رفقًا بالقوارير.. كيف تعامل الرسول مع زوجاته؟

يف تعامل الرسول مع زوجاته

كانت آخر وصايا الحبيب محمد: « استوصُوا بالنساءِ ، فإنَّ المرأةَ خُلقتْ من ضِلعٍ ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضِّلعِ أعلاه ، فإن ذهبتَ تقيمُه كسرتَه ، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ ، فاستوصُوا بالنِّساءِ» [البخاري: 3331]

وللمؤمنين في رسولهم أسوة حسنة،  فقد كان خلقه القرآن، ومن أراد التشبه بالنبي فعليه مراجعة سيرته، وقد كان الحبيب ألين الناس وأكرمهم وأوصلهم للقربى وألطفهم في المعشر، بشهادة زوجاته، بل كان في خدمة أهله وهو الذي تدين له القبائل والبلاد، وكان طلق الوجه ليس عبوسا، دائم النصح، ينادي كل منهن باسم تحبه فيقول لعائشة "يا عائش".

ورغم ما لاقته أمهات المؤمنين نساء النبي من خشونة العيش؛ فكان فراش الرسول من أدم وحشوه ليف، كما عانين من قلة الزاد والمتاع فكانت السيدة عائشة تقول: ما شبع آل محمد من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض [رواه البخاري]

 

لكنهن جميعا لما نزلت الآية القرآنية التي تخيرهن في البقاء بهذا الوضع واختيار الدار الآخرة، أو تفضيل الدنيا ومفارقة النبي.. اخترن جميعا صحبة النبي، ولم يكن ذلك إلا لما وجدنه من تعويض معنوي مشبع للنفس الطاهرة من خلقه الجميل، عن أي زائل من متاع الدنيا.

الرفق بالنساء


-أكمل المؤمنين: جاء عن النبي أن «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا . وخيارُكم خيارُكم لنسائهم» رواه الترمذي

عدم التعدي: لم يؤذِ صلى الله عليه وسلم أحدًا من زوجاته أو يضربها، وفي ذلك تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكُ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [ابن ماجة: 1627]


- مخافة الله في النساء: يقولالنبي: «.. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ( أي:غير شديد بحيث لا يكسر عظما ولا يسيل دما ولا يترك أثرا) » [الترمذي: 3087]


-حق المرأة: عن أبي حكيم القشيري: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» [أبوداود: 2142]


-الاغتسال: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمرأةُ من نسائِه «يَغتسِلانِ من إناءٍ واحدٍ» [البخاري: 264]

-رفقا بالقوارير: وكان النبي في السفر قد قال لأنجشة حادي الإبل: «رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ» [مسلم: 2323]

قال العلماء: سمَّى النساءَ قواريرَ؛ لضعف عزائمهن، تشبيهًا بقارورة الزجاج لضعفها، وإسراع الانكسار إليها» [شرح النووي على مسلم].


-إتاحته اللهو البريء : تقول أُمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: « َكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ - أَيْ يَتَغَيَّبْنَ مِنْهُ- فيُسرِّبُهُنَّ إليَّ؛ فَيَلْعَبْنَ مَعِي» [مسلم: 2440]


-مسابقة مع عائشة: اصطحب رسول الله زوجته عائشة -رضي الله عنها- في أحد أسفاره وكانت ما تزال صغيرة: فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: «تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ» فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: «تَقَدَّمُوا» فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ» فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: «هَذِهِ بِتِلْكَ» [الألباني: 5/327]


-مناداته لزوجاته :كان الحبيب ينادي زوجاته بتودد، فيقول لعائشة: «يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ...» [البخاري: 3768] وكان ينعتها بالحميراء أي البيضاء بلسان العرب القدامى.

النبي في خدمة أهله! 

كثيرا ما تعاني النساء من عدم مساعدة أزواجهن؛ لكن الحبيب لم يكن إلا عونا لأهله على كثرة أعبائه

-مهنة أهله: سُئلت عائشة -رضي الله عنها-: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَيْهَا » [البخاري: 676]

- خياطة ثوبه: و قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ» [الألباني: 4937]


-العون والسند: كان النبي يجعل نسائه تتكئن على رجله لركوب البعير، وجاء في الحديث أن السيدة صفية جلس لها النبي عند بعيره «فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ» [البخاري: 2893]

صبر النبي وحلمه

حلم النبي: كان صلى الله عليه وسلم يسمح لبعض نسائه بأن تراجعنه في قرار اتخذه بل وتهجره ليلة إن غضبت، وقد علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك من ابنته حفصة زوج النبي.[رواه الترمذي 3318، بتصرف]

ملاطفة في الغضب: وكان النبي يلاطف زوجته حين غضبها فيقول: «إني لأعلمُ إذا كنت عني راضيةً ، وإذا كنت عليّ غضبى . قالت فقلتُ : ومن أين تعرفُ ذلك ؟ قال : أما إذا كنت عني راضيةً ، فإنك تقولين : لا . وربِّ محمدٍ ! وإذا كنتِ غضبى ، قلت : لا . وربِّ إبراهيمَ ! قالت : قلتُ : أجل . واللهِ ! يا رسولَ اللهِ ! ما أهجر إلا اسمك» [رواه مسلم 2439، من حديث عائشة]


إن كره طبعها: كان الحبيب يعلم أصحابه بألا يكرهن نسائهن بسبب إحدى الخصال فيهن فيقول: «إن سخط منها خلقا، رضي منها آخر» [رواه مسلم1469]

عبادته مع نسائه

-الصلاة إلى جوار المرأة: تقول السيدة عائشة: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا» [البخاري: 513]

وتقول السيدة ميمونة: « كان فِراشي حيالَ مصلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فربما وقع ثوبُه عليَّ وأنا على فِراشي»[البخاري: 517]


-إيقاظه أهله للصلاة: يقول الحبيب:« إذا استيقظ الرجلُ من الليلِ و أيقظ أهلَه و صلَّيا ركعتَين كُتِبا من الذّاكرين اللهَ كثيرًا و الذَّاكراتِ» [النووي: تحقيق رياض الصالحين : 402] وكان صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضان للصلاة

التطيب

 كان الحبيب دائم التطيب وله « سُكَّةٌ (أي:طيب)يَتَطَيَّبُ مِنْهَا» [أبوداود: 4162]

وورد عن الحبيب قوله: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» [الألباني: 1/481]

مراعاته لمشاعر نسائه


-مشاعر السيدة سودة: جمع النبي بين فلقتي صحفة (تشبه طبق الطعام) كانت السيدة أم سلمة قد جاءت بها للنبي ثم كسرتها السيدة عائشة دون قصد بحجر كان معها، فأبدل النبي بين الصحفتين كي لا تحزن أم سلمة، وقال لنسائه بعد أن جمع بينهما بيده: «كُلُوا، غَارَتْ أُمُّكُمْ».. مَرَّتَيْنِ، [النسائي: 3966]


-حيض المرأة: تصف السيدة عائشة -رضي الله عنها- كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ وينام على حِجْرها وهي حائض، فتقول: «كَانَ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» [البخاري 297] .


وفي حديث آخر تروي لنا « كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ- صلى الله عليه وسلم ،فيَضَعُ فاه على موضِعِ فيَّ، فيشرب، وأَتَعَرَّقُ العَرَقَ وأنا حائضٌ ، ثم أُنَاوِلُه النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فيَضَعُ فاه على مَوضِعِ فيَّ . ولم يَذْكُرْ زُهَيْرٌ :فيَشْرَبُ» [مسلم: 300].

 

عدل النبي مع زوجاته

 

-كان رسول الله يساوي بين زوجاته في كل شيء، وإذا أراد السفر أجرى قرعة بينهن، وإذا جاءته هدية وزعها عليهن بالتساوي، ومن ذلك رواية أم سليم عن النبي لما جاءه تمر فبعث لبعض أزواجه بقبضة من يده، وظل يفعلها حتى تبقى بعضها فجلس يأكل منه.


-مروره عليهن في الليلة، وعدله بينهن في المبيت: ]أبوداود: 2135[


-حتى في محبته سعى النبي للعدل، وعَنْ عَائِشَةَ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ». يَعْنِي الْقَلْبَ» [ابن كثير: 2/382]

بر النبي بزوجاته


-بره بخديجة: تقول السيدة عائشة: ما غرتُ على نساءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا على خديجةَ . وإني لم أُدركها . ولما أغضبته يوما قال لها «إني قد رُزِقْتُ حُبَّها » . [مسلم: 2435]


- وقد غضب النبي حين قالت السيدة عائشة عن الراحلة السيدة خديجة «قد أبدلك الله خيرا منها» مشيرة لكبر سنها، البخاري: 3821، ورد عنها النبي قائلا: ما أبدَلَني اللَّهُ خيرًا مِنها وقد آمنتْ بي إذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ وصدَّقَتني إذْ كَذَّبَني وآستْنِي بمالها إذْ حرَمَنِيَ النَّاسُ ورزَقَنيَ اللَّهُ وَلدَها إذ حَرمَني أولادَ النِّساءِ أيضًا [ ابن كثير: 3/126]


-حبه لعائشة: وقد سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه قائلًا: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ -فأجابه بكل صراحة ووضوح- قائلاً: «عَائِشَةُ» فقال: وَمِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَبُوهَا» [البخاري: 4358]


وصدق الحبيب إذ قال «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» [الترمذي: 3895]