زُهْد الحبيب صلى الله عليه وسلم_3923

زُهْد الحبيب صلى الله عليه وسلم


الباب السابع عشر في قناعته باليسير وسؤاله ربه تبارك وتعالى أن يجعل رزقه قوتا، ورغبته أن يكون مسكينا

وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» [ (1) ] .

وروى بقي بن مخلد في مسنده عن يونس بن أبي يعقوب عن أبيه عن ابن عمر أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه دخل عليه وهو على مائدته، فأوسع له عن صدر المجلس فقال: باسم الله، ثم ضرب بيده، ولقم لقمة ثم ثنى بأخرى، ثم قال: إني لأجد طعم دسم، ما هو بدسم اللحم، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين إني خرجت إلى السوق أطلب السمين لأشتريه فوجدته غاليا، فاشتريت من المهزول بدرهم، وإني عملت عليه بدرهم سمنا، فقال عمر: ما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم قط إلا أكل أحدهما، وتصدق بالآخر، فقال عبد الله يا أمير المؤمنين: فلن يجتمعا عندي إلا فعلت ذلك، قال: ما كنت بالذي تفعل.

وروى ابن الجوزي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، ولا يتخذ من شيء زوجين، لا قميصين، ولا رداءين، ولا إزارين، ولا من النعال، ولا رئي فارغا قط في بيته، إمّا يخصف نعلا لرجل مسكين أو يخيط ثوبا لأرملة [ (2) ] .

وروى ابن المبارك في الزهد عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبالي ما رددت به عن الجوع» [ (3) ] .

وروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يوم فتح مكة على أم هانئ بنت أبي طالب، وكان جائعا فذكر الحديث، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «هل عندك طعام آكل» فقالت: إن عندي لكسرة يابسة، وإني أستحي أن أقدمها، قال: «هلمّيها فكسرها في ماء» ، فجاءته بملح، فقال: «ما من أدم؟» فقالت: ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل، فقال: «هلمّيه» ، فلما جاءت صبّه على طعامه، وأكل، ثم حمد الله تعالى، ثم قال:

«نعم الأدم الخل يا أم هانئ لا يفتقر بيت فيه خل» [ (4) ] .

__________

[ (1) ] تقدم.

[ (2) ] انظر الوفا لابن الجوزي 2/ 476.

[ (3) ] ذكره العراقي في تخريجه على الإحياء 1/ 314 وانظر اتحاف السادة المتقين 7/ 101.

[ (4) ] تقدم.

وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن السائب بن يزيد عن خالته قالت: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين يديه طبق خوص، فيه خبز وقديد، قالت: فلما فرغ انحرف إلى فخّارة فتوضأ منها، فابتدرنا وضوءه، فمنا من مضمض، ومنّا ما سكب على وجهه.

وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وما لنا طعام إلا أوراق الشجر، حتى تقرّحت أشداقنا.

وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت عميس، وكانت صاحبة عائشة التي خبّأتها فأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في نسوة، فما وجدنا عنده إلا قوتا، إلا قدحا من لبن، فتناول فشرب منه، ثم ناوله عائشة فاستحيت منه، فقلت: لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأخذته فشربته، ثم قال:

«ناولي صواحبك» ، فقلت: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعن كذبا وجوعا» ، فقلت: إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهي، أيعد ذلك كذبا؟ فقال: «إن الكذب يكتب كذبا، حتى الكذيبة تكتب كذيبة» [ (1) ] .



كلمات دليلية: