سرية عبد الله بن جحش:

سرية عبد الله بن جحش:


سرية عبد الله بن جحش:

ونخصّ بالذكر من هذه السّرايا سريّة عبد الله بن جحش، فقد نزلت فيها آية، ولأنّها تلقي ضوءا على أنّ القرآن لا يساير المسلمين في كلّ ما يصدر عنهم من تفريط أو خطأ، وأنّه الميزان العادل في الحكم على جميع الأمم والطوائف، وإلى القارىء قصّة هذه السرية بالاختصار:

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسديّ في رجب «3» سنة اثنتين وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتابا، وأمره ألّا ينظر فيه،

__________

(1) راجع «زاد المعاد» ج 1، ص 314.

(2) [انظر حادثة الإذن بالقتال في الأحاديث التي أخرجها الترمذي في أبواب تفسير القرآن في تفسير سورة الحج، برقم (3171) ، وأحمد (1/ 216) ، والحاكم (2/ 66) - وصحّحه، ووافقه الذّهبيّ- من حديث ابن عباس رضي الله عنهما] .

(3) كان العرب يفضّلون العمرة في رجب.

حتى يسير يومين ثمّ ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.

ولمّا سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلمّا نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال:

سمعا وطاعة، ثمّ قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا، حتّى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة، ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأمّا أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلّف عنه منهم أحد.

ومضى عبد الله بن جحش وأصحابه حتّى نزلوا بنخلة، فمرّت بهم عير لقريش، فيها عمرو بن الحضرميّ، فلما رآهم القوم، هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه، فلمّا رأوه أمنوا، وقال: عمّار «1» لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب «2» فقال المسلمون: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة

__________

(1) كتب المغازي والسير، وذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ هذه السرية كانت في جمادى الآخرة وكان حادث قتل عمرو بن الحضرمي حدث سلخ هذا الشهر.

(2) رجب أول الأشهر الحرم الأربعة، وكان القتال ممنوعا في الشهر الحرام، درج العرب على ذلك في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وكان القوم يعرفون ذلك، والأشهر الثلاثة الباقية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم. ذهب الجمهور إلى أن الآية منسوخة نسختها آية براءة فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] وقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] . سئل سعيد بن المسيب: هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟ قال: نعم، ولم نقرأ في كتاب من كتب التاريخ والفتوح أن إعلانا صدر من-

ليدخلنّ الحرم، فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التّميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، واستأسر اثنين منهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين.

فلمّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلمّا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنّوا أنّهم قد هلكوا، عنّفهم إخوانهم المسلمون فيما صنعوا وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ «1» [البقرة: 217] .

قال العلّامة ابن قيم الجوزية في «زاد المعاد» : «والمقصود أنّ الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرّىء أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشّهر الحرام بل أخبر أنّه كبير، وأنّ ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشّهر الحرام، فهم أحقّ بالذمّ والعيب والعقوبة، لا سيّما وأولياؤه كانوا متأوّلين في قتالهم ذلك، أو

__________

- مركز الخلافة أو القيادة الإسلامية بوقف الإجراءات الحربية لأجل شهر من الأشهر الحرم، وعلى ذلك جرى المسلمون في عصورهم في الحروب والفتوح الإسلامية.

(1) سيرة ابن هشام: ج: 1، ص: 601- 605 [أخرجه البيهقي (9/ 11- 12) ، والطبري في تفسيره (2/ 349- 350) ، وأبو يعلى في مسنده برقم (1534) ، والطبراني في الكبير برقم (1670) من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه، وقال الهيثمي في المجمع (6/ 198) : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح] .

مقصّرين نوع تقصير، يغفر لهم الله في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله» «1» .



كلمات دليلية: