سرية أبي قتادة إلى إضم (8هـ) .. نهاية أليمة لمن قتل مؤمنا بغير حق  

سرية أبى قتادة بن ربعى الانصارى إلى بطن إضم 8ه

 

زمان وموقع سرية أبي قتادة إلى إضم

وقعت في رمضان لعام8 هـ، وذلك في وادٍ يربط المدينة المنورة بوادي القرى يسمى "إضم" ويقع بين ذي الخشب وذي المروة من جبال الجزيرة العربية .

القيادة في سرية أبي قتادة إلى إضم

قادها الصحابي أبوقتادة الأنصاري رضي الله عنه، في جماعة من أصحابه، وكانت تلك هي السرية الثانية التي يقودها في العام ذاته بأمر النبي بعد سرية خضرة ضد قبائل غطفان.[ابن سعد والحلبي]


وذكر مصادر أن تلك السرية بقيادة عبدالله بن أبي حدرد لتكون استكمالا لسريته السابقة إلى الغابة.[ابن هشام]

أسباب سرية أبي قتادة إلى إضم

التعمية على المشركين، بعد اعتزام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، فكان يرغب في توجيه أنظارهم لتلك الناحية بعيدا عن مقصده الحقيقي. [ابن سعد 2/133]

أحداث سرية أبي قتادة إلى إضم

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عددا من الصحابة بقيادة أبي قتادة (نحو ثمانية) صوب بطن وادي إضم، ليظن المشركون أن وجهته ستكون إلى هناك، ويتمكن بعدها من التوجه نحو مكة فاتحا. [السيرة الحلبية وابن سعد]

مقتل عامر الأشجعي

وفي طريق المسلمين للسرية، مر بهم رجل يسوق رعيه في الصحراء من بني سليم، يُسمى عامر الأشجعي، وألقى عليهم تحية الإسلام؛ فما كان من أحد المسلمين المشاركين وهو مُحَلِّم بن جَثَّامَة، إلا أن قتله وسلب رعيه!!

كان عامر قد أسلم بالفعل، ولم يكن أحد يعلم بذلك، ومع ذلك قتله "محلم" ظنا منه أنه ألقى السلام اتقاء للقتل لا أكثر، وكأنه شق عن قلبه!! [مسند أحمد 3/320]

ولما عاد الصحابة لرسول الله، نزل فيهم قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}[النساء:94]

وجاء تفسير تلك الآية أنها نهي عن قتل المؤمنين بناء على الشبهة والظن وفي غير حدود الله التي شرع فيها القتل، وفيها إشارة كذلك لكون القتل قد استهدف ما عند هذا الرجل من مغانم؛ وفي الحقيقة ما عند الله أبقى وأكبر، ولهذا كان الأمر بالتبين قاطعا، كما ذكرهم ربهم بأنهم كانوا قبل الهجرة من مكة نفس الموضع الذي يخفي فيه المرء حقيقة إيمانه اتقاء للقتل. [الطبري وابن كثير]

القاتل يرتدي ثوب القصاص

غضب رسول الله غضبا شديدا من فعلة محلم بن جثامة، وكان آنذاك قد صلى الظهر وتنحى إلى شجرة يجلس عندها بين القوم في وادي حُنين.

دفع الصحابة أخاهم محلم للاعتذار والاستغفار بين يدي النبي، عله يستغفر له ربه، وكان يرتدي حلة قد تهيأ فيها للقتل للقصاص، جراء جريمته، وجلس بين يدي النبي عيناه تدمعان، وأقر بما فعل وطلب الاستغفار، فقال له النبي مستنكرا: «قتلتَهُ بسلاحك غُرَّة الإسلام! اللّهم لا تغفر لِمُحَلِّم!» بصوتٍ عالٍ أنفذ به الناس، وكررها ثلاثا. [أبوداود: 4503]

وكان عُيينة بن بدر يومئذ سيد قيس يطالب بدم القتيل عامر الأشجعي، (وأشجع من بطون قيس)، وعلى الطرف الآخر قام الأقرع بن حابس في محاولة لإنقاذ "محلم" وقد اختصما واشتد الكلام بينهما بين يدي رسول الله، ولولا ضغط النبي لما قبل أهل القتيل الفدية، ولقاموا بما تعهد به عيينة بإدخال الحزن على نساء القاتل، دما بدم.

كان "محلم" يشتد في بكائه ويتلقى الدموع بطرف ردائه، وقد نقل ضميرة السلمي أحد من حضر ذلك اليوم، أن رسول الله قد حرك شفتيه بالاستغفار لمحلم لندمه الشديد ولكنه أراد أن يعلم الناس ويعلمه قدر الدم عند الله. [أبوداود: 4503]

ونقلت بعض الروايات أن مُحَلِّم بن جَثَّامَة قد مات بعد فترة وشيكة من تلك الواقعة، ولما دفنه قَوْمُه َلَفَظَتْه الأرضُ، ثم دفنوه فَلَفَظَتهُ الأرض، فما كان منهم إلا أن ألقوه بين سدي جبل وردموا عليه بالحجارة! [ابن هشام، نقلا عن ابن اسحاق، مصدر سابق].

ولم ترد في الأحاديث الصحيحة ما يفيد بأن هذا الصحابي هو من جاء فيه حديث النبي «أما والله إن الأرض لتطبق على من هو شر منه ، ولكن الله أراد أن يخبركم بحرمتكم فيما بينكم» [ابن ماجة، ونقله عن واقعة أخرى، وذكره عبدالله بن أبي شيبة في مصنفه عن تلك السرية 8/434].

نتائج سرية أبي قتادة إلى إضم

نجاح السرية بتحقيق هدفها بالتمويه على المشركين، ومقتل أحد المسلمين بيد آخر، وقبول أهله بالفدية.

الدروس المستفادة .. حُرمة الدم

-

- حرمة الدماء عند الله: وقد نزلت من الآيات القرآنية والأحاديث الكثير ما يفيد بأن القاتل لا يريح رائحة الجنة، فزوال الدنيا أهون عند الله من قتل بريء، ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا.

-

رحمة الحبيب محمد: فقد رفض أن يستغفر للقاتل غضبا من جريمته النكراء، لكنه لما تيقن من ذلته وندمه جاء عنه أنه استغفر له سرا عل الله يغفر له.

-

براعة الرسول القائد العسكري: كانت تلك السرية من مقدمات فتح مكة المبارك، والذي بوغتت فيه قوى الشرك بجيش إسلامي هائل لا قبل لهم به، وكان النبي قد أسبق ذلك بسرايا عديدة للتمويه.

ومن جهة أخرى كان هذا العام أي 8 هـ عام السرايا المتلاحقة لتثبيت أركان دولة الإسلام ونزع كل فرص الإجهاز عليها من قبل القبائل المعادية المتربصة في الجزيرة العربية والتي هالها قوة المسلمين ورغبتهم في الشهادة لأجل دين الله.

-