رسول الله صلى الله عليه وسلم أبًا رحيمًا وجدًّا عطوفًا

رسول الله صلى الله عليه وسلم أبًا رحيمًا وجدًّا عطوفًا

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم وهو يجودُ بنفسه -أي: يموت-، فجعلتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان! فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنتَ يا رسول الله؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (رواه البخاري).

كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أولاده نِعْم الأب الحنون، والجد العطوف، فكان صلى الله عليه وسلم رحيمًا بالأطفال إلى درجة لم يُسمع بمثلها؛ قال أنس -رضي الله عنه-: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم » (رواه مسلم)، ومن ذلك:

حفاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبنائه وتقبيلهم

فكان من هديه صلى الله عليه وسلم الاحتفاء بهن والعطف عليهن؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: «أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ» (متفق عليه)، وكان «إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ» (رواه الترمذي).

بل أنكر صلى الله عليه وسلم على الآباء جفاة القلوب فعلهم وجمود علاقتهم بأبنائهم، فقد قَبَّلَ صلى الله عليه وسلم ابن بنته الحُسَيْن وَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَشُمُّهُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فعجب لذلك الأنصاريُّ وقال: «إِنَّ لِي ابْنًا قَدْ بَلَغَ مَا قَبَّلْتُهُ قَطُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ، فَمَا ذَنْبِي؟!!» (رواه الحاكم).

قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: «وكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ابْنَتُهُ -فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا»(رواه الترمذي).

ما دلالة إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل الذي لم يُقَبِّل أحدًا من أبنائه قط؟

رفق رسول الله الحبيب صلى الله عليه وسلم بأبنائه وحَمْلُهم وتَحَمُّلُهم

ومن صور ذلك ما رواه لنا بُرَيْدَةَ بن الحصيب -رضي الله عنه- قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -رضي الله عنهما- عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ [يَعْثُرَانِ: أَيْ يَمْشِيَانِ مَشْي صَغِير يَمِيل فِي مَشْيه تَارَة إِلَى هُنَا وَتَارَة إِلَى هُنَا لِضَعْفِهِ فِي الْمَشْي] وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ»، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ»، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ». (رواه أبو داود) .

وذات يوم كان الحسن أو الحسين يجلس على بطنه صلى الله عليه وسلم فبال، فسارع من كان في البيت ليحملوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: «دَعُوا ابْنِي لَا تُفْزِعُوهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَوْلَهُ»، ثُمَّ أَتْبَعَهُ الْمَاءَ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ بَيْتَ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، وَدَخَلَ مَعَهُ الْغُلَامُ فَأَخَذَ تَمْرَةً فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَاسْتَخْرَجَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا» (رواه أحمد).

وكان صلى الله عليه وسلم يصطحب معه بعض أحفاده إلى المسجد رحمةً بهم وتعليمًا لهم وهم صغار، يروي لنا أحد الصحابة -رضي الله عنهم- عن ذلك فيقول ،: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: «فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ»، قَالَ النَّاسُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ»، قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ!!» (رواه النسائي).

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُدْلِعُ لِسَانَهُ لِلْحُسَيْنِ، فَيَرَى الصَّبِيُّ حُمْرَةَ لِسَانِهِ، فَيَهَشُّ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ: أَلَا أَرَى تَصْنَعُ هَذَا بِهَذَا، وَاللَّهِ لَيَكُونُ لِيَ الِابْنُ قَدْ خَرَجَ وَجْهُهُ وَمَا قَبَّلْتُهُ قَطُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»
(رواه ابن حبان).

كيف جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين تربيته لأبنائه وأحفاده ورحمته بهم، وأعباء الدعوة والحياة رغم مسئولياته صلى الله عليه وسلم الكبيرة وأعباء الدعوة العظيمة؟

حرص رسول الله الحبيب صلى الله عليه وسلم على أبنائه وإسداء النصح إليهم

فكثيرًا ما كان يعظ ابنته فاطمة -رضي الله عنها- ويقول لها: «يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» (رواه مسلم). وفي رواية أخرى يقول لها: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» (رواه البخاري). ويروي لنا علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه مع زوجته فاطمة ذات ليلة يحثهما على قيام الليل، فَقَالَ: «ألا تُصَلِّيَانِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يقول: «وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» (متفق عليه).

كيف يمكنك التوازن مقتديًا بالرسول صلى الله عليه وسلم بين الرحمة والعطف على الأبناء وتعليمهم وتأديبهم؟

تأديب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه

وذات يوم أخذ حفيده الحسن -رضي الله عنه- تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فمه فلم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخرجها وعليها ريقه، وألقاها في الصدقة، وقال: «كِخ، كِخ!! إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا» (متفق عليه)

ولم يقتصر حبه صلى الله عليه وسلم على البنين من أحفاده دون البنات، فورد عنه صلى الله عليه وسلم حمله لحفيدته أُمامة ولو كان في صلاة؛ قال أبو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ -وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم - عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا» (رواه مسلم). وفي رواية: «.. فَكَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» (رواه البخاري).

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (متفق عليه).

هل اللعب مع الأطفال وإضحاكهم والرحمة بهم من خوارم المروءة؟! وضِّح ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم.

حرص رسول الله الحبيب صلى الله عليه وسلم على حقوق أبنائه

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كوالدٍ حريصًا على حقوق أبنائه، ومن صور ذلك: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ» صلى الله عليه وسلم: «أَعْطِهَا شَيْئًا» قَالَ: «مَا عِنْدِي شَيْءٌ»، قَالَ: «أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ ( الحُطَميَّة: منسوبة الى حُطَمَة بطنٍ من عبد القيس، كانوا يعملون في الدروع , ويقال: انها الدروع السابغة التي تحطم السلاح.)؟» (رواه أبو داود).

خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبنائه

فقد كان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يرقي أحفاده خوفًا عليهما من الحسد والعين فكان َيَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» (رواه الترمذي). [الْهَامَّةُ: كُلُّ ذَاتِ سُمٍّ يَقْتُلُ، والعَيْن اللَامَّة: أَيُّ عَيْنٍ تُصِيبُ بِسُوءٍ].

حُسن اختيار الرجل لزوجته هو من حقوق أبنائه عليه، وضِّح ذلك.

حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفاة أبنائه

وكان صلى الله عليه وسلم يحزن على وفاتهم، وتذرف عيناه الدمع على فراقهم؛ وهذه دموع الرحمة والشفقة تسيل من عيناه الشريفتان صلى الله عليه وسلم، فلما دخل صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم وهو يجودُ بنفسه، فجعلتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان! فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟!! فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (رواه البخاري).

وقد ابتلي صلى الله عليه وسلم بفقد جميع ذريته من الذكور والإناث، ولم يبق بعد وفاته إلا فاطمة رضي الله عنها التي توفيت بعده بستة أشهر.

قال أنس بن مالك -رضي الله عنه- في نبأ وفاة أم كلثوم -رضي الله عنها-: «شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ»
(رواه البخاري).

كيف تقتدي به صلى الله عليه وسلم؟

1. كن أبًا رحيمًا مع أبنائك عطوفًا عليهم ليرحمك الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» (متفق عليه).

2. كن معلمًا ومؤدبًا لأبنائك واحرص على تعليمهم ما ينفعهم كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: (وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ) [طه: 132].

3. اعدل بين أبنائك ولا تميز أحدًا منهم على أحدٍ في النفقة والمعاملة.

4. العب معهم وأضحكهم ورفِّه عنهم وتحمَّلْهم ولا تتأفف من ذلك، بل استمتع به كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل.

5. قم بحقوق أبنائك عليك باختيار زوجة صالحة تكون لهم أُمًّا صالحة، وأَحْسِن اختيار أسماء أولادك، وقم بتربيتهم والعناية بهم.

6. صَلِّ على خير الأنام الرحيم العطوف صلى الله عليه وسلم وتعلَّمْ منه الإحسان والعطف على الأبناء، وإياك والغلظة والجفاء.