سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس_13080

سرية علي بن أبي طالب إلى الفلس


هدم صنم طيء

:

"ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس بضم الفاء، وسكون اللام" آخره سين مهملة، كما ضبطه جمع منهم اليعمري، وقال في المراصد بضم أوله وثانيه، وضبطه بعضهم بالفتح وسكون اللام، "وهو صنم طيء"، ومن يليها قاله ابن إسحاق "ليهدمه" أي محله الذي هو فيه "في ربيع الآخر سنة تسع".

"وبعث معه مائة وخمسين رجلا من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا" عند الواقدي.

وعند ابن سعد: مائتي رجل -فهدمه وغنم سبيا ونعما وشاء.

وكان في السبي سفانة بنت حاتم، أخت عدي بن حاتم، فأطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك سبب إسلام أخيها عدي.

__________

"وعند ابن سعد مائتي رجل" من الأنصار، فالخلاف في عددهم لا في كونهم منهم، أو بعضهم منهم وبعضهم من غيرهم، قال ابن سعد وشيخه: ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فغاروا على أحياء من العرب، وشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، "فهدمه" وحرقه وجد في خزانته ثلاثة أسياف، رسوب بفتح الراء، وضم المهملة وسكون الواو وموحدة، والمخذم بكسر الميم، وسكون الخاء، وذال معجمتين، وميم كان الحارث قلده إياهما، وسيف يقال له اليماني وثلاثة أدرع، "وغنم سبيا"، فاستعمل عليه أبا قتادة، و"نعما وشاء" وفضة، فجعل عليها عبد الله بن عتيك، فلما كان بركك، بفتح الراء والكاف الأولى موضع ببلاد طيء لا يصرف عزل له صلى الله عليه وسلم صفيا رسوبا والمخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وآل حاتم، فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة.

وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: أنه صلى الله عليه وسلم وهب رسوبا والمخذم لعلى قال: وهما سيفا على رضي الله عنه، "وكان في السبي سفانة"، بفتح السين المهملة، والفاء المشددة، فألف فنون مفتوحة فتاء تأنيث، "بنت حاتم" الطائي الجواد المشهور، قال في الروض: وبها كان يكنى، وهي في الأصل الدرة. ا. هـ، فأسلمت، وحسن إسلامها ومن عليها صلى الله عليه وسلم قيل: فدعت له، فقالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا لردها عليه، أخت "عدي بن حاتم" بن بد الله بن سعد بن الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة، وآخره جيم الصحابي الشهير أبي طريف، بفتح المهملة آخره فاء كان ممن ثبت في الردة وأتى بصدقة قومه إلى الصديق، وحضر فتوح العراق وحروب علي، مات سنة ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين سنة وقيل: ثمانين.

روى له الستة "فأطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك سبب إسلام أخيها عدي،" كما ذكر ابن إسحاق، قال: أصابت خيلة صلى الله عليه وسلم ابنة حاتم في سبايا طيء، فجعلت في حظيرة في المسجد، فمر بها صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه وكانت جزلة، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فقال: "ومن وافدك"، فقالت: عدي بن حاتم، قال: "الفار من الله ورسوله" فمضى حتى كان الغد، مر بي فقلت له وقال لي مثل ذلك، حتى كان بعد الغد، مر بي ويئست، فأشار إلى علي وهو خلفه أن قومي إليه فكلميه، فقمت فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد فأمنن علي من الله

وعند ابن سعد أيضا: أن الذي كان سباها خالد بن الوليد رضي الله عنه.

ثم سرية عكاشة بن محصن إلى الجباب -موضع بالحجاز- أرض عذرة وبلي، وقيل: أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة.

قصة كعب بن زهير

__________

عليك، قال: قد فعلت فلا تعجلي حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك ثم آذنيني، فقدم رهط من طيء، فأخبرته أن لي فيهم ثقة، وبلاغا فكساني وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام على أخي، فقال: ما ترين في هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يك نبيا فللسابق إليه فضيلة، وإن يك ملكا فلن تزال في عز اليمن وأنت أنت، فقلت: والله إن هذا هو الرأي، وقدم فأسلم والقصة طويلة، وروى ابن المبارك في الزهد عندما دخل وقت صلاة قط: ألا وأنا أشتاق إليها، وفي رواية ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء وكان جوادا.

وقد روى أحمد أن رجلا سأله مائة درهم، فقال: تسألني مائة درهم وأنا ابن حاتم والله لا أعطيك.

"وعند ابن سعد أيضا أن الذي كان سباها خالد بن الوليد رضي الله عنه" لا علي كرم الله وجهه، ولا يمكن الجمع بأنه كان في جيش علي؛ لأن جيشه كانوا كلهم من الأنصار فالله أعلم، "ثم سرية عكاشة" بضم العين، وشد الكاف وتخفيفها، وشين معجمة "ابن محصن" بكسر فسكون الأسدي من السابقين الأولين البدري ممن يدخل الجنة بغير حساب، كما في الصحيحين، استشهد في قتال الردة.

"إلى الحجاب" بكسر الجيم وموحدتين، بينهما ألف "أرض عذرة" بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة "وبلى" بفتح الموحدة، وكسر اللام، وشد التحتية "وهي اسم قبيلتين" كلاهما من قضاعة بضم القاف ومعجمة فألف فمهملة، "وقيل: أرض فزارة وكلب ولعذرة فيها شركة".

قال ابن سعد: كانت هذه السرية في شهر ربيع الآخر سنة تسع، كذا ذكره ولم يزد وتبعه اليعمري وغيره ولم يبينوا سببها، ولا عدد من ذهب فيها، ولا ما جرى والله أعلم.

"قصة كعب بن زهير" بن أبي سلمى بضم أوله، واسمه ربيعة بن رياح بكسر الراء، وتحتانية المزني الشاعر ابن الشاعر، أخو الشاعر، وكان ولدا كعب عقبة، والعوام شاعرين قال الحطيئة، لكعب: أنتم أهل بيت ينظر إليكم في الشعر، فاذكرني في شعرك ففعل، وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي قال: أنشد النابغة الذبياني النعمان بن المنذر:

تزال الأرض أما مت خفا ... وتحيا ما حييت بها ثقيلا

فقال النعمان: إن لم تأت ببيت بعده يوضح معناه، وإلا كان إلى الهجاء أقرب، فتعسر

مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيما بين رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف وغزوة تبوك.

وكان من خبر كعب وأخيه بجير ما ذكره ابن إسحاق، وعبد الملك بن هشام وأبو بكر محمد بن القسم بن يسار الأنباري، دخل حديث بعضهم في بعض:

أن بجيرا قال لكعب: اثبت حتى آتي هذه الرجل -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- فأسمع كلامه وأعرف ما عنده،

__________

عليه، فأجله ثلاثا، فإن قال: فله مائة من الإبل وإلا ضربه بالسيف، فخرج النابغة وجلا، فلقي زهيرا، فذكر له ذلك، وخرجا إلى البرية فتبعهما، كعب فرده، زهير، فقال النابغة: دعه يخرج وأردفه، فلم يحضرهما شيء، فقال كعب للنابغة يا عم ما يمنعك أن تقول:

وذلك إن ثللت الغي عنها ... فتمنع جانبيها أن تميلا

فأعجب النابغة، وغدا على النعمان، فأنشده فأعطاه المائة، فوهبها لكعب، فأبى أن يقبلها، ورويت هذه القصة على غير هذا الوجه "مع النبي صلى الله عليه وسلم" لم يقل وأخيه بجير وإن ذكر في القصة؛ لأن كعبا هو المقصود؛ لأنه الذي هرب، وأهدر دمه، وإنما ذكر أخوه لكونه سببا في مجيئه وإيمانه، "وكانت فيما بين رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف وغزوة تبوك" تبع اليعمري لفظا ووضعا، ومقتضى التزامهما الترتيب على السنين أن تكون في التاسعة في آخر ربيع الثاني، أو في الجماديين.

وجزم الشامي في الحوادث بأنها في السنة الثامنة، وهو مقتضى ما يأتي عن ابن إسحاق، "وكان من خبر كعب وأخيه بجير"، بضم الموحدة، وفتح الجيم، وإسكان التحتية، ثم راء صحابي شهير أسلم قبل أخيه، ثم كان سببا في إسلامه، "ما ذكره ابن إسحاق" محمد في المغازي بلا إسناد "وعبد الملك بن هشام" الحميري المغافري أبو محمد البصري، ثم المصري المتوفى بها سنة ثلاث عشرة ومائتين كان مشهورا بحمل العلم مقدما في علم النسب والنحو.

روى سيرة ابن إسحاق عن زياد البكائي عنه وهذبها، وزاد فيها بعض أشياء بينها، وهو المراد بكونه ذكر هذا الخبر، "وأبو بكر" العلامة الحافظ الصدوق الدين "محمد بن القاسم بن يسار" ضد يمين "الأنباري" بفتح الهمزة والموحدة، بينهما نون ساكنة بلدة قديمة على الفرات، "دخل حديث بعضهم في بعض" يعني أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل ما انفرد به عن الآخر "أن بجيرا" بفتح الهمزة، بدل من قوله ما ذكره، "قال لكعب: اثبت" روى ابن أبي عاصم عن كعب أنه لما فتحت مكة خرج وهو وبجير حتى أتيا أبرق العزاف، فقال بجير لكعب: اثبت في غنمنا هنا "حتى آتي هذا الرجل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، فأسمع كلامه، وأعرف ما عنده" هل هو مما

فأقام كعب ومضى بجير، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع كلامه وآمن به.

وذلك أن زهيرا فيما زعموا كان يجالس أهل الكتاب فسمع منهم أنه قد آن مبعثه عليه الصلاة والسلام، ورأى زهير في منامه أنه قد مد سبب من السماء، وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته، فأوله بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك وأمرهم، وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا.

قال ابن إسحاق: ولما قدم صلى الله عليه وسلم من الطائف، كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه، وإن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري

__________

يستحسن، ويلوح صدقه فاتبعه أم لا فأتركه "فأقام كعب" بابرق العزاف بفتح المهملة، والزاي المشددة آخر فاء ماء لبني أسد بين المدينة، والربذة؛ لأنه كان يسمع بن عزيف الجن، أي صوتهم، كما قال الشريف، "ومضى بجير فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع كلامه وآمن به و" سبب "ذلك" أي قول بجير لأخيه ما سبق، وإتيانه للمصطفى "أن زهيرا" أباهما "فيما زعموا" عبر به لعدم صحته عنده كالأحاديث الصحيحة والحسنة.

"كان يجالس أهل الكتاب، فسمع منهم أنه قد آن" قرب "مبعثه عليه الصلاة والسلام، ورأي زهير في منامه أنه قد مد سبب،" حبل "من السماء وأنه قد مد يده ليتناوله ففاته فأوله،" أي الحبل الذي مد "بالنبي الذي يبعث في آخر الزمان، وأنه" أي وأول فوته بأنه "لا يدركه، وأخبر بنيه بذلك" المذكور من المنام، وما سمعه من أهل الكتاب "وأمرهم" أي بنيه كعبا وبجيرا وأختهما الخنساء شاعرة أيضًا، ذكرها ابن ماكولا غير الخنساء أخت صخر الشاعرة الصحابية المشهورة، ولم يذكر بنت زهير في الإصابة، فلا صحبة لها، ويحتمل أنه أراد ببنيه ما يشملهم وأولادهم، "وأوصاهم إن أدركوه أن يسلموا".

قال العسكري: ومات زهير قبل المبعث قال خلف الأحمر: ولولا قصائد له ما فضلته على ابنه كعب، أي في الشعر، ثم ما ساقه المصنف هو مما انفرد به ابن الأنباري عن المذكورين معه.

"قال ابن إسحاق:" عقب غزوة الطائف، "ولما قدم صلى الله عليه وسلم من الطائف كتب بجر بن زهير إلى أخيه كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه" ويؤذيه، "وأن من بقي من شعراء قريش" عبد الله بن "الزبعري"، بزاي فموحدة مسكورتين، وسكون المهملة بعدها راء مقصورة، كما في الإصابة والصحاح.

وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك، وكان كعب قد قال:

ألا بلغا

__________

وقال الأسنوي في شرح منهاج البيضاوي، والمجد بفتح الباء، وبعضهم حكى الوجهين، ولك ترجيح الأول لجزم الجوهري به.

وصحاحه في كتب اللغة نظير البخاري في الحديث، كما في المزهر، وجزم الإصابة الكسر، يرجحه أيضا فأهل كل فن أدرى به.

ابن قيس بن عدي بن سعيد بالتصغير ابن سهم القرشي السهمي.

قال المرزباني يكنى أبا سعيد: كان شاعر قريش، ثم أسلم ومدحه صلى الله عليه وسلم، فأمر له بحلة "وهبيرة" بضم الهاء وفتح الموحدة.

"ابن أبي وهب" المخزومي زوج أم هانئ، "قد هربوا في كل وجه" لما فتحت مكة، فهرب إلى نجران فأما هبيرة فهلك على كفره، وأما ابن الزبعري فروى ابن إسحاق أن حسان رماه ببيت واحد لم يرد عليه.

لا تعد من رجلا أحلك بغضه ... نجران في عيش أجد لئيم

فخرج إليه صلى الله عليه وسلم، فقال حين أسلم:

يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور

إذا بارى الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبور

آمن اللحم والعظام لربي ... ثم قلبي الشهيد أنت النذير

إنني عنك زاجر ثم حيا ... من لؤي وكلهم مغرور

"فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر،" أي أقبل مسرعا "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا".

وعند ابن عاصم فإنه لا يأتيه أح مسلما إلا قبل منه، وأسقط ما كان قبل ذلك، "وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك،" من الأرض، كما عند ابن إسحاق، أي إلى محل ينجيك منه بزعمك ونجائك، بالهمز أو هو نجاتك بفوقية بعد الألف، وكلاهما مصدر نجا كما في القاموس، "وكان كعب قد قال" لما بلغه إسلام أخيه "ألا بلغا" بألف لفظا، وخطا على أنه مؤكد وصل بنية الوقف أو خطاب للاثنين والواحد وكثيرا ما يخاطب الواحد بخطابهما، أو بنون توكيد

عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا

فبين لنا إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا

على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولا تلقي عليه أخا لكا

فإن كنت لم تفعل فلست بآسف ... ولا قائل إما عثرت لعالكا

سقاك بها المأمون كأسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا

__________

خفيفة لفظا وألف خطا للوقف "عنى بجيرا رسالة، فهل لك" الفاء عاطفة والمعطوف محذوف، أي فقولا له هل لا زائدة؛ لأنه خلاف الأصل؛ ولأن في زيادة الفاء خلافًا "فيما قلت" رأي أو إرادة أو قلته بلا قصد، ويحك" وقعت في هلكة بما قلته لا تستحقها "هل لكا" توكيد وتكميل، "فبين لنا إن كنت لست بفاعل" مرادنا من بقائك على دينك جملة معترضة، ومفعول بين "على أي شيء غير ذلك دلكا"، أي الطريق الذي دلك عليه المالف لدين آبائك، كما أشار إليه بقوله: دلك على خلق بضمتين سجية

أي أفعال ناشئة عن طبيعة "لم تلف" عليها "أما ولا أبا، عليه" قال في الروض: إنما قال ذلك؛ لأن أمهما واحدة، وهي كبشة بنت عمار الشحيمية، كما ذكره ابن الكلبي، "و" كما لم تجد فيما مضى أحدا من إسلافك عليه كذلك "لا تلفي عليه أخا لك" يواتيك عليه في المستقبل، فلذا عبر بلا وفيما قبله بلم، وفي

رواية ولم تدرك، والظاهر أن المراد بالأخ الصديق، أو ما يشمله وفي رواية:

على خلق لم تلف يوما أخا له ... عليه وما تلفي عليه أبا لكا

"فإن كنت" بفتح التاء خطابا، وفي رواية فإن أنت "لم تفعل فلست" بضمها أنا "بآسف" بمد الهمزة، وكسر السين، حزين عليك لخلافك لي، "ولا قائل إما" بكسر الهمزة وشد الميم "عثرت لعالكا" بفتح اللام، والعين منونة "سقاك بها" بالمقالة المفهومة من قلت: أو من ما قلت بجعل ما مصدرية، أو هو عائد على نفس ما بجعلها موصولا اسميا حذف عائده، أي في التي قلتها، أو على كلمة الشهادة، فالباء زائدة أو بمعنى من التبعيضية، أو على الكأس "المأمون" يعني النبي صلى الله عليه وسلم كانت قريش تسميه به وبالأمين قبل النبوة.

وفي رواية غير ابن إسحاق المحمود، وهو من أسمائه صلى الله عليه وسلم قال في الروض قال عبد الملك: ويروي المأمور "كأسا" حال موطئة، كما تقول: لقيت زيدا رجلا صالحا، أو بدل من الضمير على الموضع، كمررت به زيدا هذا على زيادة الباء، وعلى أنها بمعنى من أو تمييز على عود الضمير على الكأس، وعود الضمير على تمييزه متفق عليه في نعم ورب نحو بئس للظالمين، بدلا وربه عطبا، ولم يخصه الزمخشري بذلك، بل قال به في: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} ، وما هنا مثله "روية" فعلية بمعنى مفعلة بضم الميم وكسر العين أي مروية "فانهلك" سقاك أولا "المأمون منها، وعلكا".

قال السهيلي: "لعا" كلمة تقال للعاثر دعاء له. ا. هـ.

قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سقاك بها المأمون، صدق وإنه لكذوب، وأنا المأمون".... ولما سمع: على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: "أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه"، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله"، فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات.

من مبلغ كعبا فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم

__________

سقاك ثانيا، والمعنى سقاك بها مرة بعد أخرى قال عبد الملك عن بعض علماء الشعر بعد هذا:

ففارقت أسباب الهدى واتبعته ... على أي شيء ويب غيرك دلكا

قال الجمال ويب كويج.

"قال السهيلي: "لعا" كلمة تقال للعاثر دعا له" بالإقالة قال الأعشى:

فالنفس أدنى لها من أن يقال لعا

فإذا دعى عليه قيل: لا لعا وأنشد أبو عبيدة:

فلا لعا لبني ثعلان إذ عثروا

". ا. هـ" كلام السهيلي بما زدته.

قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما آت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي يخفيها عنه، وكتم يتعدى بنفسه وبمن وعن كما في المصباح، "فأنشده إياها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لما سمع "سقاك بها المأمون".

هكذا ثبت لما سمع عند ابن إسحاق، فكأنها سقطت من قلم المؤلف، وحذف المفعول للعلم به، أي قوله وأما مقولة عليه الصلاة والسلام، فهو "صدق" لمطابقة الواقع، و "إنه لكذوب" في أقواله، بل قوله هذا لكن بزعمه، أي هو يزعم، ويعتقد أنه كذوب فيه لا بحسب الواقع على نحو ما قيل في والله يشهد أن المنافقين لكاذبون "وأنا المأمون ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه، قال: أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه" لهلا كهما قبله، "ثم قال عليه الصلاة والسلام: من "لقي منكم كعب بن زهير فليقتله"، وهذا مما انفرد به ابن الأنباري عنهما.

وقد ثبت في رواية ابن أبي عاصم من حديث كعب، "فكتب إليه أخوه بهذه الأبيات من مبلغ" بضم فسكون فكسر من أبلغ، وفيه خرم بالراء وأصله فمن مبلغ، أي موصل "كعبا فهل لك" انقياد ودخول "في" الخصلة "التي تلوم" أخاك "عليها" لوما "باطلا، و" الحال أنها "هي أحزم".

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم

فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان من حاضره من عدوه، فقال: هو مقتول، فلما لم يجده من شيء بدا، قال قصيدته، التي يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويذكر خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه.

ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رحل

__________

أتقن وأصوب، فترجح "إلى الله لا العزى، ولا اللات وحده" حال من الله، أي منفردا لا تشرك معه أحدا "فتنجو" تخلص من العذاب "إذا كان النجاء" الأكبر حاصلا لأهله، "وتسلم" من النار وأهوال يوم الفزع الأكبر، وذلك النجاء "لدى" عند "يوم لا ينجو" فيه، "وليس بمفلت" بفتح اللام المخففة أحسن من كسرها اسم فاعل، كما في النور "من الناس" أحد من العذاب "إلا طاهر القلب مسلم،" أي سليم منقاد للحق خالص من الشك والشرك، لا الذنوب، فإنه لا يسلم منها إلا المعصوم، "فدين زهير وهو لا شيء دينه".

قال السهيلي رواية مستقيمة، ورواه القالي فقال: لا شيء غيره وفسره على التقديم والتأخير، أي دين زهير وهو غيره لا شيء ورواية ابن إسحاق أبعد من الإشكال وأصح، وهذا كما قال الجمال اعتراض حسن بديع بين المبتدأ الذي عطف عليه "ودين أبي سلمى"، وبين الخبر وهو "علي محرم"، ويحتمل أنه إفراد الخبر؛ لأن المعنى فاتباع فحذف المضاف، كحديث أن هذين حرام على ذكور أمتي، أي استعمال الذهب والحرير، أو؛ لأن دينهما واحد، وأعيد المضاف توكيدا كقول قيس بن عاصم:

أيا بنت عبد الله وابنه مالك ... ويا بنت ذي البودين والفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فأني لست آكله وحدي

"فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت بن الأرض، وأشفق" خاف "على نفسه، وأرجف به" خوفه "من كان في حاضره،" أي حية "من عدوه فقال:" أفرد باعتبار لفظ من لكن في ابن إسحاق، فقالوا: "هو مقتول فلما لم يجد من شيء بد" مخلصا يلتجئ إليه إلا الإسلام، والمجيء إلى خير الأنام، كما في رواية ابن أبي عاصم أنه لما جاءه الكتاب أسلم كعب، وقدم "قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر" فيها "خوفه وإرجافه الوشاة به" أي المزخرفين للأقوال الكاذبة عليه حالة كونهم "من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل" قال البرهان:

كانت بينه وبين معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده في يده -وكان صلى الله عليه وسلم لا يعرف- فقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، أنه وثب عليه رجل من الأنصار، وقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا"، قال: فغضب كعب على هذا الحي من

__________

لا أعرفه "كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" حين صلى الصبح فصلى معه كما في ابن إسحاق، قال: ثم أشار إليه "فقال: هذا رسول الله فقم إليه واستأمنه، فقام حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده".

وفي رواية ابن أبي عاصم فأسلم كعب، وقدم المدينة حتى أناخ بباب المسجد قال: فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة، فتخطيت حتى جلست إليه فأسلمت، ثم قلت: الأمان يا رسول الله أنا كعب بن زهير، "وكان صلى الله عليه وسلم" لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاءك ليستأمنك" حال كونه "تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به،" أي بخبره، وأظهرته لك إذ هو حاضر "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"، قال:" إذا "أنا يا رسول الله كعب بن زهير".

وروى ابن قانع عن سعيد بن المسيب أن كعبا لما قدم المدينة سأل عن أرق الصحابة، فدل على أبي بكر، فأخبره بخبره، فمشى أبو بكر وكعب على أثره حتى صار بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقال: رجل يبايعك فمد يده فبايعه، والجمع ممكن بأنه لما قدم نزل على الجهني، فأخبره بأن أبا بكر أرق الصحابة، وأتى به إليه فسارا معا معه، فصلوا الصبح، ثم تقدم الصديق وكعب على أثره، فجلس كعب، وقال ما قال فلما آمن عرفه بنفسه، "قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة" بن النعمان الأنصاري الأوسي، أبو عمر المدني التابعي الثقة الذي روى له الستة العلامة بالمغازي، المتوفى بعد العشرين ومائة "أنه وثب عليه رجل،" قال البرهان: لا أعرفه "من الأنصار، فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله" بالنصب "أضرب عنقه" بالجزم جواب دعني، ويجوز رفعه. ا. هـ. "فقال صلى الله عليه وسلم "دعه" اتركه "عنك، فقد جاء تائبا نازعا" بالنون، أي مائلا مشتاقا إلى الإسلام، أو كافا عن الشرك تاركا له: "قال" عاصم: "فغضب كعب على الحي من

الأنصار لما صنع صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير.

ثم قال قصيدته اللامية التي أولها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

وفيها:

أنبئت أن رسول الله أوعدني

__________

الأنصار،" الظاهر أنه أراد بالحي جميع الأنصار فمن بيانية "لما" بكسر اللام وخفة الميم "صنع" به "صاحبهم"، هكذا الرواية في ابن إسحاق فنسخة لما فعل بالمعنى، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، ثم قال قصيدته اللامية،" شرحها ابن هشام الجمال النحوي شرحا كبيرا، وقفت عليه أكثر فيه من فئة وكل وعاء "التي أولها بانت" فارقت فراقا بعيدا "سعاد".

قال الروياني: في البحر: هي امرأته وبنت عمه، ذكرها في هذه القصيدة لطول غيبته عنها، لهروبه من النبي صلى الله عليه وسلم. ا. هـ. وبه جزم البرهان فقولوا: الجمال علم مرتجل يريد به امرأة يهواها الشاعر حقيقة، أو الدعاء تقصير، ولذا قال الشامي: حقيقة لا ادعاء، "فقلبي" الفاء عاطفة سببية، كقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37]

قال الجمال: والقلب الفؤاد أو أخص منه ومثله في القاموس، وتوقف فيه شيخنا في التقرير بأنه لم يرد المادة التي ينفرد فيها الفؤاد حتى يكون أخص، وقد صرح غيرهما بأن الفؤاد غشاء القلب "اليوم" أراد به مطلقا الزمن كيوم حصاده، متبول" أسقمه الحب "متيم" ذليل مستعبد خبر ثان عند مجيز تعدده، أو خبر عن هو محذوفا عند المانع، أو صفة لمتبول عند مجوز وصف الصفة "إثرها" بكسر فسكون فقط للوزن، وإن كان فيه لغة بفتحتين ظرف لمتيم أو حال من ضمير.

ويروي عندها وهي عندية معنوية؛ لأن المراد القلب حال كونه "لم يفد" لم يعط فداءه، ويروى لم يجز ولم يشف "مكبول" مقيد مطلقا أو بقيد ضخم، أو أعظم قيد ومر الناظم في غرضه من الغزل في سعاد، ثم في وصف الإبل الموصلة إليها، وقطعها للأراضي الصعبة في ثلاثة وثلاثين بيتا، ثم ذكر الأرجاف به وبعد أصدقائه عنه في قوله:

تمشي الوشاة بجنبيها وقولهم ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول

وقال: كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك أنى عنك مشغول

فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول

"وفيها" عقب هذه الأربعة "أنبئت" ويروى نبئت، ومعناهما أخبرت "أن رسول الله أودعني" بشر وهو القتل، وبناؤه للمجهول؛ لأن مقام الاستعطاف يناسبه أن لا يحقق الخبر بالوعيد، بل

........... ... والعفو عند رسول الله مأمول

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيه مواعيظ وتفصيل

لا تأخذني بأقوال الوشاة و ... لم أذنب وإن كثرت في الأقاويل

إن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول

__________

يمرضه؛ ولأنه لم يتعلق غرضه بالفاعل "والعفو عند رسول الله مأمول" مطموع فيه مرجو حصوله لما تواتر أن العفو من أخلاقه.

وذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع هذا البيت قال: "إن العفو عند الله"، "مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن" الكتاب المنزل عليك لا القراءة من إضافة الصفة للموصوف، أو ظرفية بتقدير مضاف، أي نافلة فوائد القرآن، أي نافلة هي الفوائد المشتمل عليها، أو نافلة مقحم، أو القرآن منصوب وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، كقوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا "فيه مواعيظ" مرفوع منون للضرورة؛ لأنه لا ينصرف، "وتفصيل" تبيين ما يحتاج إليه من أمر المعاش والمعاد، وهذا البيت ومن بعده تتميم للاستعطاف؛ لأنه اشتمل على طلب الرفق به والأناة في أمره، ولما في قوله: نافلة القرآن من الإشارة إلى أنعام الله على رسوله بعلوم عظيمة، وزاده عليها القرءان والإقرار بالتنزيل، والتذير بما جاء به: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} "لا تأخذني" سؤال وتضرع وإظهار للذل، أي لا تقتلني "بأقوال الوشاة" الذين يزوقون الكلام للإفساد، "و" الحال أني "لم أذنب" أي لا تأخذني غير مذنب لا عاطفة؛ لأنه خلاف قصده؛ ولأن الخبر لا يعطف على الإنشاء عند قوم، "وإن كثرت في الأقاويل" جمع أقوال جمع قول فهو جمع الجمع، وكأن المعنى أنك عرفت بالصفح ومن جاءك تائبا لا تعده مذنبا، وإن أذنب قبل الإسلام، فالإسلام يجب ما قبله وبعده هذا البيت تسعة أبيات في خوفه منه عليه السلام، وأنه أخوف عنده من ضيغم يفترس وتنفر منه الوحوش، وحاصلها الاعتذار، فأسقطها المصنف؛ لأن غرضه إنما تعلق بمدحه صلى الله عليه وسلم صريحا "أن الرسول لسيف".

وفي رواية ابن إسحاق وغيره لنور، وهو أنسب بقوله: "يستضاء به" والأخرى مناسبة، فالمعنى كيف يطلب ضياؤه في ظلمات الحروب، فيكشفها.

وقال التبريزي: جعله سيفا استعارة على قول جماعة لا يشترطون فيها طي المشبه ومنهم من قال: أصله قاطع كسيف، فحذف المشبه وأداة التشبيه، واستعمل سيف بدل قاطع، فانطبق على حد الاستعارة من أنها ذكر المشبه به، وإرادة المشبه "مهند" بفتح النون المشددة، صفة أو خبر محذوف، أي مطبوع من حديد الهند، أي أنه مبيد للكفار أقوى من السيوف الهندية "من سيوف الله مسلول" على أعدائه.

في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا

يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل

__________

قال في الروض: يروي أنه لما قال هذا البيت نظر صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه كالمعجب لهم من حسن القول وجودة الشعر. ا. هـ.

وروى الحاكم: أن كعبا أنشده من سيوف الهند، فقال صلى الله عليه وسلم من سيوف الله. ا. هـ. أي أنه معدود من سيوف الهند لنفاسته، كما يقال: زيد من الرجال، فليس تكرار مع قوله: مهند "في عصبة" خبر آخر؛ لأن أو متعلق بمسلول، أي جماعة.

وهذه رواية ابن إسحاق، ويروى في فتية "من قريش قال قائلهم" عمر رضي الله عنه "ببطن مكة لما أسلموا زولوا" انتقلوا من مكة إلى المدينة، أي هاجروا، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق بيت هو:

زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند اللقاء ولا ميل معازيل

وتلوه قوله: "يمشون" صفة لعصبة أو فتية، "مشي الجمال" فوصفهم بامتداد القامة وعظم الخلق، بفتح فسكون، والبياض حيث قال: "الزهر" بضم وسكون جمع أزهر، وهو الأبيض والرفق في المشي؛ لأنه حال الجمال دون غيرها كالخيل، وذلك دليل على الوقار والتؤدة، "يعصمهم" يمنعهم، أي يحميهم من أعدائهم ويكفهم عنهم، وفاعه "ضرب إذا عرد" بمهملة، وشد الراء فمهملة فر وأعرض "السود" "التنابيل" بفتح الفوقية، والنون فألف فموحدة مكسورة فتحتية فلام جمع تنبال، أي القصار.

قال التبريزي ومن روى: غرد بغين معجمة أراد طرب. ا. هـ.

لا معنى لها هنا؛ لأن المراد فر وبقي فيها أربعة أبيات في وصفهم تركها المصنف؛ لأنها ليست مدحا عليه الصلاة والسلام صريحا، وإن لزم منها تعظيمه، فإن تعظيم صحبه تعظيم له وهي هذه:

شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل

بيض سوابغ قد شكت لها حلق ... كأنها حلق القفعاء مجدول

ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا

لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل

لطيفة" قال السيوطي: ذكر الزبيدي في طبقات النحاة أن بندار الأصفهاني كان يحفظ تسعمائة قصيدة أول كل منها بانت سعاد على قوله: ما اطلعت عليه من ذلك.

قال زهير والد كعب:

وفي رواية أبي بكر بن الأنباري أنه لما وصل إلى قوله:

إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول

رمى عليه الصلاة والسلام إليه بردة كانت عليه..............................

__________

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... وليت وصلا لنا من حبلها رجعا

وقال ربيعة بن معرور الضبي:

بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا

وقال قعنب بن ضمرة:

بانت سعاد وأمسى دونها عدن ... وغلقت عندها من قلبك الرهن

وقال النابغة الذبياني:

بانت سعاد وأمسى حبلها انخرما ... واحتلت الفرع والأجداع من أضما

وقال الأعشى ميمون:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت العرفا لجدين فالفرعا

وقال أيضا:

بانت سعاد وأمسى حبلها رابا ... وأحدث النأي لي شوقا وأوصابا

وقال الأخطل:

بانت سعاد ففي العينين مهلول ... من حبها وصحيح الجسم مخبول

وقال أيضا:

بانت سعاد ففي العينين تسهيد ... وأسخفت لبه فالقلب معمود

وقال عدي بن الرقاع:

بانت سعاد وأخلفت ميعادها ... وتباعدت عنا لتمنع زادها

وقال قيس بن الحرادية:

بانت سعاد فأمسى القلب إعلالا ... وأسلبتها بي الأرباع إقلالا

ا. هـ.

"وفي رواية أبي بكر بن الأنباري" وابن قانع من مرسل ابن المسيب "أنه لما وصل إلى قوله: إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول، رمى عليه الصلاة والسلام إليه بردة كانت عليه".

نقل المصنف في المقصد الثالث عن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبي صلى الله عليه وسلم من حبرة له حاشيتنا رواه الدمياطي. ا. هـ. وهشام هذا من سلاطين بني

وأن معوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم، قال: وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم.

وقال ابن إسحاق: قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلما قال كعب: "إذا عرد السود التنابيل" وإنما عني معشر الأنصار، لما كان صاحبهم صنع به، وخص المهاجرين بمدحته غضب عليه الأنصار، فقال بعد أن أسلم -يمدح الأنصار.

__________

أمية، ففيه تعيين البردة التي دفعت لكعب؛ لأنها آلت للملوك كما قال: "وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف" درهم، كما في الرواية، "فقال: ما كنت لأوثر" أفضل وأميز على نفسي "بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم" الذي أعطانيه، وهو البردة واسم الثوب يشملها "أحدا"؛ لأن الإيثار المحمود إنما هو في أمور الدنيا، كما في قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ، وما مس جسده الشريف من أجل القرب، فهو من الأمور الأخروية وما إيثار الغير فيها بمحمود، "فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم".

قال" ابن الأنباري: "وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم،" وعند ابن قانع عن ابن المسيب فهي التي يلبسها الخلفاء في الأعياد.

قال الشامي: ولا وجود لها الآن والظاهر أنها فقدت في وقعة التتار "وقال ابن إسحاق:" بعد ذكر القصيدة كلها "قال عاصم بن عمر" بضم العين "ابن قتادة" بن النعمان التابعي حفيد الصحابي الأنصاري، "فلما قال كعب: إذا عرد السود التنابيل وإنما عني معشر الأنصار،" قال في الروض، جعلهم سودا لما خالط أهل اليمن من السودان عند غلبة الحبشة على بلادهم، ولذا قال حسان في آل جفنة:

أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... بيض الوجوه من الطراز الأول

يعني أنهم كانوا من اليمن، ثم استوطنوا الشام، فلم تخالطهم السودان، كما خالطوا من باليمن فهم من الطراز الأول الذي كانوا عليه من ألوانهم، وأخلاقهم. ا. هـ.

"لما كان أصحابهم صنع به" حيث وثب، وقال: دعني وعدو الله أضرب عنقه، "وخص المهاجرين بمدحته"؛ لأنهم لم يتمكنوا فيه إلا بخير، "غضبت عليه الأنصار" قال عبد الملك بن هشام: ويقال أنه صلى الله عليه وسلم لما أنشده بانت سعاد، قال له: "لولا ذكرت الأنصار بخير فإن الأنصار لذلك أهل"، "فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار" لغضبهم عليه، وتحضيضه عليه الصلاة والسلام له على ذلك إذ هم عصابة الإسلام، وأول ما رفع لمناره من الأعلام، فذكر بلاءهم معه صلى الله عليه وسلم

من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار

ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار هم بنو الأخيار

المكرهين السمهري بأدرع ... كسوالف الهندي غير قصار

والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الأبصار

والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار

يتطهرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار

__________

وموضعهم من اليمن، فقال: "من سره كرم الحياة فلا يزال، في مقنب" بكسر الميم، وإسكان القاف، وفتح النون ثم موحدة جماعة الخيل والفرسان، قيل: هي دون المائة وفي القاموس ومن الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين، أو زهاء ثلاثمائة.

ذكره في النور "من صالحي الأنصار ورثوا المكارم كابرا عن كابر،" أي عن آبائهم وأجدادهم كبيرا عن كبير في العز والشرف، "إن الخيار همو بنو الأخيار المكرهين" اسم فاعل مفعوه "السمهري" القناة الصلبة يقال: نسبة إلى سمهر اسم رجل كان يقوم الرماح، أي ردوها عنهم ومنعوها من التأثير فيهم "بأدرع" لبسوها، فكأنهم أكرهوها على عدم الوصول إليهم، وهكذا الرواية عند ابن إسحاق المكرهين بالهاء، ويقع في نسخة المكرمين بالميم، فإن صحت فمعناه أنهم ضموا أدرعهم لرماحهم، فأكرموا بذلك الضم، "كسوالف الهندي غير قصار"، قال أبو ذر في الإملاء: السوالف السيوف، وقد يراد بها الرماح أيضا؛ لأنها قد تنسب إلى الهند، "والناظرين بأعين محمرة" صفة مدح؛ لأن الشجاع إذا غضب احمرت عيناه "كالجمر غير كليلة الأبصار، والبائعين نفوسهم" بالنصب مفعول اسم الفاعل "لنبيهم" أي لأجله، "للموت" صلة البائعين "يوم تعانق وكرار،" أي التحام الحرب وكر بعضهم على بعض "يتطهرون يرونه" يعتقدونه "نسكا" بضم النون، وإسكان السين المضمومة للوزن عبادة "لهم بدماء" متعلق بيتطهرون أي يسيلون دماء "من علقوا" به "من الكفار" على أبدانهم كإسالة المغتسل الماء على بدنه، ويرونه عبادة، وسماه طهارة؛ لأنه سبب لإزالة الذنوب عنهم ورفع الدرجات، فأشبه الطهارة الحسية المزيلة للأقذار المحسنة للبدن، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق.

دربوا كما دربت ببطن خفية ... علب الرقاب من الأسود ضواري

وإذا حللت ليمنعوك إليهم ... أصبحت عند معاقل الأغفار

ضربوا عليا يوم بدر ضربة ... دانت لوقتها جميع تزار

لو يعلم الأقوام علمي كله ... فيهم لصدقني الذين أماري

ومراده علي بن أمية بن خلف، كما مر في بدر "قوم إذا خوت النجوم" بفتح الخاء

قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري

وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء، وأبوه.

__________

المعجمة والواو فتاء تأنيث.

قال الجوهري: أي سقطت ولم تمطر في نوئها وأخوت مثله. ا. هـ. أي على زعمهم، وكان ذلك في بدء إسلام كعب قيل أن يتفقه في الدين، "فإنهم للطارقين النازلين مقاري" بفتح الميم، والقاف جمع مقراة، وهي الحفنة التي يوضع فيها الطعام للأضياف قاله أبو ذر، وقال الجوهري: إناء يقري فيه الضيف وبعد هذا البيت.

في الغر من غسان في جرثومة ... أعيت بحافرها على النقار

وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء بحيث قال خلف الأحمر: لولا قصائد لأبيه ما فضلته عليه، وقال له الحطيئة، اذكرني في شعرك وقد مر أنه أتم للنابغة ما لولاه لهلك وقد رواها ابن جني بسند له عن عاصم بن الحدثان قال: دخل النابغة على النعمان فقال:

تخف الأرض أن تفقدك يوما ... وتبقى ما بقيت بها ثقيلا

فنظر إليه النعمان نظر غضبان، وكان كعب بن زهير حاضرا فقال: أصلح الله الملك أن مع هذا بيتا ضل عنه وهو:

لأنك موضع القسطاس منها ... فتمنع جانبيها أن تميلا

فضحك وأمر لهما بجائزتين، ورويت على وجه ثالث أيضا.

قال ابن عبد البر من جيد شعر كعب:

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واجدة والهم منتشر

والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر

قال السهيلي: ومن جيده قوله يمدحه صلى الله عليه وسلم:

تخدي به الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلي ليلة الظلم

ففي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم

"وأبوه" زهير من فحول الشعراء، بحيث قال يونس بن حبيب النحوي: أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدا، وقد روى أبو عبيد القسم بن سلام عن ابن عباس قال لي عمر بن الخطاب: أنشدني لأشعر شعرائكم، قلت: ومن قال زهير، قلت: وكان كذلك، قال: كان يعاطل بين الكلام، ولا يتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه.

قال ابن سلام: قال أهل النظر: كان زهير أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخفه، وأجمعهم

وابنه عقبة وابن ابنه العوام بن عقبة.

__________

لكثير من المعاني في قليل من المنطق "وابنه عقبة" المعروف بالظرب، كما في الروض، "وابن ابنه العوام بن عقبة،" وهو الذي يقول:

ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... ملاحة عيني أم عمرو وجيدها

وهل بليت أثوابها بعد جدة ... ألا حبذا أخلاقها وجديدها

ذكره في الروض، كجميع ما ساقه المصنف من أول قوله، وقد كان كعب إلى هنا، وكان لكعب ابن أيضا اسمه العوام، كما نقله في الإصابة، فسمي ابن ابنه باسم عمه، ولم يقف عليه البرهان، فأبداه احتمالا بعد توقفه في كون العوام ابن ابنه، وهو من مثله عجيب، والروض في يده والله أعلم.

[ثم غزوة تبوك] :

مكان معروف وهي نصف طريق المدينة إلى دمشق.

__________



كلمات دليلية: