سرية عيينه بن حصن الفزارى إلى بنى تميم _13074

سرية عيينه بن حصن الفزارى إلى بنى تميم


البعث إلى بني تميم

:

"وبعث عينية بن حصن" بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوير، بالجيم مصغرا بن لوذان بن

الفزاري إلى بني تميم بالسقيا، وهي أرض بني تميم -في المحرم سنة تسع في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري.

فكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء، فدخلوا.

__________

ثعلبة بن عدي بن فزارة "الفزاري" يقال: كان اسمه حذيفة، فلقب عيينة، لشجة أصابته، فجحظت عيناه، أسلم قبل الفتح وشهدها وحنينا والطائف، وارتد في عهد أبي بكر، ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء الأعراب، وقع للشافعي في الأم في كتاب الركاز، أن عمر قتله على الردة.

قال في الإصابة ولم أرد من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا فلا يذكر في الصحابة، لكن يحتمل أنه أمر بقتله فبادر إلى الإسلام فترك فعاش إلى خلافة عثمان، وقد ذكر ابن عبد البر أنه دخل على عثمان، فأغلظ له فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه. ا. هـ، وقال فيه أيضا في ترجمة طليحة بن خويلد، وقع في الأم أن عمر قتل طليحة وعيينة، وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني، فاستغربه جدا، ولعله قبل بالباء الموحدة، أي قبل منهما الإسلام. .اهـ.

"إلى بني تميم" وفي البخاري عن ابن إسحاق إلى بني العنبر من بني تميم، قال ابن هشام: والعنبر هو عمرو بن تميم "بالسقيا" بضم السين المهملة وإسكان القاف، فتحتية مقصور قرية جامعة من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلا، "وهي أرض بني تميم" فيه تسمح فالذي في العيون وغيرها، وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، فلعله أطلق عليها أرضهم لقربها منها.

ذكر الواقدي: أن سبب البعث إليهم أنهم غاروا على ناس من خزاعة لما بعث صلى الله عليه وسلم إليهم بشر بن أبي سفيان العدوي الكلبي يأخذ منهم الصدقات، ونهاه عن كرائم أموالهم، فجمعوا له ما طلبه، فاستكثره بنو تميم، وقالوا: ما لهذا يأخذ أموالكم منكم بالباطل، فشهروا السيو، فقال الخزاعيون: نحن مسلمون وهذا أمر ديننا، فقال التميميون: لا يص إلى بعير منها أبدا، فهرب الرسول ورجع فأخبره صلى الله عليه وسلم الخبر، فوثب خزاعة على التميميين، فأخرجوهم وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من محمد صلى الله عليه وسلم حيث تعرضتم لرسوله تردونه عن صدقات أموالنا، فخرجوا راجعين إلى بلادهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "من لهؤلاء القوم، فانتدب أول الناس عيينة"، قال ابن سعد: كان ذلك "في المحرم سنة تسع" بعثه "في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري، ولا أنصاري" من مزيد حذقه صلى الله عليه وسلم خافهم عليهم، فلم يبعث منهم أحدا، "فكان يسير الليل، ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء" حال كونهم "فدخلوا" بالقاف.

وسرحوا مواشيهم فلما رأوا الجمع ولوا فأخذ عيينة منهم أحد عشر رجلا، ووجدوا في المحلة إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا.

فقدم منه عشرة من رؤسائهم، منهم: عطارد والزبرقان،

__________

وفتح الحاء وشد اللام، ما ضبطه بالقلم من الحلول، أي نزلوا بها وإن قرئ بالفاء والخاء المعجمة من الدخول صح، أي دخلوا محل دوابهم "وسرحوا مواشيهم، فلما رأوا الجمع ولوا، فأخذ عيينة،" وفي نسخة فأخذوا أي عيينة ومن معه "منهم أحد عشر رجلا".

قال البرهان: لا أعرفهم "ووجدوا في المحلة" بفتح الميم، المهملة واللام المشددة مكان نزولهم "إحدى عشرة امرأة" كما قال الواقدي وابن سعد، وتبعهما مغلطاي وغيره، وفي العيون إحدى وعشري امرأة قال البرهان: لا أعرفهن، وثلاثين صبيا لا أعرف أسمائهم. ا. هـ.

زاد في العيون فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم صلى الله عليه وسلم، فحبسوا في دار رملة بنت الحارث، "فقدم" في شأن الأسرى "منهم عشرة من رؤسائهم" ليسوا جمل القادمين، كما يوهمه المصنف، فقد قال ابن إسحاق: لما قدم سبيهم عليه صلى الله عليه وسلم، ركب فيهم وفد من بني تميم حتى قدموا عليه منهم ربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، وردان بن محرز، ومالك بن عمرو، وفراس بن حابس، وذكر باقي العشرة الذين عدهم بقوله: "منهم عطارد" بن حاجب بن زرارة التميمي استعمله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني تميم.

روى الطبراني عنه: أنه أهدي إليه صلى الله عليه وسلم ثوب ديباج، كساه لأبيه كسرى، فدخل أصحابه، فقالوا: ما نزل عليك من السماء، فقال: وما تعجبون من ذا المناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا.

قال في الإصابة وارتد عطارد بعده صلى الله عليه وسلم مع من ارتد من تميم ومع سجاح، ثم أسلم وهو القائل فيها:

أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا

فلعنة الله رب الناس كلهم ... على سجاح ومن بالكفر أغوانا

"والزبرقان" بكسر الزاي، وسكون الموحدة، وراء مكسورة ابن بدر التميمي السعدي.

قال في الإصابة: كان اسمه الحصين، ولقب الزبرقان لحسن وجهه، وهو من أسماء القمر. ا. هـ قال الشاعر:

تضيء به المنابر حين يرقى ... عليها مثل ضوء الزبرقان

وقال ابن السكيت وغيره: إنما قيل له ذلك لتصغيره عمامته، يقال: زبرقت الثوب إذا صغرته.

وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس،

__________

قال في الروض: وكان يرفع له بيت من عمائم وثياب، ويضمخ بالزعرفان والطيب وتحجه بنو تميم قال الشاعر:

وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا

قال: وله أسماء الزبرقان، والمعمر والحصين، وكنى ثلاثة أبو العباس، وأبو سدرة وأبو عياش. ا. هـ أسلم وصحب.

قال ابن عبد البر: ولاه صلى الله عليه وسلم صدقات قومه، فأداها إلى أبي بكر، فأقره، ثم إلى عمر وعمي، وعاش إلى خلافة معاوية.

وقيل: بعدها وأنه وفد على عبد الملك، وقاد إليه خمسة وعشرين فرسا، ونسب كل فرس إلى آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس يمينا غير التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك: عجبي من اختلاف أيمانه أشد من عجبي بمعرفته أنساب الخيل.

"وقيس بن عاصم" بن سنان بن منقر التميمي المنقري، بكسر الميم وسكون النون، وفتح القاف نسبة إلى جده المذكور، كان عاقلا حليما يقتدى به، حرم الخمر في الجاهلية.

روى ابن سعد بسن حسن عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دنوت منه قال: هذا سيد أهل الوبر قال عمر للأحنف: ممن تعلمت الحلم، قال: من قيس بن عاصم رأيته أتى برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك، فالتفت إلى أبن أخيه، فقال: يا ابن أخي بئيس ما فعلت، أثمت بربك،

وقطعت رحمك، ورميت نفسك بسهمك، ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك، وحل كتاف ابن عمك وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة.

قال ابن حبان: كان له ثلاثة وثلاثون ولدا، ونزل البصرة، وبها مات، ورثاه عبدة بن الطيب بقوله:

عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما

فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما

"والأقرع بن حابس" التميمي، المجاشعي الدارمي، قال ابن إسحاق: وفد وشهد الفتح وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة، وقد حسن إسلامه حضر اليمامة، وغيرها وحرب أهل العراق، وفتح الأنبار مع خالد.

قال ابن دريد: اسمه فراس، وإنما قيل له: الأقرع لقرع كان برأسه، وكان شريفا في الجاهلية، والإسلام استشهد بخراسان في زمن عثمان.

قال الحافظ: وقرأت بخط الرضى الشاطبي، أنه قتل باليرموك في عشرة من بنيه والله أعلم.

فجاءوا إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا: يا محمد اخرج إلينا، فخرج صلى الله عليه وسلم، وأقام بلال الصلاة وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه، فوقف معهم ثم مضى فصلى الظهر، ثم جلس في صحن المسجد.

فقدموا عطارد بن حاجب فتكلم وخطب، فأمر صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم.

__________

وذكر ابن الكلبي أنه كان مجوسيا قبل إسلامه. ا. هـ، ولا يشكل عليه حضوره في وفد تميم، بأنه أسلم قبل، وحضر مع النبي الغزوات المذكورة لقول ابن إسحاق قد كان الأقرع وعيينة شهدا معه صلى الله عليه وسلم، الغزوات الثلاث فلما قدم وفد تميم كانا معهم، "فجاءوا" لما رآهم النساء والذراري، وبكوا، فعجلوا "إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم"، ولا يرد عليه قوله من وراء الحجرات؛ لأن النداء، وقع عند الباب، وسمع من ورائها "فنادوه: يا محمد اخرج إلينا" زاد في رواية تفاخرنا، ونفاخرك، وتشاعرنا، ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين، فلم يزد صلى الله عليه وسلم على أنه قال: "ذاك الله إذا مدح زان وإذا ذم شان إني لم أبعث بالشعر، ولم أؤمر بالفخر ولكن هاتوا".

وعند ابن إسحاق: فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم.

وروى ابن جرير وغيره عن الأقرع: أنه ناداه صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فلم يجبه فقال: يا محمد والله إن حمدي ليزين، وإن ذمي ليشين، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلك الله" فخرج صلى الله عليه وسلم" وأقام بلال الصلاة" للظهر، "وتعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمونه" في فداء عيالهم، "فوقف معهم، ثم مضى فصلى الهر، ثم جلس في صحن المسجد".

قال ابن إسحاق: فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فائذن لشاعرنا وخطيبنا، فليقل، فقال: "أذنت لخطيبكم"، "فقدموا عطارد بن حاجب" فقام، "فتكلم وخطب".

قال ابن إسحاق: فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثر عددا وعدة، فمن مثلنا في الناس، ألسنا برءوس الناس وأفضلهم؟ فمن فاخرنا، فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو شئنا لأكثرنا الكلام، ولكنا نستحيي من الإكثار، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، "فأمر صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس"، بمعجمة، وشد الميم، فألف، فمهملة، الخزرجي الخطيب، من كبار الصحابة بشره صلى الله عليه وسلم بالجنة، واستشهد باليمامة، فأجابهم".

قال ابن إسحاق: فقال صلى الله عليه وسلم لثابت: "قم فأجب الرجل في خطبته"، فقام ثابت، فقال الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يكن شيء

ونزل فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون} [الآية، [الحجرات: 4] ورد عليهم صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي.

__________

قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى خير خلقه رسولا أكرمه نشبا وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، وأنزل عليه كتابا، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله في العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كنا أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعا رسول الله، فنحن أنصار الله وزراء رسول الله، نقاتل الناس حتي يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسير.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم، فقام الزبرقان، فقال قصيدة، وكان حسان غائبا، فبعث إليه صلى الله عليه وسلم فلما فرغ قال: "يا حسان قم فأجب الرجل"، فقام فأجابه والقصيدتان في ابن إسحاق، وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لذكرهما، حيث ذكر المصنف بعض القصيدة في ترجمة حسان.

قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل المؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم، فأحسن جوائزهم، قال: "ونزل فيهم": من القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} من خارجها، خلفها أو قدامها؛ لأن وراء في الأصل مصدر جعل ظرفا فيضاف للفاعل، ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وللمفعول ويراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذا عد من الأضداد، والمراد حجرات نسائه ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة، حجرة، فنادوه، أو تفرقوا عليها متطلبين له؛ لأنهم لم يعلموه بأيها مناداة الأعراب بغلظة وجفاء: {أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون} محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، وفيه تسلية الرسول وتلميح بالصفح عنهم، "ورد عليهم صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبي"، بفداء النصف، والمن على النصف، كما روي عن ابن عباس أو من على الكل تفضلًا بعد إسلامهم ترغيبا لهم فيه، وإن وافقهم قبل على فداء النصف، وهذا هو الظاهر من مزيد كرمه صلى الله عليه وسلم، وإن جزم ابن إسحاق بأنه أعتق بعضا، وفادى بعضًا.

وقد روى ابن شاهين وغيره من طريق المدائني، عن رجاله قالوا: لما أصاب عيينة بن حصن بني العنبر من بني تميم، قدم وفدهم، فذكر القصة وفيها فكلم الأقرع بن حابس رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبي، وكان بالمدينة قبل قدوم السبي، فنازعه عيينة بن حصن، وفي ذلك

وفي البخاري: عن عبد الله بن الزبير: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت

__________

يقول الفرزدق يفخر بعمه الأقراع:

وعند رسول الله قام ابن حابس ... بخطة سوار إلى المجد حازم

له أطلق الأسرى التي في قيودها ... مغللة أعناقها في الشكائم

كفى أمهات الخائفين عليهم ... غلاء المفادي أو سهام المقاسم

وهذا قد يرد على من زعم أن المنادي عيينة والأقرع، وأسند إلى الكل، لرضاعهم أو أمرهم به أو وجوده بينهم، ويحتمل التوفيق بأن كلا ناداه لمراده، فمراد عيينة الفداء ونحوه، ومراد الأقرع المن بلا شيء وعدا من الوفد، تجوزا؛ لأنهما من القبيلة، وإن كانا أسلما قبل وكانا بالمدينة.

"وفي البخاري" هنا، وفي التفسير "عن عبد الله بن الزبير" أمير المؤمنين الصحابي ابن الصحابي "أنه" قال: "قدم ركب من بني تميم" قيل: كانوا سبعين من رؤسائهم العشرة الذين ذكر المصنف منهم أربعة "على النبي صلى الله عليه وسلم" فأسلموا وسألوه أن يؤمر عليهم أحدا، "فقال أبو بكر" الصديق "أمر" عليهم "القعقاع" بفتح القافين بينهما عين مهملة، فألف مهملة "ابن معبد، بفتح الميم، والموحدة بينهما عين ساكنة مهملة، وآخره دال مهملة.

"ابن زرارة" بن عدي بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي الصحابي.

قال هشام بن الكلبي: كان يقال له تيار الفرات لسخائه، وعند البغوي قال أبو بكر: استعمل القعقاع بن زرارة، فنسبه لجده.

قال ابن التين: كانت فيه رقة، فلذا اختاره أبو بكر "وقال عمر" الفروق: "بل أمر" عليهم "الأقرع بن حابس" لشرفه فيهم، وصلابته وحسن إسلامه، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه من خندف، ثم من بني تميم، كما أفاده السهيلي.

"قال أبو بكر" لعمر رضي الله عنهما: "ما أردت إلا خلافي،" بكسر الهمزة وشد اللام، أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، وفي رواية إلى خلافي بإلى الجارة، فما استفهامية، أي أي شيء قصدت منتهيا إلى خلافي "فقال عمر: ما أردت خلافك" تعنتا، وإنما أردت أن تولية الأقرع عليهم أصلح، ولم يظهر لك أنت ذلك، فأشرت بتولية غيره، "فتماريا" تجادلا وتخاصما "حتى

أصواتهما، فنزل في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] حتى انقضت، أي لا تقدموا القضاء في الأمر قبل أن يحكم الله ورسوله فيه.

ولما نزل: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} [الحجرات: 2] أقسم أبو بكر لا يتكلم بين يدي رسول الله إلا كما يسارر الرجل صاحبه،

__________

ارتفعت أصواتهما" في ذلك فنزلت في ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] حتى انقضت أي الآية، كما هو رواية البخاري في التفسير، "أي لا تقدمو القضاء" فالمفعول محذوف ليذهب الوهم إلا كل ما يمكن أو تركه؛ لأن القصد نفي التقديم رأسا "في الأمر قبل أن يحكم الله ورسوله فيه".

وفي البخاري قال مجاهد: لا تقدموا لا تقتاتوا على رسول الله حتى يقضي الله على لسانه، قال الزركشي: الظاهر أن هذا التفسير على قراءة ابن عباس ويعقوب، بفتح التاء، والدال، والأصل لا تتقدموا، فحذف إحدى التاءين.

قال الدماميني: بل هو متأت على القراءة المشهورة أيضا فإن قدم بمعنى تقدم قال الجوهري: وقدم بين يديه أي تقدم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] . ا. هـ.

وروى ابن المنذر عن الحسن: أن ناسا ذبحوا قبله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا، وزلت الآية، وأخرج الطبراني عن عائشة أن ناسا كانوا يتقدمون الشهر، فيصومون قبله صلى الله عليه وسلم، فنزلت، وروى ابن جرير عن قتادة: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، فنزلت ولا شك أن الأصح الأول لكونه مروي البخاري ويحتمل تعدد الأسباب، وقد قال الفخر الرازي: الأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات، وتقدم واستبداد بالأمر، وإقدام على فعل غير ضروري بلا مشاورة، "ولما نزل" بسبب المماراة أيضا: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] .

قال المصنف: أي إذا كلمتموه؛ لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي قلبه ارتجف، وضعفت حركته الدافعة، فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف بالعكس، وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة، فكيف وهم خير الناس، بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره. ا. هـ.

"أقسم أبو بكر لا يتكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كما يسارر الرجل صاحبه"، وفي البخاري: من وجه آخر عن أبن أبي ملكية كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند

ونزل فيه وفي أمثاله: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات: 3] الآية.

__________

النبي صلى عليه حين قدم عليه ركب بني تميم، فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} [الحجرات: 2] .

قال ابن الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر وعنده في الاعتصام، فكان عمر بعد ذلك إذا حدثه صلى الله عليه وسلم بحديث يحدثه كأخي السرار لا يسمعه حتى يستفهمه، والحاصل أنهما رضي الله عنهما كانا يفعلان ذلك، وزاد أبو بكر الحلف، "ونزل فيه وفي أمثاله،" كعمر وثابت بن قيس خطيبه فإنه، كان من أرفع الصحابة صوتًا، ولما نزلت جلس في بيته منكسا رأسه، فافتقده صلى الله عليه وسلم، فقال لرجل: "قل إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة"، {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ} [الحجرات: 3] {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات: 3]

[بعث الوليد إلى بني المصطلق] :

ثم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق بن خزاعة يصدقهم،

__________



كلمات دليلية: