رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب رحمة الله للعالمين

رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب رحمة الله للعالمين

اسم الكتاب:
رحمة الله للعالمين
المؤلف:
محمدحسن عبدالله

النوع الثاني: رحمته للمؤمنين صلى الله عليه وسلم

:

قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، فقد بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من

_________

(1) البخاري، برقم 1356، ورقم 5657، وانظر: فتح الباري، 3/ 219.

والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدَّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره (1).

وقال الله عز وجل: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]، أقرب مال للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُقدِّمَ مُراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن لا يُعارض قول الرسول صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، وأن يُقدِّم محبَّته على محبَّة الناس كلهم (2).

وقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ

_________

(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص357.

(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص659.

عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (1) وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالًا فهو لورثته» (2).

النوع الثالث: رحمته صلى الله عليه وسلم للناس جميعًا:

1 - عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه الله عز وجل» (3).

2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم

_________

(1) مسلم، برقم 1828.

(2) البخاري، برقم 6731، ورقم 2298، ومسلم، برقم 1619.

(3) مسلم، برقم 2319.

يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاَّ من شقي» (1).

3 - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» (2).

النوع الرابع: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للصبيان:

1 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء شيخٌ يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا» (3).

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا،

_________

(1) الترمذي، برقم 1923، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 2/ 350.

(2) الترمذي، برقم 1924، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/ 350.

(3) الترمذي، برقم 1919، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 2/ 348.

ويعرف شرف كبيرنا» (1).

النوع الخامس: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للبنات:

1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي الله فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (2).

2 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن عال بنتين أو ثلاثًا، أو اختين أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (3) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها» (4).

_________

(1) الترمذي، برقم 1920، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، 2/ 349.

(2) أبو داود، برقم 5147، والترمذي برقم 1912 و1916، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/ 429: (صحيح لغيره).

(3) حتى يَبِنَّ: أي ينفصلن عنه بتزويج أو موت.

(4) أحمد في المسند، 19/ 481، برقم 12498، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 428.

النوع السادس: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للأيتام:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى (1).

2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (2).

النوع السابع: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للمرأة والضعيف:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

_________

(1) مسلم، برقم 2983، والبخاري من حديث سهل بن سعد برقم 605.

(2) أحمد، 14/ 558، برقم 9018، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، 3/ 323: ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح)) وحسّنه، الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 676. وقد ضعّفه أصحاب الموسوعة الحديثية في تحقيق مسند الإمام أحمد 13/ 21، برقم 7576، ولفظه: ((إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم)) وفي 14/ 558، برقم 9018، بلفظ ما في متن هذا البحث.

«اللهم إنِّي أُحَرِّج (1) حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة» (2).

2 - وعن عامر بن الأحوص رضي الله عنه أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وذَكَّرَ ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك» (3).

3 - وعن أنس رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمِّ سُليْمٍ إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: «إني أرحمها، قُتل أخوها معي» (4).

النوع الثامن: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للأرملة والمسكين:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي

_________

(1) أحرّج: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث، 1/ 361.

(2) ابن ماجه برقم 3678، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/ 298.

(3) ابن ماجه، برقم 1851، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/ 120، ورواه الترمذي أيضاً والنسائي، وانظر: إرواء الغليل، برقم 1997.

(4) البخاري، برقم 2844، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 6/ 161.

على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر» (1).

2 - عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ الذِّكر، ويُقِلُّ اللَّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة» (2).

3 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فما نزل حتى جيَّش (3) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر:

_________

(1) البخاري، برقم 5353، 606، 607، ومسلم، برقم 2982.

(2) النسائي، برقم 1415، وصححه الألباني في صحيح النسائي، 1/ 456.

(3) جيّش: أي تَدَفَّقَ وجرى الماء.

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمَالُ (1) اليتامى عصمة للأرامل

وهو قول أبي طالب» (2).

والأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل الرجل الذي ماتت زوجته، وسواء كانا غنيين أو فقيرين، ويُقال لكلِّ واحدٍ من الفريقين على انفراده: أراملُ، وهو بالنساء أخصُّ وأكثر استعمالًا (3)؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لئن سلَّمَني اللهُ تعالى لأَدَعَنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا) (4).

فاتضح من الأحاديث آنفة الذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان

_________

(1) ثمال: أي غياث.

(2) ابن ماجه، برقم 1272، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 1/ 382، وأخرجه البخاري تعليقاً وموصولاً، وبهذا قوّاه الحافظ ابن حجر، انظر: صحيح ابن ماجه، 1/ 382.

(3) النهاية في غريب الحديث، 2/ 66.

(4) البخاري، برقم 3700.

يرحم الأرامل والمساكين، ويَحُثُّ على العناية بهم، وسدِّ حاجاتهم، فصلوات الله وسلامه عليه.

4 - عن أمِّ بُجيدٍ رضي الله عنها، أنها قالت: «يا رسول الله صلى الله عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيَّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» (1) وهذا فيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالمساكين وحثَّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم.

النوع التاسع: رحمته صلى الله عليه وسلم لطلاب العلم والشفقة عليهم:

1 - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقنوهم» قلت

_________

(1) أبو داود، برقم 1667، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 1/ 464.

للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علِّموهم (1).

2 - عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم،. . . وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكم أكبَرُكُم» (2) وهذا فيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته لطلاب العلم.

,

النوع العاشر: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى

:

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُكُّوا

_________

(1) الترمذي، برقم 2650، 2651، وابن ماجه برقم 247، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه 1/ 98.

(2) البخاري، برقم 628، ورقم 631.

العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض» (1) وهذا الحديث فيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض.

,

النوع الحادي عشر: رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للمرضى والشفقة عليهم

:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (2).

2 - عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (3).

_________

(1) البخاري، برقم 3046.

(2) البخاري، برقم 1240، ورقم 2162.

(3) مسلم، برقم 2568.

3 - عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة» (1).

4 - عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاَّ عافاه الله من ذلك المرض» (2).

وهذه الأحاديث فيها الرحمة الظاهرة من النبي صلى الله عليه وسلم بالمرضى، ورغبته العظيمة في نفعهم وشفائهم، وترغيبه لأمته في العناية بالمرضى وإدخال السرور عليهم.

_________

(1) الترمذي، برقم 969، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 1/ 497.

(2) أبو داود، برقم 3106، والترمذي برقم 2083، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 3160.

النوع الثاني عشر: رحمتهُ صلى الله عليه وسلم للحيوان، والطير، والدواب:

1 - في حديث أبي هريرة «أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة» (1).

2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك» (2).

3 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولاسقتها إذ حبستها،

_________

(1) البخاري، برقم 173، 2466، ومسلم، برقم 2244.

(2) البخاري برقم 3321.

ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (1).

4 - عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (2).

5 - عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَتُريدُ أن تُميتَها موتاتٍ هَلاَّ أحددتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا؟» (3).

6 - وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحَةَ، وليُحِدَّ

_________

(1) البخاري برقم 2365، ورقم 3482، ومسلم، برقم 2243.

(2) البخاري، برقم 2320، ومسلم، برقم 1552.

(3) الحاكم، 4/ 233، وصححه على شرط الشيخين، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، 4/ 33، وقال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 552.

أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (1).

7 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما يرفعه قال: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقِّها [إلا سأله] الله عز وجل عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقُّها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فَيُرمى بها» (2) وسمعت سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: (قتل العصفور لا يجوز إذا كان للتلاعب، أما من قتله؛ لأكله أو الصدقة به فلا بأس) (3).

8 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل

_________

(1) مسلم، برقم 1955.

(2) النسائي، برقم 4445، 7/ 239، والحاكم، 4/ 233، وصححه ووافقه الذهبي، وما بين المعكوفين له، وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب، 2/ 552.

(3) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم 4445.

هذا؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن من اتخذ شيئًا فيه الروحُ غرضًا» (1) (2).

9 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرةً (3) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها ورأى قرية نملٍ (4) قد حرَّقناها فقال: مَن حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (5).

10 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما «أن النبي

_________

(1) الغرض: بفتح الغين المعجمة والراء: هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس ونحوه. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/ 153].

(2) البخاري، برقم 5515، ومسلم، برقم 1958.

(3) حُمَّرةٌ: بضم الحاء وتشديد الميم، وقد خُفِّف: طائر صغير، كالعصفور أحمر اللون. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 1/ 439].

(4) قرية نملٍ: موضع النمل مع النمل.

(5) أبو داود، برقم 2675، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/ 146.

صلى الله عليه وسلم مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: لعن الله الذي وسمه» (1) [الوسم الكي بحديدة].

11 - وعنه رضي الله عنه: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه» (2).

12 - وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: «أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه (3) فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ الله

_________

(1) مسلم، برقم 2117.

(2) مسلم، برقم 2116.

(3) ذفراه: ذفرا البعير بكسر الذال المعجمة مقصور: هي الموضع الذي يعرق في قفا البعير عند أذنه، وهما ذفران. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/ 157].

إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ» (1). (2)

وهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.

النوع الثالث عشر: رقة قلبه صلى الله عليه وسلم وبُكاؤه في مواطن كثيرة:

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله

_________

(1) تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/ 157].

(2) أحمد، 1/ 205، وأبو داود، برقم 2549، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 110.

تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (1).

ومن الحالات التي بكى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي:

1 - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل، فقال بلال: «يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]». (2)

2 - بكاء النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة من خشية الله تعالى،

_________

(1) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/ 183.

(2) ابن حبان في صحيحه، برقم 620، وقال شعيب الأرنؤوط: ((إسناده صحيح على شرط مسلم))، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم 68: ((وهذا إسناد جيد)).

فعن عبد الله بن الشخِّير قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاءِ» (1).

3 - بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع القرآن، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: "نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، فإذا عيناه تذرفان» (2).

4 - بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند فقد الأحبة، «بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له

_________

(1) أبو داود، برقم 904، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم 276.

(2) البخاري، برقم 4582، ومسلم، برقم 800.

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة. . . إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (1).

5 - بكاء النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة إحدى بناته، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس رضي الله عنه قال: «شهدنا بنتًا للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "هل فيكم أحد لم يُقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها» (2).

6 - وبكى صلى الله عليه وسلم عند موت ابنة له أيضًا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة له تقضي (3)

_________

(1) البخاري، برقم 1303، ومسلم، برقم 2315.

(2) البخاري، برقم 1285، ورقم 1342.

(3) تقضي: تشرف على الموت.

فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتبكين عند رسول الله؟ " فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله عزَّ وجلَّ» (1).

7 - وبكى صلى الله عليه وسلم عند وفاة أحد أحفاده، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «أرسلَتْ بنتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم (2) إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: "إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرُفِعَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع،

_________

(1) أحمد، 1/ 268، والترمذي في الشمائل، برقم 324، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 279.

(2) قيل: إنها زينب رضي الله عنها؛ بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال: كأنها شَنٌّ، وفي رواية: تقعقع (1) كأنها في شنٍّ (2) ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وفي رواية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ» (3).

8 - بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند موت عثمان بن مظعون، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل». ولفظ الترمذي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبَّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان» (4).

9 - بكى صلى الله عليه وسلم على شهداء مؤتة، فعن أنسٍ رضي الله عنه «أن النبي

_________

(1) تقعقع: تضطرب وتتحرك.

(2) الشن: القربة البالية.

(3) البخاري، برقم 1284، ومسلم، برقم 923.

(4) أبو داود، برقم 3163، والترمذي برقم 989، وابن ماجه برقم 1456، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 289.

صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الرَّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم» (1).

10 - بكى عند زيارة قبر أمه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت» (2).

11 - بكى صلى الله عليه وسلم عند سعد بن عبادة وهو مريض، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي

_________

(1) البخاري، برقم 4262.

(2) مسلم، برقم 108 - (976).

الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (1) فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بَكَوْا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا (2) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. . .» (3) الحديث (4).

12 - بكى صلى الله عليه وسلم عند القبر، فعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: «كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى ثم قال: يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا» (5).

13 - بكى صلى الله عليه وسلم في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه

_________

(1) غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، 3/ 175].

(2) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال: سوءاً. [فتح الباري 3/ 175].

(3) أو يرحم: أي إن قال خيراً. [فتح الباري 3/ 175].

(4) البخاري، برقم 1304، ومسلم، برقم 924.

(5) ابن ماجه، برقم 4195، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، 3/ 369، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 1751. وكذلك أخرجه أحمد، 4/ 294.

ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتى أصبح» (1).

14 - بكى صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: ربِّ ألم تعدني ألا تُعذَّبهم» (2).

15 - بكى صلى الله عليه وسلم لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر،

_________

(1) ابن خزيمة، برقم 899، 2/ 53، وأحمد 1/ 125، 2/ 222، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، 2/ 52.

(2) ابن خزيمة في صحيحه، برقم 901، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، 2/ 53، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي برقم 278.

ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم: «. . . فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمَّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (1) فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] إلى قوله: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69] فأحلَّ الله الغنيمة لهم» (2).

16 - بكى النبيُّ صلى الله عليه وسلم شفقة على أمته، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عزَّ وجلَّ في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36] الآية، وقال عيسى عليه السلام:

_________

(1) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي 12/ 87.

(2) مسلم، برقم 1763.

{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمَّتي أُمَّتي" وبكى، فقال الله عز وجل: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءك» (1).

_________

(1) مسلم، برقم 202.

المبحث السادس

تلطفه صلى الله عليه وسلم بالأطفال وإدخال السرور عليهم

وَصَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الدرجة العليا في الكمال البشري في جميع المجالات، ومن هذه الأخلاق العظيمة أخلاقه مع الأطفال التي ضرب فيها المثل الأعلى، ولا يصل إلى درجته أحد من خلق الله تعالى، لا علماء النفس، ولا غيرهم؛ ولكن مع ذلك المسلم يُلْزِمُ نفسه على حسب قدرته بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا تلطفه ومداعبته الكريمة للأطفال، ومن ذلك على سبيل المثال والإيجاز ما يأتي:

المثال الأول: مداعبته صلى الله عليه وسلم محمود بن الرُّبيع: قال محمود رضي الله عنه: «عَقلتُ من النبي صلى الله عليه وسلم مَجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ» (1) وقوله رضي الله عنه: عقلت: أي حفظت، ومجةً: المجُّ هو إرسال الماء من الفَمِ، ولا يُسمَّى مجًّا إلا إذا كان عن بُعدٍ، وفعل ذلك صلى الله عليه وسلم إمَّا مداعبةً أو ليُبارك عليه كما كان ذلك شأنه مع أولاد

_________

(1) البخاري، برقم 77، ومسلم، 1/ 456، برقم 265 - (33).

الصحابة (1) قال شيخنا ابن باز رحمه الله: وهذا من باب المداعبة وحسن الخلق (2).

المثال الثاني: ملاطفته ومداعبته صلى الله عليه وسلم لجملة من الأطفال: عن جابر بن سَمُرة رضي الله عنه، قال: «صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأُولى ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلهُ وِلدانٌ فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدَّيَّ فوجدت لِيَدِهِ بردًا أو ريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة عطَّار» (3) والجؤنة: السفط الذي فيه متاع العطار.

المثال الثالث: ملاطفته صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين في مواقف كثيرة:

1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر

_________

(1) فتح الباري لابن حجر، 1/ 172.

(2) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 77.

(3) مسلم، برقم 2329.

إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يَرْحم لا يُرحم» (1).

2 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «جاء أعرابيٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلون صبيانكم فما نُقَبِّلُهُم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَوَأَمْلِكُ لَكَ أن نَزَعَ اللهُ من قلبك الرحمة» (2) والمعنى: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله منه (3).

3 - والحسن والحسين رضي الله عنهما من أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:. . . وسمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هُمَا ريحانتاي من الدنيا» (4) والمعنى: أنهما مما أكرمني الله وحباني به؛ لأن الأولاد يُشمَّون ويُقبَّلون، فكأنهم من جملة الرياحين، وقوله "من

_________

(1) البخاري، برقم 5997.

(2) البخاري، برقم 5998، ومسلم، برقم 2317.

(3) فتح الباري لابن حجر، 10/ 430.

(4) البخاري برقم 5994.

الدنيا" أي نصيبي من الريحان الدنيوي (1).

4 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يُصلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (2).

وقد أصلح الله به بين معاوية ومن معه وأتباع علي بن أبي طالب ومن معه فتنازل عن الخلافة لمعاوية فحقن الله تعالى به دماء المسلمين (3).

5 - وعن البراء رضي الله عنه قال: «رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم والحسن بن عليٍّ على عاتقه يقول: اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه» (4).

المثال الرابع: ركوب الصبي على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد: وعن شدَّادٍ رضي الله عنه قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس؛ ليصلي

_________

(1) فتح الباري لابن حجر، 10/ 427.

(2) البخاري، برقم 3746.

(3) انظر: البخاري، برقم 2704.

(4) البخاري، برقم 3749.

بهم إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا فتقدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة، فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أَبِي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها، حتى ظنَنَّا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعَجِّلَهُ حتى يقضي حاجته» (1).

المثال الخامس: محبته صلى الله عليه وسلم لأُسامة: عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فَيُقْعِدُني على فخذه ويُقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثُمَّ يضمُّهما ثم يقول: "اللهم ارحمهما فإني

_________

(1) النسائي برقم 1142، وصححه الألباني في صحيح النسائي 1/ 246، ومسند أحمد 3/ 493.

أرحمهما» وفي رواية: «اللهم إني أُحبُّهما فأَحبَّهما» (1).

المثال السادس: حَمْلُهُ صلى الله عليه وسلم بنت زينب وهو يصلي: فعن أبي قتادة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت أبي العاص، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها» (2).


ملف pdf

كلمات دليلية: