سرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع _13045

سرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع


قتل أبي رافع

:

"ثم سرية عبد الله بن عتيك" بفتح العين المهملة وكسر الفوقية، وسكو التحتية وبالكاف، ابن قيس بن الأسود الخزرجي من بني سلمة، قال أبو عمر: شهد أحدًا وما بعدها بلا خلاف وأظنه شهد بدرًا، وزعم ابن أبي داود أنه استشهد باليمامة، وأما ابن الكلبي: فقال: شهد صفين.

وقال البغوي: بلغني أنه استشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة "لقتل أبي رافع عبد الله، ويقال: سلام" بشد اللام كما جزم به في الفتح، وتبعه المصنف "ابن أبي الحقيق" بضم المهملة، وقافين بينهما تحتية مصغر، "اليهودي".

حكى البخاري القولين في اسمه ممرضا الثاني كما حكى المصنف سواء، وجزم ابن إسحاق بأن اسمه سلام وتبعه اليعمري، وأفاد في الفتح أنه اسمه الأصلي، حيث قال: الذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس كما أخرجه الحاكم في الإكليل من حديثه مطولا "وهو الذي حزب" بفتحات والزاي مشددة "الأحزاب" الطوائف على محاربة المصطفى "يوم الخندق".

وفي ابن إسحاق كما فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أولى لما قدمته ثمة عن ابن إسحاق أنه خرج وهو وحيي، وكنانة وهوذة وأبو عمار، لكن المصنف حصر التخريب فيه؛ لأنه أعان المشركين بالمال الكثير كما يأتي، فكان غيره لم يحزب "وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست كما ذكره ابن سعد ههنا" وضعا وتصريحا.

"وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك" أمير السرية "أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي

رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة، وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث.

وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف.

وأرسل معه أربعة: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة

__________

رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة"، ومشى عليه ابن إسحاق فذكرها بعد قريظة، "وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث" لعله اطلع عليه وإلا فالذي في الفتح، وتبعه في السبل، وقيل: في رجب سنة ثلاث، وقيل: في ذي الحجة سنة أربع.

"وفي البخاري قال الزهري:" مما وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري هو، أي قتله، "بعد قتل كعب بن الأشرف" الواقع ليلة أربعة عشر من ربيع الأول سنة ثلاث، وهذا قد يقرب حكاية المصنف القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث.

قال الحافظ: وبين ابن إسحاق أن الزهري أخذ ذلك عن ابن كعب، فقال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته للنبي بعد إذنه صلى الله عليه وسلم، وتحريضه عليه استأذنته الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم.

حدثني محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس، والخزرج كانتا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه عنه صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله، وفي الإسلام، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك، ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته، لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا أبدا، فتذاكروا من رجل لرسول الله في العداوة كابن الأشرف، فذكروا سلام بن أبي الحقيق، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم، فخرج إليهم من الخزرج من بني سلمة خمسة. ا. هـ.

ويتصاولان بتحتية ففوقية فصاد مهملة مفتوحات يقال: تصاول الفحلان، إذا حمل كل منهما على الآخر، والمراد أن كلا من الأوس والخزرج كان يدفع عن المصطفى ويتفاخر بذلك.

"وأرسل معه أربعة" فصارت الجملة خمسة "عبد الله بن عتيك" بدل من الجملة المقدرة التي دل عليها السياق، لا من أربعة؛ لأنه لا يصح بعثه مع نفسه، ولا أنه غيره شاركه في الاسم؛ لأنه خلاف المنقول، ويلزم أنهم خمسة معه لا أربعة، "وعبد الله بن أنيس" بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية، الجهني، حليف الأنصار، وفرق المنذري تبعا لابن المديني بينه وبين عبد الله الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري، هو الذي كان في قتل أبي رافع، وجزم غير واحد بأنهما واحد، وهو جهني حالف الأنصار، قاله في الفتح، "وأبا قتادة" الحارث أو النعمان، أو عمرو بن ربعي

والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرهم بقتله.

فذهبوا إلى خيبر،

__________

بكسر الراء وسكون الموحدة فهملة السلمي شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، ومات على الأصح سنة أربع وخمسين، "والأسود بن خزاعي" بضم المعجمة وبالزاي، فألف فمهملة مكسورة فتحتية مشددة اسم علم بلفظ النسب مثل مكي.

قال في الإصابة: كذا سماه ابن عقبة عن ابن شهاب، وسماه ابن إسحاق خزاعي بن الأسود، فقال: حليف لهم من أسلم، وكذا معمر عن الزهري، واعتمد هذا في الفتح وقلبه بعضهم فقال: أسود بن خزاعي.

وفي الإكليل للحاكم ومغازي ابن عقبة أسود بن حرام، فإن كان غيره وإلا فهو تصحيف ثم وجدته في دلائل البيهقي عن ابن عقبة أسود بن خزاعي، أو أسود بن حرام بالشك، "ومسعود بن سنان" بكسر المهملة وبالنون الأنصاري، ونسبه بعضهم أسلميا، فكان أسلمي حالف بني سلمة.

قال أبو عمر: شهد أحدا، واستشهد يوم اليمامة كما في الإصابة، وقد سمي البراء بن عازب في رواية يوسف بن إسحاق عن جده عنه الأمير عبد الله بن عتيك، وقال في ناس معهم، قال الفتح: لم يذكر عبد الله بن عتبة إلا في هذا الطريق، وزعم ابن الأثير في جامع الأصول أنه ابن عنبة بكسر العين وفتح النون وهو غلط منه، فإنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة، والرواية بضم العين وسكون المثناة لا بالنون. ا. هـ.

وجزم الجلال البلقيني في مبهماته بأنه عبد الله بن عتبة أبو قيس الذكواني، وهو خلاف ما في الإصابة، فإنه ترجم للذكواني ثم ترجم بعده عبد الله بن عتبة الأنصاري أحد من توجه لقتل ابن أبي الحقيق، وقع ذلك في حديث البراء عند البخاري، ولم يزد على هذا فجعله غيره، وزعم الدمياطي أن صوابه عبد الله بن أنيس عجيب، ولذا لما وقع مثله لمغلطاي معللا بأنه ذكواني لا أنصاري رده بأن الصحيح ما في الصحيح لصحة سنده، وكونه ذكوانيا لا يخالف من قال: إنه من

الأنصار، لاحتمال أنه حليفهم، وفي الحديث: وحليفنا منا، وابن أنيس كان معهم وليس أنصاريا قطعا بل جهني حالفهم. ا. هـ.

"وأمرهم بقتله" زاد ابن إسحاق: ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، "فذهبوا إلى خيبر".

قال البخاري: كان، أي أبو رافع، بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز.

قال الحافظ: هو قول وقع في سياق الحديث الموصول في الباب، ويحتمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز، ووقع عند موسى بن عقبة فطرقوا باب أبي رافع

فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك؛ لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه، فعلوه بأسيافهم.

__________

بخيبر، فقتلوه في بيته. ا. هـ.

وقال غيره: لا منافاة؛ لأن خيبر من الحجاز، أي من قراه وهو واضح في نفسه، لكن المطلوب تعيين المحل الذي كان فيه "فكمنوا، فلما هدأت" بفتح الهمزة، أي: سكنت، "الرجل" عن الحركة.

وفي البخاري: هدأت الأصوات.

وقال السفاقسي: هدت بغير همز ولا ألف، ووجهه الدماميني بأنه خفف الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفا مثل منساة، فالتقت هي والتاء الساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وهذا وإن كان على غير قياس لكنه يستأنس به دفعا للخطأ.

قال المصنف: وصوب السفاقسي الهمز، ولم أر تركه في أصل من الأصول التي رأيتها "جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له".

وعند ابن إسحاق: أتوا داره وكان في عليه له إليها عجلة، أي: شبه الدرجة من جزع منقور ليصعد فيه، فاستندوا إليها حتى قاموا على بابه، "وقدموا عبد الله بن عتيك" الأمير؛ "لأنه كان يرطن" بضم الطاء، أي: يتكلم، "باليهودية" فيظنوه منهم فلا يفزعوا "فاستفتح، وقال:" لما قالت له امرأة أبي رافع: من أنت؟ "جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته" هكذا عند ابن سعد.

وفي رواية ابن إسحاق: فاستأذنوا فخرجت امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، قال: فلما دخلنا أغقلنا عليها وعليه الحجرة تخوفا أن تكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه، "فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف، فسكتت" هكذا عند ابن سعد أيضا.

وفي ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فيمكن أنهم لما دخلوا صاحت صياحا لم يسمع، ثم أرادت رفع صوتها ومداومة الصياح ليسمع الجيران، فرفعوا عليها السلاح، فسكتت، "فدخلوا عليه، فما عرفوه إلا ببياضه فعلوه بأسيافهم".

وعند ابن إسحاق: وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة بضم القاف وسكون الموحدة، وكسر الطاء المهملة، ثوب من كتان

وفي البخاري: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له, فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب،

__________

رقيق يعمل بمصر. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكره نهيه صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.

"وفي البخاري" في المغازي من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، "وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه".

ذكر ابن عائذ من طريق أبي الأسود، عن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وكان في حصن" مكان لا يقدر عليه لارتفاعه "له" بأرض الحجاز كما في الرواية، ومر ما فيه "فلما دنوا" بفتح الدال والنون، قربوا "منه، وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم" بفتح السين وسكون الراء وحاء مهملات، أي: رجعوا بمواشيهم التي ترعى وتسرح وهي السائمة من إبل وبقر وغنم. "قال" ولغير أبي ذر فقال "عبد الله" بن عتيك "لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق" إلى حصن أبي رافع "ومتلطف للبواب" أي: متخشع، أي مظهر له صورة الخاشع "لعلي أن أدخل" إلى الحصن "فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع" تغطى "بثوبه" ليخفي شخصه كي لا يعرف "كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس" ذكر البخاري أيضا في رواية يوسف عن أبي إسحاق عن البراء سبب تأخير غلق الباب فقال، قال: أي ابن عتيك، فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة "فهتف به البواب" قال الحافظ: أي ناداه، ولم أقف على اسمه "يا عبد الله".

قال الحافظ: لم يرد اسمه العلم لأنه لو كان كذلك لعرفه، والواقع أنه كان مستخفيا منه فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي، لأن الجميع عبيد الله "إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب".

وفي رواية يوسف بن عمر ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، ومقتضاهما أن عادته أن لا يمنع الداخلين، ومقتضى قوله متلطف وتلطفت أن عادته منعهم، فيمكن أنها عادته إذا ارتاب في الداخل وابن عتيك لما تقنع وجلس على تلك الهيئة ظن أنه من

فدخلت, فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب.

وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجلعت كلما

__________

أهل الحصن وأنه من جملة من خرج لطلب الحمار الذي فقدوه "فدخلت فكمنت" بفتح الكاف والميم، أي: اختبأت هكذا في رواية إسرائيل عن جده عن البراء عند البخاري بإبهام موضع كونه. وفي رواية يوسف عن جده عن البراء عنده أيضا، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، "فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق" بعين مهملة ولام مشددة "الأغاليق" بفتح الهمزة والغين المعجمة، جمع غلق بفتح أوله ما يغلق به، والمراد هنا المفاتيح لأنها يفتح بها ويغلق كذا في رواية أبي ذر، ولغيره بالعين المهملة وهو المفتاح بلا أسنان قاله في الفتح واللغة لم تنحصر في المصباح والقاموس والمختار فلا يتوقف في ألفاظ المروية في أصح الصحيح بأنهم لم يذكروا الأغاليق بالمعجمة ولا ذكر المصباح في معنى المهملة المفتاح "على وتد" بفتح الواو وكسر الفوقية، ولأبي ذر على ود بفتح الواو وشد الدال، أي: وتد.

وفي رواية يوسف وضع مفتاح الحصن في كوة بالفتح وقد تضم، وقيل: بالضم النافذة، وبالفتح غيرها فكأنه وضعها على وتد داخل الكوة.

"قال" ابن عتيك: "فقمت إلى الأقاليد" بالقاف جمع إقليد، أي: المفاتيح "فأخذتها ففتحت الباب".

وفي رواية يوسف: ففتحت باب الحصن.

"وكان أبو رافع يسمر" بضم أوله وسكون ثانية مبني للمفعول، أي: يتحدث "عنده" ليلا.

وفي رواية يوسف: فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل.

"وكان في علالي" بفتح العين المهملة، وتخفيف اللام فألف فلام مكسورة فتحتية مشددة، جمع علية بالضم وكسر اللام مشددة، أي: غرفة "له".

وفي رواية ابن إسحاق: وكان في علية له إليها عجلة.

قال الحافظ: والعجلة بفتح المهملة والجيم، السلم من الخشب، وقيده ابن قتيبة بخشب النخل، "فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه" أفاد هذا أن محالهم داخل الحصن الذي أغلقه البواب، وبه صرح في رواية يوسف فقال: ثم رجعوا إلى بيوتهم داخل الحصن، "فجعلت

فتحت بابا أغلقت علي من داخل، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف

__________

كلما فتحت بابا أغلق علي من داخل" قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله، هذا أسقطه المصنف من البخاري في هذه الرواية.

وفي رواية يوسف: فلما هدأت الأصوات ولا أسمع خرجت ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن فقلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم "فانتيهت إليه فإذا هو في بيت مظلم". زاد يوسف: قد طفئ سراجه، "وسط" أي: بين، "عياله" لا أنه وسطهم حقيقة فلا ينافي قوله "لا أدري أين هو من البيت" أي: خصوص المكان الذي هو فيه، "قلت" ولغير أبي ذر فقلت: "أبا رافع! " لأعرف موضعه، ولغير أبي ذر: يا أبا رافع، "قال: من هذا؟ فأهويت".

قال الحافظ وغيره، أي: قصدت. "نحو" صاحب "الصوت".

وفي رواية يوسف: فعمدت نحو الصوت. "فأضربه ضربة بالسيف" بلفظ المضارع مبالغة، والأصل ضربته لاستحضار صورة الحال. "وأنا" أي: الحال أني "دهش" بفتح الدال المهملة وكسر الهاء فمعجمة، صفة مشبهة، أي: حيران. ولأبي ذر: داهش، بألف بعد الدال، "فما أغنيت شيئا" أي: فلم أقتله، "وصاح" أبو رافع "فخرجت من البيت فأمكث" بهمزة قبل الميم آخره مثلثة "غير بعيد ثم دخلت عليه" كأني أغيثه وغيرت صوتي "فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع" في حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك، قال: ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ "قال: لأمك" خبر مبتدؤه "الويل".

قال المصنف: وهو دعاء عليه.

وقال شيخنا: أتى بالويل للتعجب.

"إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه أثخنته" بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها فوقية، أي: الضربة. وفي نسخة بسكون النون، أي: بالغت في جراحته "ولم أقتله ثم" بعد أن بعدت عنه، جئت "ووضعت ضبيب السيف".

في بطنه، حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قد قتلته.

وفي رواية له: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني، فعمدت إليه أخرى فأضربه، فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي، كهيئة المغيث

__________

قال الحافظ: بضاد معجمة مفتوحة وموحدتين وزن رغيف.

قال الخطابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا، وإنما هو ظبة السيف وهو حده، ويجمع على ظبات قال: وضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم.

وقال عياض: هو في رواية أبي ذر بالصاد المهملة، وكذا ذكره الحربي، وقال: أظنه طرفه.

وفي رواية غير أبي ذر بالمعجمة وهو حد السيف انتهى.

وقول الخطابي لا معنى له مردود.

ففي القاموس: ضبيب السيف بالمعجمة حده، وسبقه عياض لمثله كما ترى.

"في بطنه" وصدر المصنف بظبة، وقال: بضم الظاء، المشالة المعجمة وفتح الموحدة المخففة فهاء تأنيث كما في الفروع وأصله.

قال في المحكم: الظبة حد سيف وسنان ونصل وخنجر وما أشبه ذلك، والجمع ظبات وظُبون وظِبون، أي: بالضم والكسر، وظبي، أي: كمدي، "حتى أخذ،" أي: دخل، "في ظهره فعرفت أن قد قتلته" وهذا صريح في أن فاعل ذلك كله ابن عتيك، وهو الصواب كما يأتي.

"وفي رواية له" للبخاري أيضا من طريق يوسف عن أبي إسحاق عن البراء، فذكر الحديث بنحو السابق وقد بينا زياداته إلى أن قال: ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا.

قال "ثم جئت كأني أغيثه" بهمزة مضمومة فغين معجمة مكسورة ومثلثة، من الإغاثة "فقلت: ما لك" بفتح اللام، أي: ما شأنك "أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل دخل علي رجل فضربني" بالسيف "فعمدت" بفتحتين، قصدت "إليه أخرى فأضربه فلم تغن" تنفع الضربة "شيئا فصاح وقام أهله".

وفي رواية ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهييه صلى الله عليه وسلم فنكف عنها، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، "ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث،

فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه، فسمعت صوت العظم.

فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فلما صاح الديك قام الناعي على السور

__________

وإذا" بالواو، وفي رواية بالفاء، "هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أنقلب، "عليه حتى سمعت صوت العظم" وصريح هذه الرواية أنه لما ضربه الثانية بعد عنه ثم رجع فوضع فيه السيف، وظاهر التي قبلها أنه لما رأى ضربته الأولى لم تفد وضع السيف فيه، فيحتمل تلك على هذه جمعا بينهما، لأن الروايات يفسر بعضها بعضا، ثم عاد المؤلف لتتميم الرواية الأولى دون بيان فقال عقب قوله فيها: فعرفت أني قتلته.

"فجعلت أفتح الأبواب" بابا بابا هكذا في الرواية، "حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي" قال المصنف بالإفراد، "وأنا أرى" بضم الهمزة، أظن "أني قد انتهيت إلى الأرض" لأنه كان سيئ أي: ضعيف البصر، كما عند ابن إسحاق: "فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها" بخفة الصاد "بعمامة".

وفي رواية يوسف عقب قوله: صوت العظم ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها.

قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت الساق.

وقال الداودي: هذا اختلاف، وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر، لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة، أي بخلاف الكسر.

قال الحافظ: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق: فوثبت يده وهو وهم، والصواب رجله، وإن كان محفوظا، فوقع جميع ذلك.

وذكر ابن إسحاق، أنهم كمنوا في نهر، وأن اليهود أوقدوا النيران، وذهبوا في كل وجه، يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إليه، وهو يقضي انتهى، وأسقط المصنف من هذه الرواية عقب بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، "فلما صاح الديك قام الناعي" وفي رواية يوسف: فلما كان في وجه الصبح، صعد الناعية "على السور،" فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، كما في رواية إسرائيل هذه، وكذا في رواية أخيه يوسف.

قال الحافظ: كذا ثبت أنعي بفتح الين في الروايات.

فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع.

فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: "ابسط رجلك". فمسحها، فكأنما لم أشتكها قط

__________

قال ابن التين: هي لغة، والمعروف أنعو، والنعي خبر الموت، وذكر الأصمعي أن العرب كانوا إذا مات فيهم الكبير، ركب راكب فرسا، وسار فقال: أنعي فلانا انتهى.

وعند ابن إسحاق قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات، فقال: رجل منا قال الواقدي: هو الأسود بن خزاعي، أنا أذهب فأنظر حتى دخل في الناس، فوجدتها، أي امرأته، ورجال يهود حوله، وفي يده المصباح، تنظر في وجهه، وتحدثهم، وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم كذبت نفسي، وقلت: أتى ابن عتيك بهذه البلاد، ثم نظرت في وجهه، وقالت فاظ وإله يهود، فما سمعت من كلمة، كانت ألذ في نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، وفاظ بفاء، فألف فمعجمة مشالة: مات.

"فانطلقت إلى أصحابي، فقلت النجاء" قال الحافظ: بالنصب، أي أسرعوا، وقال المصنف: مهموز ممدود منصوب مفعول مطلق، والمد أشهر، إذا أفرد، فإن كرر قصر، أي: أسرعوا، "فقد قتل الله أبا رافع".

وفي رواية يوسف عقب قوله: فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا، فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان وجه الصبح، صعد الناعية، فقال: أنعي أبا رافع، فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، وهذ ظاهره التعرض مع قوله "فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته" بما وقع، فقال: "ابسط رجلك" , أسقط المصنف قوله: فبسطت رجلي، "فمسحها" بيده المباركة، "فكأنما" بما زائدة في رواية أبي الوقت، وأبي ذر ولغيرهما، فكأنها بالهاء، أي فكأن رجلي "لم أشتكها قط"، أي: لم أشتك منها، فحذف الجار، فهذا مخالف لقوله: ما بي قلبة بفتح القاف واللام والموحدة، أي علة أنقلب بها.

قال الحافظ: فيحمل على أنه، لما سقط من الدرجة، وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر، ما أحس بالألم، وأعين على المشي أولا، وعليه يدل قوله: ما بي قلبة، ثم لما تمادى عليه المشي، أحس بالألم، فحمله أصحابه، كما وقع في رواية ابن إسحاق، ثم لما أتاه صلى الله عليه وسلم فزال عنه جميع الألم ببركته.

وفي حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم: وتوجهنا من خيبر، فكنا نكمن النهار، ونسير الليل، وإذا كمنا، أقعدنا منا واحدًا يحرسنا، فإذا رأى ما يخافه، أشار إلينا، فلما قربنا من المدينة

هذا لفظ رواية البخاري.

وفي رواية محمد بن سعد: أن الذي قتله عبد الله بن أنيس: والصواب: أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري.

__________

كانت نوبتي، فأشرت إليهم فخرجوا سراعا، ثم لحقتهم، فدخلنا المدينة، فقالوا: ماذا رأيت؟ قلت: ما رأيت شيئا ولكن خشيت أن تكونوا عييتم أن يحملكم الفزع.

وروى ابن منده عند عتيك، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل ابن أبي الحقيق، وهو على المنبر فلما رآنا قال: "أفلحت الوجوه".

وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة، وأصر، وقتل من أعان عليه صلى الله عليه وسلم، بيده أو ماله، أو لسانه، وجواز التجسس على أهل الحرب، وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربتهم، وإيهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين لكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته.

"هذا لفظ" مقصوده من "رواية البخاري" وإلا فقد علمت أنه أسقط منه ألفاظا، "و" وقع "في رواية محمد بن سعد"، الحافظ المشهور، "أن الذي قتل عبد الله بن أنيس" وكذا وقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، مرسلا فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس في بطنه، حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني أي حسبي حسبي الحديث, وفي فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه فقال صلى الله عليه وسلم: "هاتوا أسيافكم". فجئناه به، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: "هذا قتله أرى فيه أثر الطعام"، ومعلوم أن المرسل لا يعادل الصحيح المسند.

"و" لذا كان "الصواب أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري".

وعند ابن إسحاق، فقال حسن يذكر قتله، وقتل كعب بن الأشرف:

لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف

يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين معرف

حتى أتوكم في محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف

مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف

"سرية ابن رواحة":

ثم سرية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أُسَيْر بن رزام اليهودي بخيبر في شوال سنة ست.

وكان سببها أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت يهود عليها أسيرا، فسار في غطفان وغيرهم

__________



كلمات دليلية: