رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظام المالي والتكافل الاجتماعي

رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظام المالي والتكافل الاجتماعي

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) [التوبة: 103].

الزكاة نموذج واضح للتكافل الاجتماعي الذي جاء به الإسلام، ومن أروع الأحاديث التي تتصل بالتكافل الاجتماعي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» (رواه مسلم)

قَالَ الراوي: «فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ».

هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة

هديه صلى الله عليه وسلم في إخراج الزكاة أكمل الهدي في وقتها، وفي قدرها، وفي نصابها، وفي مصرفها، وقد راعى فيها صلى الله عليه وسلم مصلحة كل من أرباب الأموال والمساكين معًا.

توضح وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل-رضي الله عنه- حينما بعثه سفيرًا إلى اليمن أهمية الزكاة ومفهومها وعلى من تجب ولمن تجب، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إِنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتَرُدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِم...»
(رواه البخاري).

لقد أوضح حديثه صلى الله عليه وسلم مع معاذ ما للزكاة من أهمية؛ فقد ذكرها ترتيبًا بعد الشهادتين والصلاة.

وأوضح صلى الله عليه وسلم مفهوم الزكاة: أنها نظام للتكافل الاجتماعي، حيث تؤخذ من أغنياء البلد فتُرَدُّ على فقرائه، وأوضح أن الهدف ليس جمع المال فحسب، فقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المساس بنفائس أموال الناس وممتلكاتهم الخاصة إن هم أطاعوا بدفع المستحق من الزكاة، فالقضية ليست قضية جمع مال بقدر ما هي قضية عادلة (وضْعُ المال في مَوْضِعِه المُسْتَحَّقِ).

وقد فهم ذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث معاذٌ صلى الله عليه وسلم الصدقة من اليمن إلى عمر رضي الله عنه، أنكر عليه ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيًا ولا آخذَ جزيةٍ؛ ولكن بعثتُك لتأخُذَ من أغنياء الناس فتردَّ على فقرائهم!!.

النظام المالي والتكافل الاجتماعي في الإسلام نظام متكامل وليس أحكامًا متفرقة، اذكر أبعاد هذا التكافل التي تبين عظمة شرع الله.

أصناف المال التي تجب فيها الزكاة

جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم في أربعة أصناف من المال، وهي أكثر الأموال تداولًا بين الناس:

1. بهيمة الأنعام (الإبل، والبقر، والغنم).

2. الزروع والثمار.

3. الجوهران اللذان بهما قوام العالم وهما: (الذهب والفضة).

4. أموال التجارة، على اختلاف أنواعها.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم أوجبها مرةً واحدةً كُلَّ عامٍ، على الزروع والثمار عند كمالها ونضجها، أما الأموال فمرة واحدة كل عام، مراعيًا في ذلك مصلحة كل من أرباب الأموال والفقراء والمساكين؛ إذ وجوبها في أقل من ذلك يضر بأصحاب المال، ووجوبها في أكثر من ذلك يضر بالفقراء والمساكين؛ لذا جعلها كل عام مرة واحدة.

روى إبراهيمُ بنُ عطاءٍ (مولى عِمْرانَ بنِ حصينٍ)، عن أبيه: «أَنَّ زِيَادًا أَوْ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ بَعَثَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ، قَالَ لِعِمْرَانَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟! أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم».
(رواه أبو داود وابن ماجه).

توزيع الزكاة على المستحقين

وهم ثمانية أصناف بنص القرآن الكريم: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة: 60].

وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تفريق الزكاة على المستحقين الذين في بلد المال، ففقراء هذا البلد أَوْلى بزكاة أموال أغنيائهم من بلد آخر.

وهذا واضح في حديثه صلى الله عليه وسلم لمعاذ حينما أرسله إلى أهل اليمن: «.. فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتَرُدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ..» (رواه البخاري).

وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عَلِم من الرَّجُلِ فقرًا أعطاه الزكاةَ، أمَّا إنْ سأله أحدٌ من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، قال صلى الله عليه وسلم: «لَا حَظَّ فِي الزَّكَاةِ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ قَوِيِّ (أي: لا تصلح الزكاة لغني ولا لصحيح سويّ ولا لعامل قوي)» (رواه أبو داود والنسائي).

قال الله تعالى: (إنما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة: ٦٠].

الإنفاق منه الواجب كالزكاة، ومنه المستحب كالصدقة، بيِّن أثر هذا النوع من التكافل على المجتمع.

مراعاة مصلحة أرباب الأموال

رغم حثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة والبذل والإنفاق في سبيل الله في مواطن كثيرة، إلا إنه صلى الله عليه وسلم راعى مصلحة أرباب الأموال أيضًا!!

وعندما أخطأ كعب بن مالك -رضي الله عنه- بتخلفه عن جيش المسلمين الخارج إلى تبوك أراد أن يُكفِّر عن ذنبه بأن يتصدق بكل ماله. فنجده صلى الله عليه وسلم يقول: له: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». (رواه البخاري).

راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف مصلحة كَعْب بن مالك من كعب نفسه! فكان أرحم بعيال كَعْبٍ من كَعْبٍ نفسه!!

وراعى النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة المال وصاحبه فأمر بالتجارة والتنمية للمال، فأرشد صلى الله عليه وسلم أولياء اليتيم قائلًا: «اتَّجَرُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ». (رواه الطبراني).

قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وقد أراد التصدق بماله في مرض ألمَّ به: «جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي زَمَنَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقُلْتُ: بَلَغَ بِي مَا تَرَى وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلا يَرِثُنِي إِلا ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ قَالَ: لا، قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ» (رواه البخاري).

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ»
(رواه مسلم).

كيف تقتدي به صلى الله عليه وسلم؟

1. أَخرِجْ زكاةَ مالِكَ وأَكْثِرْ من الصدقة متبعًا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج الزكاة؛ يبارك الله لك في مالك، واحرص على الأقربين، فأهلُك أَوْلى بِبِرِّك وإحسانِك.

2. اتبع سنته صلى الله عليه وسلم وابتعد عن الاشتراكية (الملكية الاقتصادية الجماعية) التي تطحن الأغنياء وتفقرهم، وعن الرأسمالية (الملكية الاقتصادية الفردية) التي تطحن الفقراء وتهلكهم.

3. تأمل سيرته لتعرف كيف توازن في الإنفاق على أوجه الخير والبر ومساعدة المساكين مع مراعاة مصلحة الأبناء والأهل والورثة.

4. إياك وعدم إخراج الزكاة، فهذا هلاك لك وللمال وللمجتمع، قال صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَها إِلَّا أُحْمِيَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فجُعِلَتْ صَفِائِحَ مِنْ نَارٍ، فَكُوِيَ بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم «وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (رواه ابن ماجه).

5. إياك والشح والبخل وامتلاء القلب بحب الدنيا قال صلى الله عليه وسلم «..وَاتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» (رواه أحمد)، وتذكر أنه صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس.

6. احرص على التكافل الاجتماعي بالنفقة والبذل والصدقة والزكاة، ولا تنسَ أن تمتع نفسك بما رزقك الله، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) [القصص 77] وقال صلى الله عليه وسلم «كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلا مَخِيلَةٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (رواه أحمد).