سيرة الرسول محمد .. كيف تتميز عن الأنبياء؟

1

اصطفى الله من الناسِ المؤمنين، ومن المؤمنين الأنبياءَ والرسل، واصطفى من هؤلاء خمسة: [محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى] عليهم السلام، وهم أصحاب الهمة والصبر واليقين الأشد بالله، واصطفى من هؤلاء محمدًا ﷺ، فكان خاتمَهم وإمامَهم .. 

وفي الحديث: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ».[رواه مسلم] 

محمد خاتم النبيين

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، بعد أن ضاعت معالم الرسالات السماوية السابقة، وتحرفت تعاليمها، وضعف أثرها في الحياة الإنسانية.

وكانت رسالة الرسول محمد تجديدا لدعوة التوحيد التي بعث بها سائر الأنبياء والمرسلين، وتعديلا للشرائع السابقة وإكمالا لها، بعد أن تهيأت عقولها ونفوسها لاستقبال الرسالة الخاتمة [السيرة الصحيحة لأكرم العمري]

قال تعالى: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }[الأحزاب: 40]

وفي الحديث الشريف عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجي بني دارا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة. فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة» فأضاف: فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء»[رواه مسلم]

وبرغم معرفة أهل الكتاب بقدوم محمد، لكنهم تكبروا وأصروا على الكفر.يقول الله: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121]

الحديث النبوي.. وتدوين سيرة محمد

تشكل سيرة محمد صلّى الله عليه وسلم الركيزة الأساسية لحركة التاريخ العظيم الذي يعتز به المسلمون على اختلاف لغاتهم وأقطارهم.

ولقد امتلك فن الرواية لأحداث التاريخ عند العرب والمسلمين منهجا علميا دقيقا لرصد الوقائع وتمييز الصحيح منها عن غيره، لم يملك مثله غيرهم.

كانت سيرة الرسول محمد والأحاديث الواردة عنه هي الضرورة الدينية التي حملت المسلمين على التدوين، وعلى نحو لا يشوبه خطأ أو افتراء، لأنهم علموا أن سنة محمد هي المفتاح الأول لفهم كتاب الله [فقه السيرة للبوطي]

متى تم تدوين السيرة النبوية؟

تأتي السيرة النبوية من حيث الترتيب الزمني في المرتبة الثانية بالنسبة لكتابة الحديث النبوي (أقواله وأفعاله) والتي أذن النبي بتدوينها في وقت متأخر على نزول القرآن خشية التباس القرآن بالحديث.


ثم أذن النبي محمد لبعض أصحابه كعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس بن مالك بالتدوين. وبعد وفاة النبي سارع الصحابة لتدوين الحديث ومنهم ابن عباس الذي دار على الصحابة يسألهم عما سمعوه من النبي.


ولعل أول من اهتم بكتابة السيرة النبوية عموما، هو عروة بن الزبير المتوفى 92 هـ ثم أبان بن عثمان المتوفى 105 هـ ثم وهب بن منبه المتوفى 110 هـ ثم شرحبيل بن سعد المتوفى 123 هـ ثم ابن شهاب الزهري المتوفى 124 هـ.

وقد بادت كثير من تلك الكتابات، لولا أن تلقف الجيل اللاحق ما كتبه هؤلاء فظهرت مع ابن إسحاق أول سيرة موثقة معتمدة، ثم جاء من بعده ابن هشام الذي جعل السيرة مهذبة منقحة. ]العمري والبوطي،سابق[

لماذا سيرة محمد فريدة بين الرسل؟

تعد سيرة النبي محمد أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، أو عظيم مصلح، فقد وصلت إلينا عن أصح الطرق العلمية وأقواها ثبوتا.

وسوف تجد سيرة الرسولين موسى وعيسى عليهما السلام، كُتبت بعد حياتهما بزمن بعيد.

وقد أدخل اليهود تحريفات كثيرة على توراة موسى بحيث لا يمكننا الركون إليها لمعرفة كيف كانت حياته بشكل صحيح.


وأقرت الكنائس الأناجيل المعتمدة حاليا في عهد متأخر عن ميلاد السيد المسيح بمئات السنين واختيرت بدون مسوغ علمي بين مئات النسخ المنتشرة في أيدي المسيحيين يومئذ.

والشك أقوى في سيرة أصحاب الديانات والفلاسفة الآخرين الذين يعد أتباعهم بمئات الملايين في العالم، كبوذا وكونفوشيوس، والعامرة بالأساطير والخرافات.


كان الرسول محمد كما يقول المستشرقون "هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس" أي كانت سيرته واضحة مفصلة منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وعلمنا كيف عاش سنة بعد سنة ومأكله ومشربه ومنطقه وسلاحه وعبادته وشكله ومعاملته.

وسيرة محمد لا تضفي عليه جوانب أسطورية ولا خيالية فهو بشر رسول.

وهي سيرة شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع وأدواره زوجا وأبا وتاجرا، ولم تكن سيرة زعامة دينية فحسب كما الحال بسيرة موسى، أو سيرة ورع وزهد فحسب كحال عيسى،عليهما السلام.

لا يعني ذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدعمه ربه بالمعجزات والنبوءات الخارقة، فقد كانت المياه تجري بين يديه وانشق القمر حين طلب ذلك من ربه وصعد للسماوات العلا في الإسراء والمعراج.


لكن تشاء حكمة الله أن تأتي معجزته الكبرى في "القرآن" وهي معجزة عقلية بشكل كبير لأنها جاءت تتحدى بلاغة القوم الأكثر فصاحة بين العرب.

وبذلك كانت حياة الرسول محمد ملحمة للكفاح الحقيقي ولا تعتمد على المعجزات، وقد جرى عليه الفرح والحزن، وكان حكيما موفقا في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية بالإيمان، لا عن طريق القهر والغلبة.


ورغم مكائد العرب ومحاولات اغتياله، وغلبتهم عليه في العتاد والعدد، انتصرت دعوة محمد في 23 عاما فحسب لأنه رسول الله حقا ]السيرة النبوية لمصطفى السباعي[

سيرة تبهر مفكري العالم

من كل بقاع العالم، خرج المفكرون والأدباء المشاهير يعبرون عن دهشتهم وتأثرهم بالنبي محمد، يقول الشاعر الفرنسي لا مارتين: "أي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثلما أدرك محمد؟!"


ويقول شاعر الألمان الأول غوته: "بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم"

ويقول الأديب الروسي ليو تولستوي: "أنا واحد من المبهورين بالنبي محمد الذي اختاره الله الواحد لتكون آخر الرسالات على يديه "

أما المفكر جورج برنارد شو، فيقول: "قرأت حياة رسول الإسلام جيدًا مرات ومرات، فلم أجد فيها إلا الخُلُق كما ينبغي أن يكون، وكم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم. لقد درست محمدًا باعتباره رجلًا مدهشًا، فرأيته بعيدًا عن مخاصمة المسيح، بل يجب أن يُدعى "منقذ الإنسانية"

ويقول غاندي: "أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر... لقد أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته"

وهكذا توالت اعترافات المشاهير بعظمة الرسالة المحمدية والحاجة إليها..

ولقد اختار العالم الفلكي الأمريكي محمدا في أول قائمة الخالدين في تاريخ البشرية باعتباره الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي؛ وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائدًا سياسيًّا وعسكريًّا ودينيًّا.. وبعد 13 قرن من وفاته فإن أثر محمد عليه السلام ما يزال قويًّا متجددًا". ]الإسلام في عيون الغرب لمحمد عمارة، بتصرف [



كلمات دليلية: