رضاعه في بني سعد_2698

رضاعه في بني سعد


فيما يتصل برضاعه

وقد ذكروا إن أول من أرضعته من المراضع- بعد أمه صلى الله عليه وسلم- ثويبة مولاة أبي لهب، وكان ذلك بلبن ابن لها يقال له: مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

وكانت السيدة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية- أم رسول الله من الرضاعة- تذكر أنها خرجت في طلب مرضع مع زوج، وابن لها صغير ترضعه، مع جملة من نساء ينتسبن لبني سعد بن بكر، لطلب الرضعاء في سنة تذكر أنها كانت سنة جدب وقحط، على أتان لها ومعها ناقة كبيرة السن قد جف ضرعها من شدة القحط وقحط السنة، وكان صوت صبيها يتعالى من بكائه من شدة الجوع وخواء ثديها مما يرويه، وجفاف ضرع ناقتها، وذلك المركب الذي امتطوه يتباطأ بهم عن السير، لما يجده من الجوع. ذلك حال أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، تصفه بنفسها عند ما جاءت لتطلب الرضعاء، وتذكر هذه السيدة أنه ما منهن امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، نظرا لما كنّ يؤمّلنه من نوال والد الصبي، فذلك عائد المطلوب لهن، فكن يقلن: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكرهن الرضى به لذلك، وحظيت نسوة بني سعد برضعاء، خلا السيدة حليمة، فكرهت السيدة حليمة الرجوع من بين صواحبها، فعادت إلى ذلك الصبي اليتيم، بعد ما كانت قد أجمعت على الانطلاق، فقال لها زوجها: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! فذهبت إليه فأخذته، وما حملها على أخذه سوى عدم وجود غيره، فأخذته ورجعت به إلى رحلها، ووضعته في حجرها، فأقبل على ثديها، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، ولعلك تذكر أن صوت أخيه كان يتعالى بالبكاء، فيطرد من أجفان والديه النوم. وأعجب من ذلك أنها نهضت لناقتها تلك التي كان ضرعها جافا في مقدمها لطلب الرضعاء، فإذا بهذا الضرع يدر اللبن، فشربت وزوجها حتى انتهيا وقد صدرا عن الضرع ريا وشبعا وباتا بخير ليلة.

فأخبرها زوجها بأنها حظيت بنسمة مباركة، إذ لم تكن السيدة حليمة يوما تطمع في أن تذكر هذا الذكر بين الناس، وأن تحظى بذلك التشريف، فحسبها من شرف أنها أمه، وشيء آخر هو أن أرض بني سعد ما كان أجدب منها أرض في ذلك العام، فكانت أغنام بني سعد تروح جياعا، وأغنام هذه السيدة تروح شباعا.

وانتشر ذكر بني سعد بين الناس إلى اليوم، لتشرّفهم بإرضاع النبي صلى الله عليه وسلم وحسبهم من شرف ما كان

يقوله محمد صلى الله عليه وسلّم لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشي، واسترضعت من بني سعد بن بكر» .

وإخوته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة من بني سعد (عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وحذافة أو جذامة بنت الحارث، الملقبة بالشيماء، تلك التي كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

وحمزة بن عبد المطلب عمه صلى الله عليه وسلم أخو النبي من الرضاعة من وجهين، من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية. وقد بقي الرسول صلى الله عليه وسلم مع بني سعد حتى إذا كانت السنة الرابعة أو الخامسة من مولده، وقع حادث شق صدره، ففي مسلم عن أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون، وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه، فكان عند أمه.

,

جماع أبواب رضاعه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا

,

الباب الأول في مراضعه صلى الله عليه وسلم

جملة من قيل إنهن أرضعنه صلى الله عليه وسلم عشر نسوة.

الأولى: أمه صلى الله عليه وسلم أرضعته سبعة أيام. ذكر ذلك جماعة منهم صاحب المورد والغرر.

الثانية: ثويبة [ (1) ] بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية بعدها ياء موحدة أرضعته بلبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة ثم راء مضمومة وآخره حاء مهملة. قال ابن منده: اختلف في إسلامها وقال أبو نعيم لا أعلم أحدا ذكر إسلامها إلا ابن منده. قال الحافظ: وفي باب من أرضع النبي صلى الله عليه وسلم من طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم، ولكنه لا يدفع نقل ابن مندة به. انتهى.

وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: لا نعلم أنها أسلمت. وقال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على إسلام ابنها مسروح وهو محتمل. انتهى.

فأرضعته صلى الله عليه وسلم أياماً حتى قدمت حليمة، وكانت ثويبة [ (1) ] أرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد، وكانت مولاة أبي لهب.

روى عبد الرزاق والإسماعيلي [ (2) ] والبخاري في كتاب النكاح في باب «وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» عن عروة: ثويبة مولاة أبي لهب، كان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلّم،

__________

[ (1) ] ثويبة التي أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم وهي مولاة أبي لهب.. ذكرها ابن مندة وقال اختلف في إسلامها وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا أثبت إسلامها انتهى. وأخرج ابن سعد من طريق برة بنت أبي تجرأة إن أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة بلبن ابن لها يقال له مسروح أياما قبل أن تقدم حليمة وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة بن عبد الأسد. ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر. الإصابة 8/ 36.

[ (2) ] أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس، أبو بكر الإسماعيلي الفقيه الحافظ. أحد كبراء الشافعية فقها وحديثا وتصنيفا، رحل وسمع الكثير وصنف الصحيح والمعجم ومسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلدات، أجاد فيه وأفاد. أخذ عنه الفقه ابنه أبو سعد وفقهاء جرجان. قال الشيخ أبو إسحاق: جمع بين الفقه والحديث ورئاسة الدين والدنيا. قال الذهبي: رأيت له مجلدا من مسند كبير إلى الغاية من حساب مائة مجلد أو أكثر. توفي في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وله أربع وسبعون سنة. الطبقات لابن قاضي شهبة 1/ 136، 137، والأعلام 1/ 83، والأنساب 1/ 239.

فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة فقال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم. زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلي: لم ألق بعد رخاءً.

وحذف المفعول في جميع روايات البخاري. «غير أني سقيت في هذه» زاد عبد الرزاق- وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه بعتاقتي ثويبة.

وذكر السهيلي وغيره إن الرائي له أخوه العباس، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر: أن أبا لهب قال للعباس، إنه ليخفّف علي في يوم الاثنين. قالوا: لأنه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أعتقها من ساعته، فجوزي بذلك لذلك.

قال في الغرر: واختلفوا متى أعتقها. فقيل: أعتقها حين بشّرته بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو الصحيح. وقيل إن خديجة سألت أبا لهب في أن تبتاعها منه ليعتقها فلم يفعل. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب. وهو ضعيف. انتهى.

وقال الحافظ: واستدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، وهو مردود بظاهر قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً لا سيما والخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدّثه به. وعلى تقدير أن يكون موصولاً فلا يحتجّ به.

إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي، لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم مخصوصاً من ذلك، بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح.

قلت: وعلى هذا الاحتمال جرى جمع كما سبق، نقل ذلك عنهم. قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار ولا دخول الجنة، ويجوز أن يخفّف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات.

وأما عياض رحمه الله تعالى فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدّ عذاباً من بعض، قال الحافظ:

وهذا لا يردّ الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، وأما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه.

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا التخفيف خاص بهذا أو بمن ورد النصّ فيه.

وقال ابن المنير [ (1) ] رحمه الله تعالى في الخامسة: هما قضيتان إحداهما محال، وهي

__________

[ (1) ] أحمد بن محمد بن منصور: من علماء الإسكندرية وأدبائها. ولي قضاءها وخطابتها مرّتين. له تصانيف، منها «تفسير» و «ديوان خطب» و «تفسير حديث الإسراء» على طريقة المتكلمين. و «الانتصاف من الكشاف» وله نظم. توفي سنة 683 هـ. انظر الأعلام 1/ 220، وفوات الوفيات 1/ 72.

اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح، وهذا مفقود من الكافر.

الثانية: إثبات ثواب على بعض الأعمال تفضلاً من الله تعالى وهذا لا يحيله العقل، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبي لهب لثويبة قربة معتبرة، ويجوز أن يتفضل الله تعالى عليه بما شاء كما تفضل علي بن أبي طالب، والمتبع في ذلك التوقيف نفياً وإثباتاً.

وقال الحافظ: وتتمة هذا أن يقع التفضّل المذكور إكراماً لمن وقع من الكافر البرّ له ونحو ذلك.

حيبة: بحاء مهملة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة وفي لفظ عند السّهيلي بالخاء المعجمة المفتوحة.

عتاقتي: بفتح العين المهملة: أحد مصادر عتق العبد الذي هو فعل لازم وإنما عبّر في هذا الحديث بالعتاقة دون الإعتاق وإن كان المناسب الإعتاق لأنها أثره: فلذلك أضافها إلى نفسه بقوله: عتاقتي. قاله الترمذي في شرح العمدة.

النقرة: قال ابن بطال رحمه الله تعالى: يعني أن الله سقاه ما في مقدار نقرة إبهامه لأجل عتق ثويبة. كما ذكر في حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار لا في النار، بسبب حفظه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف أبي لهب فإنه كان يؤذيه فكان نصيبه من الرفق والرحمة دون أبي طالب. قال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذا مد إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء بقدر ما يسع تلك النقرة نقل ذلك في غريبي الهرويّ.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وخديجة يكرمان ثويبة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة حتى ماتت بعد فتح خيبر، فسأل عن ابنها مسروح فقيل قد مات فسأل عن قرابتها فقيل لم يبق منهم أحد.

الثالثة: امرأة من بني سعد غير حليمة. روى ابن سعد عن ابن أبي مليكة [ (1) ] رحمه الله تعالى أن حمزة كان مسترضعاً له عند قوم من بني سعد بن بكر، وكانت أم حمزة قد أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند أمه حليمة.

الرابعة: خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عدي بن النجار، أم بردة الأنصارية، ذكر الإمام أبو الحسن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم المعروف بابن الأمين أنها أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ذكرها العدوي وتابعه في العيون والمورد، وهو وهم إنما أرضعت

__________

[ (1) ] عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، بالتصغير، ابن عبد الله بن جدعان، يقال اسم أبي مليكة، زهير التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة. التقريب 1/ 431.

ولده صلّى الله عليه وسلم إبراهيم. كما ذكر ابن سعد وأبو عمر وغيرهما وعليه جرى الحافظ في الإصابة كما رأيته بخطه. ونصه بعد أن ساق نسبها: مرضعة ابن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا هو الصواب. خلافاً لما في بعض النسخ السقيمة من إسقاط ابن ولم أر من نبه على ذلك ثم بعد مدة رأيت القاضي عز الدين بن القاضي بدر الدين بن جماعة رحمهما الله تعالى ذكر في سيرته المختصرة أن ابن الأمين وهم في ذكرها في الرضاع وأن بعض العصريين حكوا ذلك عنه من غير تعقب. انتهى فسررت بذلك وحمدت الله تعالى.

الخامسة (6) : أم أيمن بركة ذكرها القرطبي. والمشهور أنها من الحواضن لا من المراضع.

السادسة والسابعة والثامنة: قال أبو عمر رحمه الله تعالى: أنه صلى الله عليه وسلم مر به على نسوة ثلاثة من بني سليم فأخرجن ثديّهن فوضعنها في فيه فدرّت عليه. ورضع منهن.

التاسعة: أم فروة ذكرها المستغفري. ثم

روي عن ابن إسحاق عن أم فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فإنها براءة من الشّرك» قال أبو موسى المديني رحمه الله تعالى: اختلف في راوي هذا الحديث. فقيل فروة. وقيل أبو فروة وقيل أم فروة وهذا أغرب الأقوال.

قال الحافظ في الإصابة: بل هو غلط محض وإنما هو أبو فروة وكأن بعض رواته لمّا رأى عن أبي فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلّم ظنه خطأ والصواب أم فروة فرواه على ما ظن فأخطأ هو واسم الظّئر لا يختص بالمرأة المرضعة بل يطلق على زوجها أيضاً. وقد أخرجه أصحاب السنن الثلاثة من طرق عن ابن إسحاق عن فروة بن نوفل عن أبيه. وهكذا أخرجه أبو داود والنسائي من رواية إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق مجرداً وفيه على أبي إسحاق اختلاف. وهذا هو المعتمد.

انتهى.

العاشرة: حليمة بنت أبي ذؤيب بذال معجمة، ابن عبد الله بن سجنة بسين مهملة مكسورة فجيم ساكنة فنون مفتوحة. ابن رزام براء مكسورة ثم زاي، ابن ناصرة بن فصيّة بالفاء تصغير فصاه وهي النواة من التمر، ابن سعد بن بكر بن هوازن. كذا قاله ابن إسحاق. وقال ابن الكلبي: اسم أبي ذؤيب الحارث بن عبد الله بن سجنة. قال البلاذري: وهو الثبت. قال النووي رحمه الله تعالى: كنية حليمة أم كبشة اسم أبيه الذي أرضعه الحارث بن عبد العزّى.

,

الباب الرابع في سياق قصة الرضاع وما وقع فيها من الآيات

روى ابن إسحاق وابن راهوية وأبو يعلى والطبراني وابن حبان رضي الله عنهم عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: حدثتني حليمة، والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفي سنده من تكلّم فيه لكن لأكثره شاهد قويّ والبيهقي عن الزهري وأبو يعلى وأبو نعيم عن شداد بن أوس مرفوعاً مختصراً، والإمام أحمد والدارميّ عن عتبة بن عبد الله مرفوعاً مختصراً، وأبو نعيم عن بريدة، وابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدي وابن سعد عن زيد بن أسلم- رضي الله عنهم- أن حليمة قالت:

قدمت على أتان لي قمراء قد أزمّت بالرّكب حتى شقّ ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً ومعي صبيّ لنا وشارف لنا والله ما تبضّ بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع، [من] [ (1) ] صبيّنا ذاك لا يجد في شارفنا ما يكفيه ولا في ثديي ما يغنيه فقدمنا مكة.

وذكر العوفي رحمه الله تعالى أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة مكة هاتفاً يقول:

إن ابن آمنة الأمين محمّداً ... خير الأنام وخيرة الأخيار

ما إن له غير الحليمة مرضعٌ ... نعم الأمينة هي على الأبرار

مأمونةٌ من كلّ عيبٍ فاحش ... ونقيّة الأثواب والأزرار

لا تسلمنه إلى سواها إنّه ... أمرٌ وحكمٌ جا من الجبّار

قالت: فو الله ما علمت امرأةً منا إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها بأنه يتيم، وذلك أنّا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبيّ، فكنا نقول يتيم ما عسى تصنع أمه وجده. فكنا نكرهه لذلك. فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه. فذهبت فأخذته فجئت به رحلى. فقالت آمنة: يا حليمة قيل لي ثلاث ليال: استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر ثم في آل أبي ذؤيب. قالت حليمة:

فإنّ زوجي أبو ذؤيب. وإنها أخبرتها بما رأت في حمله صلى الله عليه وسلم وحين وضعته.

قالت حليمة: فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي. بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روي ثم شرب أخوه حتى روي ثم ناما. وقام زوجي إلى شارفنا فإذا إنها لحافل، فحلب

__________

[ (1) ] سقط في أ.

فشرب وشربت حتى انتهينا، وبتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلّمي يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمةً مباركة ألم ترى إلى ما بتنا فيه الليلة من الخير والبركة حين أخذناه؟ قلت:

والله إني لأرجو ذلك.

وفي حديث إسحاق بن يحيى عند ابن سعد أن اليهود مرّوا على حليمة فقالت: ألا تحدّثوني عن ابني هذا فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت أمّه. فقال بعضهم لبعض: اقتلوه فقالوا أيتيم هو؟ قالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً قتلناه.

قالت: ثم رجعنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت أتاني بالرّكب حتى ما يتعلق بها حمار، حتى إن صواحبي ليقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك! أربعي علينا أهذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي فيقلن: والله إنّ لها لشأناً.

وفي حديث الزّهري أن حليمة نزلت به صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ فرآه كاهنٌ من الكهان فقال:

يا أهل سوق عكاظ: اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكاً. فزاغت به حليمة فأنجاه الله تعالى منهم.

ثم قدمنا أرض بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله تعالى أجدب منها، فكانت غنمي تسرح ثم تروح شباعاً لبّنا فنحلب ونشرب وما يحلب إنسانٌ قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعاتهم: ويحكم انظروا حيث تسرح غنم حليمة فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعاً ما فيها قطرة لبن وتروح غنمي شباعاً لبّناً.

قالت: ولما دخلت به إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته صلى الله عليه وسلم في قلوب الناس حتى إنّ أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ سريعاً بإذن الله تعالى. وكانوا إذا اعتلّ لهم بعير أو شاة فعلوا ذلك.

وروى أبو نعيم عن بعض من كان يرعى غنم حليمة أنهم كانوا يرون غنمها ما ترفع برؤوسها وترى الخضر في أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمنا على أن تربض ما تجد عوداً تأكله.

قالت حليمة: فلم يزل الله تعالى يرينا البركة ونتعرّفها، حتى بلغ صلى الله عليه وسلم سنتين، فكان يشبّ شباباً لا يشبه الغلمان.

وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم به حين فطمته: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا.

وروى أبو نعيم عن بعض رعاة حليمة قالوا: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين حين فطم

وكأنه أبن أربع سنين فقدموا به على أمه زائرين لها، وهم أحرص شيء على ردّه مكانه لما رأوا من عظم بركته، فلما كانوا بوادي السّرر لقيت نفراً من الحبشة فرافقتهم فسألوها فنظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً شديداً ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه وإلى حمرة في عينيه فقالوا:

هل يشتكي عينه؟ قالت: لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه. قالوا: والله نبي. انتهى.

قالت: فقدمنا به إلى أمه فلما رأته قلنا لها: اتركي ابننا عندنا هذه السّنة فإننا نخاف عليه وباء مكة. فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا.

وعند أبي نعيم عن بعض رعاة حليمة أنها مرت بذي المجاز وهي راجعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عرّاف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الحمرة بين عينيه وإلى خاتم النبوة صاح: يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلنّ أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم. فانسلّت به حليمة.

زاد ابن سعد: فجعل الهذلي يصيح: يا لهذيل يا لهذيل وآلهته إنّ هذا لينتظر أمراً من السماء. وجعل يغري بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينشب أن دله فذهب عقله حتى مات كافراً.

فأقمنا شهرين أو ثلاثة، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم.

وفي حديث الزهري عند ابن سعد قال: كانت حليمة لا تدع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب مكاناً بعيداً، فغفلت عنه يوما فخرج مع أخته الشّيماء في الظهيرة فخرجت حليمة تطلبه حتى وجدته مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ فقالت أخته: يا أمّه ما وجد أخي حراراً رأيت غمامة تظلّ عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلي هذا الموضع. قالت: حقّاً يا بنية؟

قالت: إي والله. انتهى.

فقال لي يوما: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار. قالت: يرعون بهماً غنماً لنا فيروحون من الليل إلى الليل. فقال: ابعثيني معهم. فكان صلى الله عليه وسلم يخرج مسروراً ويعود مسروراً. فلما كان يوماً من ذلك خرج. فلما انتصف النهار إذ جاءنا أخوه يشتدّ فقال: يا أبة ويا أمّة إلحقا أخي محمداً فما تلحقانه إلا ميّتاً. قلت: وما قصته قال: بينا نحن قيام إذ أتانا رجل فاختطفه من أوساطنا وعلا به ذروة جبل ونحن ننظر إليه حتى شق من صدره إلى عانته. وعند ابن إسحاق:

ورجلان عليهما ثياب بيض فشقّا بطنه فهما يسوطانه انتهى. وما أدري ما فعل.

فأقبلت أنا وأبوه نسعى سعياً فإذا به قاعداً على ذروة الجبل شاخصاً ببصره إلى السماء فنجده منتقعاً لونه فأكببت عليه وقبّلت بين عينيه وقلت: فدتك نفسي ما دهاك؟ قال: خيراً يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهطٌ ثلاث بيد أحدهم إبريق فضة وفي يد الثاني طست من زمّردة خضراء ملآن ثلجاً فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني إضجاعاً لطيفاً،

ثم شق أحدهم من صدري إلى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حساً ولا ألماً ثم أدخل يده في جوفي فأخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها ثم أعادها. كذا في حديث ابن عباس عند البيهقي، وشدّاد بن أوس عند أبي يعلى، وأبي نعيم.

وفي صحيح مسلم: فأتاه جبريل فأخذه فصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب، ثم شق القلب فاستخرج منه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله. ثم حشاه بشيء كان معه وردّه مكانه ثم ختمه بخاتم النبوة من نور. فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي. وقام الثالث فقال تنحّيا فقد أنجزتما ما أمركما الله تعالى به. ثم دنا مني فأمر يده من مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم الشق بإذن الله تعالى.

وفي حديث عبد الله بن عتبة: فأقبل إلي طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال: نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه: إيتني بماء ثلج فغسلا به جوفي. ثم قال: إيتني بماء برد فغسلا به قلبي. ثم قال إيتني بالسكينة فذراها في قلبي. ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضاً لطيفاً ثم قال الأول: زنه بعشرة من أمته فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنوني بهم فرجحتهم ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فجعلت أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخرّ عليّ بعضهم فرجحتهم، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم. ثم ضمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عينيّ ثم قالوا: يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرّت عيناك.

قالت حليمة: فأتيت به منازل بني سعد فقال الناس: اذهبوا به إلى الكاهن حتى ينظر إليه ويداويه. فقال: ما بي شيء مما تذكرون إني أرى نفسي سليمة، وفؤادي صحيح. فقال الناس أصابه لمم أو طائف من الجن. فغلبوني على أمري فانطلقت به إلى الكاهن فقصصت عليه القصة فقال: دعيني أنا أسمع منه فإن الغلام أبصر بأمره منكم، تكلّم يا غلام. فقصّ قصته عليه. فوثب الكاهن قائماً على قدميه ونادى بأعلى صوته: يا للعرب من شر قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فإنكم إن تركتموه وأدرك مدارك الرجال ليسفّهنّ أحلامكم وليكذّبن أربابكم وليدعونكم إلى ربّ لا تعرفونه ودين تنكرونه قالت: فلما سمعت مقالته انتزعته من يده وقلت لأنت أعته منه وأجنّ، ولو علمت هذا من قولك ما أتيتك به، اطلب لنفسك من يقتلك فإنا لا نقتل محمداً.

فأتيت به منزلي فما أتيت منزلا من منازل بني سعد إلا وقد شممنا منه ريح المسك، فقال الناس: يا حليمة ردّيه إلى جدّه واخرجي من أمانتك. وقال زوجي: أرى أن نردّه على أمه

لتعالجه، فو الله إن أصابه ما أصاب إلا حسداً من آل فلان لما يرون من عظيم بركته يا حليمة أخذناه ولنا أعنزٌ عجاف فهن اليوم ثلاثمائة.

قالت: فعزمت على ذلك. فسمعت منادياً ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة اليوم يردّ إليك النّور والدّين والبهاء والكمال فقد أمنت أن تخذلي أو تخزي أبد الآبدين.

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وزعم الناس فيما يتحدثون- والله تعالى أعلم- أن أمه السعدية لمّا قدمت به مكة أضلّها في الناس وهي مقبلة نحو أهله، فألتمسته فلم تجده فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلّني، فو الله ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يردّه صلى الله عليه وسلم عليه. زاد البيهقي رحمه الله تعالى: فقال عبد المطلب:

يا رب إن محمّداً لم يوجد ... فجمع قومي كلّهم مبدّد

زاد ابن سعد وابن الجوزي فقال عبد المطلب:

لا همّ ردّ راكبي محمدا ... اردده لي ثمّ اتّخذ عندي يدا

أنت الذي جعلته لي عضدا ... لا يبعد الدّهر به فيبعدا

أنت الذي سمّيته محمدا

فسمع هاتفاً من السماء: أيها الناس لا تضجّوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربّا لن يخذله ولن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسار فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يجذب غصناً من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

قال: وأنا جدّك فدتك نفسي. واحتمله وعانقه وهو يبكي ثم رجع إلى مكة وهو قدّامه على قربوس فرسه فاطمأنت قريش، ونحر عبد المطلب عشرين جزوراً وذبح الشّياه والبقر وأطعم أهل مكة من ذلك. انتهى.

قالت حليمة: فقالت أمه: ما ردّكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ قلنا: نخشى الأتلاف والأحداث فقالت: ما ذاك بكما أصدقاني شأنكما. فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره.

فقالت: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، والله إنه لكائن لا بني هذا شأن، ألا أخبركما خبره؟ قلنا: بلى. قالت: حملت به فما حملت حملاً قط أخفّ منه، فأريت في النوم حين حملت به خرج منّي نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام، ثم وقع حين ولدته وقعاً ما يقعه المولود، معتمداً على يديه رافعاً رأسه إلى السماء.

قالت حليمة: وحدثت عبد المطلب حديثه كله فقال: يا حليمة إن لابني هذا شأناً

وددت أني أدرك ذلك الزمان، ثم جهّزني عبد المطلب أحسن جهاز وصرفني إلى منزلي بكل خير.

وذكر ابن المعلّى الأزدي رحمه الله تعالى في كتاب «الترقيص» إن من شعر حليمة مما كانت ترقّص به النبي صلى الله عليه وسلم:

يا ربّ إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا ورقّه

وادحض أباطيل العدا بحقّه

وذكر ابن سبع رحمه الله تعالى أن حليمة قالت: كنت أعطيه صلى الله عليه وسلم الثدي فيشرب منه ثم أحوّله إلى الثدي الأيسر فيأبى أن يشرب منه. قال بعضهم: وذلك من عدله صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن له شريكاً في الرضاعة. وكان صلى الله عليه وسلم مفطوراً على العدل مجبولاً على جميل المشاركة والفضل صلى الله عليه وزاده فضلا وشرفا لديه.

قال العزفيّ: رحمه الله تعالى: كان النساء يرين إرضاع أولادهن عاراً عليهن. وقال غيره: لينشأ غريباً فيكون أنجب للغلام وأفصح له. وقال آخر: كان عادة العرب أن تفعل ذلك لتفرغ النساء للأزواج وهو منتفٍ هنا لأن أباه توفي وهو حمل على الصحيح.

قال الواقدي رحمه الله تعالى: وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: رجع صلى الله عليه وسلم إلى أمه وهو أبن خمس سنين. وكان غيره يقول: رجع إليها وهو ابن أربع سنين.

وذكر الأموي- رحمه الله تعالى- أنه صلى الله عليه وسلم رجع وهو ابن ست سنين تزيره جدّه في كل عام، ولم تره بعد أن ردّته إلا مرتين إحداهما بعد تزويج خديجة، جاءته صلى الله عليه وسلم تشكو إليه السّنة وأن قومها قد أسنتوا فكلّم لها خديجة فأعطتها عشرين رأساً من غنم وبكرات. والمرة الثانية يوم حنين.

لقد بلغت بالهاشميّ حليمةٌ ... مقاماً علا في ذروة العزّ والمجد

وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عمّ هذا السّعد كلّ بني سعد

ويرحم الله تعالى العلامة بن جابر حيث قال:

بخير الخلق يشرح كلّ صدرٍ ... وعند الله حاز أجلّ قدر

بشقّ الصّدر خص كشقّ بدرٍ ... كما خصّ الكليم بشقّ بحر

وسعي الدّوح جاء لدفع شكٍ ... كسعي عصا الكليم لدفع سحر

له الشّرفان من عمٍّ وخال ... ففاق المرسلين بكلّ عصر

بدا من خير بيتٍ في قريشٍ ... وأرضع في بني سعد بن بكر

فضمّ إلى فصاحة آل سعدٍ ... سماحة هاشمٍ وجلال فهر

لقد سعدت حليمة حيث حازت ... رضاعته ونالت كلّ فخر

فدرّ عليه منها الثّدي حالاً ... ولم يك قبل ذا يشفي بدّرّ

وأعلم أنّه لأخيه حقٌّ ... فغادر ثديها الثّاني بوفر

وشارفها جرت لبناً فأروت ... وكانت لا تبضّ [ (1) ] لهم بقطر

وأسرعت الأتان [ (2) ] به نهوضاً ... فأعجب كل من في الرّكب يسري

وكانت من وراء القوم ضعفاً ... فصارت عن أمام القوم تجري

فقالوا إنّ لابنك ذا لشأناً ... أخذت مباركاً فثقي بيسر

وكان يشبّ في شهرٍ كعامٍ ... إذا اعتبروا وفي يومٍ كشهر

ويصبح دون صبيتهم دهيناً ... كحيلاً طيّباً من غير عطر

وكانوا في أشدّ الأرض جدباً ... فعمّ القطر منها كل قطر

وخلف بيوتهم جبريل وافى ... فشقّ الصّدر منه بغير ضرّ

وألقى مغمز الشّيطان منه ... فطهّره فنال أتمّ طهر

حشا منه الحشا علماً وحلماً ... وإيماناً على ورعٍ وصبر

وأكرمه الإله بشقّ صدر ... ووضع الوزر عنه ورفع ذكر

فكان رضاً بلا سخطٍ وبذلاً ... بلا بخلٍ وخيراً دون شرّ

له خلق الملائك وهو خلقٌ ... من البشر الخصيص بكلّ بشر

إله العرش أرسله بشيراً ... نذيراً داعياً لهدىً ويسر

فأبدلنا بهديٍ بعد جهلٍ ... وعوّضنا بيسرٍ بعد عسر

عليه صلاة ربّ العرش تندى ... كما تندى الرّياض بكلّ فجر

يواصل عرفها [ (3) ] آلاً وصحباً ... كأنّ ثناهم نفحات زهر

والشرف البوصيري حيث قال:

وبدت في رضاعه معجزاتٌ ... ليس فيها عن العيون خفاء

إذ أبته ليتمه مرضعاتٌ ... قلن ما في اليتيم عنّا غناء

فأتته من آل سعدٍ فتاةٌ ... قد أبتها لفقرها الرّضعاء

أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانهنّ الشّياء

__________

[ (1) ] انظر الوسيط 1/ 60.

[ (2) ] الأتان: الأنثى من الحمير والجمع (آتن، أتن) المصباح المنير ص 3.

[ (3) ] العرف: الريح طيبة كانت أو خبيثة يقال: ما أطيب عرفه، وفي المثل: لا يعجر مسك السوء عن عرف السوء، اللسان 4/ 2900.

أصبحت شوّلاً [ (1) ] عجافاً وأمست ... ما بها شائلٌ ولا عجفاء

أخصب العيش عندها بعد محل ... إذ غدا للنبيّ منها غذاء

يا لها منّة لقد ضوعف الأج ... ر عليها من جنسها والجزاء

حيث أنبتت سنابل والضّع ... ف لديه يستشرف الضّعفاء

وإذا سخّر الإله أناساً ... لسعيدٍ فإنّهم سعداء

وأتت جدّه وقد فصلته ... وبها من فصاله البرحاء

إذ أحاطت به ملائكة اللّ ... هـ فظنّت بأنّهم قرناء

ورأى وجدها به ومن الوج ... د لهيبٌ تصلى به الأحشاء

فارقته كرهاً وكان لديها ... ثاوياً لا يملّ منه الثّواء

شقّ عن صدره وأخرج منه ... مضغةً عند غسله سوداء

ختمته يمنى الأمين وقد أو ... دع ما لم يذع له أنباء

صان أسراره الختام فلا ال ... فضّ ملمٌّ به ولا الإفضاء

ألف النّسك والعبادة وال ... خلوة طفلاً وهكذا النجباء

وإذا حلّت الهداية قلباً ... نشطت في العبادة الأعضاء



كلمات دليلية: