سرية الخبط بقيادة أبي عبيدة_13057

سرية الخبط بقيادة أبي عبيدة


سرية الخبط

:

"ثم سرية أبي عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" بن هلال القرشي الفهري أحد العشرة البدري من السابقين مات شهيدا بطاون عمواس سنة ثمان عشرة، أميرا على الشام من قبل عمر، ثم كونه أميرها هو الذي في الكتب الستة عن جابر.

وسماها البخاري: غزوة سيف البحر، وتعرف بسرية الخبط.

وبعث معه صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة، كما في الصحيحين وغيرهما وهو المشهور، لكن في رواية للنسائي: بضع عشرة وثلاثمائة، فإن صحت هذه الرواية فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على الثلاثمائة استسهالا لأمر الكسر، والأخذ بالزيادة مع صحتها واجب.

وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم.

ليلقى عيرا لقريش. رواه مسلم، وعنده أيضا: إلى أرض جهينة.

ولا منافاة بينهما: فالجهة.

__________

وعند ابن أبي عاصم عن جابر أن أميرها قيس بن سعد. قال الحافظ والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين أنه أبو عبيدة وكأن أحد رواته ظن من صنع قيس ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها أنه أمير السرية وليس كذلك. انتهى.

"وسماها البخاري غزوة سيف" قال الحافظ وغيره: بكسر المهملة وسكون التحتية ففاء أي ساحل "البحر" وكذا ترجمها ابن إسحاق، فقال: غزوة أبي عبيدة إلى سيف البحر وهو جري على غير الغالب من اصطلاح أهل السير أن ما لم يحضره المصطفى يسمى سرية أو بعثا وما حضره غزوة لكن الأقدمين لا يراعون ذلك غالبا "وتعرف بسرية الخبط" وبه ترجمها اليعمري لأكلهم فيها الخبط ولاشتهارها بذلك. قال: تعرف دون تسمي "وبعث معه صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة، كما في الصحيحين وغيرهما"، كأصحاب السنن الأربعة بطرق عن جابر "وهو المشهور" الذي جزم به أهل السير كابن سعد قائلا من المهاجرين والأنصار.

"وفي رواية النسائي" أيضا "بضع عشرة وثلاثمائة" وأشعر تنكيره رواية، ووصفها بما ذكر بأن المعروف رواية النسائي الأولى التي وافق فيها بقية الأئمة الستة وما في ذلك ريب. ولذا أتى بأن التي للشك إشارة لتوقفه في صحتها بقوله "فإن صحت هذه الرواية، فلعله اقتصر في الرواية المشهورة على الثلاثمائة استسهالا لأمر الكسر" لقلته، "و" لكن "الأخذ بالزيادة مع صحتها واجب،" لأنها زيادة من الثقة غير منافية "وكان فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم" أجمعين خصه بالذكر لعظمته "ليلقى عيرا لقريش، رواه" أي جملة المذكور من قوله وكان فيهم ... إلخ.

"مسلم" فلا ينافي أن قوله: ليلقى في البخاري أيضا بلفظ: نرصد عيرا لقريش ولقوله: "وعنده أيضا" عن جابر قال: بعث صلى الله ليه وسلم بعثا "إلى أرض جهينة ولا منافاة بينهما فالجهة" التي أمرهم

أرض جهينة، والقصد تلقي عير قريش -وهي الإبل المحملة طعاما وغيره.

لكن في كتب السير: أن البعث إلى حي من جهينة بالقبلية -بفتح القاف والمحدة- مما يلي ساحل البحر، وبينه وبين المدينة خمس ليال.

ولعل البعث لمقصدين: رصد عير قريش، ومحاربة حي من جهينة.

قال ابن سعد: وكانت في رجب سنة ثمان.

وفيه نظر، فإن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه المدة، لأنهم حينئذ كانوا في الهدنة، فالصحيح أن تكون هذه السرية سنة ست أو قبلها، قبل هدنة الحديبية.

نعم يحتمل أن يكون تلقيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا. بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد. والله أعلم.

__________

بانتظار العير فيها "أرض جهينة والقصد" بالبعث "تلقى عير قريش وهي" أي العير بكسر العين "الإبل المحملة طعاما وغيره" من التجارات وهو تفسير لها باعتبار الاستعمال المشتهر، فلا ينافي أنها في الأصل التي تحمل الميرة بالكسر، أي الطعام وحمل لجهة على ما ذكر ليفارق استدراكه عليه بقوله.

"لكن في كتب السير أن البعث لحي من جهينة، بالقبلية بفتح القاف والموحدة" وكسر اللام وشد التحتية "مما يلي ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال ولعل البعث للمقصدين رصد عير قريش ومحاربة حي من جهينة" فلا منافاة والحي الواحد من أحياء العرب يقع على بني أب واحد كثروا أم قلوا وعلى شعب يجمع القبائل.

من ذلك "قال ابن سعد: وكانت في رجب سنة ثمان وفيه نظر فإن تلقي عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه المدة لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة" بضم الهاء وسكون المهملة وبضمهما الصلح، "والصحيح" لفظ الحافظ بل مقتضى ما في الصحيح، "أن تكون هذه السرية سنة ست أو قبلها هدنة الحديبية".

"نعم يحتمل أن تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم" أي العير ومن معها "من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدًا فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد والله أعلم".

قاله الحافظ ابن حجر.

لكن قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب، قالوا: وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وذلك بعد نكث قريش العهد وقبل الفتح، فإنه كان في رمضان من السنة المذكورة. انتهى.

قالوا: وزودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابا من التمر، فلما فني أكلوا الخبط -وهو بفتح المعجمة والموحدة بعدها مهملة- ورق السلم. وفي رواية أبي الزبير:.

__________

"قاله الحافظ ابن حجر" في الفتح "لكن قال شيخ الإسلام" العلامة أحمد ولي الدين "ابن" عبد الرحيم "العراقي" الحافظ ابن الحافظ صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة "في شرح التقريب" أي تقريب الأسانيد لوالده، "قالوا: وكانت هذه السرية في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة، وذلك بعد نكث" نقض "قريش العهد وقبل الفتح، فإنه" أي الفتح "كان في رمضان من السنة المذكورة. انتهى".

وبه يسقط النظر ولم يعتبر قول ابن القيم في الهدى كون السرية في رجب وهم غير محفوظ إذ لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه غزا في الشهر الحرام، ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية. انتهى.

لقول البرهان في النورانة كلام حسن مليح لكنه على مختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام كشيخه ابن تيمية تبعا لأهل الظاهر وعطاء، وهو خلاف ما عليه المعظم. انتهى.

وعلى تسليم ظاهره أنه لم يتفق ذلك لا قبل نسخ القتال في الأشهر الحرم ولا بعده يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير إلا في شعبان، "قالوا" أي: أصحاب المغازي: "وزودهم" أي أعطاهم "رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابا" بكسر الجيم، وقد تفتح كما مر مرارا عن عياض وغيره "من التمر" يأكلونه في السفر، وفي المصباح: زودته: أعطيته زادا. انتهى.

فليس من الزيادة كما توهم إذ لو كان كذلك لقيل: زادهم ثم ليس مراد المصنف التبري فقد صح في مسلم عن جابر، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره "فلما فني" بكسر النون، أي: فرغ "أكلوا الخبط وهو بفتح" الخاء "المعجمة" وفتح "الموحدة بعدها" طاء "مهملة ورق السلم", كما قاله الفتح وهو بفتحتين شجر عظيم له شوك كالعوسج والطلع، قيل: وهو الذي أكلوه فهذا بيان للشجر الذي أخذ ورقه وإلا فالخبط لغة ما سقط من ورق الشجر إذا خبط بالعصى.

"وفي رواية" مسلم عن "أبي الزبير" محمد بن مسلم المكي صدوق من رجال الجميع التابعي عن جابر.

وكنا نضرب بعصينا الخبط ونبله بالماء فنأكله، وهذا يدل على أنه كان يابسا، خلافا لمن زعم أنه كان أخضر رطبا.

وقد كان معهم تمر غير الجراب النبوي، ويدل عليه حديث البخاري في الجهاد: خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا، حتى كان الرجل منا يأكل تمرة تمرة.

__________

قال: "وكنا نضرب بعصينا الخبط" بضم العين وكسر الصاد المهملتين جمع عصا بالقصر والتأنيث كذا ضبطه الشامي وغيره وهو مخالف لقوله تعالى: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} [الشعراء: 44] فقد اتفق القراء على أنه بكسر العين.

قال شيخنا: إلا أن يقال أصله بضمها فتصرف فيه، فالأصل عصوو بواوين قلبت الأخيرة ياء لوقوعها رابعة ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء لأن الواو والياء متى اجتمعتا، وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت، فلما فعل ذلك قلبت الضمة كسرة لتسلم الياء "ونبله" بفتح النون وضم الموحدة ننديه "بالماء فنأكله".

"وهذا" كما قال الحافظ "يدل على أنه يابسا خلافا لمن زعم"، وهو الداودي شارح البخاري "أنه كان أخضر رطبا، وقد كان معهم تمر غير الجراب النبوي" خلافا لقول عياض: يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور، "ويدل عليه حديث البخاري في الجهاد" في باب حمل الزاد على الرقاب عن جابر "خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني زادنا" جوز العيني أن معناه أشرف على الفناء "حتى كان الرجل منا يأكل،" زاد الكشميهني: في كل يوم "تمرة تمرة". بقية هذا الحديث:

قال رجل أي لجابر: وأين كانت التمرة تقع من الرجل؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فقدناها. وفي رواية مسلم عن أبي الزبير، فقلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: نمصها كما يمص الصبي الثدي، ثم نضرب عليها من الماء فيكفينا يومنا إلى الليل، وفي البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا مالك عن وهب بن كيسان عن جابر: بعث صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم أبا عبيدة وهم ثلاثمائة فخرجنا فكنا ببعض الطريق، فني الاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكان مزود تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني فلم يكن يصيبنا إلا تمرة، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟ قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت أي مؤثرا وصريحه أن قائل ما تغني وهب، ولا مانع من أن كلا من وهب وأبي الزبير سأل جابرا عن ذلك حين حدثه استغرابا.

قال الحافظ: ظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم وأزواد بطريق الخصوص،

وابتاع قيس بن سعد جزورا ونحرها لهم.

__________

فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأي أبي عبيدة أن يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم في ذلك ففعل، فكان جميعه مزودا بكسر الميم وسكون الزاي ما يجعل فيه الزاد.

وعند مسلم عن أبي الزبير عن جابر بعثنا صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة وظاهره مخالف لرواية وهب ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب، فلما نفذ وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق أنه أيضا قدر جراب ويكون كل من الراويين ذكر ما لم يذكر الآخر، وأما تفرقته تمرة تمرة فكان في ثاني الحال، وقول عياض يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور مردود بأن حديث وهب صريح في المجتمع من أزوادهم مزود تمر رواية، ورواية أبي الزبير صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم زودهم جرابا من تمر فصح أن التمر كان معهم من غير الجراب، وقول غيره يحتمل أن تفرقته عليهن تمرة تمرة كان من الجراب النبوي قصدا لبركته، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي جمعت أكثر من ذلك بعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عروة عند ابن عبد البر، فقلت: أزوادنا حتى ما يصيب الرجل منا إلا تمرة. انتهى.

"وابتاع قيس بن سعد" بن عبادة الصحابي ابن الصحابي الجواد ابن الجواد "جزورا ونحرها لهم"، كذا في النسخ لأفراد، أما على أن المراد به الجنس أو أن الواو زادت من الكاتب وأصله جزرا بضم الجيم والزاي جمع جزور كقوله:

لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر

ويجمع أيضا على جزائر وهو البعير ذكرا كان أو أنثى فلا ينافي ما رواه الواقدي بأسانيده أنهم أصابهم جوع شديد، فقال قيس: من يشتري مني تمرا بالمدينة بجزر هنا؟ فقال له رجل من جهينة من أنت؟ فانتسب. فقال: عرفت نسبك. فابتاع منه خمس جزائر بخمسة أوسق وأشهد له نفرا من الصحابة، وامتنع عمر لكون قيس لا مال له، فقال الأعرابي: ما كان سعد ليخنى بابنه في أوسق تمر بفتح التحتية وسكون الخاء وبالنون يقصر.

قال: وأرى وجها حسنا، وفعلا شريفا فأخذ قيس الجزر فنحر لهم ثلاثة كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره، فقال: عزمت عليك أن لا تنحر أتريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك؟ قال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة لا يقضي عني تمر القوم مجاهدين في سبيل الله؟ فكاد أبو عبيدة يلين وجعل عمر يقول: اعزم فعزم عليه فبقيت جزوران، فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليهما. وبلغ سعدا مجاعة القوم، فقال: إن يك قيس كما أعرف فسينحر لهم. فلما لقيه قال: ما صنعت في مجاعة القوم؟

وأخرج الله لهم من البحر دابة تسمى العنبر فأكلوا منها، وتزودوا ورجعوا ولم يلقوا كيدا.

وفي رواية جابر عند الأئمة الستة: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب، أميرنا

__________

قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت، قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري، قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي وإنما المال لأبيك؟ فقال: لك أربع حوائط أدناها تجد منه خمسين وسقا وقدم البدوي مع قيس فأوفاه أوسقه وحمله وكساه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فعل قيس، فقال: "إنه في قلب جود".

وفي رواية ابن خزيمة، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الجود من سمة أهل ذلك البيت". قال في الفتح: اختلف في سبب نهي أبي عبيدة قيسا أن يستمر على إطعام الجيش، فقيل: خيفة أن تفنى حمولتهم, وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر، وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته ولا مال له فأريد الرفق به، وهذا أظهر. انتهى.

بقي أن البخاري روى هنا عن جابر قال: كان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر بالتكرار ثلاث مرات كما قال المصنف.

قال في المقدمة: هو قيس بن سعد كما عند المصنف. انتهى. ولم يتكلم الفتح ولا المصنف هنا على الجمع بينه وبين رواية أنه اشترى خمسا نحر منها ثلاثا، ثم منع مع ذكرهما لها في شرح هذا الحديث، ويمكن الجمع بأنه نحر أولا ستا مما معه من الظهر، ثم اشترى خمسا نحر منها ثلاثا، ثم نهي، فاقتصر من قال: ثلاثا على ما نحره مما اشتراه، ومن قال: تسعا ذكر جملة ما نحره، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح, والله أعلم.

"وأخرج الله لهم من البحر دابة" بمهملة وشد الموحدة حيوان الأرض الذكر، والأنثى "تسمى العنبر" قال أهل اللغة: العنبر سمكة كبيرة يتخذ من جلدها الترسة، ويقال: إن العنبر المشموم رجيعها.

وقال ابن سينا بل المشموم يخرج من الشجر وإنما يوجد في أجواف السمك الذي يبتلعه, ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول رأيت العنبر نابتا في البحر ملتويا مثل عنق الشاة وفي البحر دابة تأكله، وهو سم لها فيقتلها فيقذفها البحر فيخرج العنبر من بطنها، وقال الأزهري العنبر سمكة بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين ذراعا يقال لها: بالة وليست بعربية. انتهى.

من الفتح "فأكلوا منها وتزودوا ورجعوا ولم يلقوا كيدا" أي حربا.

"وفي رواية جابر عند الأئمة الستة": البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب أميرنا" جملة حالية بلا واو، ولأبي ذر: وأميرنا

أبو عبيدة بن الجراح، فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا، حتى أكلنا الخبط ثم إن البحر ألقى لنا دابة يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر، حتى صحت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعها فنصبه ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته. الحديث.

__________

بالواو "أبو عبيدة بن الجراح".

وفي رواية البخاري: نرصد عيرا لقريش "فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا"، زاد في رواية البخاري فأصابنا جوع شديد "حتى أكلنا الخبط، ثم إن البحر ألقى لنا دابة" من السمك.

وفي رواية للبخاري فإذا حوت مثل الظرب والحوت اسم جنس لجميع السمك وقيل: مخصوص بما عظم منها، والظرب بفتح المعجمة المشالة وفي بعض النسخ المعجمة الساقطة حكاها ابن التين، والأول أصوب وبكسر الراء بعدها موحدة الجبل الصغير.

وقال القزاز: هو بسكون الراء إذا كان منبسطا ليس بالعالي، وفي رواية أبي الزبير عند مسلم فوقع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة "يقال لها: العنبر", وفي رواية للبخاري: فألقى لنا البحر حوتا ميتا لم نر مثله.

وفي رواية ابن أبي عاصم: فإذا نحن بأعظم حوت ففي هذا جواز أكل الحوت الطافي "فأكلنا منها نصف شهر".

وفي رواية وهب عند البخاري: ثمان عشرة ليلة.

وفي رواية أبي الزبير عند مسلم: فأقمنا عليه شهرا قال الحافظ: ويجمع بأن قائل ثمان عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره وقائل نصف شهر ألغى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال: شهرا جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها.

ورجح النووي رواية أبي الزبير لما فيها من الزيادة وقال ابن التين: إحدى الروايتين وهم، ووقع في رواية الحاكم: اثني عشر يوما وهي شاذة منها شذوذا رواية الخولاني عن جابر عند ابن أبي عاصم، فأقمنا قبلها ثلاثا، ولعل الجمع الذي ذكرته أولى. انتهى.

"حتى صحت أجسامنا" وفي رواية البخاري: وادهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا بمثلثة، أي رجعت وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم هزال من الجوع "فأخذ أبو عبيدة ضلعا" بكسر الضاد وفتح اللام "من أضلاعه فنصبه".

قال الحافظ واستشكل بأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأنه غير حقيقي فيجوز تذكيره، وفي رواية وهب عند البخاري، ثم أمر عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا "ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته" براكبه، وفي رواية وهب عند البخاري ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتهما فلم تصبهما، وفي رواية له أيضا فعمد إلى أطول رجل معه وفي حديث عبادة عند ابن إسحاق ثم أمر

زاد الشيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا"؟. قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكل.

__________

بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا فخرج من تحتها وما مست رأسه.

وجزم الحافظ في المقدمة بأن الرجل قيس بن سعد فتبعه المصنف في الشرح، وقال في الفتح لم أقف على اسمه وأظنه قيسا فإنه كان مشهورا بالطول، وقصته مع معاوية معروفة لما أرسل إليه ملك الروم أطول رجل منهم ونزع له قيس سراويله، فكانت طول قامة الرومي بحيث كان طرفها على أنفه وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله فأنشد:

أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوجوه شهود

وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادي فمنه ثمود

وفي رواية مسلم عن جابر: فلقد رأيتنا، نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ونقطتع منه الفدر كالثور، فأخذ أبو عبيدة، ثلاثة عشر رجلا، فأقعدهم في وقب عينه بفتح الواو وسكون القاف، وموحدة: النقرة التي فيها الحدقة، والفدر بكسر الفاء وفتح الدال، جمع فدرة بفتح، فسكون القطعة من اللحم وغيره، ولمسم عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال جابر: فدخلت أنا وفلان، قعد خمسة في فجاج عينها، ما يرانا أحد حتى خرجنا، وأخذنا ضلعا من أضلاعها، فقومناه وعدونا بأعظم رجل في الركب، وأعظم جمل، وأعظم كفل، فدخل تحته ما يطأطئ رأسه. انتهى، فسبحان القوي القادر، وكفل بكسر الكاف، وإسكان الفاء، وباللام، أي الكساء الذي يجعله راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، "الحديث" ذكر في بقيته نحر التسع جزائر، ثم النهي، "زاد الشيخان في رواية" عن أبي الزبير عن جابر، "فلما قدما المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له"، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا"؟ زاد في رواية أحمد، فكان معنا منه شيء "قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكل" هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم". فأتاه بعضهم، فأكله.

ولابن السكن، فأتاه بعضهم بعضو منه، فأكله، قال عياض: وهو الوجه، وفي رواية أبي حمزة الخولاني، عن جابر عند ابن أبي عاصم، فلما قدموا ذكروا له صلى الله عليه وسلم فقال: "لو نعلم أنا ندركه، لم يروح لأحببنا لو كان عندنا منه". قال الحافظ: وهذا لا يخالف رواية أبي الزبير، لأنه يحمل على أنه قال ذلك، ازديادا منه بعد أن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم، لم يروح فأكل منه, والله أعلم. انتهى.

"سرية أبي قتادة إلى نجد":

ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان، وبعث معه خمسة عشر رجلا إلى غطفان، فقتل من أشرف منهم، وسبى سبيا كثيرا، واستاق النعم، فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة.

__________



كلمات دليلية: