!سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة 7هـ..«هلا شققت عن قلبه!»

سرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة 7هـ

متى وقعت سرية غالب بن عبدالله، وأين؟

وقعت تلك الغزوة في شهر رمضان لسنة 7 هجريًا، بعد غزوة "ذات الرقاع" ضد بني غطفان، وذلك بموضع ماء يسمى الميفعة وهي وراء بطن نخل إلى النقرة قليلًا بناحية نجد وبينها وبين المدينة ثمانية برد. [ابن سعد 2/119].

من قائد سرية بني ثعلبة بالميفعة؟

قادها الصحابي غالب بن عبد الله الليثي رضي الله عنه، في مائة وثلاثين رجلًا (130) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

على الطرف الآخر كانت هناك قبائل بني ثعلبة وبني عوال وغيرهم من الأعراب.

أسباب سرية غالب إلى الميفعة:

بعد أن انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – من دحر اليهود في خيبر، وغيرها من الحصون المنيعة، تفرغ لتأديب الأعراب الذين أساءوا استغلال الفرصة في انشغال المسلمين بمحاربة قريش والقبائل المناوئة واليهود، وقاموا بأعمال سلب ونهب في جماعات تشبه العصابات، مناقضين عهدهم مع الرسول.

أحداث سرية غالب إلى الميفعة (بني ثعلبة):

تروي كتب السيرة أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الكدر أقام أيامًا في المدينة، ثم أخبره مولاه "يسار" بما كان من بني عبد بن ثعلبة من هجوم مباغت وتربص بالمسلمين، وطلب أنه يرسل معه إليهم حشدًا للقتال.

هنا أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله ومعه الصحابة، يتقدمهم يسار، وساروا يقتفون أثر الأعراب حتى فني الزاد الذي حملوا، وأصابهم الجهد، واقتسموا ما كان معهم من تمر، وللأسف فقد أساء البعض الظنون بيسار وشكوا في صحة إسلامه!

وخلال المسير، فوجيء الجميع بمكان يبدو فيه آثار جرف السيل، فلما رآه يسار كبّر [قال الله أكبر] وقال: "والله قد ظفرتم بحاجتكم اسلكوا في هذا الفحص [موضع السيل] حتى ينقطع بكم".

سار المسلمون ساعة بحس خفي لا يتكلمون إلا همسًا حتى انتهوا إلى موضع من الحرة، فقال يسار لأصحابه لو صاح رجل شديد الصوت لأسمع القوم فارتأوا رأيكم، قال غالب : انطلق بنا يا يسار أنا وأنت وندع القوم كمينا، ففعلا، وقد اقتربا من الأعداء حتى سمعوا حس الناس والرعاء والحلب، فأسرع الصحابيان بالعودة. [المغازي للواقدي، 1/727].

قام غالب بن عبد الله، قائد السرية، بنصح أتباعه بالجهاد، ناهيًا إياهم عن الإمعان في الطلب، وكبّر وكبّروا جميعًا معهم، وانطلقوا، فكان لهم النصر، وأرهبوا عدوهم وغنموا نعمًا وشاء وقتلوا أشراف من أعراب بني ثعلبة، ولم يسمع أنهم ساقوا أسرى من تلك السرية. [زاد المعاد، ابن القيم، 3/360].

حرمة قتل من نطق الشهادة:

كان الصحابي أسامة بن زيد، رضي الله عنه، قد أدرك خلال المعركة رجل من الأنصار يُدعى «مِرداس بن نَهيك»، فلما أشهر أسامة عليه السيف قال الرجل: أشهد ألا إله إلا الله، فلم يأبه أسامة وقتله، وقد لامه الصحابة على هذا حتى سقط في يده، فلما قدموا على رسول الله أخبروه فقال: «لم قتلته؟»،قال: يا رسولَ اللهِ، أوجَع في المُسلِمينَ، وقتَل فلانًا وفلانًا، وسمَّى له نفَرًا، وإنِّي حمَلْتُ عليه، فلمَّا رأى السَّيفَ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ (يقصد تعوذًا واتقاء للقتل)، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أقتَلْتَه؟»، قال: نَعَم، قال: «فكيف تصنَعُ بلا إلهَ إلَّا اللهُ إذا جاءَتْ يومَ القيامةِ؟»، فجعَل لا يَزيدُه على أن يقولَ: «كيف تصنَعُ بلا إلهَ إلَّا اللهُ إذا جاءَتْ يومَ القيامةِ؟».[رواه مسلم: 97].

وفي رواية لأسامة بن زيد أن النبي قال له مكررًا إياها مرات: «أقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ وقتَلْتَه؟»، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّما قالها خوفًا مِن السِّلاحِ، قال: «أفلا شقَقْتَ عن قلبِه حتَّى تعلَمَ أقالها أم لا»، يقول أسامة: فما زال يُكرِّرُها علَيَّ حتَّى تمنَّيْتُ أنِّي أسلَمْتُ يومَئذٍ(أي لم أسلم قبلها) [رواه مسلم: 96].

(هناك رواية أخرى بأن أسامة قتل مرداس طلبًا للغنيمة التي معه. وكون أسامة هو قاتل مرداس هي الرواية الأكثر شهرة في السيرة، وإن لم تكن الوحيدة).

ونزل قول الله تعالى في مسألة اتقاء دماء المسلمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[النساء: 94] [فتح الباري: 8/20]

وجاء أن مرداس رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره فغزتهم سرية لرسول الله ﷺ، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه. فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى ناحية من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق غنمه، فأخبر رسول الله بذلك فوجد وجدًا شديدًا [اشتد غضبه] وقال: قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال: يا رسول الله استغفر لي، قال: فكيف بلا إله إلا الله؟ فما زال يكررها حتى ندم أسامة ثم استغفر، وقد دعاه النبي لإعتاق رقبة. [تفسير الكشاف، الزمخشري، 1/555]

نتائج سرية غالب إلى بني ثعلبة:

انتصر المسلمون واتخذوا مغانم كثيرة من بني عوال وثعلبة المحاربين لدين الله، وقُتل رجل يدعى مرداس

ما الدرس المستفاد من سرية غالب إلى الميفعة؟

-حكمة رسول الله كقائد عسكري حين اتبع أثر عصابات الأعراب لتأديبها، وحين نشر عيونه أيضًا لتقصي الأخبار وأسرع بالهجوم بدلًا من الدفاع المتأخر.

-المسلم دمه حرام على المسلم، ولا يجوز القتل إلا عن بينة.

-الإسلام يدعو لعدم التوسع في القتل، حتى مع الأعداء، إلا مع أهل الحرب.

-عدم التسرع بإطلاق الأحكام، وقد شك الصحابة بصدق نوايا مولى الرسول.

-الصبر في طلب العدو، وقد شاعت قصص جوع الصحابة ونقص زادهم في معاركهم رضي الله عنهم أجمعين.