رسول الله صلى الله عليه وسلم سيداً وحاكماً

رسول الله صلى الله عليه وسلم سيداً وحاكماً

كان للنبي صلى الله عليه وسلم موال [عبيد/خدم] كثيرون، أَعتقَ أكثرهم حيث جاء صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم، الذي رفع به قدر العبيد ورغب بإعتاقهم، وكانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم يسعد بها كل من حوله، وكان أوفرهم نصيبًا منها هم أقرب الناس إليه، ومنهم خدمه وإماؤه صلى الله عليه وسلم . ويكفي في هذا شهادة أنس بن مالك رضي الله عنه حين قال: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، لَا وَاللَّهِ مَا سَبَّنِي سَبَّةً قَطُّ! وَلَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَهُ؟!» (رواه أحمد).

وكان من عظيم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خدمه ومواليه:

إحسانه صلى الله عليه وسلم معاملة خدمه

وليس أدل على حسن معاملته لخدمه من أن زيد بن حارثة وكان يخدمه صلى الله عليه وسلم فطلبه أبوه وأهله؛ فأبى زيد بن حارثة أن يترك خدمته صلى الله عليه وسلم وقدَّم خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله! وجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتشرف بخدمته، فكافأه صلى الله عليه وسلم بأن تبنَّاه إلى أن أبطل الله التبني، وما ذاك إلا لحسن تعامله صلى الله عليه وسلم، فبهذه المعاملة أسَرَ صلى الله عليه وسلم قلوب من تعاملوا معه من العبيد.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه عن خدمة النبي صلى الله عليه وسلم: «..فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟» (رواه البخاري).

مما قرأتَ في سيرته صلى الله عليه وسلم، ما الأخلاق الداخلية والصفات النفسية التي يتمتع بها من يحسن إلى خدمه وعُمَّاله؟

بساطته صلى الله عليه وسلم مع الخدم

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إِنْ كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ»(رواه البخاري).

حثه صلى الله عليه وسلم على عتق العبيد وتحريرهم

بُعِثَ صلى الله عليه وسلم والعالم يموج بالعبيد، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالمساواة والإخاء والتراحم؛ فحرَّر العبيد، وهذَّب أخلاق السادة المتعالين، كما رغَّب وحضَّ على عتق الرقاب، وجعل ذلك سببًا للعتق من النيران؛ فقال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ» (رواه مسلم).

حَثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتق وتحرير العبيد، في زمن يموج بالرِّق والعبودية، فما دلالة ذلك؟

رفعه صلى الله عليه وسلم الخدم لمنزلة الأُخُوَّة وإقرار حقوقهم

لقد هذب النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين العبد وسيده، وبين الخادم والمخدوم في الحقوق، وأمر بالإحسان إليهم في المطعم والملبس وغير ذلك؛ وجعل الإساءة إليه ولو بالتعيير من الجاهلية؛ ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر مؤنِّبًا له على إيذاء خادمه: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؛ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ! إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ؛ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ؛ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (متفق عليه).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ثُمَّ جَاءَ بِهِ قَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ (أي: تعلقت به نفسه وشم رائحته)، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا (أي: المشفوه القليل لأن الشفاه كثرت عليه حتى صار قليلا) قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ» (رواه مسلم).

حاولَتِ المنظماتُ الحديثة حفظَ حقوق العمال ووضعَتْ أنظمة جيدة لحفظ حقوقهم، فهل ارتقت إلى مستوى قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

حثه صلى الله عليه وسلم على العفو والصفح عن أخطاء العبيد

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عن الخادم مهما أخطأ؛ فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ» صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟» فَقَالَ: «كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً»(رواه الترمذي).

عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَـلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ!» فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم ! فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ». فَقَالَ:«أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ» (رواه مسلم).

رحمته صلى الله عليه وسلم بالخدم وإحسانه إليهم

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالخدم رحمةً بهم، وأقر لهم حقوقًا تُكِفِّلُ لهم الحياة الإنسانية والمعاملة الكريمة، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ» (رواه البخاري). بل وأمر صلى الله عليه وسلم بمؤاكلتهم من الطعام الذي يقدمونه.

أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالإحسان للخدم والعبيد .. فهل ترى أن في ذلك إشارة للإحسان إلى الناس دُونَ النظر إلى مستواهم؟

وصيته صلى الله عليه وسلم بالخدم إلى آخر يوم في حياته

حتى وهو صلى الله عليه وسلم في فراش الموت أوصى بمِلْكِ اليمين - وهم الخدم الأرقاء المملوكين- فقال: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (رواه أحمد) وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُغَرْغِرُ بِهَا صَدْرُهُ وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ (أي: ما يقدر على الإفصاح بها)»(رواه أحمد).

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ مِنْ آخِرِ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُلَجْلِجُهَا فِي صَدْرِهِ وَمَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ» (رواه أحمد).

ما دلالة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم المتكررة بالعبيد والخدم حتى آخر أيام حياته؟


كيف تقتدي به صلى الله عليه وسلم؟

1. أحسِنْ معاملة خادمك كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم وإياك وتكليفه ما لا يستطيع.

2. الناس سواسية كأسنان المشط، فاقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا تتعالَ على من مَلَّكَك اللهُ أمرَه.

3. اقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم في معاملة خدمك وعُمَّالِك، واعفُ واصفحْ عن أخطائهم.

4. أكْرِمْ خدمك وعُمَّالك وأحسِنْ إليهم واكسَبْ قلوبهم.

5. احذَرْ مِن ظُلمِهم أو أخْذِ حقوقهم أو الإساءةِ إليهم.

6. صلِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجعل أخلاقه في معاملة الخدم دومًا نُصْب عينيك.