سرية سالم بن عمير من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

سرية سالم بن عمير من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

اسم الكتاب:
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
المؤلف:
بريك محمدبريك ابو مايله العمري

بعث سالم بن عمير إلى عفك

...

بعث سالم بن عمير الأنصاري لقتل أبي عفك1

تُكَذِّبُ دينَ الله والمرءَ أحمَدا ... لَعَمْرُ الذي أَمْناك أنْ بئس ما يُمنيِ

حَبَاكَ حنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً ... أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنَّ

أمامة المريدية

ابن هشام، سيرة (4/636)

__________

1 لم ترد في خبر هذه السرية روايات مسندة صحيحة أو حسنة، فكان الاعتماد على روايات أهل المغازي ونقدها باطنيًّا بمقارنتها مع بعضها مع الأخذ بأوثقها قدر المستطاع.

عندما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة دار هجرته بدعوة من الأوس والخزرج الذين آمنوا به وبرسالته ونصروه حتى عُرفوا فيما بعد بالأنصار، ولكن كانت هنالك قلة قليلة منهم بقيت على شركها، وبنو عمرو بن عوف هي إحدى القبائل الأوسية المنضمة إلى حظيرة الإسلام، وقد كانت كغيرها من القبائل الأنصارية، الغالبية العظمى مسلمين، وقليل منهم الذين بقوا على شركهم.

وكان من هؤلاء شيخ كبير1 قد عسا2، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، يدعى أبا عفك، وكان قد امتلأ قلبه بالحقد والحسد للمسلمين، وهو يرى التفاف الأوس والخزرج على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وازداد كيده بالإسلام وأهله بعد أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد قوة وتمكينًا في المدينة وما حولها بعد غزوة بدر3، فلم يطق لذلك صبرًا، فأخذ ينشد الشعر يهجو به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض على عداوته، ويسفه رأي الأنصار لمتابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناصرته4.

فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه متمادٍ في غيه، لدرجة أنه يريد تأليب الناس عليه، وإثارة الفتنة والشقاق بين المسلمين ندب الصحابة لقتله قائلاً: "من لي

__________

1 يذكر الواقدي، وابن سعد أنه قد بلغ من العمر عشرين ومائة سنة. انظر: الواقدي، مغازي (1/174) ، وابن سعد، طبقات (2/28) .

2 العسوس من الرجال إذا قل خيره. ابن منظور، لسان (عس) .

3 يذكر ابن إسحاق أنه قد نجم نفاقه بعد قتل الحارث بن سويد بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد. انظر ابن هشام، سيرة (3/89، 3/635) وهو بذلك قد خالف الواقدي، وابن سعد اللذين حددا تاريخ هذه الواقعة بشوال على رأس عشرين شهرا. الواقدي، مغازي (1/175) ، وابن سعد، طبقات (2/28) .

4 كان مما قاله:

لقد عشتُ دهرا وما إن أرى ... من الناس دارًا ولا مَجمعا

أبرَّ عهودًا وأوفى لمن ... من أولاد قَبلة في جمعِهم

يعاقدُ فيهم إذا ما دعا ... يَهُدُّ الجبالَ ولم يخضعا

فصدَّهم راكبٌ جاءهم ... حلالٌ حرام لشتى معا

فلو أن بالعز صدَّقتم ... أو الملكِ تابعتم تُبَّعا

ابن هشام، سيرة (4/636) .

بهذا الخبيث"1. وهنا يتجلى الإيمان في أروع مظاهره، فلا يتطوع لقتل أبي عفك ذلك الخبيث المرجف إلا رجلٌ من قومه2 شاب مغواري إيماني، من بني عمرو بن عوف، وأحد البكائين في غزوة تبوك، ذلكم هو سالم بن عمير رضي الله عنه3 حيث نذر على نفسه ليقتلنه أو يموت دونه، فقام بإعداد خطة محكمة للقضاء عليه دون أن يشعر به أحد من أشياعه "فأمهل يطلب له غرة4 حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله"5 فتركه سالم رضي الله عنه مضرجًا بدمائه يخور كالثور، حيث ثاب إليه ناس من أصحابه "ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله، وقبروه"6. متسائلين بدهشة كما يذكر الواقدي "من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به"7.

__________

1 من رواية ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (4/636) .

2 يذكر ابن سعد أن أبا عفك كان يهوديا مع أنه نسبه إلى بني عمرو بن عوف. الطبقات (2/28) فلا أدري أيقصد بذلك أنه من متهودتهم أم أن ذلك وهم منه، أو نسبه إلى اليهود مجازًا، لأن غالبية المنافقين كانوا يوالونهم، ويجتمعون بهم كثيرا، ويأتمرون فيما بينهم بالمسلمين، كما ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] .

قال بعض المفسرين: المراد بشياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر ابن كثير، تفسيره (1/51) والله أعلم.

3 سالم بن عمير، ويقال بن عمرو، ويقال ابن عبد الله بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرىء القيس بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، ذكره موسى بن عقبة في البدريين، وقال ابن سعد ويونس بن بكير عن ابن إسحاق: هو أحد البكائين. وقال فيه: سالم بن عمرو بن عوف. وكذا قال ابن مردويه من طريق مجمع بن جارية وزاد في نسبه (العمري) يعنب من بني عمرو بن عوف، وقال أبو عمر: شهد العقبة وبدرا، وما بعدها، مات في خلافة معاوية. انظر ابن حجر، إصابة (2/5) ويذكر البلاذري أن الذي تطوع لقتل أبي عفك هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذكر ذلك عن قوم. انظر البلاذري، أنساب الأشراف (373) .

4 غرة: غفلة. اللسان، والقاموس (غرو) .

5 من رواية ابن سعد بلا سند، طبقات (2/28) .

6 المصدر السابق.

7 الواقدي، مغازي (2/175) .

فقالت أمامة المريدية1 في ذلك:

تُكَذِّبُ دينَ الله والمَرْءَ أحمدا ... لَعَمْرُ الذي أَمْنَاكَ أَنْ بِئْسَ ما يُمْني

حبَاكَ حَنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً ... أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنِّ2 3

__________

1 بضم الميم وكسر الراء، كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الأنساب بفتحها وعليه جرى ابن الأثير، وبسكون التحتية، وبالدال المهملة بعدها تحتية مشددة، بطن من بلى. وهي المزيرية عند ابن إسحاق، والنهدية عند الواقدي، والربذية عند ابن حجر، وربما تصحف اسمها مبكرٍا. انظر ابن هشام، سيرة مع شرح أبي ذر الخشني (4/377) ، والواقدي، مغازي (2/175) ، وابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة (5/400-401) وابن حجر، إصابة (4/238) ، والشامي، سبل (6/39) .

2 رواه ابن سيد الناس عن ابن سعد. عيون الأثر (1/351) .

3 الخبر رواه ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (4/635-636) ، فالخبر بذلك ضعيف من الناحية الحديثية لكنه تاريخي، ويمكن أن يستأنس به تاريخيًّا لرواية أهل المغازي المتخصصين له. والله أعلم.


ملف pdf

كلمات دليلية: