سرية كرز بن جابر _13047

سرية كرز بن جابر


قصة عكل وعرينة

:

"سرية كرز بن جابر" القرشي "الفهري" بكسر الفاء نسبة إلى جده فهر بن مالك بن النضر، أحد الرؤساء من قريش، المستشهد يوم الفتح، وهو "بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي إلى العرنيين، بضم العين، وفتح الراء المهملتين" نسبة إلى عرينة، "حي من قضاعة وحي من بجيلة" بفتح الموحدة، وكسر الجيم وسكون التحتية، "والمراد هنا الثاني، كذا ذكره" أي كونهم من بجيلة، موسى "ابن عقبة في المغازي" وكذا رواه الطبراني عن أنس، ولعبد الرازق عن أبي هريرة، بإسناد ساقط، أنهم من بني فزارة، وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر، لا يجتمعون مع عكل، ولا مع عرينة أصلا، ذكره الحافظ متصلا بقوله.

"وذكر ابن إسحاق في المغازي" فليس كلامه مقابلا، كما قد يتوهمه غبي من المصنف، بل مستأنف لإفادة "أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت" ذو قرد عند ابن إسحاق في رواية البكائي "في جمادى الآخرة سنة ست"، فتكون هذه السرية عنده فيه لقوله فأتى بهم كرز، مرجع المصطفى من ذي قرد، وأما كون ذي قرد في ربيع، فهو قول ابن سعد، فلا يحصل عليه كلام ابن إسحاق، لأنه قائل بغيره.

قال الحافظ: وأشار بعض أهل المغازي إلى أن قصة العرنيين متحدة مع غزوة ذي قرد، والراجح خلافه "وذكرها" أي: سرية العرنيين، "البخاري" وضعا "بعد الحديبية" وقبل خيبر، "وكانت" الحديبية "في" هلال "ذي القعدة منها"، أي: سنة ست، والبعدية صادقة، ببقية السنة، وبمحرم سنة سبع، لأنه سار إلى خيبر فيه.

"وعند الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، "كانت" هذه السرية "في شوال منها" من سنة

وتبعه ابن سعد وابن حبان.

وفي البخاري -في كتاب المغازي- عن أنس أن ناسا من عكل -يعني بضم العين وسكون الكاف- وعرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فقالوا

__________

ست "وتبعه" تلميذه "ابن سعد وابن حبان" وغيرهما، وزعم أن ضمير كانت للحديبية خلاف المنقول عن الواقدي وتابعيه، فالحاصل أن أصحاب المغازي اتفقوا على أنها سنة ست، واختلفوا في الشهر: جمادى أو شوال، وأما البخاري، فصنيعه يقتضي أنها في آخر الحجة، أو المحرم، ولا يشكل بأن المصطفى عاد من الحديبية في أواخر ذي الحجة، فلم يكن بالمدينة والسرية، خرجت وعادت، وهو بها كما زعم، لأنه لما عاد في أواخر الحجة، بعثها لما جاءه الخبر أول النهار، وعادت إليه لما ارتفع النهار، كما في حديث أنس عند البخاري ومسلم، لأن المحل قريب، فسارت وعادت في بعض يوم.

"وفي البخاري في كتاب المغازي" والطهارة، والمحاربين، والجهاد، والتفسير، والديات من طرق عديدة، لكنه اختار المغازي، لأن سعيد بن أبي عروبة راويه، عن قتادة، "عن أنس" لم يشك، بل قال: "إن ناسا من عكل بضم العين" المهملة، "وسكون الكاف" فلام قبيلة من تيم الرباب، "وعرينة" بواو العطف، وللبخاري في الزكاة من عرينة فقط، وله في الجهاد والمحاربين من عكل فقط، وله في الطهارة من عكل أو عرينة بالشك.

قال الحافظ: والصواب بالواو العاطفة، ويؤيده ما رواه أبو عوانة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالفه ما للبخاري في الجهاد، والديات عن أنس، أن ناسا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. انتهى.

قال شيخنا: لما قرأ البخاري، وهو جواب تام بالنسبة إلى العدو، ليس بتام بالنسبة لرواية عكل، ولم يقل: عرينة، ورواية عرينة ولم يقل: عكل، فإما أنه اكتفى بذكر إحدى القبيلتين عن الأخرى، أو تجوز بإحداهما إلى ما يشمل الأخرى، قلت: الحافظ أشار بقوله الصواب، رواية واو العطف إلى أن روايتي النقص نقص في السماع، فتقدم رواية من زاد، لأن معه زيادة علم، وهو ثقة زيادة مقبولة.

"قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم" وللبخاري في المحاربين، فأسلموا، وله في الديات، فبايعوه على الإسلام، فكأنهم لم يثبتوا عليه، نزله هنا منزلة العدم، فقال: "وتكلموا بالإسلام".

قال المصنف: أي تلفظوا بكلمة التوحيد، وأظهروا الإسلام.

"فقالوا": بالفاء، كما رأيته في نسخ البخاري، ونقله عنه في الفتح، والمصنف في الطهارة بالفاء، وكذا في نسخ المواهب الصحيحة، فما في بعضها بالواو تحريف، وليست على فرض

يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراعي

__________

صحتها للتفسير، بل استئنافية، لأن تلفظهم بالتوحيد غير قولهم: "يا نبي الله إن كنا أهل ضرع" بفتح المعجمة وسكون الراء، ماشية وإبل، قال المصنف, "ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة" أي: كرهوا الإقامة بها، لما فيها من الوخم، أو لم يوافقهم طعامها.

وفي الطهارة والجهاد: فاجتووا المدينة بجيم وواوين.

قال ابن العربي: وهو بمعنى استوخموا.

وقال غيره: الجواء داء يصيب الجوف.

وله في الطب: أن ناسا كان بهم سقم، فقالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة.

قال الحافظ: والظاهر أنهم قدموا سقاما، فلما صحوا من السقم، كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم، فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع.

فعند أبي عوانة، كان بهم هزال، مصفرة ألوانهم، وأما الوخم الذي شكا منه بعد أن صحت أجسامهم، فهو من حمى المدينة.

ولمسلم عن أنس ووقع بالمدينة الموم، أي بضم الميم وسكون الواو. قال: هو البرسام، أي بكسر الموحدة سرياني معرب اختلال العقل، وورم الصدر، وهو المراد.

فعند أبي عوانة: فعظمت بطونهم.

"فأمرهم" ولأبي ذر لهم بزيادة لام، وكذا البخاري في المحاربين.

قال الحافظ: فيحتمل أنها زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو الاختصاص وليست للتمليك. "رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو ودال مهملة، من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة، "وراعي" بالياء. ورواية أبي ذر ولغيره: راع كقاض، أي فأمرهم أن يلحقوا بهما.

وللبخاري أيضا: فأمرهم أن يلحقوا براعيه، وله أيضا: فأمرهم بلقاح.

وعند أبي عوانة: أنهم بدءوا بطلب الخروج، فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا لخرجنا إلى الإبل.

وللبخاري في الجهاد: أنهم قالوا: يا رسول الله ابغنا رسلا، أي: اطلب لنا لبنا، قال: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود".

وفي الديات: هذه نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وظاهر هذا أن الإبل له صلى الله عليه وسلم، وصرح

وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها.

فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم

__________

بذلك البخاري في المحاربين، فقال: إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم, وله فيه أيضا وفي الزكاة: فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة.

قال الحافظ: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة وصادف بعثه صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء الخروج إلى الصحراء لشرب الألبان فأمرهم بالخروج مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المدينة تنفي خبثها".

"وأمرهم أن يخرجوا فيه،" أي مع الذود لمصادفتهم خروج راعي المصطفى بإبله، فلا تخالف بين الروايات كما علمت، "فيشربوا من ألبانها وأبوالها" أي: الإبل.

وله في الديات: فاشربوا من ألبانها وأبوالها بصيغة الأمر الصريح.

وفي الزكاة: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء سبيل. وأما لقاح المصطفى فبإذنه، وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا في غيرها، فإنه لو كان نجسا ما أمرهم بالتداول، به، وقد قال: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، رواه أبو داود وغيره، وخالفهم أبو حنيفة والشافعي والجمهور، فذهبوا إلى نجاسة الأبوال كلها، وحملوا الحديث على التداوي، فلا يفيد الإباحة في غير حال الضرورة، وحديث: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". على الاختيار، وإلا فلا حرمة كالميتة للمضطر، وفيه أنه لم يتعين طريقا للدواء.

وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذرية بطونهم، والذرب" بمعجمة، فساد المعدة، فهذا صريح أنه حالة الاختيار وهو يمنع حمل الحديث على ما ذكروه، وبسط الجدال يطول.

"فانطلقوا" زاد في الديات: فشربوا، وفي الطهارة: وصحوا، وفي الجهاد: وسمنوا، وللإسماعيلي، ورجعت ألوانهم، "حتى إذا كانوا ناحية الحرة" بفتح الحاء المهملة وشد الراء أرض ذت حجارة سود بظاهر المدينة كأنها أحرقت بالنار، كانت بها الواقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية، "كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم".

قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه عليه السلام، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز.

واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم

__________

وعند ابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، كلاهما عن أنس، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم بصيغة الجمع، فيحتمل أن الإبل رعاة, فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعيه عليه السلام، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع وهذا أرجح، لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، "و" ذلك أنهم لما "استاقوا" من السوق، وهو السير العنيف "الذود" أدركهم، فقاتلهم فقتلوه، ومثلوا به "فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم".

وفي الجهاد: فجاء الصريخ بمعجمة فعيل بمعنى فاعل، أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم.

قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة وهو أحد الراعيين، كما في صحيح أبي عوانة، ولفظه: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل، "فبعث الطلب في آثارهم" أي وراءهم، ويروى أنه قال: "اللهم أعم عليهم الطريق، واجعله عليهم أضيق من مسك جمل"، فعمى الله عليهم السبيل.

وفي الطهارة: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم.

وعند الواقدي: فبعث في آثارهم، فغدوا فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير، فسألوها، فقالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا، فأعطوني هذا وهم بتلك المفازة، فساروا، فوجدوهم، فأسروهم، فلم يفلت منهم إنسان، فربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة، "فأمر بهم" صلى الله عليه وسلم "فسمروا أعينهم" بخفة الميم، ولأبي ذر بشدها.

قال المنذري: والأول أشهر وأوجه.

قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز عن أنس وسمل بالتخفيف واللام.

قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان.

قال أبو ذؤيب الهذلي:

والعين بعدهم كان حداقها ... سملت بشوك فهي عورا تدمع

قال: والسمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب، وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت. قلت: قد وقع التصريح بالمراد عند البخاري في الجهاد، وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير، فأحميت فكحلهم بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام، لأنه فقء العين بأي شيء كان.

وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.

وفي لفظ: وسمروا أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.

وفي لفظ: ولم يحسمهم، أي لم يكو مواضع القطع فينحسم الدم.

وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة رواه مسلم. فيكون ما فعل بهم قصاصا.

__________

"وقطعوا" بتخفيف الطاء "أيديهم" زاد في الطهارة: وأرجلهم، وللترمذي والإسماعيلي من خلاف، وبها رد الحافظ على الداودي قوله: قطع يدي كل واحد، ورجليه، "وتركوا في ناحية الحرة" لكونها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا "حتى ماتوا على حالهم" وللبخاري في الطهارة: فيستسقون لا يسقون.

"وفي لفظ" عند البخاري في الديات: "وسمروا أعينهم"، أي: كحلوها بالمسامير المحمية، "بالنار "فينحسم الدم" بل تركه ينزف.

"وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة" مر أن ذا الجمع إما مجاز عن المفرد، أو قتلوا من رعاة إبل الصدقة، "رواه مسلم".

قال الحافظ: وقصر من اقتصر يعني اليعمري في عزوه للترمذي والنسائي "فيكون ما فعل بهم قصاصا"، كما مال إليه جماعة منهم ابن الجوزي تمسكا بهذا الحديث، وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن المثلة وقعت فيهم من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت القضية.

قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي، أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، كما رواه البخاري عن قتادة بلاغا، وأخرجه أبو داود، عن قتادة عن الحسن البصري، هن هياج بتحتية ثقيلة وجيم، ابن عمران بن حصين عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.

قال ابن شاهين: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي، بأنه يحتاج إلى تاريخ.

قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد، عن أبي هريرة في النهي، عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه.

وقصة العرنيين قبل إسلامه، فقد حصل الإذن، ثم النهي.

وفي رواية أنهم كانوا ثمانية.

وعند البخاري أيضا -في المحاربين- أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل.

وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم

__________

وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود.

وقال موسى بن عقبة: ذكروا أنه صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي، واستشكل عياض عدم سقيهم للماء، للإجماع على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأنه لم يقع عن أمره صلى الله عليه وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم.

قال الحافظ: وهو ضعيف جدا، لأنه اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم، وأجاب النووي، بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من معه ماء لطهارته لا يتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشا.

وقال الخطابي: إنما فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، لأنه أراد بهم الموت به، وقيل الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم الشفاء بها من الجوع والوخم، ولأنه صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته رواه النسائي، فيحتمل أنهم تلك الليلة منعوا إرسال اللبن الذي كان يراح به من لقاحه كل ليلة، كما ذكره ابن سعد انتهى.

"وفي رواية" عند البخاري في الجهاد من طريق أيوب.

وفي الديات من طريق أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس، "أنهم كانوا ثمانية"، ولفظه: أن رهطا، ولفظ الديات ناسا من عكل ثمانية، أو عرينة لرواية ابن جرير وأبي عوانة من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، فيحتمل أن الثامن ليس من القبيلتين، بل من أتباعهم فلم ينسب، كما مر على الحافظ، ثم اعلم أنه رواية البخاري في المحلين التي صرح فيها، بأنهم ثمانية لم يقع فيها وعرينة، بل اقتصر على عكل كما ترى، وإنما هي روايته في المغازي لكن لم يعدهم.

"وعند البخاري أيضا في" كتاب "المحاربين" من صحيحه من طريق أبي قلابة عن أنس: "أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل" وتقديم هذه عقب تاريخ وقتها كما صنع الفتح أنسب.

"وفي رواية" للبخاري في الطب عن ثابت "قال أنس: فلقد رأيت أحدهم" وفي رواية:

يكدم الأرض بفيه حتى مات.

وعند الدمياطي وابن سعد أن اللقاح كانت خمسة عشر لقحة -بكسر اللام وسكون القاف- ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر.

وفي صحيح مسلم: أن السرية كانت قريبا من عشرين فارسا من الأنصار.

وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له: يسار

__________

الرجل منهم، "يكدم" بكسر الدال وضمها، أي: يعض "الأرض بفيه" ولأبي عوانة يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة "حتى مات".

وللبخاري في الزكاة يعضون الحجارة حتى ماتوا، وزعم الواقدي أنهم صلبوا، والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة، فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة قاله الحافظ.

"وعند الدمياطي وابن سعد: أن اللقاح" التي للنبي صلى الله عليه وسلم المعبر عنها تارة بلفظ: فأمرهم بلقاح، وأخرى بذود، وهي التي اقتصر عليها المصنف، والمعنى واحدة، فالذود إناث الإبل كاللقاح "كانت خمسة عشر" الذي في الفتح، وهو الأولى عن ابن سعد خمس عشرة "لقحة" ونحروا منها واحدة يقال لها الحناء، وهو في ذلك تابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل انتهى "بكسر اللام وسكون القاف" جمعها لقاح بلام مكسورة وآخره مهملة، وهي النوق ذوات الألبان، "ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر" ثم هي لبون، قاله أبو عمرو ومر له مزيد.

"وفي صحيح مسلم" من رواية معاوية بن قرة عن أنس " أن السرية" التي بعثت في طلبهم "كانت قريبا من عشرين فارسا من" شباب "الأنصار" قال: وبعث معهم قائفا يقص آثارهم.

قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي أنهم كانوا عشرين، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع بن مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن من لم يسمه الأنصار فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجمع أنصار بالمعنى الأعم انتهى.

"وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له يسار"

فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا -وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم- وغدوا على يسار فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال ابن كثير: غريب جدا.

وروى ابن جرير عن محمد بن إبراهيم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة ... الحديث. وفيه قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

__________

بتحتية فمهملة خفيفة. زاد ابن إسحاق: أصابه في غزوة بني ثعلبة، "فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون" اسم مفعول من وعكته الحمى صفة مبينة لمرضى، "قد عظمت بطونهم" وههنا حذف أي: فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى اللقاح، فلما صحوا ساقوها "وغدوا على يسار، فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه" قبل موته.

فعند ابن سعد: ورواه الواقدي بسند مرسل: غدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه فمات، وصحف من قال: يديه ورجليه بالتثنية، لأنه خلاف الرواية بالإفراد، "فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر" بن حسل بكسر الحاء وسكون السين المهملتين ولام، ابن الأحب بفتح المهملة وبموحدة ابن حبيب بن عمرو بن سنان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر، "الفهري" نسبة لجده فهر المذكور، "فلحقهم فجاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم" من خلاف "وسمر أعينهم".

"قال ابن كثير": حديث "غريب جدا" وقد رواه الطبراني بإسناد صالح كما في الفتح، فلو عزاه له المصنف كان أولى.

"وروى" محمد "بن جرير" الطبري الحافظ، "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث بن خالد التيمي المدني الثقة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، "عن جابر بن عبد الله" بن جابر "البجلي" الصحابي المشهور، مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها، "قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة ... الحديث، وفيه: قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

المسلمين حتى أدركناهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "النار"، حتى هلكوا. قال: وكره الله سمر الأعين، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية. وهو حديث غريب ضعيف. وفيه: أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي. قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه بنحو أربع سنين.

__________

المسلمين حتى أدركناهم" فجئنا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم" وإسناد الفعل فيه إليه عليه السلام مجاز بدليل رواية الصحيح، فأمر بقطع "فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "النار" حتى هلكوا" فنهى عن سقيهم، لأنهم ارتدوا عن الإسلام فلا حرمة لهم كالكلب العقور، فلا ينافي الإجماع على أن من وجب قتله لا يمنع سقي الماء، وهذا الحديث لو صح لرد قول عياض لم يكن منعهم بأمره ولا نهى عن سقيهم على أنه أطلع على ذلك وسكوته كاف في ثبوت الحكم، كما مر قريبا مع زيادات حسنة.

"قال" جرير: "وكره الله سمر الأعين"، أي: أراد إظهار تحريمه لاستحالة الكراهة والبغضاء عليه سبحانه، وإنما يطلقان عليه باعتبار الغاية وهي هنا إرادة التحريم، "فأنزل الله تعالى هذه اآية: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] بمحاربة المسلمين "إلى آخر الآية" وهذا كما هو بين لا ينافي ما مر في أحد من نزول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] إلى آخر السورة، لما حلف المصطفى والصحابة أنهم إن قدروا على قريش ليزيدون عليهم لأنه لم يحرم فيها التمثيل كما زعم إنما قال: إن أردتموه فلا تزيدوا، وحرمة التمثيل إنما كانت بعد هذه القصة، كما في الحديث المرفوع، ومال إليه البخاري، وحكاه الإمام في النهاية عن الإمام الشافعي، كما مر قريبا مفصلا، "وهو حديث غريب ضعيف" جمع بينهما، لأن الغرابة تجامع الصحة والحسن، لأنها لتفرد الراوي فلا تستلزم الضعف، وقد اقتصر الحافظ على قوله إسناده ضعيف. انتهى. لكن له شاهد عن أبي هريرة نحوه, رواه عبد الرزاق، وعن أنس عند ابن جرير مثله. و"فيه" إفادة "أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي" فيخالف ما رواه ابن إسحاق والأكثرون أن أميرها كرز، وهو المصرح به في حديث سلمة بن الأكوع على أن المعروف أن جريرا تأخر إسلامه ولذا "قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه" السرية "بنحو أربع سنين" في سنة الوفود سنة تسع على الصحيح، ووهم من قال: قبل موت المصطفى بأربعين يوما لما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع، وذلك قبل موته بأكثر من ثمانين يوما" ذكره الفتح في المناقب.

وفي مغازي ابن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء, وعند غيره: أنه سعد -بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أنصاري، فيحتمل أن يكون رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة.

وأما قوله: فكره الله سمر الأعين فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإنه منكر. فقد تقدم أن في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاة، فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم.

تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان.

__________

"وفي مغازي ابن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد" بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي، أحد العشرة والسابقين إلى الإسلام "كذا عنده بزيادة ياء".

قال الحافظ: "و" الذي "عنده غير أنه سعد بسكون العين، بن زيد" بن مالك بن عبد كعب ابن عبد الأشهل، "الأشهلي" العقبي البدري، "وهذا أنصاري" فيتقوى أنه هو لا سعيد المهاجري بما في مسلم أنهم من الأنصار، "فيحتمل أن يكون رأس الأنصار" فتجوز من أطلق أنه الأمير عن كونه عظيما فيهم، "وكان كرز أمير الجماعة" كلهم الأنصار والمهاجرين، "وأما قوله: فكره الله سمر الأعين وأنزل الله هذه الآية، فإنه منكر، فقد تقدم أن في صحيح مسلم" عن أنس "أنهم سملوا أعين الرعاة".

قال في العيون: وأكثر ما في الآية مما تشعره إنما هو الاقتصار في حد الحرابة على ما فيها، أما من زاد عليها جنايات أر كهؤلاء حيث ارتدوا ومثلوا بالرعاة، فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم، أي بمثل ما فعلوه "فكان ما فعل بهم قصاصا" ليس بمثلة، فالمثلة كانت ابتداء بغير جزاء. انتهى. "والله أعلم" بما في نفس الأمر هل كان قصاصا، أو مثلة قبل النهي.

"تنبيه: قال في فتح الباري" في كتاب الطهارة، "وزعم" عبد الواحد "ابن التين" السفاقسي "تبعا للداودي" أحمد بن نصر، كلاهما في شرح البخاري: "أن عرينة هم عكل،" وكأنهما حاولا الجمع بين رواية من اقتصر على عكل، ورواية من اقتصر على عرينة، "وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان، وعرينة من قحطان" لا يشكل بما مر أن عرينة حيان من قضاعة، وبجيلة هو المراد هنا لأن قحطان كما أفاده كلامه، ففي قول القاموس: بجيلة كسفينة، حي من معد نظر مع هذا، وفي هذه القصة كما قال الحافظ من الفوائد غير ما تقدم قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم ومشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وأن

كل جسد يطب بما اعتاد وقتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصا والمماثلة في القصاص، وأنه ليس من المثلة المنهي عنها، وثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما في القرى ففيه خلاف، وجواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره قياسا عليه بإذن الإمام والعمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التامة، انتهى والله تعالى أعلم.



كلمات دليلية: