زُهْد الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب أعلام النبوة

زُهْد الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب أعلام النبوة

اسم الكتاب:
أعلام النبوة
المؤلف:
ابي الحسن علي محمد المارودي الشافعي

زهده صلى الله عليه وسلم في الدنيا

والخصلة الثالثة: زهده في الدنيا وإعراضه عنها وقناعته بالبلاغ «4» منها فلم يمل إلى نضارتها ولم يله لحلاوتها.

وروى سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيت خزائن الأرض ما لم يعط أحد قبلك ولا يعطاه أحد بعدك ولا ينقصك في الآخرة شيئا، قال: «اجمعوها لي في الآخرة» ، فنزلت: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً «5» .

وروى هلال بن أبي خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جسمه، فقال له: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوطأ من هذا، فقال:

«ما لي وللدنيا ما لي وللدنيا والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلّا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من النهار ثم راح وتركها» .

وروى حميد بن بلال بن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبدا وأزارا غليظا وقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين.

__________

(4) قناعته بالبلاغ منها أي بما بالكاد يسد الرمق.

(5) سورة الفرقان الآية (10) .

هذا وقد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار العراق «6» ومن أقصى اليمن إلى شحر عمان «7» وهو أزهد الناس فيما يقتني ويدخر وأعرضهم عما يستفاد ويحتكر لم يخلف عينا ولا دينا ولا حفر نهرا ولا شيد قصرا ولم يورث ولده وأهله متاعا ولا مالا ليصرفهم عن الرغبة في الدنيا كما صرف نفسه عنها فيكونوا على مثل حاله في الزهد فيها.

وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه تريد الميراث فمنعها، فقالت: من يرثك، قال:

ولدي وأهلي، فقالت: فلا ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا لا نورث ما تركنا فهو صدقة» ، فمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله، فأنا أعوله، ومن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه فأنا أنفق عليه.

وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزهد في الدنيا والإعراض عن التلبس بها ليكون عونا على السلامة من تباعتها وصرف النفوس عن شهواتها.

وروى عبد المطلب بن حاطب عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته فآثروا ما يبقى على ما يفنى» .

وروي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» .

وروى أبو حكيم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» «8» .

وروى عمرو بن مرة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عجبا كل العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور» .

__________

(6) عذار العراق: ما انفسخ عن الطف أي أطراف سهوله القريبة من أرض جزيرة العرب.

(7) شحر عمان: ساحل البحر بين عمان وعدن.

(8) هاروت وماروت يقال أنهما ملاكان سقطا في التجربة عندما نزلا إلى الأرض ولنا ما ذكر القرآن الكريم من أنهما يعلمان الناس السحر في بابل.

وروى عوف عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل الدنيا كمثل الماشي على الماء، هل يستطيع الذي يمشي على الماء أن لا تبتل قدماه» .

وهذه الدواعي والوصايا ما اقتدى به خلفاؤه في زهده وانتقلوا بالأمور من بعده، فكان أبو بكر يتخلل عباءة له، وهو خليفة، فسمي ذا الخلالين، وكان عمر يلبس مرقعة من صوف فيها رقاع من ادم ويطوف في الأسواق على عاتقه درة يؤدب بها الناس ويمر بالنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس حتى ينتفعوا به ويطوف وحده في الليل عسسا ويتطلع غوامض الأمور تجسسا ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وكان عثمان يقوم الليل كله يختم القرآن في ركعة، وجاد بماله وفدى الخلق بنفسه وقال إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب العبد، واشترى علي رضي الله تعالى عنه وهو خليفة قميصا بثلاثة دارهم وقطع كمه من موضع الرسغين وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه، ولم يزل يأكل الخشب «9» ويلبس الخشن، وفرق الأموال حتى رش بيت المال ونام فيه وقال: يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري، وحقيق بمن كان في الدنيا بهذه الزهادة حتى اجتذب أصحابه إليها أن لا يتهم بطلبها ويكذب على الله تعالى في ادعاء الآخرة بها ويقنع في العاجل وقد سلب الآجل بالميسور النزر ورضي بالعيش الكدر.

وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في شهر رمضان قدمي غداءك المبارك وقالت ربما لم يكن إلّا تمرتين.

وروى عبد الله بن مسلمة عن مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فسألهما فقال: «ما أخرجكما» ، فقالا: الجوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا أخرجني الجوع» ، فذهبوا إلى أبي الهيثم بن التيهان فأمر له بحنطة أو شعير عنده يعمل وقام فذبح لهم شاة، فقال له: نكب عن ذات الدّر «10» واستعذب لهم ماء علق على نخلة

__________

(9) يأكل الخشب: أي الطعام القاسي الجافي مع أن التنعم بإمكانه.

(10) ذات الدر: التي يعيشون من لبنها.

ثم أوتوا بذلك الطعام فأكلوا منه وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لتسألن عن نعيم هذا اليوم» ، ثم ملكوا الدنيا فرفضوها واقتنعوا بالبلاغة فيها «11» .


ملف pdf

كلمات دليلية: