دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة

دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة

براهين وبشارات من التوراة

لقد تضمنت التوراة أدلَّة وبراهين وبشارات كثيرة تُؤَكِّد صدق النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم في دعوته ورسالته، وأنه خاتم المرسلين والمبعوثُ رحمةً للعالمين؛ ومن ذلك:

• ما جاء في سفر التكوين 16(8-12): «ياهاجر جارية ساراي، من أين جئت؟ وإلى أين تذهبين؟». فأجابت: «إنني هاربة من وجه سيدتي ساراي»، فقال لها ملاك الرب: «عودي إلى مولاتك واخضعي لها».

وقال لها ملاك الرب: «لأكثرن نسلك فلا يعود يحصى»، وأضاف ملاك الرب: «هوذا أنت حامل، وستلدين ابنا تدعينه إسماعيل (ومعناه: الله يسمع) لأن الرب قد سمع صوت شقائك، ويكون إنسانا وحشيا يعادي الجميع والجميع يعادونه، ويعيش مستوحشا متحديا كل إخوته».

يقول ابن القيم معلقًا على ذلك: «ومعلوم أن يد بني إسماعيل عليه السلام قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن فوق أيدي بني إسحاق عليه السلام؛ بل كان في أيدي بني إسحاق النبوة والكتاب، وقد دخلوا مصر زمن يوسف مع يعقوب عليهما السلام، فلم يكن لبني إسماعيل فوقهم يد، ثم خرجوا منها لَمَّا بُعِثَ موسى عليه السلام، وكانوا مع موسى عليه السلام من أعزِّ أهل الأرض، ولم يكن لأحد عليهم يد؛ ولذلك كانوا مع يوشع إلى زمن داود ومُلْكِ سليمان، المُلْك الذي لم يُؤْتَ أحدٌ مثله، فلم تكن يد بني إسماعيل عليهم، ثم بعث الله المسيح فكفروا به وكذبوه، فدمَّر عليهم تكذيبُهم إيَّاه، وزَالَ ملكهم، ولم تَقُمْ لهم بعده قائمة، وقَطَّعَهُم الله في الأرض أُممًا، وكانوا تحت حُكْمِ الروم والفرس، وغيرهم، ولم تكن يَدُ وَلَدِ إسماعيل عليهم في هذا الحال، ولا كانت فوق يَدِ الجميع إلى أن بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم برسالته، وأكرمه الله بنُبُوَّته، فصارت بمبعثه يَدُ بني إسماعيل فوق الجميع، فلم يَبْقَ في الأرض سلطان أعزَّ من سلطانهم؛ حيث قهروا سلطان فارس والروم والترك والدَّيْلَم، وقهروا اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وعُبَّاد الأصنام؛ فظهر بذلك تأويل قوله في التوراة: «ويكون يده فوق يد الجميع، ويد الكل» (هداية الحيارى لابن القيم).

• «لهذا أقيم لهم نبيا من بين إخوتهم مثلك، وأضع كلامي في فمه، فيخاطبهم بكل ما آمره به. »(التثنية:18)

هذه بشارة يهودية بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث إقامة نبي من إخوة اليهود، واليهود أتباع إسحاق وأخوه إسماعيل وأتباعه العرب، لأن أمه عربية -الذي جاءت البشارة بخروج النبي من نسله-

والبشارة تقول: «من بين إخوتهم، مثلك» ولو كان المقصد نبي من اليهود لقال: نبي منكم لكنه قال: من إخوتهم

وفي قوله: «مثلك» فهنا يأتي مجال للتحدث عن الصفات المشتركة بين «موسى عليه السلام» المُوَجَّهُ إليه الكلام والنبي الذي يشبهه أو يماثله

فموسى عليه السلام: تزوج وأنجب وهاجر من بلد الكفر ولم يحدث ذلك مع المسيح الذي لم يتزوج، لكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم تزوج وأنجب وهاجر من بلد الكفر إلى بلد ليقيم فيه الإيمان.

ثم أن موسى عليه السلام جاء برسالة وهي التوراة والنبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء برسالة وهي القرآن.

وأخيرا النبي موسى عليه السلام مات كبقية البشر ودفن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم كذلك لكن المسيح رفعه الله إليه

• ثم تأتي بشارة خاصة بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم «حين يناولونه لمن يتقن القراءة قائلين: اقرأ هذا، يجيب: لا أستطيع لأنه مختوم..» (أشعياء:12)، ومعلوم للقاصي والداني أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أُمِّي [لا يقرأ ولا يكتب]

ومن البشارات أيضًا ما جاء في سفر (أشعياء:11) ما نصُّه: «لتهتف الصحراء ومدنها، وديار قيدار المأهولة. ليتغن بفرح أهل سالع وليهتفوا من قمم الجبال.» (أشعيا: 42).

وهذه البشارة واضحة في التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد أشارت إلى بلاد العرب وهي الديار التي سكنها قيدار بن إسماعيل، وطلب منها أن تبتهج. وذكر دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي المدينة المنورة، فقال: "ليتغن بفرح أهل سالع". وسالع هو (سَلْع) وهو جبل في باب المدينة، كما هو اسمه إلى الآن، وهو سالع بالعبرانية.

ومن هذا النص نفهم لماذا استقرَّ اليهود في المدينة المنورة وما حولها؟ لقد كانوا على يقين بأن خاتم الأنبياء سيقطن المدينة، والتي من معالمها جبل (سالع) المذكور عندهم في التوراة كالبشارة السابقة، فتَمَنَّوْا أن يكون منهم وفيهم.

لقد كان علماء اليهود في المدينة وما حولها يعلمون صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقُرْبَ ظهوره، وهو ما يُؤَكِّدُه ابن سعد في طبقاته بسند مُتَّصِلٍ عن ابن عباس، قال: "كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي قبل أن يُبْعَث، وأن دار هجرته المدينة" [الطبقات الكبرى].

حبر اليهود يصف النبي صلى الله عليه وسلم

ها هو حبر اليهود يذكر صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة عندما سأله ابن عياش، عن ابن عياش أنه سأل كعبا الحبر[الحبر: عالم بالإسرائيليات] : «كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ؟ قال : نجده محمد بن عبد الله ، يولد بمكة ، ويهاجر إلى طابة ، ويكون ملكه بالشام ، وليس بفحاش ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، أمته الحمادون ، يحمدون الله في كل سراء ، ويكبرون الله على كل نجد ، يوضئون أطرافهم ، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يسمع مناديهم في جو السماء . قلت : يعني الأذان»(رواه البخاري) .

هذا وصف عالمهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان وصف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة واضح لحد لا يكذبه إلا جاحد متجرئ على الله

فها هو النبي يولد بمكة، ويهاجر إلى (طابة) أي [المدينة المنورة] وقد سماها النبي طابة لطيب ساكنها وطيبة ريحها، وما أن فتح الله علينا الشام حتى صارت دمشق عاصمة للخلافة الإسلامية، ثم أن القاصي والداني شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه «وليس بفحاش، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يكافئ بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر» وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته الحمد في السراء والضراء كما علَّمها الوضوء والصلاة كما قال كعب الحبر « أمته الحمادون ، يحمدون الله في كل سراء ، ويكبرون الله على كل نجد ، يوضئون أطرافهم ، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يسمع مناديهم في جو السماء».

عَلِمَ اليهودُ زمنَ مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، وتحققت لديهم أوصافه في كتبهم، وكانوا يتوَعَّدُون العربَ بمجيئه، فلمَّا أن تحققت تلك الأوصافُ في نبيٍّ عربيٍّ من نَسْلِ إسماعيل عليه السلام، ولم يكن من نسل يعقوب بن إسحاقَ عليهما السلام أنكروه، فلماذا برأيك؟