(3) سورة طه، آية 127.

وهكذا أهل الباطل في كل زمان يعملون بكل جد في نصرة باطلهم، لكن يجب على المسلمين الثبات والصبر والتعاون لرد عدوان المشركين بالأساليب المناسبة لكل حالة.

,

دروس وعبر

:

1 - التضحية في سبيل الله حفاظًا على الدين.

2 - جواز الهجرة من بلد الشرك إِلى بلد الشرك والكفر إِذا كان في ذلك مصلحة للدين، وقد سَمّى الله فعلهم ذلك هجرة شرعية ومدحهم بها.

3 - جواز اللجوء إِلى غير المسلم والدخول في حمايته، إِذا لم يترتب على ذلك مضرة على الدين وحصل فيها نفع.

4 - بلاغة خطبة جعفر رضي الله عنه حيث اشتملت على كشف مساوئ الجاهلية، وبيان محاسن الإِسلام.

5 - كل شدة يعقبها فرج، فبعد خروج المهاجرين إِلى الحبشة أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، فاعتز المسلمون في مكة بإِسلامهم، واستطاعوا المجاهرة به حتى صلوا بالمسجد الحرام علانية.

6 - الحصار الاقتصادي سلاح يلجأ إِليه الأعداء لإِلحاق الضرر بالمسلمين، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبروا وثبتوا على دينهم حتى انتهى الحصار رغم طول المدة، فخرجوا من المحنة أقوى مما كانوا.

7 - فقد النبي - صلى الله عليه وسلم - نصيرين لهما مكانة عنده وأثر في الدفاع عنه، ومع ذلك استمر على طريقته ومنهجه في الدعوة، بل تطلع إِلى الانتشار خارج مكة، فبدأ يدعوا في المواسم، وخرج إِلى الطائف لطلب النصرة ونشر الدين وتبليغه.

خروج النبيّ (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف

لما نُقِضَتِ الصحيفةُ وخرج المسلمون من الحصار وافق موتُ أبي طالب، موتُ خديجةَ - رضي الله عنها - فاشتد البلاء على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفهاء قومه، واجترؤوا عليه، وكاشفوه بالأذى، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إِلى الطائف رجاء أن يؤوه وينصروه على قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إِلى الله عَزَّ وجَلَّ، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه أذًى عظيمًا لم ينل قومه منه أكثر مّما نالوا منه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، وكان قد عمد إِلى نفرٍ من ثقيف، ثم سادات ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إِليهم، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرطُ ثياب الكعبة إِن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا ليرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلَّمك أبدًا؛ لئِن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلّمك. فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: "إِن فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليَّ". وقد أقام في الطائف عشرة أيام لا يدعُ أحدًا من أشرافهم إِلَّا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخرجْ من بلدنا. وأغْرَوا به سفهاءهم، فوقفوا له صفين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دمِيَتْ قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إِلى مكة محزونًا، وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء المهموم: "اللهم إِليك أشكو ضعف قوتي، وقلّة حيلتي، وهوَاني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إِلى من تكلني، إِلى بعيد يتجهمني؟ أو إِلى عدوٍ ملَّكْتَه أمري، إِن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذُ بنور وجهك الذي

أشرقت له الظلمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن يَحُلَّ عليَّ غضبُك، أو أن ينزلَ بي سخطُكَ، لك العُتْبَى حتّى ترضى، ولا حولَ ولا قوّةَ إِلَّا بك" (1).

فلما رآه ابنا ربيعة؛ عتبة وشيبة وما لقيَ، تحرّكتْ له رحمهما، فدعوا له غلامًا نصرانيا، يقال له: عدّاس.

فقالا له: خذْ قِطْفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى ذلك الرجل، فقل له يأكلْ منه. ففعل عدّاس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يديْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال له: كُلْ. فلّما وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فيه، قال: "بسم الله". ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله، إِنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن أيّ بلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ ".

قال: نصرانيّ، وأنا من أهل نينوى. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ ". فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذاك أخي، كان نبيَّا وأنا نبيٌّ". فأكبَّ عداسٌ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّل رأسه ويديه وقدميه.

فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك؛ فقد أفسده عليك! فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلَّا نبيٌّ. قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإِنّ دينك خيرٌ من دينه (2).

__________

(1) أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (1/ 260، 262) عن محمَّد بن إِسحاق، وقال الهيثمي (المجمع 6/ 35): (فيه محمَّد بن إِسحاق، وهو مدلّس، وبقيّة رجاله ثقات). وضعف الألباني الحديث في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص 126.

(2) ابن هشام، السيرة النبوية (1/ 421) من رواية ابن إِسحاق، عن محمَّد بن كعب القرظي.

لقد كان موقف ثقيف شديدًا على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، تأثّر منهم تأثّرًا بالغًا، ولكنه لجأ إِلى الله بذلك الدعاء المأثور، بل إِن أحداثها لم تمحها ما لحقه من المشركين يوم أحد، قالت عائشة: قلت للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إِلَّا وأنا بقرن الثعالب (1)، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إِنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إِليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمَّد، ذلك فيما شئتَ، إِن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا" (2).

إِنّ هذا البلاء الذي تعرّض له النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، والذي من أثره أنّه خرج هائمًا على وجهه لا يشعر بما حوله حتى بلغ قرن الثعالب لدليل على علو مكانته عند الله تعالى؛ لأنّ المرء يُبتلى على قدر دينه (3).

__________

(1) قرن الثعالب: هو قرن المنازل في وادي السيل الكبير، وهو أحد المواقيت للحج والعمرة.

(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة ح (3231) ومسلم في الجهاد، باب ما لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين ح (1795) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

(3) عن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه، فإِن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه". أخرجه ابن ماجه في الفتن ح (4023)

استماع الجنّ لقراءة النبيّ (صلى الله عليه وسلم)

فلما نزل بوادي نخلة اليمانية مرجعه إِلى مكة، قام يصلي من الليل، فصُرِف إِليه نفرٌ من الجنّ، فاستمعوا قراءته، ولم يشعرْ بهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حتى نزل عليه قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (1).

هذا الذي ذكره كُتّاب السيرة النبوية أن استماع الجن لقراءته كان عند رجوعه من الطائف، والذي ذكره البخاري في صحيحه (2)، أن استماعهم كان في أول البعثة عندما ذهب إِلى سوق عكاظ ومعه طائفة من أصحابه ولعل الحادثة تكررت.

وأقام بنخلة أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، وقد أخرجوك؟ فقال: "يا زيدُ، إِنّ الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإنّ الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيّه" (3).

فلما انتهى إِلى قرب مكة أرسل رجلًا من خُزاعة إِلى مطعم بن عدي: "أدخلُ في جوارك؟ ". فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإِنّي قد أجرْتُ محمدًا، فدخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة، حتى انتهى إِلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، فنادى: يا معشرَ قريش إِنّي قد أجرتُ محمدًا، فلا يَهِجْهُ أحدٌ منكم.

__________

(1) سورة الأحقاف، الآيات 29 - 32.

(2) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر ح 773.

(3) ابن القيم، زاد المعاد 3/ 33.

فانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الركن، فاسْتلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إِلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته (1).

,

دروس وعبر

:

1 - بعد فقد النبي - صلى الله عليه وسلم - لوالده ثم والدته ذاق مرارة اليتم الكامل، وفي حالته عزاء لكل يتيم يصاب بمثل مُصابِه، وقد تولى الله إِعداده وتربيته، وسخر له من أقاربه من يحوطه ويحفظه ويقوم على شؤونه.

2 - كانت حليمة راغبة في الحصول على رضيع أغنياءٌ أهلُه، وما أخذت محمدًا اليتيم إِلا لأنها لم تجد غيره، فكان في اختيار الله لها خير وبركة حيث حمدت

__________

(1) سنن الترمذي، المناقب، باب بدء نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -ح رقم 3620.

(2) الذهبي، السيرة النبوية ص 28، ط حسام القدسي.

ذلك ورأت البركة من أول يوم أخذت فيه هذا اليتيم، وهكذا ما يختار الله للإِنسان يكون فيه الخير، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1)

3 - نشأة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأولى في البادية -وهي أصفى وأقرب إِلى تزكية الفطرة بجوها الطلق ورباعها الفسيحة- أكسبته الفتوة، وقوة الجسد والأعضاء، وفصاحة اللسان.

4 - في حادثة شق صدره آية من الآيات، وعناية من الباري برسوله، وحماية له وحفظ من الشيطان ونزغاته، وهي إِرهاص مبكر للنبوة.

5 - في رعيه - صلى الله عليه وسلم - للغنم درس للشباب في طلب الكسب الحلال وإِن قَلّ دخله، وفيه بيان للذوق الرفيع والإحساس الرقيق عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان عمه يحوطه بالعناية التامة، لكنه - صلى الله عليه وسلم - أقبلِ على العمل والكسب بنفسه حتى لا يكون كلًا على غيره، وهذا دلالة على شهامة في الطبع، وبذل للوسع، وبر في المعاملة، وسعي لطلب الرزق.

6 - كما أن رعي الغنم قد أتاح له الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، والمتعة بجمال الصحراء، والتطلع إِلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ومناجاة الله تعالى في هدأة الليل وظِلال القمر، كما أتاح له لونًا من التربية النفسية على الصبر والحلم والأناة والرأفة والرحمة، والعناية بالضعيف وحفظه عن الهلكة ومواطن الخطر (2). وفي هذا كله دربة على سياسة الأمم والشعوب.

__________

(1) سورة البقرة: الآية 216.

(2) علي محمَّد الصلابي، السيرة النبوية 1/ 77.

,

دروس وعبر

:

1 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرًا من البشر ويجد في نفسه من الغرائز والميول ما يجده الشباب، فكان يشعر بما في السمّر واللهو من المتعة، وتحدثه نفسه بذلك لكن الله عصمه عن كل مظهر من مظاهر الانحراف، وكل ما لا يتفق مع ما يعده الله له من النبوة (1).

2 - شعور أهل الجاهلية بالخطيئة، ولهذا سموا الحرب التي انتهكوا فيها حرمة الحرم بحرب الفجار، وتجنبوا في نفقات بناء الكعبة الأموال المحرمة والمكاسب غير النظيفة، ومع الأسف يوجد من المسلمين من يتعامل بتلك المكاسب.

3 - الفطر السليمة، تنكر الظلم وتأباه وتحب العدل والإِنصاف، ولهذا تنادى رجال من قريش لعقد حلف الفضول ونصرة المظلوم وخاصة في حرم الله، والأمر الملفت للنظر، أن هذا الحلف لم يكن له أثر بعد البعثة في الدفاع عن المظلومين والمعذبين من المسلمين، وهذا يعطي مؤشرًا لأثر العقيدة في المواقف وأنه لا ينتظر من أهل الشرك والكفر نصرة المؤمنين الموحدين إِذا تعارض مع معتقداتهم، ومواقف مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة من القضايا الإِسلامية نموذج معاصر واضح.

4 - الحل الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمشكلة نزاعهم على الحجر الأسود كان حلًا حكيمًا عادلًا والله يوفق من يشاء من عباده، وهو مقدمة لما يعده الله له من القيام بأمر النبوة والرسالة.

5 - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عصاميًا في حياته، فعمل في صباه برعي الغنم على قلة

__________

(1) الصلابي، السيرة النبوية 1/ 82.

دخله الاقتصادي -قراريط- كما عمل في شبابه بالتجارة على سبيل المقارضة والمضاربة، وفي هذا درس للناشئة وحث على العمل وإن قل دخله.

6 - زواجه - صلى الله عليه وسلم - من امرأة أرملة وتكبره بسنين كثيرة وما جعل الله في ذلك الزواج من الخير والبركة فيه درس للشباب وضرورة مراجعة الصفات التي يشترطها بعض منهم في الزوجة، وأن كِبَرَ السن، وسبق الزواج غير مؤثر إِذا وجدت صفات مكافئة من الخلق والدين.

,

دروس وعبر

:

1 - عداوة المشركين والشياطين للحق وأهله، وأنهم لما عجزوا عن مواجهة الحجة بالحجة لجأوا إِلى منطق القوة والتأمر لتصفية رأس الدعوة وقتله.

2 - حفظ الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ورعايته له حيث أطلعه على مؤامرتهم، وأمره أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة التي تواعدوا فيها للغدر به.

3 - التخطيط الدقيق للإِفلات من مؤامرة الأعداء، والأخذ بالأسباب المشروعة وهذا لا ينافي التوكل على الله.

4 - في الهجرة منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق حيث اختاره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون رفيقه في الهجرة، وأيضًا منقبة لعلي بن أبي طالب الذي تعرض للمخاطر

__________

(1) انظر: طبقات ابن سعد (1/ 230 - 232) والمستدرك للحاكم (3/ 9 - 11)، ومجمع الزوائد (6/ 55 - 58)، وزاد المعاد (3/ 55 - 58).

(2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة ح 3911.

(3) المصدر نفسه، ح 3906.

ونام في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - غير مبال بما يصيبه في سبيل نجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخطر.

5 - الهجرة حدث عظيم في تاريخ الأمة ولهذا أرخ بها المسلمون تاريخهم، ولم يكن انتقال الصحابة من أرضهم سياحة وإِنما خرجوا قسرا إِلى أرض ذات وباء تاركين أموالهم وأولادهم وأرضهم، لكن الله عوضهم خيرا، فصححها لهم وبارك لهم في مُدِّها وصاعِها.

6 - أمانة المسلم ونظافة سلوكه جعلت المشركين يضعون ما يخافون عليه أمانة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد وفي رسول الله بذمته ولم يغدر بهم وهم أعداء، وقد أبقى عليًا ليرد الأمانات التي عنده إِلى أهلها.

7 - من قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ندرك مصداق قوله تعالى: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} (1)، فالوهن مزروع في كيد الكافر، ولا يمكن فصل الوهن من كيده، فالكفرة هنا بذلوا كل ما يستطيعون وأعلنوا الجوائز، وتسابق الناس يبحثون عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله عنه - طمعا في الجائزة، فقلبوا الحجارة وصعدوا الجبال وهبطوا الأودية حتى وقفوا على باب الغار، فصرفهم الله جل شأنه فلم يبصروهم وقد وقفوا عليهم (2).

8 - بقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام، وهو تجويف في الجبل مظلم موحش، مأوى للحشرات والهوام، ومع ذلك كان في طمأنينة وسكينة؛ لأن طمأنينة المؤمن في قلبه وسكينته في نفسه، ومتى استقر الإيمان وانشرح الصدر تحول

__________

(1) سورة الأنفال، آية 18.

(2) انظر: زيد المزيد، فقه السيرة النبوية ص 306.

الغار وكأنه قصر شامخ منيف يطل على الناس من علو، ومتى افتقد صاحب القصر الإِيمان أصبح قصره أضيق عليه من قبره.

9 - في قوله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ .... الآية} (1)، فما النصر؟ إِن النصر الذي يحتفي به القرآن هو النصر المرتبط بتحقيق أهداف أخروية، والمسلم لا يرى هذه الدنيا إِلا وسيلة لتحقيق النصر الذي يرفع منزلته في الآخرة، وهذا النصر هو الذي تقوم به العدالة في الدنيا وتستقيم الحياة وتطمئن النفوس، والنصر قسمان:

الأول: نصر المسلمين إِذا طمعوا في عدوهم، فيتم الله لهم ما طلبوا ويظهروا عليهم.

الثاني: نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر الله له أن يرد عنه عدوه. وهذا النصر هو أنفع النصرين، ونصر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين

من هذا النوع (2).



كلمات دليلية: