سرية هدم اللات (9هـ).. ماذا فعلت ثقيف حين شاهدت معبودتها الحجرية تهوي؟

سرية أبي سفيان والمغيرة بن شعبة 9ه

زمان وموقع سرية هدم صنم اللات

وقعت في رمضان لعام تسعة (9)هــ، في أعقاب مبايعة وفد ثقيف على الإسلام، وذلك في موقع مسجد الطائف حاليا على غالب آراء الرواة. [الأصنام، الكلبي]

القيادة في سرية هدم صنم اللات

قادها أبوسفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنهما، في عدد من الصحابة المقاتلين[ابن هشام 4/541]، والمرجح كون خالد بن الوليد رضي الله عنه، ثالث قيادات السرية [البيهقي، الدلائل، 5/303] وزادت روايات أيضا أبا مليح بن عروة وقارب بن الأسود [الواقدي، المغازي، 3/971]


(وأبوسفيان بن حرب سيد قبائل قريش وكنانة، أسلم يوم فتح مكة، وشارك بغزوات حُنين والطائف ثم اليرموك رغم كبر سنه وكان قد تجاوز 70 عامًا. أما المغيرة بن شعبة فهو من كبار الصحابة، أولي الشجاعة والمكيدة، شهد بيعة الرضوان، كان رجلا طِوالاً، مهيبا، ذهبت عينه يوم اليرموك، وقيل : يوم القادسية). [الإصابة، والذهبي]

أسباب سرية هدم صنم اللات

ضمن البعوث النبوية لتخليص الجزيرة العربية من الأوثان بعد فتح مكة، والدعوة لعبادة الواحد القهار، وكانت ثقيف تقيم معبودتها الحجرية بالطائف وتعبدها وتضع لها النذور ويطوفون حولها، إلى أن أنجاهم الله من جهالتهم وضلالهم.

أحداث سرية هدم صنم اللات

ما هو صنم ثقيف(اللات)؟

كان اللات رجل يلت السويق على الحجر في الطائف (طعام شعبي آنذاك مصنوع من الدقيق)، وكان من يتناوله يزداد وزنا (يسمن)، فلما مات عبدته ثقيف اعتقادا بكرامته، ونصبت صنمه موضع الحجر الذي كان يستخدمه. [رواه البخاري: 4859]

ويرجح أن هذا الرجل يسمى "صرمة بن غنم" وهو يهودي عاش بالطائف، فيما رجحت رواية أخرى أنه عمرو بن لحي الخزاعي وهو من أدخل عبادة تلك الأصنام لجزيرة العرب. [الروض، السهيلي، 1/357]


وفيه نزل قول الله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى *أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى *إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 19: 23].


وقد قرأها رسول الله صحيحة بوحي من الله، بعدما كاد الشيطان يلقي قولا زائدا في آخر الآية من عمله الخبيث ويقول: "تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى" وهو قول باطل يحيل للكفر بالله واتخاذ معبودات حجرية من دونه، ليضل به الشيطان ابن آدم في الدنيا. [صححه الألباني، نصب المجانيق، 16]


وكانت قبيلة ثقيف من أهل الطائف، تفخر بصنمها على من عداهم من العرب، ويحرمون واديه يضاهئون به الكعبة، ويسيرون إلى بيته للحج! كما كانت قريش وجميع العرب تعظم هذا الصنم بل وتسمى بعض الأبناء به من مثل "زيد اللات" و"تيم اللات" وهكذا ظل اللات من الطواغيت المقدسة في الجاهلية. [الكلبي وابن هشام]


إسلام قبيلة ثقيف ومجادلة لإبقاء الصنم!

لما منّ الله على عباده المؤمنين بالفتح المبين، وانتشر الإسلام، ودخل العرب في دين الله أفواجا، قدم وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون الصلح.


وجاء أن وفد ثقيف قد صام ما بقي من رمضان لعام تسعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رجح آخرون أنها أسلمت قبل حجة أبي بكر[ابن كثير 3/27] والراجح أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وحنين وانصرافه إلى المدينة".


وفي رواية أن وفد ثقيف، قدم على النبي بعد قدومه -عليه الصلاة والسلام- من تبوك، وكان النبي حاصرهم في غزوة الطائف، ثم تركهم رغم اعتدائهم السافر على الصحابة بالسهام وسقوط جرحى، فدعا النبي الرحيم ربه "اللهم اهد ثقيفًا وأتِ بهم"[رواه الترمذي: 3942]


ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، وقد مات عروة بيد عصاة قومه، فادعوا أنه غضب الربة عليهم!


كان وفد ثقيف يعلمون أنه لا بقاء لطاغوتهم بعد هدم العزي، وتكسير هبل وإساف ونائلة، وتوقعوا أن يكلفهم النبي بهدمها بأنفسهم، وحاولوا مساومته على إبقاء الربّة-–كما يسمونها- مدة من الزمن علهم يمهدون لذلك الأمر الخطير الذي كان في اعتقادهم فيه جرح لمشاعر ثقيف وتعظيمها كل هذه السنين، وربما كانوا لحداثة عهدهم بالإسلام يخافون من انتقام الرَّبة لمجرد علمها بنيتهم في هدمها. [السرايا والبعوث، بريك العمري]


ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض مساومتهم بإصرار موضحًا لهم بالحسنى ربَّتهم الجاهلية اعتقاد زائف لا يسمح الإسلام باستمراره بعد الآن، وأن ما يخافون انتقامه وغضبه إنما هو حجر جامد لا يضر ولا ينفع، بل لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى. [السرايا والبعوث، سابق]


وبعد تداول للرأي فيما بينهم اقتنع الوفد، وأذعنوا لتعاليم الإسلام اقتناعا،وكان ذلك مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا" [رواه أبوداود: 3/163]

خشية ثقيف من انتقام اللات.. وحيلة المغيرة

تحرجت ثقيف من تولي هدمها بأنفسهم وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم من يهدمها بعد رحيلهم!

وجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ضمت قيادات عسكرية كبرى ومنهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، والمغيرة بن شعبة وأبي سفيان بن حرب، وقد خرجت السرية مع الوفد لهدم الصنم. [ابن هشام 2/541]


ولما وصلت السرية، دخل المغيرة بن شعبة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة، تحت حراسة مشددة من قومه بني معتب الذين قاموا دونه "خشية أن يرمى أو يصاب".

وخرجت ثقيف عن بكرة أبيها رجالها ونساؤها وصبيانها، ترتاب مما سيجري لهؤلاء الذين يهدمون ربتهم.


وقد ادعى المغيرة رضي الله عنه أن الربة قد أوقعته أرضا، لما بدأ في هدمها، ممسكا "الكرزين" (يشبه الفأس) فارتج الطائف بصيحة واحدة، وقالوا: "من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا تستطاع أبدا، فوثب المغيرة بن شعبة، وقال:قبحكم الله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه".


وأكمل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ومن معه هدم الطاغية حتى سووها بالأرض، وكان سادنها واقفا على أحر من الجمر ينتظر نقمة الربة وغضبها على هؤلاء العصاة، فما أن وصلوا إلى أساسها حتى صاح قائلا "سترون إذا انتهى إلى أساسها يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم"[البريك، نقلا عن الواقدي 3/972]


المغيرة ينقض أساس الصنم وينزع حليته

لما سمع المغيرة رضي الله عنه السخف قال لقائد السرية: "دعني أحفر أساسها فحفره حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها، وأخذوا ثيابها، فبُهتت ثقيف".

وأقبل الوفد حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليتها وكسوتها، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. [ابن هشام، سابق]

وقد أمر رسول الله ببناء مسجد الطائف على أنقاض صنم اللات، ليكون عبرة للمشركين يتدبرونها [أبوداود 1/311]

عفو النبي عن أسرى اللات والعزى

وفي رواية أن الصحابة قد جاءوا الرسول بأسارى من اللات والعزى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل دعوهم إلى الإسلام؟، فقالوا: لا، قال: خلوا سبيلهم حتى يبلغوا مأمنهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتين الآيتين {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً}، [الأحزاب: 45]والآية: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} [الأنعام: 19] [البيهقي، السنن الكبرى، 17701]

نتائج سرية صنم اللات

تحطم ثاني أكبر أصنام الجاهلية والذي عظمته قبائل العرب، ودخول قبيلة ثقيف في دين الله.

الدروس المستفادة من سرية صنم اللات

-جهاد المسلمين لإعلاء كلمة الله، وقد شهد ذلك العام بعوثا متوالية لهدم الأصنام وتخليص العرب من عبادة الأوثان وقد دخلوا في دين الله أفواجا.

-ظهور خديعة عبادة الأصنام التي تحتقر صاحبها؛ وقد أغرى المغيرة بثقيف لما سقط، ثم انتفض وراح يحطم ربتهم بهمّة.

-عفو النبي وإمهاله العرب لدخول الإسلام: وقد دعا لثقيف رغم جرمهم بحصار الطائف، وكان من ثمرة ذلك دخولهم الإسلام، كما أمهل أسراهم لمعرفة الإسلام.

-عبقرية محمد رسول الله العسكرية، وحسن اختياره لقادة البعوث، وقد اختار خال ثقيف وهو أبو سفيان بن حرب، سيد قريش، وخالد بن الوليد القائد المظفر القرشي أيضا، وثالثهم المغيرة وهو من بني ثقيف، ليكون هدم الطواغيت بيد أهله.

-صدق وعد الله ورسوله للمؤمنين وقد تخلصت الجزيرة من جاهليتها ولاح الصباح بعد سنوات طويلة من المشاق وبذل الروح في سبيل الله، وهي ملحمة لم تتوقف بعد وفاة النبي، بل دامت مع خلفائه.