سيِّدًا_13113

سيِّدًا


الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه

أما مؤذنوه فأربعة: اثنان بالمدينة:

بلال بن رباح،

__________

"الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه": لا محل للجمع في هذا؛ إذ لم يذكر إلّا واحدًا، إلا أن تكون الإضافة في الجميع للجنس الصادق بالواحد، وهو الخطب والمعتد وهم من عداه. "وحداته" جمع حادي, "وشعرائه" الذين ناضلوا عنه وهجوا كفار قريش، "أما مؤذنوه" أي: بيانهم "فأربعة، اثنان بالمدينة: بلال بن رباح" بفتح الراء وخفة الموحدة فألف فمهملة، "وأمه حمامة" بفتح المهملة وخفة الميم, الصحابية، وبها اشتُهر, ذكرها أبو عمر فيمن كان يعذَّب في الله،

وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق، وهو أوّل من أذن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء، إلّا أنَّ عمر لما قدم الشام حين فتحها أذَّن بلال، فتذكَّر النبي -صلى الله عليه وسلم، قال أسلم -مولى عمر بن الخطاب: فلم أر باكيًا أكثر من يومئذ،

__________

فاشتراها أبو بكر، فأعتقها "مولى أبي بكر الصديق" ولاء عتاقة.

وجاء عن أنس عند الطبراني وغيره أنه حبشي، وهو المشهور, وقيل: نوبيّ. ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، "وهو أوّل من أذَّن لرسول الله -صلى الله عليه وسلم" حين شرع الآذان، ورآه عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام، فقال -صلى الله عليه وسلم: "قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتًا" , "ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء, إلّا أنَّ عمر لما قدم الشام حين فتحها، أذَّن بلال"، استثناء متصل، أي لم يوجد منه أذان لأحد إلّا لعمر, أو منقطع، أي: لم يتخذه أحد من الخلفاء مؤذنًا، لكنه أذّن عند عمر بلا اتخاذ، "فتذكَّر النبي -صلى الله عليه وسلم، قال أسلم مولى عمر بن الخطاب" الثقة المخضرم، المتوفَّى سنة ثمانين، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة: "فلم أر باكيًا أكثر من يومئذ"، وفي نسخة: من ذلك اليوم، أي: لم أر إنسانًا يبكي أكثر من بكاء كل واحد يومئذ، أو لم أر قومًا يبكون أكث من الباكين يومئذ؛ لأنَّ باكيًا نكرة في سياق النفي فتعمّ، فلا يراد أن باكيًا مفعول رأى, وأكثر حال إن كانت بصرية، ومفعول ثانٍ إن كان علمية، وعليهما لا يصح وصف الباكي بأنه أكثر من الباكين، ولا يراد أن دلالة العام كلية، أي: محكوم فيها على كل فرد؛ لأن هذه قاعدة أكثرية على أن النظر في نحو هذا إنما هو لمذهب النحاة، أو يقال: إن باكيًا صفة لمتعدد في المعنى، أي: فريقًا باكيًا, على أنه يمكن التخلص من أصل الإيراد بأنه ليس المراد الكثرة في نفس الأفراد التي نشأ الإشكال منها, بأن يقدَّر أن أكثر صفة لموصوف محذوف هو بكاء، أي: لم أر باكيًا بكاءً أكثر من بكاء الباكين يومئذ.

وروى البخاري أن بلالًا قال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله.

زاد ابن سعد، قال أبو بكر: أنشدك الله وحقي، فأقام معه حتى توفي، فتوجَّه إلى الشام مجاهدًا بإذن عمر.

وروى ابن عساكر بسند جيد عن بلال، أنه لما نزل بداريا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني، فانتبه حزينًا خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما, فقالا: نتمنَّى، نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فعَلَا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمَّا قال: الله أكبر, ارتجت المدينة، فلمَّا

وتوفي سنة سبع عشرة، أو ثمان عشرة أو عشرين بداريا بباب كيسان، وله بضع وستون سنة، وقيل: دفن بحلب، وقيل: بدمشق.

وعمرو بن أم مكتوم القرشي الأعمى، وهاجر إلى المدينة قبل النبي -صلى الله عليه وسلم.

وأذَّن له -عليه

__________

قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ازدادت رجَّتها، فلمَّا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، خرجت العواتق من خدورهنّ، وقالوا: بُعِثَ رسول الله، فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعده -صلى الله عليه وسلم- أكثر من ذلك اليوم، "توفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة"، بفتح النون، وحذف الياء على قلة، "أو عشرين".

هكذا ساوى بين الأقوال الثلاثة في التقريب، لكن قال: وقيل: سنة عشرين، وصدر في الفتح بالثاني، "بداريا" بفتح الدال والراء والياء الثقيلة, قرية بدمشق "بباب كيسان" بفتح فسكون, محل معروف بها، "وله بضع وستون سنة، وقيل: دفن بحلب"، ذكره ابن منده وردَّه المنذري وقال: الذي دفن بحلب أخوه خالد، "وقيل: بدمشق", وصحَّحه الذهبي فقال: مات على الصحيح بدمشق سنة عشرين، وفي فتح الباري كانت وفاته بدمشق, ودفن بباب الصغير، وبهذا جزم النووي، وقيل: دفن بباب كيسان، وقيل بداريا، وقيل: بحلب.

وردَّه المنذري، وزعم ابن السمعاني أن بلالًا مات بالمدينة وغلَّطوه. انتهى. "وعمرو" على الأكثر، وقيل عبد الله، وقيل: كان اسمه الحصين, فسماه -صلى الله عليه وسلم- عبد الله، قال في الفتح: ولا يمتنع أنه كان له اسمان "ابن أم مكتوم" نُسِبَ لأمّه وهي عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنه ولد أعمى، فكنِّيت أمه به لاكتتام نور بصره، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين، كذا وقع في الفتح، وتعقب أن نزول عبس بمكة قبل الهجرة، فلعلَّ أصله بعد البعثة.

وقد روى ابن سعد والبيهقي عن أنس أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك، قال: وأنا غلام، ولفظ البيهقي: وأنا صغير، فقال: قال الله -تبارك وتعالى: "إذا ما أخذت كريمة عبدي، لم أجد له بها جزاء إلا الجنة"، والأشهر في اسم أبيه: قيس بن زائدة "القرشي" العامري "الأعمى"، المذكور في سورة عبس، ونزلت فيه غير أولي الضرر، كما في البخاري، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديمًا بمكة، "وهاجر إلى المدينة قبل النبي -صلى الله عليه وسلم"، وقيل: بعده وبعد بدر بيسير.

قال الواقدي والأول أصح، وكان -صلى الله عليه وسلم- يكرمه، واستخلفه ثلاث عشرة مرة، قاله ابن عبد البر: شهد القادسية في خلافة عمر ومعه اللواء، فاستشهد بها، قاله الزبير بن بكار، وقال الواقدي: بل شهدها ورجع إلى المدينة فمات بها, ولم يسمع له بذكر بعد عمر، "وأذَّن له -عليه

الصلاة والسلام- بقباء، سعد بن عائد أو ابن عبد الرحمن, المعروف بسعد القرظ وبالقرظي، مولى عمَّار، بقي إلى ولاية الحجَّاج على الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين.

وبمكة أبو محذورة، واسمه: أوس الجمحي المكي، أبوه: معير -بكسر الميم وسكون وفتح التحتانية, مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: تأخَّر بعد ذلك.

__________

الصلاة والسلام- بقباء بعد بن عائد، أو ابن عبد الرحمن, المعروف بسعد القرظ" بالتنوين بلا إضافة صفة له؛ لأنه كان يتَّجِر فيه, حتى كأنه صار جزء علم "وبالقرظي" بفتحتين وظاء معجمة نسبة للقرظ أيضًا, وغلط من ضمها؛ لأنه نسبة إلى بني قريظة، وليس هو منهم، إنما هو "مولى عمَّار" بن ياسر، وقيل: مولى الأنصار.

روى البغوي عن القاسم الحسن بن محمد بن عمرو بن حفص بن عمر بن سعد القرظ, عن آبائه, أن سعدًا شكا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق، فاشترى شيئًا من قرظٍ فباعه، فربح فيه، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم، فأمره بلزوم ذلك.

روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم، وعنه ابناه عمّار وعمر، قال أبو عمر: نقله أبو بكر من قباء إلى المسجد النبوي، فأذَّن فيه بعد بلال، وتوارثت عنه بنوه الأذان، قال خليفة: أذَّن لأبي بكر ولعمر بعده.

وروى يونس عن الزهري: أن الذي نقله عن قباء عمر "بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين"، كما في التقريب وغيره. "وبمكة أبو محذورة واسمه: أوس"، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، وقيل: معير، وقيل: عبد العزيز.

قال البلاذري: لا يثبت أنه أوس، لكن، قال ابن عبد البر: اتفق الزبير وعمّه وابن إسحاق والسمعي على أن اسمه أوس، وهم أعلم بأنساب قريش، ومن قال اسمه سلمة، فقد أخطأ, "الجمحي" القرشي "المكي أبوه" اسمه "معير -بكسر الميم وسكون العين وفتح التحتانية" هذا هو المشهور، وحكى ابن عبد البر أن بعضهم ضبطه بفتح العين وتشديد التحتانية عدها نون، وقيل: اسمه سمرة، وقيل: محيريز، وقيل: عمر.

روى أبو محذورة عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه علمه الأذان، وقصته في مسلم وغيره، وفي رواية أن تعليمه إياه كان بالجعرانة.

قال ابن الكلبي: ولم يهاجر، بل أقام حتى "مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: تأخَّر بعد ذلك" حتى مات سنة تسع وسبعين، كما في الإصابة, وفي الروض: لما سمع أبو محذورة الأذان سنة الفتح، وهو مع فتية من قريش خارج مكة أقبلوا يستهزؤن، ويحكون صوت المؤذن غيظًا،

وكان منهم من يرجِّع الأذان ويثنِّي الإقامة، وبلال لا يرجِّع ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعي بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة وإقامة بلال. وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة.

__________

فكان أبو محذورة من أحسنهم صوتًا، فرفع صوته مستهزئًا بالأذان، فسمعه -صلى الله عليه وسلم، فأمر به، فمثل بين يديه وهو يظن أنه مقتول، فمسح -صلى الله عليه وسلم- ناصيته وصدره قال: فامتلأ قلبي نورًا وإيمانًا ويقينًا، وعلمت أنه رسول الله، فألقى عليه الأذان وعلَّمه إياه، وأمره أن يؤذّن لأهل مكة وهو ابن ست عشرة سنة، فكان يؤذنهم حتى مات، ثم عقبه بعده يتوارثون الأذان كابرًا عن كابر، "وكان منهم" أي: بعضهم، وهي فائدة الاستطرادية، أو نشأت عن سؤال هو معلوم اختلاف المذاهب في الأذان والإقامة، فما كان يفعله مؤذنوا المصطفى الذين ذكرتهم، فأجاب بأنه كان منهم "من يرجِّع الأذان، ويثنِّي الإقامة"، وهو أبو محذورة، "وبلال لا يرجِّع، ويفرد الإقامة"، أي: كلماتها إلا لفظ ق قامت الصلاة, بدليل قوله: "فأخذ الشافعي بإقامة بلال"؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- سمعه وأقرَّه, فليس استدلالًا بفعل الصحابي, والشافعي لا يقول به لا بأذانه بل بأذان أبي محذورة، "وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة" وهو ترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وإقامة بلال"، وهذا تطويل بلا طائل، فلو قال: وأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال لدفع ما يوهمه لفظه، "وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة"، فقالوا: بترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير"، أي: تربيعه، فقال: بعدمها "وتثنية لفظ الإقامة"، فقال بإفرادها عملًا بقوله -صلى الله عليه وسلم: "الأذان والإقامة واحدة"، رواه ابن حبان.

وروى الدارقطني وحسَّنه في حديث لأبي محذورة، وأمر أن يقيم واحدة واحدة، ثم المصنف في عهدة أنه خالف أهل المدينة، كما زعمه كابن القيم، فمالك بعملهم أدرى، ونصب الجدل يطول، وقد علم مما قررته أن إعادة بدل من موضعين بيان للمفعول في خالفهم، فهو بيان للمخالف اسم مفعول لا اسم فاعل، لأن الأولى بالذكر من القولين ما نسب لمن خالفه من جعل فاعلًا، وترك المصنف ممن أذن زياد بن الحارث الصدائي -بضم المهملة- أذن مرة، فقال -صلى الله عليه وسلم: "من أذن فهو يقيم"، أخرجه أحمد وأصحاب السنن؛ لأنه لم يتكرر, ونظم الخمسة البرماوي، فقال:

لخير الورى خمس من الغر أذَّنوا ... بلال ندي الصوت بدأ يعين

وعمر والذي أم لمكتوم أمه ... وبالقرظ أذكر سعدهم إذ يبين

وأما شعراؤه -عليه الصلاة والسلام- الذين يذبّون عن الإسلام: فكعب بن مالك.

وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري.

__________

وأوس أبو محذورة وبمكة ... زياد الصدائي نجل حارس يعلن

وعبد العزيز بن الأصم، ذكره أبو نعيم في الصحابة في بعض النسخ، وروى الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر: كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- مؤذنان: أحدهما بلال، والآخر عبد العزيز بن الأصم. قال في الإصابة: وهو غريب جدًّا، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف، ثم ظهرت لي علته، وهو أن أبا قرة موسى بن طارق أخرج مثله، وزاد: وكان بلال يؤذن بليل يقوظ النائم، وكان ابن أم مكتوم يتوخَّى الفجر، فلا يخطئه. فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم، والمشهور في اسمه عمرو، وقيل عبد الله بن قيس بن زائدة ابن الأصم، فالأصم اسم جد أبيه, نسب إليه في هذه الرواية. انتهى، "وأما شعراؤه -عليه الصلاة والسلام- الذين يذبّون" بضم الذال، يدفعون "عن الإسلام"، ويحمون, لا الذين مدحوه بالشعر من رجال الصحابة ونساهم، فإن اليعمري جمعهم في مؤلف، فقارب بهم مائتين، "فكعب بن مالك" الأنصاري السلمي -بفتحتين, شهد العقبة، وبايع بها، وتخلّف عن بدر، وشهد أحدًا وما بعدها، وتخلّف عن تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تيبت عليهم, قال ابن سيرين: له بيتان كانا سبب إسلام دوس:

قضينا من تهامة كلب وبر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا

تخبرنا ولو نطقت لقالت ... قواطعن دوسًا أو ثقيفًا

فلمَّا بلغ ذلك دوسًا، قالوا: خذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. مات في خلافة علي، وقيل معاوية.

روى أحمد عن كعب المذكور، قال: قال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "اهجوا المشركين بالشعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما ينضحونهما بالنبل" , "وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري"، أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها, إلى أن استشهد في مؤتة, ومناقبه كثيرة.

قال المرزباني في معجم الشعراء: كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الحطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله:

لو لم يكن فيه آيات مبينة

... كانت بديهته تنبيك بالخبر

وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن عروة، لما نزلت {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} ، قال ابن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية.

وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري، دعا له -عليه الصلاة والسلام- فقال: "اللهم أيده بروح القدس"، فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتًا، وفي الحديث: "إن جبريل مع حسان ما نافح عني"، وهو بالحاء المهملة, أي: دافع، والمراد هجاء المشركين ومجاوبتهم على أشعارهم.

__________

وعند ابن عساكر عن هشام بن حسان أن عبد الله لما قال للمصطفى:

فثبت الله ما آتاك من حصن ... كالمرسلين ونصرًا كالذي نصروا

قال له -صلى الله عليه وسلم: "وإياك يا سيد الشعراء"، "وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام" بالمهملتين، "الأنصاري" الخزرجي، وأمه الفريعة -بالفاء والعين المهملة, مصغر, بنت خالد, خزرجية أيضًا, أسلمت وبايعت, وإليها كان ينسب، فيقال: قال ابن الفريعة: ونسب هو نفسه إليها في قوله:

أمسى الحلائب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أضحى بيضة البلد

"دعا له -عليه الصلاة والسلام- فقال كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، قال: مر عمر بحسان في المسجد وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله, أسمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أجب عني"، "اللهم أيده"، أي: قوّه "بروح القدس".

قال أبو هريرة: نعم، والمراد: جبريل؛ لحديث الشيخين عن البراء أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لحسان: "اهجم، أو هاجهم وجبريل معك" , "فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتًا" كما أخرجه ابن عساكر، وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني عن بريدة، قال: أعان جبريل حسان بن ثابت عن مدحه النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبعين بيتًا، "وفي الحديث: "إن جبريل مع حسان ما" مصدرية "نافح عني"، وفي مسلم عن عائشة, سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، قالت: وسمعته يقول: "هجاهم حسان فشفى وأشفى" وهو بالحاء المهملة" قبلها فاء، "أي: دافع، والمراد" بذلك "هجاء المشركين ومجاوبتهم" بجيم ثم واو فموحدة "على أشعارهم" التي كانوا يلمزون بها الإسلام وأهله، كقوله يوم بدر مجيبًا لابن الزبعري المسلم في الفتح, لما رثى أصحاب القليب بأبيات، فقال حسان:

ابك بكت عيناك ثم تبادرت ... بدم تعل عروقها بسجام

وإذا بكيت به الذين تبايعوا ... هلا ذكرت مكارم الأقوام

وذكرت منا ماجدًا ذا همة ... سمح الخلائق صادق الأقدام

فلمثله ولمثل ما يدعو له ... كان الممدح ثم غير كهام

ومجاوباته لهم كثيرة، فكم يقول ابن إسحاق في السيرة، قال فلان من الكفار: كذا، فأجابه

وعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه حرام، كل واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة، وتوفي حسان سنة أربع وخمسين.

ولما جاءه -عليه الصلاة والسلام- بنو تميم، وشارعهم الأقرع بن حابس، فنادوه يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين.

__________

حسان بكذا.

وفي نسخة ومحاربتهم بمهملة, أي: مغالبتهم ومدافعتهم بالشعر, سماه حربًا مجازًا.

وقد روى أبو داود عن عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجونه -صلى الله عليه وسلم، فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله".

وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن عروة: أن حسان ذكر عند عائشة، فقالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين, لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق" , وعاش مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية وستين في الإسلام" كما قاله ابن سعد، "وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه" بواسطة "حرام, كل واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة"، إيضاح لما أفاده التشبيه, لا بقيد الجاهلية والإسلام، فإنها كلها في الجاهلية، كما هو بَيِّن، ثم المصنف في عهده أن حرام عاش كذلك، ولعل أصله وجد أبيه عمرو بن حرام، فالذي قاله ابن منده وابن سعد: وكذلك عاش أبوه وجده وأبو جده, لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد اتفقت مدة تعميرهم مائة وعشرين سنة غيرهم، قال في ريح النسرين: ويشبه هذا أن لسانه كان يصل لجبهته ونحره، وكذا كان أبوه وجده وابنه عبد الرحمن، قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر المصطفى في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، "وتوفي حسان سنة أربع وخمسين" قال في الإصابة: وذكر ابن إسحاق أنه سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، فقال: قدم -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ولحسان ستون سنة، فعلى هذا يلزم من قال: مات سنة أربع وخمسين أنه بلغ مائة وأربع عشرة، أو سنة خمسين مائة وعشرة، أو سنة أربعين مائة أو دونها، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين، قيل مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي خيثمة عن المدائني، "ولما جاءه -عليه الصلاة والسلام" سنع تسع "بنو تميم"، وكانوا سبعين فيما قيل، "وشاعرهم الأقرع بن حابس" الصحابي الشهير، "فنادوه" من وراء الحجرات، "يا محمد, اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين, وذمَّنا شين"، وعند ابن إسحاق، فآذى

فلم يزد -عليه الصلاة والسلام- على أن قال: "ذلك الله, إذا مدح زان, وإذا ذمَّ شان، إني لم أبعث بالشعر، ولم أؤمر بالفخر، ولكن هاتوا"، فأمر -عليه الصلاة والسلام- ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم، فقام الأقرع بن حابس شاعرهم وقال:

أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر

__________

ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من صياحهم، وخرج إليهم، "فلم يزد -عليه الصلاة والسلام- على أن قال ذلك" الموصوف بما قلتموه، "الله إذا مدح زان" من مدحه، "وإذا ذمَّ شأن" من ذمه، وصلى -صلى الله عليه وسلم- الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، وقال: "إني لم أبعث بالشعر، ولم أؤمر بالفخر، ولكن هاتوا"، وعند ابن إسحاق، فقالوا: ائذن لخطيبنا وشاعرنا، فقال: "أذنت لخطيبكم فليقل"، فقام عطارد بن حاجب، فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا, نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا وعدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا لأكثرنا الكلام، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك، أقول هذا، لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، "فأمر -عليه الصلاة والسلام" خطيبه "ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم" عطارد بن حاجب، كما رأيت، وتجويز أنه الأقرع من عدم الاطلاع، وخطيب القوم لغة من يتكلّم عنهم، "فخطب فغلبهم"، وعن ابن إسحاق، فقال -صلى الله عليه وسلم- لثابت: "قم فأجب الرجل في خطبته"، فقام، فقال: الحمد الله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسّع كرسه علمه، ولم يكن شيء قط إلّا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى خير خلقه رسولًا، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، وأنزل عليه كتابًا, وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله في العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- المهاجرون من قومه، وذوي رحمه أكرم الناس أحسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كنَّا أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعانا رسول الله، ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله، منع ماله ودمه ومن فكر جاهدناه في الله، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.

"فقام الأقرع بن حابس شاعرهم، فقال" الذي ذكره ابن هشام عن بعض علماء الشعر، فقام الزبرقان بن بدر، فقال: "أتيناك كما يعرف"، وفي لفظ يعلم، وما زائده "الناس فضلنا، إذا خالفونا" أي: جاءوا بعدنا، وفي نسخة إذا خالفونا، والظاهر الأولى لإفادتها أن قصدهم معرفة فضلهم لمن يخلفهم إذا بلغهم ما فاخروا به، أما معرفة فضلهم لمعارضهم، فهي عندهم لا تخفى

........................... ... ..................... المكارم

وأنا رءوس الناس في كل معشر ... وأن ليس في أرض الحجاز كدار

فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- حسانًا يجيبهم, فقام فقال:

بني دارم ل تفخروا إن فخركم ... يعود وبالًا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخروه وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم

__________

"عند ذكر المكارم" ظرف ليعرف.

وفي رواية: إذا اختلفوا عند احتضار المواسم، "و" يعرفون "أنا" بفتح الهمزة "رءوس الناس" عظماؤهم وأشرافهم, شبه الواحد منهم بالرأس مجازًا؛ لأنه أشرف ما فيه لموته بإزالته، أو المراد أصولهم، وفي المصباح: رأس المال أصله, "في كل معشر" طائفة، وفي لفظ: في كل موطن، "وأن ليس في أرض الحجاز كدارم" بكسر الراء, بطن من تميم, وبعد هذين عند ابن هشام:

وأنا نذود المعلمين إذا انتحوا ... ونضرب رأس إلّا صيدًا المتفاقم

وأنا لنا المرباع في كل غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم

"فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- حسانًا" بالصرف على أنه من الحسن، ومنعه على أنه من الحسن، كذا جوَّزه الجوهري وغيره، قال ابن مالك: والمسموع فيه منع الصرف "يجيبهم، فقال قال":

هل المجد إلا السود والعود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النبي محمدًا ... على أنف راض من معد وراغم

زكي جريد أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حلَّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كل باغٍ وظالم

جعلناه بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسًا بفيء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهقات الصوارم

ونحن ولدنا في قريش عظيمها ... ولدنا نبي الخير من آل هاشم

بني دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالًا عند ذكر المحارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندًّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيًّا كزي الأعاجم

هكذا أنشدنا كلها ابن هشام في السيرة، وهبلتم، أي: تعاظمتم علينا حال كونكم تفخرون، والحال أنكم خول لنا دائرين بين قن وخادم، في القاموس، هبلته أمه كفرح: ثكلته، لكنه لا يظهر

..........................................................................

__________

هنا لنسبة الفعل إلى المخاطبين، ولم يجعلوهم مفعولين، فلم يقل: هبلناكم إلّا أن يكون استعير لذلك، أي ثكلتم، ثم استأنف استفهامًا إنكاريًّا، فقال: تفخرون بحذف أداة الاستفهام، فعلينا متعلق بالفعل بعده، غير أن هذا بعيدًا، ولذا لم يذكره شيخنا، وإن قرَّره، وتفسيره بأقبلتم، وإن ظهر معناه، لكن لا تساعد عليه اللغة، وعند ابن إسحاق، فقام الزبرقان بن بدر، فقال:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصيب البيع

وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل الغر يتبع

ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس الفزع

فما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويًا ثم نصطنع

فننحر الكوم عبطًا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا

فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلّا استكانوا وكاد الرأس يقتطع

فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع

إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع

وكان حسان غائبًا، فبعث إليه -صلى الله عليه وسلم، فقال: "قم فأجبه"، فقام, فقال:

إن الذوائب من فهر وإخوته ... قد بينوا سنة للناس تتبع

يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع

قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع

إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع

لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا

إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى فنعوا

أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع

لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسسهم من مطمع طبع

إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع

نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا

لا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع

كأنهم في الوعي والموت مكتنع ... أسد بجلبة في أرساغها فدع

خذ منهم ما أتى عفوًا إذا غضبوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا

وكان أوّل من أسلم شاعرهم.

وكان أشد شعرائه -عليه الصلاة والسلام- على الكفار حسان وكعب.

ولما رجع -عليه الصلاة والسلام- من تبوك, وفد عليه همدان، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، جعل مالك النمط يرتجز بين يديه

__________

فإنَّ في حربهم فاترك عداوتهم ... شرًّا يخاض عليه السم والسلع

أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشيع

أهدى لهم مدحتي قلب يوازره ... فيما أحب لسان حائك صنع

فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... إن جد بالناس جد القول، أو سمعوا

قال: فقال الأقرع بن حابس، وأبى أن هذا الرجل المؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلمَّا فرغ القوم أسلموا، "وكان أوَّل من أسلم شاعرهم" الزبرقان بن بدر، لا الأقرع بن حابس، فإنه وفد قبلهم، وأسلم وشهد الفتح وحنينًا والطائف، وكان من المؤلَّفة، وحسن إسلامه، ولما حضر وفد قومه بني تميم كان معهم، كما ذكره بن إسحاق، قال: وجوزهم -صلى الله عليه وسلم، فأحسن جوائزهم، "وكان أشد شعرائه -عليه الصلاة والسلام- على الكفار حسَّان"؛ لأنه كان يقبل بالهجو على أنسابهم فيألمون، ويزيّف آراءهم، ويلزمهم الحجة التي لا يستطيعون لها ردًّا.

"وكعب" بن مالك كان كثير المناقضة، ويخوّفهم بالحرب، وابن رواحة يعيرِّهم بالكفر، وكانوا لا يبالوا بأهاجيه، فلمَّا أسلم من أسلم منهم وجدوا أهاجيه أشد وأشق، وفي مسلم عن عائشة، قال -صلى الله عليه وسلم: "اهجوا المشركين، فإنه أشد عليهم من رشق النبل"، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: "اهجهم"، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان، فقال: "قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه"، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابهم، وإن لي فيهم نسبًا حتى يلخّص لك نسبي"، فأتاه حسان ثم رجع، فقال: يا رسول الله، لقد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق نبيًّا لأسلنك، كما تسلّ الشعرة من العجين. الحديث، "ولما رجع -عليه الصلاة والسلام- من تبوك وفد عليه" من جملة الوفود سنة تسع "همدان" بفتح فسكون، "وعليهم مقطعات" ثياب قصار؛ لأنها قطعت عن لوث القمام، أو كلّ ما يفصّل ويخيط من قميص وغيره، كما في النهاية, "الحبرات" بكسر المهملة وفتح الموحدة, جمع حبرة, برود تصنع باليمن، "والعمائم العدنية" بفتحتين، نسبة إلى مدينة باليمن معروفة "جعل مالك النمط"، كذا في النسخ، وصوابه: ابن النمط بن قيس الهمداني، الصحابي "يرتجز بين يديه

عليه الصلاة والسلام.

وكان خطيبه -عليه الصلاة والسلام- ثابت بن قيس بن شمّاس -بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة- وهو خزرجي، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وكان خطيبه وخطيب الأنصار، واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة.

وكان يحدو بين يديه -عليه الصلاة والسلام- في السفر عبد الله بن رواحة، وفي رواية الترمذي في الشمائيل عن أنس أنه -عليه الصلاة والسلام- دخل مكة في عمرة القضية, وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم............

__________

عليه الصلاة والسلام" يقول:

إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف

مخطمات بخطام الليف

كما عند ابن هشام وتأتي القصة إن شاء الله تعالى، وكان المصنف أراد بذكر هذه القطعة في الشعراء تجويز عد مالك بن النمط من شعراء المصطفى، ولا يخفى ما فيه، فغاية ما ذكره أنه مادح، لا من الذابين الذين الكلام فيهم.

"وكان خطيبه -عليه الصلاة والسلام- ثابت بن قيس بن شمّاش بمعجمة" مفتوحة "وميم مشددة، وآخره مهملة، وهو خزرجي، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم، بالجنة" في قصة شهيرة، رواها موسى بن أنس عن أبيه.

أخرج أصل الحديث مسلم، "وكان خطيبه وخطيب الأنصار" روى ابن السكن عن أنس، قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فقال: نمنَّعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، فما لنا، قال: "الجنة"، قال: رضينا، "واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة"، ونفذت وصيته بمنام، كما تقدَّم في الكتاب، ولا يعلم من أجيزت وصيته بعد موته غيره، "وكان يحدو بين يديه -عليه الصلاة والسلام- في السفر عبد الله بن رواحة"، الأمير المستشهد بمؤتة، أي: يقول الحداء -بضم المهملة، وهو الغناء للإبل.

"وفي رواية الترمذي في الشمائل"، ولا داعية للتقييد، فكذا في سننه "عن أنس" بن مالك "أنه -عليه الصلاة والسلام والسلام- دخل مكة في عمرة القضية, وابن رواحة يمشي بين يديه، ويقول: خلو" تنحوا يا "بني الكفار عن سبيله" طريقه "اليوم نضربكم" بسكون الباء تخفيف، كقراءة أبي عمر، وإن الله يأمركم وقوله:

اليوم أشرب غير مستحقب

....................... ... ............. على تنزيله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

وقد تقدَّم مزيد لهذا في عمرة القضية والله أعلم.

وعامر بن الأكوع -بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو وبالعين المهملة- وهو عمّ سلمة بن الأكوع، واستشهد يوم خيبر، ومرَّت قصته في غزوتها.

وأنجشة: العبد الأسود -وهو بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة, وكان حسن الحداء. قال أنس: كان البراء بن مالك.

__________

"على تنزيله"، أي: النبي مكة إن عارضتم، ولا نرجع كما رجعنا عام الحديبية، أو على تنزيل القرآن، وإن لم يتقدّم؛ كقوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} , "ضربًا يزيل الهام" جمع هامة بالتخفيف: الرأس, "عن مقيله" أي: محل نومه وقت القائلة, كناية عن محل الراحة؛ إذ النوم أعظمها، ويذهل الخليل عن خليله"، لكونه يهلك أحدهما، فيذهب الهالك عن الحي، وعكسه، وبقية الحديث: فقال عمر: يا ابن رواحة, بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وفي حرم الله تقول الشعر، فقال -صلى الله عليه وسلم: "خلّ عنه يا عمر، فلهي فيهم أسرع من نضح النبل"، "وقد تقدَّم مزيد لهذا في عمرة القضية، والله أعلم". وفي رواية: أنه لما أنكر عمر علي، قال -صلى الله عليه وسلم: "يا عمر إني أسمع، فاسكت يا عمر".

"وعامر بن الأكوع"، كان يحدو بين يديه, "بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح الواو، وبالعين المهملة" لقبه، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله الأسلمي، الجاهد، والمجاهد بالنص النبوي "وهو عم سلمة" ابن عمرو "بن الأكوع"، كما عند ابن إسحاق وغيره، ووقع في رواية لمسلم أنه أخوه، قال في الإصابة: فيمكن التوفيق بأن يكون أخان على ما كانت الجاهلية تفعله، أو من الرضاعة، ففي رواية أخرى عند مسلم نفسه أنه عمّه، "واستشهد يوم خيبر" بعد أن قاتل بها قتالًا شديدًا، "ومرت قصته في غزوتها"، ومن جملتها حداؤه بقوله: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا" إلى آخره، "وأنجشة: العبد الأسود"، كما في الصحيح، وقال البلاذري: كان حبشيًّا يكنَّى أبا مارية، "وهو بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الجيم، وبالشين المعجمة، وكان حسن الحداء"، وفي الصحيح عن أنس: كان حسن الصوت.

"قال أنس" في الصحيحين: "كان البراء بن مالك" الأنصاري أخو أنس لأبيه، وقيل: شقيقه, شهد المشاهد إلا بدرًا، قال -صلى الله عليه وسلم: "رب أشعث أغبر، لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبره, منهم البراء بن مالك"، قال أنس: فلمَّا كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس، فقال المسلمون: يا

يحدو بالرجال وأنجشة بالنساء، وقد كان يحدو وينشد القريض والرجز، فقال -عليه الصلاة والسلام -كما في رواية للبراء بن مالك: "عبد رويدك رفقًا بالقوارير" أي: النساء.

فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر، فلم يأمن -عليه الصلاة والسلام- أن يصيبهنَّ أو يقع في قلوبهنَّ حداؤه, فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.

__________

براء, أقسم على ربك, فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك، فحمل وحمل الناس معه، فقتل هرمزان من عظماء الفرس، وأخذ سلبة، فانهزم الفرس، وقُتِلَ البراء. رواه الترمذي والحاكم، وذلك في خلافة عمر سنة عشرين، وقيل: قبلها، وقيل: سنة ثلاث وعشرين, "يحدو بالرجال"، وكان حسن الصوت، كما قاله أنس في المستدرك، "وأنجشة بالنساء".

زاد الطيالسي: فإذا اعتقب الإبل، قال -صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير"، وقد كان" أنجشة "يحدو وينشد القريض والرجز" الشعر، قال الجوهري: قرض الرجل الشعر، أي: قاله، والشعر قريض، فإن جعل منه فعطف خاصٍّ على عام، وإن جعل غيره فمباين، وفيه خلاف عند العروضيين، "فقال -عليه الصلاة والسلام- كما في رواية للبراء بن مالك" بن النضر: يا "عبد"، فهو منادى بحذف الأداة, "رويدك"، قال ابن مالك: هو اسم فعل بمعنى: أرود، أي: أمهل مصدرًا مضافًا للكاف, "رفقًا بالقوارير".

وفي الصحيحين عن أنس: أن أنجشة حدا بالنساء في حجة الوداع، فأسرعت الإبل، فقال -صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة رفقًا بالقوارير"، "أي: النساء، فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر"، كما يسرع الكسر المعنوي إلى النساء، "فلم يأمن -عليه الصلاة والسلام- أن يصيبهنَّ، أو يقع في قلوبهم حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك" خوفًا على دينهنَّ، "وفي المثل: الغناء رقية الزنا"، أي: طريقه الموصِّل إليه، "وقيل: أراد أنَّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب، وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة"، لا خوفًا من وقوعه في قلوبهنَّ.

قال الدماميني: وحمله على هذا قرب إلى ظاهر لفظه من الحمل على الأوّل. انتهى، ويؤيده ما في مسلم عن أنس، كان لرسول الله حادّ حسن الصوت، فقال -صلى الله عليه وسلم- له: "رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير"، يعني: ضعفة النساء، والتأييد بهذا ليس بالقوي، بل هو محتمل.

الفصل الثامن: في آلات حروبه -عليه الصلاة والسلام, كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه

أما أسيافه -عليه الصلاة والسلام, فكان له تسعة أسياف:

مأثور، وهو أوّل سيف ملكه -عليه الصلاة والسلام

__________

"الفصل الثامن: في آلات حروبه" التي يُسْتَعان بها فيه, سواء كانت للقتل كالسيف، أو للمنع كالدرع، وفي القاموس: الآلة ما اعتملت به من أداة تكون واحدًا وجمعًا، أو هي جمع، بلا واحد، أو واحد جمعه آلات، فمشى المصنف على الثالث؛ إذ عَبَّرَ بالجمع، والإضافة جنسية؛ لأنه لم يقاتل بها دفعة واحدة، ولا في حرب واحد "عليه الصلاة والسلام؛ كدروعه، وأقواسه، ومنطقته، وأتراسه".

روى أحمد وابن أبي شيبة عنه -صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تَشَبَّه بقوم فهو منهم" فيه إشارة إلى فضل الرمح، وحِلّ الغنائم، وأنَّ رزقه -صلى الله عليه وسلم- جُعِلَ فيها، لا في غيرها من المكاسب، ولذا قيل: إنها أفضل المكاسب.

والمراد بالصغار -بفتح المهملة، وبالمعجمة: بذل الجزية، وفي قوله: "تحت ظلّ رمحي" إشارة إلى أن ظله ممدود إلى أبد الأبد، وحكمة الاقتصار على الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف, أن عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرماح، فلمَّا كان ظل الرمح أسبغ, كان نسبة الرزق إليه أليق، ونسبت الجنة إلى ظل السيف في قوله -صلى الله عليه وسلم: "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ لأن الشهادة تقع به غالبًا؛ ولأن ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل، ولأنَّ ظله لا يظهر إلا بعد الضرب؛ لأنه قبل ذلك يكون مغمدًا معلقًا. أفاده في فتح الباري.

"أمَّا أسيافه -عليه الصلاة والسلام" قدَّمَها على غيرها؛ لأنها أهم آلات الحرب، وإن لم تذكر في الأمثلة، فالترجمة شملتها، وآثر جمع القلة، فلم يقل: سيوفه, لمناسبته لكونها تسعة، كا قال، "فكان له تسعة أسياف: مأثور" بهمزة ساكنة ومثلثة، "وهو أول سيف ملكه -عليه الصلاة والسلام", ورثه من أبيه. ذكره اليعمري، وهي مسألة نزاع, حتى قال بعضهم: ليس في كون الأنبياء يرثون نقل، وبعضهم قال: لا يرثون، كما لا يورَثون، وإنما ورث أبويه قبل الوحي، وصرَّح شيخ

وهو الذي يقال: إنه قدم به إلى المدينة في الهجرة.

والعضب: أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر.

وذو الفقار: لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، ويجوز في "فائه" الفتح والكسر، وصار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه،

__________

الإسلام في شرح الفصول بأنهم يرثون، وبه جزم الفرضيون.

وذكر الواقدي: أنه -صلى الله عليه وسلم- ورث من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم، ومولاه شقران وابنه صالحًا، وقد شهد بدرًا, ومن أمِّه دارها بالشعب، ومن زوجته خديجة دارها بمكة بين الصفا والمروة وأموالًا، "وهو الذي يقال: إنه قدم به المدينة في الهجرة"، وبه جزم اليعمري، "والعضب" بفتح المهملة، وإسكان المعجمة، فموحدة في الأصل: السيف القاطع، ثم جُعِلَ علمًا لأحد الأسياف النبوية، أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وذو الفقار" أشهر أسيافه -صلى الله عليه وسلم، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وهو غير العضب، وحكى مغلطاي أنهما واحد، وسمي بذلك؛ "لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر"، وقيل: سمي بذلك لأنه كان فيه حفر صغار، والفقرة الحفرة التي فيها الودية.

وقال أبو عبيد: الفقر من السيوف ما فيه خروز. قال الأصمعي: دخلت على الرشيد فقال: أريكم سيف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا الفقار, قلنا: نعم, فجاء به، فما رأيت سيفًا قط أحسن منه, إذا نُصِبَ لم ير فيه شيء، وإذا بطح عُدَّ فيه سَبُع فقر، وإذا صفيحة يمانية يحار الطرف فيه من حسنه. وكذا قال قاسم في الدلائل: إن ذلك يرى في رونقه شبيهًا بفقار



كلمات دليلية: