سرية أوطاس 8هـ من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

سرية أوطاس 8هـ من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

اسم الكتاب:
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
المؤلف:
بريك محمدبريك ابو مايله العمري

سربة أبي عامر الأشعري إلى أوطاس

...

سرية أبي عامر إلى أوطاس

(مطاردة تعقُّبية)

__________

1 المطاردة: تعبير عسكري يقصد به تعقُّب القوات المعادية المنسحبة لإحداث الخسائر فيها، ومحاولة قلب انسحابها إلى هزيمة. خطَّاب، الرسول القائد (188) .

"لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين"1 أرسل سرية مطاردة تعقُّبية2 بقيادة أبي عامر الأشعري3 رضي الله عنه وكان ضمن أفرادها أبو موسى الأشعري4 وأبو سعيد الخدري5 رضي الله عنهما، وذلك لمطاردة الفارين من هوازان وجشم الذين كان على رأسهم دريد بن الصِّمة الجشمي6 -للإجهاز مبكرًا

__________

1 من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (8/41) .

2 التعقُّب: عمل هجومي ضد العدو المتراجع، حيث تطبق القوة المتقدمة إما أسلوب الضغط المباشر أو خليطا من الضغط المباشر وحركة التطويق، بغرض إبادة العدو. باهر، مصطلحات (27) .

3 اسمه عبيد بن سليم بن حضَّار الأشعري، ذكره ابن قتيبة فيمن هاجر إلى الحبشة فكأنه قدم قديما فأسلم، وذكر أنه كان عمى ثم أبصر. راجع ابن حجر، فتح (8/42) وإصابة (4/123) ترجمة أبي عامر.

4 هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور بكنيته، ذكر الواقدي: بأنه من مهاجرة الحبشة بعد حلفه في مكة مع سعيد بن العاص، ولكن موسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي في رواية أخرى: لم يذكروه في مهاجرة الحبشة، وإنما قدم مع أصحاب السفينة بعد أن التقت سفينته بسفينتهم فقدموا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، وولي البصرة لعمر وعثمان، وله بها فتوح كثيرة، وولي الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين ثم اعتزل الفريقين، كان خفيف الجسم قصيرا، وكان حسن الصوت بالقرآن. وفي الصحيح المرفوع: "لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود" وكان أبو موسى هو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم.

قال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة: عمر، وعلي، وأبو موسى، وزيد بن ثابت.

قال البغوي: بلغتي أن أبا موسى مات سنة اثنتين، وقيل: أربع وأربعين وهو ابن نيف وستين.

قال ابن حجر: بالأول جزم ابن نمير وغيره، وبالثاني أبو نعيم وغيره.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: عاش ثلاثا وستين.

وقال الهيثمي وخليفة: مات سنة خمسين. وزاد خليفة: ويقال: سنة إحدى وخمسين.

وقال المدائني: سنة ثلاث وخمسين.

واختلفوا هل مات بالكوفة أو بمكة. انظر خليفة، طبقات (68) ، وابن سعد، طبقات (4/105-106) ، وابن حجر، إصابة (2*359-360) .

5 سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر، وهو عذرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها وغزا هو ما بعدها، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير. ابن حجر، إصابة (2/3) .

ولم تذكر روايات الصحيحين غيرهما، حيث ورد ذكر أبي موسى عند البخاري، وأبي سعيد عند مسلم في رواية أخرى عن السرية سنتعرض لها لاحقا، وسيأتي أيضا في رواية أن الزبير بن العوام رضي الله عنه كان ضمن المشاركين في السرية.

6 قال ابن حجر: أما الصمِّة –فهو بكسر المهملة وتشديد الميم- أي ابن بكر بن علقمة، ويقال ابن الحارث بن بكر بن علقمة الجشمي –بضم الجيم وفتح المعجمة- من بني جشم بن بكر بن هوازن، فالصمة لقب لأبيه واسمه الحارث، وكان دريد من شعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية. ابن حجر، فتح (8/42) .

على أي تحشد آخر لهم مضاد للمسلمين، حيث التقوا بهم في وادٍ يسمى أوطاس1، وهناك دارت معركة قوية بين الطرفين قتل فيها دريد بن الصِّمة. "وهزم الله أصحابه"2 بعد أن "أفضى فيهم إلى الذرية"3

1 قال عياض: هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين.

وهذا الذي قاله ذهب إليه أهل السير، والراجح أن أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس، كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف. ابن حجر، فتح (8/42) .

وقال البكري: أوطاس –بفتح أوله، وبالطاء والسين المهملتين، واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف، إذ أجمعوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتقوا بحنين. البكري، معجم ما استعجم (1/212) .

وذكر الحربيّ: أن بأوطاس قصورا، وأبياتا، وحوانيت، ويركة، يسرة، ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرضع في تلك الناحية، وثمّ مسجد يقال له مسجد عائشة رضي الله عنها، بناه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عم المنصور.

أما البلادي فقال: أوطاس سهل يقع على طريق حاج العراق إذا أقبل من نجد قبل أن يصعد الحرة، فالحاج إذا تسهل من كشب مرّ بطريق وجزة الشمالي، ثم في غمرة وبها بركة تنسب إلى زبيدة، ثم يجزع وادي العقيق –وليس هذا بعقيق المدينة- ثم يسير في أوطاس ساعة، فهي ضفة العقيق اليسرى، ثم يصعد الحرة، فَيَرِدِ الضريبة الميقات، فهي شمال شرقي مكة، وشمال بلدة عشيرة، وتبعد عن مكة قرابة (190) كيلا على طريق متعرجة. البلادي، معجم المعالم الجغرافية في السيرة (34) .

2 من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (8/41) قال: واختلف في قاتله، فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع –بفاء مصغَّر- ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له: ابن الذعنة –بمعجمة ثم مهملة، ويقال: بمهملة ثم معجمة- وهي أمه.

وقال ابن هشام: يقال اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقية نسبه، ويقال له –أيضا- ابن الذعنة وليس هو ابن الذعنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة.

وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد هو الزبير بن العوام، ولفظه "ولما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال: خلوهم لي، فخلوهم، فقال: هذه فضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسًا وحده، فقال: خلوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء ههنا؟ فمضى إليهم وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلثمائة، فحزَّ رأس دريد بن الصمّة فجعله من يديه.

ويحتمل أن يكون ابن الذعنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنُسبب إلى الزبير مجازا. ويقال: إنه لما قتل ابن عشرين، ويقال: ابن سنتين ومائة سنة. ابن حجر، فتح (8/42) .

وروى البيهقي بإسناده إلى الشافعي قال: قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر قتله.البيهقي، سنن (9/92) .

3 رواه أحمد عن الأسود بن سريع ولفظه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حملكم على قتل الذريّة؟ " قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين. قال: "وهل خياركم إلا أولاد المشركين ... ". الحديث. البنا، الفتح (14/65) وقال عنه: ورجاله رجال الصحيح. كما رواه البيهقي، سنن (9/130) .

وسبوا نساءهم،1 وأصيب قائد السرية إصابةً قاتلةً إذ "رماه جشمي2 بسهم فأثبته في ركبته"3.

قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ابن أخي أبي عامر: "فانتهيت إليه فقلت: يا عم4 من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه5 الماء"6، وكأن الجرح قد التهب على أبي عامر التهابا حادًّا عرف منه قرب

__________

1 وقع ذلك في رواية أبي سعيد الخدري عند مسلم ولفظها "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوّا لهم فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا.. إلخ الحديث". صحيح مسلم بشرح النووي (10/35) .

كما رواه النسائي. الألباني، صحيح سنن النسائي (2/70) وقال عنه: صحيح. والترمذي، الألباني، صحيح الترمذي (3/37) .

2 قال ابن حجر: اختلف في اسم هذا الجشمي، فقال ابن إسحاق: زعموا أن سبمة بن دريد بن الصمّة هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعري فقاتلهم ففتح الله عليه. وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم وهما: أوفى، والعلاء ابنا الحارث، وفي نسخة: وافي بدل أوفى، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري.

وعند ابن عائذ، والطبراني في الأوسط من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن: "لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل الطلب أبا عامر الأشعري، وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء" الحديث. فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق.

قلت: روى هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر –أحمد في مسنده. انظر البنا، الفتح (21/176) .

وقال ابن حجر: وذكر ابن إسحاق في المغازي -أيضا- أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر فحمل عليه وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ فكف عنه أبو عامر ظنًّا منه أنه أسلم فقتله العاشر، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه شهيد أبي عامر.

وهذا يخالف الصحيح أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله. ابن حجر، فتح (8/42-43) .

3 من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (8/41) .

4 في ذلك خلاف، قال ابن حجر: هو عمُّ أبي موسى. وقال ابن إسحاق: هو ابن عمه.

والأول أشهر. انظر ابن حجر، فتح (8/42-43) .

5 نزا منه الماء: أي ظهر وارتفع وجرى ولم ينقطع. النووي، صحيح مسلم بشرح النووي (16/60) .

6 من رواية أبي موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (8/41) .

منيته1، فأوصى ابن أخيه أن يقرىء النبي صلى الله عليه وسلم منه السلام ويطلب منه أن يستغفر له، وذلك بعد أن استخلفه على قيادة السرية "فمكث يسيرا ثم مات"2.

ويرجع أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويدخل عليه بيته، حيث يصف لنا الحالة التي وجد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعرف مدى ما كان عليه من الزهد وشظف العيش، وهو الذي لو أراد لحيزت له الدنيا بأسرها.

يقول أبو موسى: "دخلت عليه وهو في بيت على سرير مرمل3، وعليه فراش وقد أثَّر رمال السرير بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له: يستغفر لي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ، ثم رفع يديه ثم قال: اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس. فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما" 4 5.

__________

1 وذلك لعدم وجود العقاقير والمضادات الحيوية المعروفة اليوم، والتي تعالج بها الجروح الملتهبة، والتي عرفت بعد اكتشاف البنسلين الذي أنقذ الله به الملايين من جرحى الحروب وغيرهم.

2 من رواية البخاري عن أبي موسى. ابن حجر، فتح (8/41) .

3 براء مهملة ثم ميم ثقيلة، أي معمول بالرمال وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأّسرَّة. ابن حجر، فتح (8/43) .

4 من رواية مسلم عن أبي موسى. النووي، صحيح مسلم (16/60) .

5 الحديث صحيح رواه البخاري عن أبي موسى. انظر ابن حجر، فتح (8/41-42) باب غزوة أوطاس. كما رواه مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي –كتاب فضائل الصحابة (16/59-60) . ورواه أحمد. انظر البنا، الفتح الرباني (21/176-177) .

كما رواه من أهل المغازي ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (4/454-457) ، والواقدي، مغازي (3/915) ، وابن عبد البر، درر (241) والعامري، بهجة المحافل (1/425-428) ، والبيهقي، سنن (9/51، 91، 92، 241) .


ملف pdf

كلمات دليلية: