سرية أبي بكر إلى نجد

سرية أبي بكر إلى نجد


ثامنا: غزوة نجد

...

ثامنًا: غزوة نجد

بعد هزيمة بني النضير، وطردهم من المدينة تخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم وغدرهم، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عددًا من القبائل البعيدة عن المدينة تحتاج لعملية تأديبية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأديب هؤلاء الأعراب الخارجين المخادعين الذين يقيمون في الأماكن البعيدة عن المدينة في "نجد" وغيرها، وبخاصة بعدما علم أن جموعًا من بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان تحتشد لمهاجمة المسلمين في المدينة.

أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إليهم في أربعمائة من أصحابه بعدما ولى على المدينة أبا ذر الغفاري رضي الله عنه فلما وصل إلى ديارهم بنجد فروا في رءوس الجبال فلم يقابل منهم أحدًا وقد وقعت هذه الغزوة في ربيع الثاني وأوائل جمادى الأولى من العام الرابع للهجرة1.

وأهمية هذه الغزوة تتجلى في مساهمتها في القضاء على العداوات المختلفة الموجودة عند الأعراب والبوادي، وبخاصة هؤلاء الذين يقطنون بعيدًا عن المدينة، ليتفرغ المسلمون لملاقاة المكيين الذين كانوا يتوعدون المسلمين، ويهددونهم مستعينين بهؤلاء الأعراب.

ويلاحظ أن هذه الغزوة كانت في بلاد نجد البعيدة عن المدينة، وهذا يؤكد قوة المسلمين ويعرف الجميع أن يد المسلمين طويلة، وأنها تستطيع الوصول إلى الأعداء في كل مكان لإبطال كيدهم، ومنعهم من العدوان أو التفكير فيه.

__________

1 زاد المعاد ج3 ص250 والبعض يسمي هذه الغزوة بذات الرقاع وهو غير صحيح لأن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري اللذان أسلما وقدما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خيبر بأيام وبذلك فزمنها بعد خيبر على الأرجح.

تاسعًا: غزوة بدر الثانية

بعد تأديب الأعراب، والقضاء على شوكتهم أخذ المسلمون يتهيئون لملاقاة كفار مكة في الموعد الذي ضربوه لهم بعد "أحد".

وسبب هذه الغزوة أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى المسلمين، وقال لهم جهرًا وعلانية: موعد ما بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقي فيه فنقتتل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "قل نعم إن شاء الله" 1.

فافترق الناس على ذلك، ورجعت قريش وأخبروا من قبلهم بالموعد.

وكانت بدر الصفراء مجمعًا للعرب، وسوقًا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان ليال خلون منه، فإذا مضت ثماني ليال تفرق الناس إلى بلادهم.

فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب ألا يوافي رسول الله صلى الله عليه وسلم الموعد حتى يدعي أن التخلف عن اللقاء بسبب المسلمين لا بسببه.

واستعمل أبو سفيان سلاح الضغط النفسي فكان يظهر أنه يريد أن يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع كثيف، ويتحدث في ذلك حتى يصل الخبر إلى أهل المدينة، ويعلموا أنه يجمع الجموع ويحشد العرب، فيخافون ويقعدون.

قدم نعيم بن مسعود الأشجعي مكة -وأسلم بعد ذلك- فأخبر أبا سفيان، وقريشًا أن المسلمين يتهيئون لحربهم فأعلمه أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل لنعيم عشرين فريضة توضع تحت يد سهل بن عمرو، على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير.

فقدم نعيم المدينة، وأرجف بكثرة جموع أبي سفيان حتى أرعب المسلمين، وتمنوا عدم الخروج في الموعد واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: لن يفلت محمد من هذا الجمع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى خشي ألا يخرج معه أحد.

وجاءه أبو بكر وعمر رضي الله عنه وقد سمعا ما سمعا فقالا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى

__________

1 انظر غزوة أحد.

مظهر دينه، ومعز نبيه، وقد وعدنا القوم موعدًا لا نحب أن نتخلف عنه، فيرون أن هذا جبن فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة.

فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم قال: "والذي نفسي بيده لأخرجن، وإن لم يخرج معي أحد" 1, فنصر الله تعالى المسلمين، وأذهب عنهم الرعب الذي غرسه الشيطان في نفوسهم.

وكان اللقاء ضروريًا لتتضح حقيقة كل طرف، وتظهر قوته، ويعلم أهل مكة أن المسلمين لن يستكينوا أبدًا، وأن هزيمتهم في "أحد" كانت خطأ لن يتكرر.

ففي شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده في ألف وخمسمائة، وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وقيل: إنه استخلف عبد الله بن عبد الله بن أبي رضي الله عنه وانتهى إلى "بدر" فأقام بها ينتظر المشركين2.

وأما أبو سفيان، فخرج في ألفين من مشركي مكة، ومعهم خمسون فرسًا، حتى انتهى إلى "مر الظهران" على بعد مرحلة من مكة فنزل بـ"مجنة" "ماء في تلك الناحية".

خرج أبو سفيان من مكة متثاقلا وهو خائف من عقبى القتال مع المسلمين، وقد أخذه الرعب، واستولت على مشاعره الهيبة، فلما نزل بمر الظهران خار عزمه، فاحتال للرجوع، وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا جدب، وإني راجع فارجعوا3.

ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر أفراد الجيش المكي أيضًا، ولذلك أسرعوا في الرجوع إلى مكة بمجرد إشارة أبي سفيان بلا اعتراض من أحد ولم يبدوا أي مصادمة لهذا الرأي، أو يظهروا أي إصرار على القتال، ولم يلحوا على مواصلة السير للقاء المسلمين وبدا منهم أن الرجوع أمل تمنوه فلما رآه أبو سفيان رحبوا به.

وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام، ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة فربحوا بكل درهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم، وتوطدت هيئتهم في النفوس وسادوا على الموقف، ولجأ الأعداء إلى المسالمة4.

وتعرف هذه الغزوة "ببدر الموعد" و"بدر الثانية" و"بدر الصغرى" و"بدر الآخرة".

__________

1 إمتاع الأسماع ج1 ص148.

2 سيرة النبي ج2 ص211.

3 زاد المعاد ج3 ص255.

4 إمتاع الأسماع ج1 ص184.

عاشرًا: غزوة دومة الجندل

ودومة الجندل "بضم الدال" مدينة بعيدة، تقع قرب الشام بينها وبين دمشق ست ليال وبينهما وبين المدينة ست عشرة ليلة1.

تقع "دومة الجندل" في الشمال بعيدًا عن المدينة، وبذلك فهي تكمل مع غزوة "نجد" عملا متكاملا لأن "نجد" تقع في أقصى الشرق، وهذه تقع في أقصى الشمال.

إن الاقتراب من بلاد الشام بهذه القوة بعد تحذيرًا للرومان الذين يحتلونها، حتى يتركوا الحرية للناس، ولا يقفوا ضد حركة الدعوة إلى الله تعالى.

وكان سبب هذه الغزوة المباشر أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن بها جمعًا كثيرًا يظلمون من مر بهم، فخرج صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ربيع الأول في العام الهجري بعد "بدر الأخيرة" بستة أشهر.

وقد خرج في ألف من أصحابه ومعه دليل من بني غدرة يقال له "مذكور" فكان يسير الليل، ويكمن النهار، ويغاير في الطريق، واستخلف على المدينة "سباع بن عرفطة الغفاري".

فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من "دومة الجندل" قال له الدليل: يا رسول الله إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي، حتى أطلع لك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.

فخرج العذري طليعة وحده، حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقد عرف مواضعهم، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هجم على ماشيتهم، ورعائهم، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وفر باقيهم، فتفرق أهل "دومة الجندل".

__________

1 زاد المعاد ج3 ص256.

وهربوا بعيدًا عن ديارهم.

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدًا، إلا أن محمد بن مسلمة أخذ رجلا منهم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلم.

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، في العشرين من ربيع الآخر، ووادع صلى الله عليه وسلم في طريقه عيينة بن محصن الفزراي على أن يرعى أنعامه بـ"تغلمين" وما والاها إلى "المراض" وكانت بلاده قد أجدبت1.

__________

1 سبل الهدى والرشاد ج4 ص484، 485، زاد المعاد ج3 ص256.

حادي عشر: أهم الأحداث الاجتماعية بين أحد والأحزاب

برغم كثرة السرايا والغزوات التي وقعت خلال هذه الفترة نرى المسلمين يعيشون حياتهم الاجتماعية بصورة عادية، ومن أهم الأحداث الاجتماعية التي عاشها المسلمون ما يلي:

1- تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم التي عقد عليها في ربيع الأول ودخل بها في شهر جمادى الأخرى من السنة الثالثة من الهجرة وذلك بعد أن توفيت "رقية" يوم بدر من العام الثاني.

ومما يذكر أن عبد الله بن عثمان بن عفان من زوجته رقية مات في جمادى الأولى وهو ابن ست سنوات، ودفنه أبوه بالبقيع.

2- ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في السنة الثالثة وحملت أمه فاطمة رضي الله عنه بالحسين رضي الله عنه.

3- ولد الحسين بن علي في أول شهر شعبان من السنة الرابعة.

4- في شهر رمضان من السنة الرابعة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بنت الحارث الهلالية وهي المعروفة بأم المساكين لكثرة صدقاتها لهم، وبرها بهم، وإحسانها عليهم، وكانت قبله صلى الله عليه وسلم زوجة لـ"عبد الله بن جحش" وماتت رضي الله عنها بعد شهرين أو ثلاثة من زواجها به صلى الله عليه وسلم وقد صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفنها بالبقيع.

5- في شهر شوال من السنة الرابعة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة وكانت قبله عند زوجها أبي أولادها، أبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه الذي شهد "أحدًا" وجرح بها فداوى جرحه شهرا حتى برئ، ثم خرج في سرية فغنم منها نعمًا، ومغنمًا جيدًا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يومًا، ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما حلت أم سلمة في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر بن الخطاب في ذلك مرارًا، فتذكر أنها امرأة غيرى أي شديدة الغيرة، وأنها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما الصبية فإلى الله وإلى رسوله -أي نفقتهم- ليس إليك وأما الغيرة فأدعوا الله فيذهبها". فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوج النبي صلى الله عليه وسلم تعني قد رضيت وأذنت.

يروي الإمام أحمد بسنده عن أم سلمة أنها قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به، قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا فعل به". فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، وقلت: اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟

فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي فلما فرغ من مقالته، قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة، ولكني امرأة بي غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال فقال صلى الله عليه وسلم: "أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال، فإنما عيالك عيالي". فقالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم1.

__________

1 الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني ج22 ص132، بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج9 ص394.

6- وفي السنة الرابعة أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم اللغة السريانية ليتمكن صلى الله عليه وسلم من معرفة ما في كتب أهلها، ويرسل إليهم كتبه بلغتهم بواسطة أصحابه الدعاة قال صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت: "يا زيد أتحسن السريانية أنه تأتيني كتب بها"؟.

فقال زيد: لا يا رسول الله.

فقال له صلى الله عليه وسلم: "تعلمها".

يقول زيد رضي الله عنه: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا1.

وعلم المسلمون بذلك أهمية معرفة لغة من سيدعونهم لأن الدعوة لا تصح إلا بلغة المدعوين ليفهموا المراد، ويطلعوا على حقيقة الإسلام.

__________

1 الفتح الرباني بشرح مسند الإمام أحمد الشيباني كتاب العلم والعلماء ج1 ص145.



كلمات دليلية: