صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

شهادة قريش بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم

بعد ثلاث سنوات من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يكلفه الله بالجهر بالدعوة؛ فيصعد النبي صلى الله عليه وسلم فوق جبل الصفا مناديًا: «يا بني فلان.. يا بني فلان» ليجمع القبائل؛ فأتوا إليه جميعًا؛ حتى إنه من كان لا يستطيع أن يأتي، أرسل رسولًا عنه».

ولِمَ ذاك يا ترى؟!!

لأنه نداء من الصادق الأمين! فالكل هنا يشهد بصِدْقه، ويريدون أن يعلموا لِـمَ جمعهم، وما الذي سوف ينبئهم به!

فلما تجمَّعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْجَبَلِ خَيْلًا تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟»(متفق عليه ).

فيُعلِنُها القومُ صريحةً مدويَّةً قائلين: «مَا جرَّبنا عليكَ كَذِبًا قَطُّ»!!

الله أكبر.. لقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم الحُجَّة، فشهادة القوم إقرار منهم أنه صادقٌ غيرُ كذوب؛ فقد عايشوه أربعين سنة قبل البعثة لقبوه فيها بالصادق الأمين؛ فلم يعهدوا عليه كَذِبًا، ولا خيانةً، ولا سوءًا..

هنا صدَعَ النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم بما أُمِر من إبلاغ الرسالة والجهر بها فقال للقوم: «إِنِّي نَذِيرٌ إِلَيْكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، فيردُّ أبو لهبٍ قائلًا: «تَبًّا لكَ أَلِهَذا جَمَعْتَنا؟!!» (رواه مسلم).

تأمل.. حتى بعد قوله صلى الله عليه وسلم لهم إنه نبي، كان ردُّ أبي لهب: تبًا لكَ! ولم يجرؤ أن يُكَذِّبَ النبي صلى الله عليه وسلم ..!! نعم فكفار قريش في قرارة أنفسهم يعلمون صِدْقه، بل أقرُّوا له بذلك، لكنهم لم يؤمنوا به لمصالح وأهواء خاصة بهم.

وبالجملة .. لم يُذكر خُلق محمود إلا وكان للحبيب صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر. وسيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بوقائع تدل على صدقه صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك:

شهادة رب العالمين بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم

فالصدق له صلى الله عليه وسلم منه القسط الأكبر، والحظ الأوفر، شهد له بذلك القاصي والداني، ويكفيه صلى الله عليه وسلم شهادة ربه عز وجل مُزكِّيًا له صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) [الزمر: 33]

وصدق الله ـ عز وجل ـ حين قال عنه صلى الله عليه وسلم: (بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِين) [الصافات:37]

وقال تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:2: 4]

ليس شيء أنفع للعبد من صدق ربه في جميع أموره، مع صدق العزيمة، فَيصْدُقه في عَزْمه وفي فِعْله، قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم) [محمد:21] فسعادته في صدق العزيمة وصدق الفعل ... ومن صدَق اللهَ في جميع أموره صنع له فوق ما يصنع لغيره.

كيف تضع لنفسك خُطَّة لتكون صادقًا في كل أحوالك؟

شهادة العِلْم الحديث بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم

يدل على ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ "». (رواه البخاري).

إن هذا الحديث حينما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أغرب من الخيال، فلم يكن هناك أي دليل عليه، أما الآن فإنه أصبح من مقتضيات العلم الحديث، فمن الذي أعلمه بذلك؟!!

شهادة أعداء الرسول في حياته بصدقه صلى الله عليه وسلم

«شهادة أبي سفيان»

وخير شاهد على ذلك حديث أبي سفيان - قبل إسلامه - مع هرقل عظيم الروم، ومنها:

سؤال هرقل لأبي سفيان: «.. فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا..»، وفي آخر القصة يقول هرقل لأبي سفيان: «وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، فزعمت أن لا، فعرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى» (فتح الباري ).

وفي هذا دليلٌ واضحٌ على صدق نُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم مما أخبر به أبو سفيان وشهد به؛ فقد رآه بعينه، وعايشه بعقله وجوارحه.

فقد لمس منه صلى الله عليه وسلم الصدق؛ فللصدق رائحة لا تشم بالأنوف ولكن تحس بالقلوب!!

«شهادة أبي جهل»

لم تكن شهادة أبي سفيان بن حرب وحدها من عَدُوٍّ عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنصفه، بل كانت هناك شهادة أكثر أعداء رسول الله كُرْهًا له

إنه أبو جهل! لقد شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق والنُّبُوَّة؛ حينما سأله ابنُ أخيه المِسْوَرُ بن مخرمة عن حقيقة محمد قائلًا: «يا خالي، هل كنتم تَتَّهِمُون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

فقال: يا ابن أختي، والله! لقد كان محمد فينا وهو شابٌّ يُدْعَى الأمين، فما جَرَّبْنَا عليه كذبًا قطُّ.

قال: يا خال، فما لكم لا تَتَّبِعُونه؟

قال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأَطْعَمُوا وأَطْعَمْنَا، وسَقَوْا وسَقَيْنَا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا تجاثينا على الرُّكَبِ كُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قالوا: مِنَّا نبي. فمتى نُدْرِكُ مثل هذه؟!» (السيرة النبوية لابن هشام).

وسأله الأخنسُ بن شُريق يومَ بدر: يا أبا الحكم، أَخْبِرْنِي عن محمد؛ أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحدٌ غيري وغيرك يسمع كلامنا.

فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدًا لصادقٌ، وما كذب محمدٌ قطُّ، ولكن إذا ذهبتْ بنو قُصَيٍّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ (ابن القيم: هداية الحيارى).

شَهِدَ الأنامُ بصِدْقِهِ حتى العِدَا والحقُّ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ

إنه اعتراف قاطع ودليلٌ واضح على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وممن؟! من أبي جهل العدُوِّ الأوَّل للدعوة الإسلامية! ولا شك أن شهادة الأعداء على صدقه صلى الله عليه وسلم لها وزنها؛ إذ تدل على مدى الصدق الذي كان يتصف به صلى الله عليه وسلم عند الجميع.

صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في الجد والهزل

عرف عنه صلى الله عليه وسلم صدقه في الجد، أما في الهزل فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أصحابه، ولكن لم يكن يقول إلا صدقًا، كما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» (رواه الطبراني).

ومن صدقه صلى الله عليه وسلم في الفكاهة: «أنَّ رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، احمِلْني، قال النبيُّ» صلى الله عليه وسلم : «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ»، قال: «وما أصنع بولدِ الناقةِ؟» فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلُ إِلَّا النُّوقَ»؟!!(رواه أبو داود).

بل حذَّر صلى الله عليه وسلم من الكذب مازحًا فقال: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ وَيْلٌ لَهُ» (رواه أحمد وأبو داود).

هل ترى أن المزاح مبرر للكذب؟

صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في الغضب والرضا

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «كنت أكتُبُ كل شيء أسمَعُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظَه، فنهَتْني قريش»

وقالوا: «أتكتب كلَّ شيء ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَشرٌ يتكلَّم في الغضبِ والرِّضا؟!» فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعِه إلى فِيه فقال: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ» ( رواه أحمد).

صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب

حتى في الحرب التي أُبيح فيها الكذب وخداع العدو كان صلى الله عليه وسلم صادقًا، ومن ذلك ما رواه ابن كثير (في السيرة النبوية) حيث قال: «خرج رسول الله ومعه أبو بكر الصديق ليتعرَّفا أخبار قريش، فوقفا على شيخٍ من العرب

فسأله رسول الله عن قريشٍ وعن محمدٍ وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟

فقال رسول الله: «إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ»، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به رسول الله - وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي فيه قريشٌ- فلمَّا فرغ من خبره

قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله: «نَحْنُ مِنْ مَاءٍ». ثم انصرف عنه..»، والله تعالى قال: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: الآية30]. وهذا ما كان يقصده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «نَحْنُ مِنْ مَاءٍ»، وبهذا يكون صدق في حديثه للرجل؛ فقد كان إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم الشيخ عن حقيقة هويته يُشكِّل خطرًا على المسلمين، رُغم ذلك لم يلجأ النبي إلى الكذب، بل استخدم التورية والتعريض، وفي المَعاريض مندوحة عن الكذب، وبذلك حفظ جناب الصدق في قوله بلا إضرار بالمصلَحة العامَّة.

هل هناك فرق بين الكذب والتورية؟ وضح ما تقول من حياته صلى الله عليه وسلم .

- ما ردك على من يزعم أن الكذب «الأبيض»جائز طالما لم يضرَّ؟ وما حكم ما يسمى بكذبة إبريل ..؟

- اذكر ثلاثة مواقف أعجبتك تدل على الصدق في حياته صلى الله عليه وسلم.

كيف تقتدي به صلى الله عليه وسلم

1. تحرَّ الصدق دومًا في كل أقوالك وأفعالك، والتزم به وبأهله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

2. إذا تعرضتَ لموقف أردتَ فيه تبرير عملك، فلا نجاة لك إلا بالصدق؛ فإنه نجاة لصاحبه.

3.اصدق في كل أحوالك: هزلك، وجدك. قال صلى الله عليه وسلم: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ ‏فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ»(رواه أحمد).

4. اصدق في حديثك وفي عملك ونيتك وعزمك، قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم)[محمد: 21].

5. اقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم وكن صادقًا، تنل أجر الصادقين، ثم احترامك لذاتك واحترام الناس لك.