سرية قتل كعب الأشرف من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

سرية قتل كعب الأشرف من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

اسم الكتاب:
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
المؤلف:
بريك محمدبريك ابو مايله العمري

البعث إلى كعب بن الأشرف

...

بعث محمد بن مسلمة وأصحابه لقتل كعب بن الأشرف

"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"

رسول الله صلى الله عليه وسلم

ابن حجر، فتح (6/158)

يقع حصن كعب بن الأشرف جنوب المدينة، وهو الآن جنوب شرق مسجد قباء على يمين الذاهب إلى سد بطحان ويبعد عنه حوالي 2/1كم، وهو مبنى مربع الشكل تقريبا، ومبني من حجارة الجرانيت وهي حجارة حرة المدينة القريبة من الحصن، ويتكون الحصن من عشر غرف تقريبا متقابلة وفي أركانه أبنية ضخمة ربما كانت أبراجا للحصن،كما يقع في ركنه الشرقي بئر يدويه، ربما كانت البئر التي كان يشرب منها أهل الحصن، ويوجد للحصن باب من الناحية الغربية ربما كان بابه الرئيسي، كما يوجد بجانب أحد الغرف آثار سلم هذا وقد تحطمت وتهدمت معظم جدران الحصن وخاصة من الناحية الشرقية أما آثاره الباقية فهي كما ترى في اللقطات المصورة.

كعب بن الأشرف النضري من زعماء يهود المدينة، وأحد كبار أحبارهم1 أضمر الحقد والحسد للنبي صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة التي وصلته فيها أخبار بعثته للناس هاديا ومبشرًا ونذيرًا2.

وعند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعقده الحلف الدستوري مع اليهود كان كعب بن الأشرف أحد المشاركين في هذا الحلف مع قبيلته بني النضير، فأصبح بذلك فردا من أفراد الدولة الناشئة في المدينة له حقوق وعليه واجبات بموجب الدستور الموقع من قبل الأطراف المعنية3، إلا أن ذلك لم يردعه عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث "كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش"4.

ويستمر كعب متماديا في غيه، فيذكر ابن إسحاق عن جمع من شيوخه5 أنه استنكر مندهشًا النتيجة التي آلت إليها غزوة بدر، وأنه لما تيقن من صدق الخبر "ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم"6

__________

1 يذكر موسى بن عقبة أنه كان أحد بني النضير وقيمهم. البيهقي، دلائل (3/190) ، ويذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان عربيًّا من بني نبهان من طيء، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية، ثم أتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، شاعرا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله. انظر ابن إسحاق، سيرة (297) ، وابن هشام، سيرة (3/51) ، والزرقاني، شرح (2/8) .

2 يذكر الزرقاني عن بعض المصادر أن كعبا هدد بقطع صلته المعتادة لأحبار يهود بني قريظة وقينقاع عندما أقروا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما زال بهم حتى تراجعوا عن قرارهم ذلك. الزرقاني، شرح (2/8) ، وروى الطبري عن الزهري وقتادة أنه نزل فيه قوله تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ... } الآية [البقرة: 109] ، تفسير الطبري (1/487) .

3 أخرج البيهقي، وابن تيمية عن ابن أبي أويس – وهو صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه. التقريب (108) بسند فيه إبراهيم بن جعفر – لم أعثر على ترجمته - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعين عليه ولا يقاتله. البيهقي، دلائل (3/194) ، وابن تيمية، الصارم المسلول (71) . وانظر في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود، محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية (39-40) والدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني في عهد النبوة خصائصه وتنظيماته الأولى (121-122) .

4 رواه أبوداود، السنن (8/228) ، وانظر الألباني، صحيح سنن أبي داود (2/581) .

5 ابن إسحاق، سيرة (297) ، وابن هشام، سيرة (3/51) ، وشيوخ ابن إسحاق فيهم الثقات والضعفاء وقد جمع كلامهم دون تمييز، وذكر ذلك الواقدي، مغازي (1/185) ، وابن سعد، طبقات (2/32) .

6 من مراسيل عروة. انظر ابن سيد الناس، عيون (1/357) والزرقاني، شرح (2/9-10) اللذان أخرجاه من طريق ابن عائذ، ومغازي ابن عائذ مفقودة.

كما أنه لفرط عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الحق المصدق لما معه من الكتاب، نسي المبادىء والتعاليم التوراتية التي يدَّعي أنه يؤمن بها ويدافع عنها، نسي ذلك أو أنه تناساه عمدا، فشهد لحماة الوثنية قريش بأن وثنيتهم وشركهم خير من التوحيد الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

وقد وضح القرآن الكريم ذلك التناقض بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} 2.

ولم يكتف كعب بكل ذلك، بل إنه حالف قريشا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم المدينة معلنًا لمعادة النبي صلى الله عليه وسلم وهجاء المسلمين3 فأصبح بذلك عدوًّا مستأمنًا بعهد لم يرع ذمامه، ومواطنَ دولة خان دستورها، فكان لزاما أن يُعاقب بجريمته، ويلقى جزاء خيانته، وحتى لا يثير قومه فيتحزبوا معه إذا طالبهم بتسليمه أو على الأقل يدبروا أمر هروبه بعيدا فلا تطوله يد العدالة خاصة وهو من كبار زعمائهم، لذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خير وسيلة يتم بها التخلص منه هي بقتله سرًّا دون علم قومه، فندب الصحابة لذلك قائلا: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" 4 ويتطوع لهذه المهمة الصعبة

__________

1 وقع ذلك في عدة روايات، البعض منها مرسل والآخر متصل ضعيف، ولكنها تتضافر فيما بينها لإكسابها القوة لاختلاف طرقها. انظر ابن سعد، طبقات (3/72) ، والطبري، تفسير (4/201/، 5/134-135) ، والبيهقي، دلائل (3/190-193-194) ، والواحدي، أسباب (187-188) ، وابن سيد الناس، عيون (1/357) ، وابن كثير، تفسير (7/511) ، والزرقاني، شرح (2/9-10) ، وباقشيش، مرويات (1/296) .

2 النساء: (51) .

3 المصادر السابقة، وذكر ابن حجر في الإصابة: أن السراج أخرج في تاريخه قصة كعب وفيها أنه كان يحرض القبائل الغطفانية ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إصابة، ترجمة أبي نائلة (4/195) .

4 ابن حجر، فتح (6/158-159-160، 7/226) ، ومسلم (12/161) ، ووقع في رواية أبي داود عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن معاذ رضي الله عنه أن يبعث رهطا فيقتلوه فبعث إليه سعد بن معاذ محمد بن مسلمة وأصحابه.

قلت: حلَّت رواية عروة هذا التعارض، ففيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمحمد بن مسلمة: إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، فقال: فشاوره. ابن حجر، فتح (7/338) .

قال الزرقاني: وجمع شيخنا بين هذا الروايات بأنه سأل خصوص سعد مرة ثم قال: من لنا بابن الأشرف مرة ثانية، شرح (2/9-10) .

مغوار أنصاري من بني عبد الأشهل يذكر بعض أهل السير أنه كان أخًا لكعب من الرضاعة1 إنه محمد بن مسلمة رضي الله عنه2 الذي قام فقال: "يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ " قال: "نعم"، قال: "فأْذن لي أن أقول شيئا3.

ويذكره عروة: أن محمد بن مسلمة تشاور مع سعد بن معاذ رضي الله عنه بناء على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتفق معه على خطة استدراجية يطمئن بها كعب إليه فلا يشك بنواياه تجاهه، فقال له سعد: "توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما"4.

فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: "إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملَّنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترْهُنني، قال: ما تريد؟، قال: تَرْهُنني نساءكم، قال: أنت أجمل

__________

1 قال النووي والزرقاني: ذكر أهل السير: أن أبا نائلة كان رضيعا لابن مسلمة، فتحصل أن أبا نائلة رضيع لمحمد وكعب. مسلم بشرح النووي (12/162) ويذكر ابن حجر رأيا آخر فيقول: إن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته، وذلك كما في مرسل عكرمة: "فقال: محمد بن مسلمة هو خالي" ابن حجر، فتح (7/338) .

2 هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سُمي في الجاهلية محمدا، أسلم قديما على يدي مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة، وشهد المشاهد: بدر وما بعدها، إلا غزوة تبوك، تخلف بإذن النبي صلى الله عليه وسلم له أن يقيم بالمدينة. كان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل أو الصفين. وقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقال غيره: كان عند عمر مُعدًّا لكشف الأمور المعضلة في البلاد. قال ابن شاهين: سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان.

قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين، وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب بن سفيان في تاريخه. انظر ابن سعد، طبقات (3/443-444-445) ، وابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (3/334-335) ، وابن حجر، إصابة (3/383-384) .

3 من رواية البخاري، الصحيح (5/25) .

4 انظر ابن حجر، فتح (7/338) .

العرب، أنرهنك نساءنا، قال له: ترهونني أولادكم قال: يُسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح) ، قال: نعم"1.

وواعده أن يأتيه ومعه أبو نائلة –وهو أخو كعب من الرضاعة-2 وذلك زيادة لاطمئنانه، وثلاثة نفر من الأوس كانوا هم قوة السرية التي توجهت لقتله. وقد اختلفت المصادر في تسميتهم، وعددهم3.

__________

1 من رواية مسلم. مسلم بشرح النووي (12/161-162) وعند أهل المغازي أن الذي جاءه هو أبو نائلة أخوه من الرضاعة. انظر ابن إسحاق، سيرة (298) ، وابن هشام، سيرة (3/55) ، والواقدي، مغازي (1/187) ، وابن سعد، طبقات (2/32) .

قال الشامي: وجلّ أهل المغازي على أنه أبو نائلة، ورجح ذلك الدمياطي. الصالحي، سبل (6/48) ، وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون كلا منهما كلّمه في ذلك. وفي مرسل عكرمة: في الكل بصيغة الجمع؛ قالوا". ابن حجر، فتح (7/338) .

2 اسمه سلكان بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي أخو سلمة بن سلامة بن وقش، وقيل: اسمه سعد، وسلكان لقب وهو مشهور بكنيته، شهد أحدا وغيرها، وكان شاعرا ومن الرماة المذكورين. ابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (4/196) ، وابن حجر، إصابة (4/195) .

قلت: اسمه واسم آبائه ورضاعه مع كعب يعطي إشارة ولو غير مباشرة إلى الاندماج الشديد الذي كان بين الأوس وحلفائهم من اليهود.

3 اختلفت المصادر في قوة السرية، فغالبية أهل المغازي، ومسلم، والبخاري عن غير عمرو بن دينار ذكروا أنهم كانوا خمسة مغاوير أَوْسِيُّون هم محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبير. انظر البخاري، الصحيح (5/26) ، ومسلم بشرح النووي (12/162) ، عبد الرزاق، المصنف (5/203) ، وابن إسحاق، سيرة (298) ، والواقدي، مغازي (1/187) ، وابن سعد، طبقات (2/197-198) .

ويذكر ابن حجر في روايات يشير إليها في الفتح أن عددهم كان ثلاثة فقط، ثم إنه رجح روايات أهل المغازي، وبعد ذلك يحاول الجمع فيقول ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة، وفي الأخرى خمسة. ابن حجر، فتح (7/338-339) .

أما الطبراني فيروي لنا روايتين الأولى موصولة عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: يذكر فيها أنهم كانوا ثلاثة. الهيثمي، مجمع (6/196) ، وقال عنها: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة، وبقية رجاله ثقات، والثانية مرسلة عن عروة وفيها أن سعد بن معاذ بعث الحرث بن أوس مع محمد بن مسلمة. الهيثمي، مجمع (6/196) ، وقال عنها: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن. هذا بالنسبة لعددهم. أما أسماؤهم وصلتهم بكعب فإضافة إلى ما ذكرناه سابقا حول هذا الموضوع يضيف البلاذري معلومة أخرى فيذكر أن عباد بن بشر أخا لكعب من الرضاعة أيضا مستدلا بقصيدته التي يقول فيها:

قعدت له فقال: من المنادي؟

فقلت: أخوك عباد بن بشر=

وفي ليلة مقمرة –حددها ابن سعد بأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة1 في حين ذهب جمهور العلماء أن ذلك كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة بني النضير دونما تحديد2- شيَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب السرية إلى بقيع الغرقد، كما يروي ابن إسحاق بسند حسن، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم"، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته3.

وأقبلوا حتى أتوا حصن كعب بن الأشرف الذي يذكر أهل المغازي أنه حديث عهد بعرس، وأنهم حينما هتفوا به وثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب4. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة5، "قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب"6.

وكان محمد بن مسلمة قد اتفق مع أصحابه على كيفية قتله، "فقال: إذا ما جاء فإني قائل7 بشعره فأشمه، ثم أشمكم، فإذا رأيتموني استمكنت

__________

=البلاذري، أنساب (374) .

أما موسى بن عقبة فيذكر أن كعبا هو المكنى بأبي نائلة وليس سلكان الذي ذكر أن كنيته أبو ليلى. البيهقي، دلائل (3/192) .

1 ابن سعد، طبقات (2/31) .

2 ذكر ذلك الدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (141) .

3 انظر ابن إسحاق، سيرة (298-299) ، وحسنَّ ابن حجر إسناده. ابن حجر فتح (7/338) ، وأخرجه عن ابن إسحاق الإمام أحمد، الفتح الرباني (21/49) ، والبزار. الهيثمي، كشف الأستار عن زوائد البزار (2/130-131) ، والطبراني، معجم (11/221) وقال الهيثمي: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (6/196) .

قلت: ولكن ابن إسحاق صرَّح بالتحديث فانتفت شبهة التدليس، كما أخرج الحديث عن ابن إسحاق بن راهويه. انظر السيوطي، الخصائص الكبرى (1/527) .

4 هذا اعتراف ضمني من امرأة كعب بأنه عدو محارب للمسلمين، ولكن كيف نُقل عنها ما قالت فلعلها حدثت به نفسها، أو لعله نُقل ما حدثت به للصحابة الذين قتلوه.

5 انظر ابن إسحاق، سيرة (299) ، وابن هشام، سيرة (3/56) ، والواقدي، مغازي (1/189) ، وابن سعد طبقات (2/32) ، وابن عبد البر، درر (152) .

6 من رواية البخاري، الصحيح (5/26) .

7 من باب إطلاق القول على الفعل. ابن حجر، فتح (7/339) .

من رأسه فدونكم اضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب-"1.

فقال كعب مفتخرًا:"نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب"2 فقال محمد بن مسلمة: "أتأذن لي أن أشم رأسك؟، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟، قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه"34.

"فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: طُرق صاحبنا فقُتل، فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين المسلمين عامة صحيفة"5

__________

1 من رواية البخاري، الصحيح (5/25-26) ، وابن حجر، فتح (7/337) .

2 من رواية مسلم بشرح النووي (12/163) .

3 من رواية البخاري، الصحيح (5/25-26) ، وابن حجر، فتح (7/337) .

4 الحديث صحيح بمجموع طرقه، فقد رواه البخاري في مواضع متفرقة من صحيحه. انظر البخاري الصحيح، كتاب المغازي (5/25-26) ، وابن حجر، فتح، كتاب الجهاد (6/159-160) ، كما رواه مسلم بشرح النووي (12/160-161-162-163) ، وأبو داود، سنن (3/211-212) ، ونسبه المنذري النسائي.

قلت: أخرجه النسائي في كتابه السنن الكبرى، كتاب السير (2/5) .

وروى الزهري الحديث مرسلا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. انظر عبد الرزاق، المصنف (5/203-204) ، وشمس الحق آبادي، عون المعبود (8/228-229-230) ، وذكر في الشرح أنه ربما يكون الحديث مسندا إلى كعب. وإلى ذلك ذهب الألباني فأورده في صحيح سنن أبي داود (2/581-582) ، وقال عنه: صحيح الإسناد. وانظر البيهقي، دلائل (3/196-197-198) ، وابن كثير، تفسير (1/511) ، وباقشيش، مرويات (1/396-297-298) ، وروى ابن إسحاق طرفا من الحديث بإسناد حسن، والباقي رواه مرسلا منقطعا. ابن إسحاق، سيرة (1/297-298-299-300) ، وابن هشام، سيرة (3/51-52-53-54-55-56-57-58) ، كما رواه بقية أهل المغازي. انظر الواقدي، مغازي (1/184-185-186-187-188-190-191-192) ، وابن سعد، طبقات (2/31-32-33-34) ، والبلاذري، أنساب (374) ، وابن حزم، جوامع (154-155) ، وابن عبد البر، درر (150-151-152) ، والعامري، بهجة (1/191-192) ، والمقريزي، إمتاع (6/108-109-110) ن والحلبي، سيرة (3/146-147-148-149-150) ، والشامي، سبل (6/40-41-42-43-44-45-46) .

5 انظر عبد الرزاق، المصنف (5/204) ، والألباني، صحيح سنن أبي داود (2/581) واللفظ له، والبيهقي، دلائل (3/198) . وعنده"فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة". وذلك أتم.

"وقد يبدو مقتل ابن الأشرف متسمًا بالغدر، ولكن صاحب النظر الفاحص، والبصيرة النافذة يدرك أن ابن الأشرف معاهد بموجب الصحيفة التي التزم فيها يهود بني النضير مع الآخرين، وأنه بهجائه للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو رئيس الدولة بالنسبة لابن الأشرف، وبإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم، وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربا مهدور الدم، وأما استدراجه ممن يثق بهم وقتله بالخديعة، فإنه جائز مع المحارب، وقد تم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.

هذا وقد ذكر ابن القيم أن قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم جائز بإجماع الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق رضي الله عنه قال لأبي برزة وقد هم بقتل من سبه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومر عمر رضي الله عنه براهب، فقيل له: هذا يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل عبد الله بن أُبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل، فإنك لم تعدل، ولم يقتل من قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: إن كان ابن عمتك، وغير هؤلاء، قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يسقط حقه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه، وله أن يسقط، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا

__________

1 الدكتور أكرم ضياء العمري: المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (142-143) .

بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: "لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه".

ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه. ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدًّا قَتَلَ الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قَتَلُ ابن خطل، ومقيس، والجاريتين، وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة، وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه، لم يكن لهم أن يسقطوا حقه"1.

ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذيةً ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة، فكيف يُنقض عهده ويُقتل بذلك دون السب، وأي نسبة لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه. فهذا محض القياس ومقتضى النصوص، وإجماع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا2.

وقال الزرقاني: واستشكل قتله على هذا الوجه –وأجاب المنازري: بأنه إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهجاه وسبه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينًا عليه.

قال عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله كان غدرًا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به فضُربت عنقه، وإنما يكون الغدر

__________

1 ابن القيم، زاد (3/441) .

2 ابن القيم، زاد (3/440) .

بعد أمان موجود، وكعب قد نقض عهده صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمنه محمد ورفقته لكنه استأنس بهم فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شيء من كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان1.

وساق الخطابي والبيهقي بسنديهما عن عباية بن رافع قصةً مشابهة للقصة التي أوردها عياض، وملخصها أنه ذكر قتل كعب بن الأشرف في مجلس معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فلم ينكر عليه معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وحلف أن لا يجالس معاوية أبدًا2. وهذه الرواية فيها اضطراب في متنها، فقد روى الواقدي بسنده3 ما يفيد أن هذه القصة وقعت في مجلس مروان بن الحكم الذي كان أميرا على المدينة، كما روى عبد الرزاق في مصنفه موقفا آخر مماثلاً وقع لأبي عبس رضي الله عنه أحد المشاركين في هذه السرية4. مما يدعونا إلى الاعتقاد بضعف الرواية.

ولا أظن أن يكون مثل هذا الموقف السلبي يصدر من صحابي جليل كمعاوية. والله تعالى أعلم..

وربما يلتبس على البعض أن قَتْلَ كعب بن الأشرف يتعارض مع بعض الأحاديث الناهية عن الفتك والغدر، ولكن اللبس هنا مرفوع؛ فالغدر لا يكون إلا بإنسان له عهد وميثاق ملتزم بهما غير ناكث لهما، وإلا قيل إن غزو مكة وفتحها كان غدرًا لوجود العهد والميثاف المبرم في صلح الحديبية. وكعب بن الأشرف علاوة على عدم التزامه بميثاق الدولة التي يعتبر أحد أفرادها جاهر بعداوته للمسلمين ولقائد الدولة، وأخذ يحرض عليهم، ولم يقتصر الأمر

__________

1 الزرقاني، شرح (2/13) ، ولم أجد قول عياض الذي نقله في كتابه الشفا.

2 انظر البيهقي، دلائل (3/193) ، والخطابي، معالم السنن، شرح السنن لأبي داود (3/212-213) .

3 الواقدي، مغازي (1/192-193) .

4 عبد الرزاق، المصنف (5/204) .

بفداحته على ذلك، بل سافر إلى عدوهم وعاهدهم على قتال المسلمين، وكان كل ذلك كافيا لإظهار عداوته، ولكنه عندما رجع إلى المدينة صار يؤذي المسلمين –وهم أفراد مساوون له في الحقوق تحت ظل دولة واحدة غير مكترث ولا عابىء- وذلك بهجائهم والتشبيب بنسائهم، وهو أمر عظيم كانت الدماء تسيل فيه أودية في الجاهلية فكيف وقد أعز الله المسلمين بالإسلام.

هذا وقد روي عن ابن إسحاق بسند فيه مجهولان، والواقدي عن شيوخه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة –رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-فقتله، فكان ذلك سببا في إسلام أخيه حويصة بعد نقاش حاد دار بينهما1.

وهذه الرواية إضافة إلى ضعف سندها، خالفتها رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سبب إسلام حويصة متأخرة كثيرا عن قصة كعب بن الأشرف2، كما يزيد في ضعفها مخالفتها لأصل من أصول الشريعة، وهو تحريم الذمي المستأمن إلا بحقه من نقض العهد والميثاق، والانضمام إلى صفوف المشركين وغير ذلك كما فعل ابن الأشرف. وإن صحت الرواية فإنه ربما كان ابن سنينة على مثل ما كان عليه كعب، فعلم بذلك حليفه محيصة لقربه منه فقتله إذ لا يمكن أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على اليهود هكذا يقتلونهم بلا ذنب ولا جرم فعلوه إلا إذا كانوا على مثل رأي ابن الأشرف وفعلوا مثل فعلته.. والله تعالى أعلم بالصواب.

وعلى كل حال فإن اليهود خافوا خوفا شديدا بعد مقتل كعب بن

__________

1 انظر ابن إسحاق، سيرة (200) ، وابن هشام، سيرة (3/58) ، والواقدي، مغازي (1/191-192) .

2 ابن هشام، سيرة (2/59) .

الأشرف، فلم يطلع أحد من عظمائهم، وبذلك العمل الجريء أخرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ألسنتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، وكبت حقدهم في صدورهم دون أن تراق دماء كثيرة، فالمجرم المحارب نال جزاءه وعقابه العادل والذي أصبح عبرة وعظة لمن تسول له نفسه من اليهود، أو المشركين في المدينة القيام بمثل ما فعل.

ومن خلال سياق أحداث هذه القصة يبدو لنا أمران ملفتان للنظر:

أولهما: قول امرأة كعب له: إنك امرؤ محارب.

وثانيهما: ردة فعل وفد اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكون من مقتل زعيمهم كعب، حيث إنهم حينما وضح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يفعل سكتوا ولم ينطقوا بشيء.

فهذان اعترافان من أقرب الناس لكعب بجريمته التي استحق عليها القصاص العادل.


تحميل : سرية قتل كعب الأشرف من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

كلمات دليلية: