زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وإبطال عادة التبني_19621

زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش وإبطال عادة التبني


قصة زينب بنت جحش

أمّا زينب بنت جحش، وما أضفى بعض الرواة وأضفى المستشرقون والمبشرون عليها من أستار الخيال حتى جعلوها قصة غرام ووله، فالتاريخ الصحيح يحكم بأنها من مفاخر محمد، وأنه، وهو المثل الكامل للإيمان، قد طبّق فيها حديثه الذي معناه: لا يكمل إيمان المرء حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه؛ وقد جعل نفسه أول من يضرب المثل لما يضع من تشريع يمحو به تقاليد الجاهليّة وعاداتها، ويقرّ به النظام الجديد الذي أنزل الله هدى ورحمة للعالمين. ويكفي لهدم كل القصة التي قرأت عنها من أساسها أن زينب بنت جحش هذه هي ابنة أميمة بنت عبد المطلب عمّة رسول الله عليه السلام، وأنها ربيت بعينه وعنايته، وأنها كانت لذلك منه بمقام البنت أو الأخت الصغرى وأنه كان يعرفها ويعرف أهي ذات مفاتن أم ليست كذلك قبل أن تتزوج زيدا.

وأنه شهدها في نموّها تحبو من الطفولة إلى الصّبا وإلى الشباب، وأنه هو الذي خطبها على زيد مولاه. إذا عرفت ذلك تداعت أمام نظرك كل تلك الخيالات والأقاصيص من أنه مرّ ببيت زيد ولم يكن فيه، فرأى زينب فبهره حسنها وقال: سبحان مقلب القلوب! أو أنه لمّا فتح باب زيد عبث الهواء بالستار الذي على غرفة زينب، فألفاها في قميصها ممددة وكأنها «مدام ركامييه!» فانقلب قلبه فجأة ونسي سودة وعائشة وحفصة وزينب بنت خزيمة وأم سلمة ونسي كذلك ذكر خديجة التي كانت عائشة تقول: إنها لم تجد في نفسها غيرة من أحد من نساء النبيّ ما وجدت من ذكر خديجة. ولو أن شيئا من حبها علق بقلبه لخطبها إلى أهلها على نفسه بدل أن يخطبها على زيد. وهذه الصّلة بين زينب ومحمد، وهذا التصوير الذي صوّرناها به، لا يدعان بعدهما لتلك القصة الخيالية التي يروون أيّ أساس من الحق أو أيّ حظّ في البقاء.

وماذا يثبت التاريخ أيضا؟ يثبت أن محمدا خطب إبنة عمته زينب على مولاه زيد؛ فأبى أخوها عبد الله بن

__________

(1) سورة النساء آية 3.

(2) سورة النساء آية 129.

جحش أن تكون أخته وهي قرشيّة هاشميّة وهي فوق ذلك ابنة عمة الرسول، تحت عبد رقّ اشترته خديجة ثم أعتقه محمد، ورأى في ذلك على زينب عارا كبيرا. وكان ذلك عارا حقّا عند العرب كبيرا. فلم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوّجن من موال وإن أعتقوا. لكن محمدا يريد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبيّة وحدها، وأن يدرك الناس جميعا أن لا فضل لعربيّ على أعجمي إلا بالتقوى. (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) «1» . وهو لا يرى أن يستكره لذلك امرأة من غير أهله. فلتكن زينب بنت جحش بنت عمته هي التي تحتمل هذا الخروج على تقاليد العرب، وهذا الهدم لعاداتها، معرضة في ذلك عما يقول الناس عنها مما تخشى سماعه. وليكن زيد مولاه الذي تبنّى، والذي أصبح بحكم عادات العرب وتقاليدها صاحب حق في أن يرثه كسائر أبنائه سواء، هو الذي يتزوّجها فيكون مستعدّا للتضحية التي أعدّ الشارع الحكيم للأدعياء الذين اتّخذوا أبناء. وليبد محمد إصراره على أن تقبل زينب ويقبل أخوها عبد الله بن جحش زيدا زوجا لها؛ ولينزل في ذلك قوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً) «2» .

لم يبق أمام عبد الله وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلا الإذعان؛ فقالا: رضينا يا رسول الله. وبنى زيد بزينب بعد أن ساق النبيّ إليها عنه مهرها. فلما سارت زينب إلى زوجها لم يسلس له قيادها ولا لان إباؤها، بل جعلت تؤذي زيدا وتفخر عليه بنسبها وبأنها لم يجر عليها رقّ، واشتكى زيد إلى النبيّ غير مرّة من سوء معاملتها إياه، واستأذنه غير مرّة في تطليقها، فكان النبي يجيبه: «أمسك عليك زوجك واتق الله» . لكنّ زيدا لم يطق معاشرة زينب وإباءها عليه طويلا فطلقها.

وكأن الشارع الحكيم قد أراد أن يبطل ما كانت تدين به العرب من التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها، ومن إعطاء الدعيّ جمع حقوق الابن، ومن إجرائهم عليه أحكامه حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا يجعل للمتبني واللصق إلا حقّ المولى والأخ في الدين. فنزله قوله تعالى: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) «3» . ومعنى هذا أنه يجوز للمدعي أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمن ادّعاه، ويجوز للمتبنيّ أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمتبنّاه. ولكن كيف السبيل إلى تنفيذ هذا؟ ومن من العرب يستطيعه وينقض به تقاليد الأجيال السالفة جميعا؟ إن محمدا نفسه، على قوّة عزيمته وعميق إدراكه لحكمة الله في أمره، قد وجد على نفسه الغضاضة في تنفيذ هذا الحكم بأن يتزوّج زينب بعد تطليق زيد إيّاها، نفوس العرب؛ وذلك ما يريده تعالى في قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) «4» .

,

كيف تزوج محمد من زينب

لكن محمدا كان القدوة في كل ما أمر الله به وما ألقي عليه أن يبلغه للناس؛ فلا يخشى ما يقول الناس في تزوجّه من زوج زيد مولاه، فخشية الناس ليست شيئا إلى جانب خشية الله بتنفيذ أمره، وليتزوج من زينب ليكون قدوة فيما أبطل الشارع الحكيم من الحقوق المقرّرة للتبني، والادّعاء. وفي ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) «5» .

__________

(1) سورة الحجرات آية 13.

(2) سورة الأحزاب آية 36.

(3) سورة الأحزاب آية 4.

(4) سورة الأحزاب آية 37.

(5) سورة الأحزاب آية 37.

هذه رواية التاريخ الصحيح في أمر زينب بنت جحش وزواج محمد منها. فهي ابنة عمّته يراها ويعرف مبلغ جمالها قبل أن تتزوج زيدا، وهو الذي خطبها على زيد، وهو كان يراها بعد أن تزوّجت زيدا أن لم يكن الحجاب معروفا يومئذ. على أنه كان من شأنها، بحكم صلة القرابة من ناحية، وأنها زوج دعيّه زيد من ناحية أخرى، أن تتّصل به لمصالحها ولتكرار شكوى زيد منها.

وقد نزلت هذه الأحكام جميعا، فأيدها ما حصل من زواج زيد لزينب وتطليقه إيّاها وزواج محمد منها بعد ذلك؛ هذه الأحكام التي ترفع المعتق إلى مكانة الحرّ الشريف، والتي تبطل حقوق الأدعياء وتقضي عليها بصورة عملية لا محل للبس ولا لتأويل بعدها. أفيبقى بعد ذلك أثر هذه الأقاصيص التي يكرّرها المستشرقون والمبشرون، ويردّدها موير وإرفنج وسبرنجر وفيل ودرمنجم ولا منس وغيرهم ممن تناولوا كتابة حياة محمد؟! ألا إنها شهوة التبشير المكشوف تارة والتبشير باسم العلم أخرى، والخصومة القديمة للإسلام خصومة تأصّلت في النفوس منذ الحروب الصّليبيّة، هي التي تملي على هؤلاء جميعا ما يكتبون وتجعلهم في أمر أزواج النبي، وفي أمر زواجه من زينب بنت جحش خاصة، يتجنون على التاريخ، ويتلمّسون أضعف الروايات فيه مما دسّ عليه ونسب إليه.



كلمات دليلية: