سرية أوطاس (8 هـ).. بطولة إسلامية تلحق العار برؤوس الحرب الفارين

سرية أوطاس 8ه

زمان وموقع سرية أوطاس

جرت في شوال من عام ثمانية (8)هـ، و ذلك عند وادٍ يقال له أوطاس بين حنين والطائف.

القيادة في سرية أوطاس

قادها الصحابي أبو عامر الأشعري، رضي الله عنه، والذي لقي ربه راضيا في ميدان تلك المعركة لملاحقة فلول هوازن الهاربين وعلى رأسهم دُريد بن الصمة، ولما استشهد تولى القيادة من بعده ابن أخيه أبوموسى الأشعري.

(أبو عامر الأشعريّ،هو عُبَيْد بن سُلَيم بن حَضَّار الأَشْعَرِي، وهو عم أَبي موسى الأشعريّ. كان من كبار الصّحابة ). [أسد الغابة 3/535]

أسباب سرية أوطاس

كانت تلك السرية هي مطاردة تعقبية خلف القوات المعادية من قبيلتي هوازن وجشم، والمنسحبة بعد غزوة حنين، لإحداث الخسائر فيها، ومحاولة قلب انسحابها إلى هزيمة. [الرسول القائد، خطاب، 188]

أحداث سرية أوطاس

لما فرغ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم من غزوة حُنين، بعث أبا عامر على جيشٍ إلى أَوْطاس، لملاحقة الهاربين هناك من رؤوس الكفر من هوازن، وكان بين المشاركين معه أبوسعيد الخدري وأبوموسى الأشعري رضي الله عنهم جميعا.

وقد أبلى أبوعامر بلاء حسنا في القتال، ولقي قائد الشرك دريد بن الصمة وقتله.

وجاء أن أبا عامر قد لقي عددا من أخوته في المعركة، فكان كل منهم يحمل عليه، فيغلبه أبوعامر وهو يدعوه إلى الإسلام أولا، فيقول "اللهم اشهد عليه"، ثم قتل عددا منهم أصروا الخوض في حربه، وبقي واحد فقط ،رد قائلا: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبوعامر، فأسلم وحسن إسلامه، وكان النبي إذا رآه قال: " هذا شريد أبي عامر "، وقيل بأن من قتل أبوعامر هما أخواه العلاء وأوفى أبناء الحارث من بني جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه، ولكن أبا موسى استطاع اللحاق بهما فقتلهما .


وفي خلال المعركة، أٌصيب أبوعامر بسهم في ركبته، وقد لحق ابن أخيه أبي موسى بالقاتل "جشمى"، حتى قتله، وعاد يحاول نزع السهم عن عمه، فنزا منه ماء، وعلم أنها نهايته، وقد أبوعامر: "با ابنَ أخي أقرئِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم السلامَ، وقل له: استغفرْ لي".


وقد استخلف أبوعامر ابن أخيه على المجاهدين في الميدان، ومكث مدة وجيزة ثم مات شهيدا.

رسول الله يدعو للعامرَين بالجنة

لما عاد أبوموسى يخبر النبي بما حدث لقائد السرية، وجده في بيتِه على سريرٍ مُرْمَلٍ وعليه فِراشٌ، ولما علم بما جرى، دعا بماءٍ فتوضأَ، ثم رفع يديْه حتى رأى الصحابي بياضَ إبطيْه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» ودعا لأبي موسى أي فقال: «اللهم اغفر له ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما»[رواه البخاري 4323]


جمع الغنائم وسبي المشركات

أمر رسول الله ان يجمع السبي والغنائم الذي اخذها المسلمين من غزوتي حنين وأوطاس، فجمع في في منطقة يقال لها "الجعرانة" إلى أن فرغ من غزوة الطائف.


وكان السبي ستة آلاف رأس والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة، وكان على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.

أخذ المسلمون الكثير من السبايا يوم حنين وأوطاس، وكان بعض الصحابة يكره أن يغشي امرأة سبية متزوجة من مشرك، فاستفتوا رسول الله في ذلك فنزل قول الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}[النساء: 24] [رواه مسلم: 1456] أي حلال طالما انقضت عدتهن.


وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا حنين وأوطاس ألا توطأ حامل من السبي حتى تضع حملها، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. فسألوا عن العزل فقال: "ليس من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله أن يخلق شيئا لم يمنعه شيء".[ البداية والنهاية، ابن كثير، الجزء الرابع، والحديث لأبي داود]

نتائج سرية أوطاس

استشهاد الصحابي أبي عامر الأشعري، ومقتل رأس المشركين دريد بن الصمة، وهزيمة فلول الهاربين المشركين من حنين.

الدروس المستفادة من سرية أوطاس

  • عزيمة الإيمان تتغلب على قوى الشرك، وقد أجمعت هوازن وحلفاؤها قوى كبرى لوأد الإسلام، وتغيظوا بعد فتح مكة وإظهار الله المؤمنين بالتوحيد وهدم الأصنام، فكانت تلك الغزوات والسرايا بمثابة تأديب واجتثاث للفتنة ونصر للدين.

  • إخلاص الجهاد لله ومحبة رسوله؛ فلم يكن ببال قائد السرية وقد وداعه للحياة إلا أن يقريء الحبيب السلام، ورأينا كيف دعا رسول الله له بدرجة عالية من الجنة، وابن أخيه القائد الجديد للسرية أبي موسى الأشعري.

 
جواز نكاح المجاهدين لسبايا الحرب المتزوجات من مشركين، بإذن ولي الأمر، طالما انقضت عدتهن، واستدل الفقهاء أن سبي المشركة هو طلاقها من زوجها المشرك وبذلك تحل للرجل الحربي المسلم من بعده، إلا أن تكون مملوكة لأحدهم وهو أن يكون قد اشتراها من صاحبها فهي ملك يمين له.


(وتشريع السبي كان معمولا به قبل ظهور الإسلام، وعرفته كل الديانات والحضارات، وسنجد أنه في حالة الإسلام ينطوي على معنى مختلف وحكمة من الله في إظهار دينه وربما كان الأشد ضررا لتلك السبية أن تصير بلا رجل بعد أن مات عنها زوجها، ويحق لولي الأمر أن يتركها أو يفدي بها أو يمنحها للمجاهدين بحسب مصلحة المسلمين، وفي كل الأحوال فحقوق الأمة في الإسلام كبيرة ولها تشريع خاص بها وولدها معترف به وهو غير ما كان يحدث من سبي الصليبيين ونحوهم)