دعوة أهل الطائف_17817

دعوة أهل الطائف


مطلب في خروجه صلى الله عليه وسلم لثقيف بالطائف وخبر ما لقي من أذاهم وخبر جن نصيبين

]

ولثلاثة أشهر من موت أبى طالب خرج النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الى ثقيف أهل الطائف وحده وقيل كان معه زيد بن حارثة فأقام بها شهرا يدعوهم فردوا قوله واستهزؤا به وسألهم أن يكتموا عليه اذ لم يقبلوا فلم يفعلوا وعند انصرافه عنهم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون خلفه حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه الى جنب حائط لعتبة وشيبة بنى ربيعة وكانا حينئذ هناك فلما اطمأن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ظله ورجع عنه عامة السفهاء دعا فقال اللهم انى أشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتي وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى الى من ولا يضرب ضربا (ويقول بين ذلك) أى في أثنائه (ما نالت قريش مني ما نالت) ما الاولى نافية والثانية اسم أى الذي نالت (حجرا) بكسر المهملة وسكون الجيم أى شيأ يحتجر به عنهم أى يمتنع (على الفتك به) الفتك أن يأتي الرجل الى آخر ليقتله وهو غافل (واستئصاله) أى اذهابه من أصله* ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم الى ثقيف وهو جد هوازن. قال في القاموس واسمه قصى بن منبه بن بكر بن هوازن وهو مصروف (أهل) بالكسر على البدل (فردوا عليه) كان الراد عليه ثلاثة اخوة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن عمير وذلك ان أحدهم قال هو يمرط ثياب الكعبة ان كان الله أرسلك وقال الآخر اما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول فانت أعظم خطر امن ان أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي ان أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم (ان يكتموا) بضم الفوقية (اللهم اني أشكو اليك ضعف قوتي الي آخره) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر (انت رب المستضعفين) انما خصهم مع انه رب الكل لانهم لا يتشوفون

تكلنى الى بعيد يتجهمنى أو الى عدو ملكته أمري ان لم يكن بك غضب على فلا أبالي ولكن عافيتك هى أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بى غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة الا بك ولما رأى ابنا ربيعة ما لقى تحركت له رحمهما وبعثا اليه غلاما لهما اسمه عداس بطبق عنب فلما وضعه بين يديه سمى وأكل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم سأل عداسا عن دينه وبلده فقال أنا نصرانى من أهل نينوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى فقال عداس وما يدريك فقال ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فاكب عليه عداس يقبل رأسه ويديه ورجليه فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه أما غلامك فقد أفسده ولما جاءهم عداس سألاه فقال ما على الارض خير من هذا الرجل فقالا يا عداس لا يصرفنك عن دينك فانه خير من دينه (قال المؤلف كان الله له) وقد تعدد الحديث في صحيح مسلم من رواية عائشة عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ان هذا الموقف بالطائف أشد ما لقى في الى نصرة سواه بخلاف غيرهم (يتجهمني) بالجيم وتشديد الهاء أى يقابلنى بوجه غليظ (أو يحل) قال الجوهري حل العذاب يحل بالكسر أى وجب ويحل بالضم أى ينزل (العتبى) بضم المهملة على وزن العقبي أى لك على ان استرضيك (حتى ترضى) عني والعتبى الرضى واستعتبه أعطاه العتبي كاعتبه قاله في القاموس (عداس) بالمهملات بوزن كتاب قاله في القاموس أو بوزن غراب قاله غيره عده ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة (بطبق عنب) بالاضافة (نينوى) بنونين بينهما تحتية ساكنة الاولى منهما مكسورة والثانية مفتوحة ثم واو مفتوحة قرية بالشام (يونس بن متى) بتشديد الفوقية على وزن حتى وهي أمه ولم يشتهر نبى بأمه سوى عيسى ويونس قاله ابن الاثير في الكامل قال الشمني وان قيل قد ورد في الصحيح لا تفضلوني على يونس بن متي ونسبه الى أبيه وهو يقتضي ان متى أبوه. أجيب بأن ابن متى مدرج في الحديث من كلام الصحابي لبيان يونس بما اشتهر به لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان ذلك موهما ان الصحابي سمع هذه النسبة من النبي صلى الله عليه وسلم دفع الصحابى ذلك بقوله ونسبه الى أبيه أى لا كما فعلت أنا من نسبته الى أمه انتهى. وقال عدة من الحفاظ ان متى أبوه وعليه اقتصر في القاموس وهو الصحيح اذ هو مدلول الحديث وتأويله بما مر تعسف لا يجدى (فاكب) أي أهوى (يقبل رأسه ويديه ورجليه) فيه ان ذلك لا بأس به لاهل الفضل كالعلماء والزهاد والعباد وأهل ذي نسب شريف تبركا واقتداء بالسلف (ولما جاء عداس سألاه) في سيرة ابن اسحق قالا له ويلك ما لك تقبل قدمى هذا الرجل قال يا سيداي (ما على الارض خير من هذا الرجل) لقد أخبرني بأمر ما يعلمه الا نبي (فقالا) ويحك يا عداس الى آخره (الموقف) بالنصب (أشد) بالرفع

ذلك والله أعلم بما لحقه من التعيير والتبكيت والاستهزاء وخيفة شماتة قريش وخشية أن ينالوه بمثلها ودعاؤه حينئذ مبين عما وقع في نفسه من الكرب العظيم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل الصلاة وأزكى التسليم وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى منهم بالقول أعظم من تأذيه بالفعل ولما عكسوا اسمه الكريم وسموه مذمما بدلا عن محمد قال ألا ترون ما يدفع الله عنى من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعني انهم يوقعون سبهم على وصف ولم يكن بذلك الوصف صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم انصرف من الطائف راجعا مغموما مهموما فلما بلغ قرن الثعالب وهو قرن المنازل أتاه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال واستأذنه أن يطبق على قريش الاخشبين وهما جبلا مكة فكره صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد تقدم الحديث في ذلك مستوفي ثم أخذ راجعا الى مكة حتى اذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر تسعة وقيل سبعة من جن نصيبين وهي مدينة بالشام مباركة وجنها سادات الجن وأكثر عددا وهم أوّل بعث بعثه ابليس حين بعث جنوده ليتعرفوا له الاخبار عن سبب منعهم من استراق السمع فلما سمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولوا الى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا فقص الله على نبيه خبرهم فقال واذ صرفنا اليك نفرا من الجن الآية. وذكر من أسمائهم منشى وماشى وشاصر وماصر والاحقب وزوبعة وحكى أنهم من نصيبين قرية باليمن غير التي في العراق وقيل انهم من نينوى وان جن نصيبين أتوه بعد ذلك بمكة والصواب انه لم يرهم ليلتئذ (قال المؤلف كان الله له) هكذا ينقل عن ابن اسحق رحمه الله وتبعه غيره أن استماع الجن بنخلة كان عند مرجعه صلى الله عليه وآله وسلم (من التعيير) مصدر عيره بكذا اذا انتقصه به (والتبكيت) مصدر بكت يبكت بالموحدة وتشديد الكاف وفوقية وهو التوبيخ والملامة (شماتة قريش) بفتح المعجمة مصدر شمت يشمت بكسر الميم في الماضي وفتحها في المستقبل وهي فرح الضد بمصيبة ضده (مبين) مخفف ومثقل (أفضل الصلاة) الخلاف فيه مشهور (وأزكى) أى انمي (الا ترون) بفتح الفوقية (بنخلة) غير مصروف (نصيبين) بنون مفتوحة فمهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة فنون بوزن قريبين بلد من بلاد الجزيرة (عن سبب منعهم من استراق السمع) أى برمي الشهب وظاهره انها لم تكن پرمي بها قبل ذلك والتحقيق انها كانت يرمي بها لكن مع قلة ثم كثرت لما بعث صلى الله عليه وسلم كما مر (منشي) كاسم المنشي الذي هو بمعنى المبتديء (وماشي) كاسم الماشي الذى هو ضد الراكب (وشاصر) باعجام الشين واهمال الصاد فراء كفاعل (وماصر) بالمهملة بوزن الاول (والاحقب) بالمهملة والقاف

من الطائف وحده وثبت في صحيح البخارى عن ابن عباس ان ذلك كان عند انطلاقه في طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ فسمعوه وهو يصلى بهم صلاة الفجر وما ثبت فيه مقدم على غيره ويدل عليه ما رواه الترمذي عن ابن عباس وصححه أنهم لما رأوه يصلي بأصحابه وهم يصلون بصلاته ويسجدون معه تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا* وثبت في صحيح مسلم انه أتاه داعى الجن مرة أخرى بمكة وذهب معه وقرأ عليهم القرآن وسألوه الزاد فقال لهم لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوا بكم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا تستنجوا بهما فانهما طعام اخوانكم قال عكرمة وكانوا اثنى عشر ألفا من جزيرة الموصل ووردت أحاديث أخر تدل على تكرر اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان ابن مسعود معه في احدى المرات والله أعلم.

[



كلمات دليلية: