دار الأرقم بن أبي الأرقم

دار الأرقم بن أبي الأرقم


اجتماع المسلمين بدار الأرقم

واتَّخَذَ النبيُّ دارَ الأرْقَمِ ... للصحْبِ مُسْتخفِينَ عنْ قَوْمِهِمِ

وقيلَ: كانوا يخرجونَ تَتْرى ... إلى الشِّعَابِ للصلاةِ سِرّا

حتَّى مَضَتْ ثلاثةٌ سِنينا ... وأظهرَ الرحمنُ بعدُ الدّينا

وصَدعَ النبيُّ جَهرًا مُعلِنا ... إذْ نَزلتْ فَاصْدَعْ بِما فما ونى «1»

وأنذرَ العشائرَ التي ذكِرْ ... بجمعِهِمْ، إذْ نزلتْ وَأَنْذِرْ «2»

__________

(1) ما ونى: ما ضعف ولا تراخى عما أمر به.

(2) في هامش (أ) : (بلغ أبو عبد الله محمد بن ثابت بن سعد الوريندي التلمساني قراءة عليّ، وأبو العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري التلمساني سماعا عليّ. كتبه مؤلفه) .

ذكر تأييده صلّى الله عليه وسلّم بمعجزة القرآن

وجعل الله له القرآنا ... آية حقّ أعجَزَتْ بُرهَانا

أقامَ فيهمْ فوقَ عَشرٍ يَطلبُ ... إتيانَهُمْ بمثلِهِ فغُلِبُوا «1»

ثمَّ بعَشْرِ سُوَرٍ، بسورة «2» ... فلمْ يُطِيقوها ولو قَصيرهْ

وهُمْ لَعَمرِي الفُصحاءُ اللُّسْنُ ... فانقَلَبوا وهُمْ حَيارى لُكْنُ «3»

وأُسمِعوا «4» التوبيخَ والتَّقريعا ... لدى المَلا مُفترِقًا مَجموعا

فلمْ يفُهْ منهمْ فصِيحٌ بِشَفَهْ ... مُعَارِضًا، بل الإلهُ صَرَفَهْ «5»

__________

(1) في هامش (أ) : (بلغ عبد الوهاب ولد ابن أبي زرعة قراءة عليّ، وشمس الدين محمد بن سليمان الشبراوي سماعا. كتبه مؤلفه) .

(2) كذا في (أ) و (ج) ، وهي على حذف العاطف؛ أي: فطلب إتيانهم بسورة، وفي (د) : (فسورة) .

(3) اللّسن- بضم اللام الثانية وسكون السين، جمع ألسن-: وهم الفصحاء. اللّكن- جمع ألكن-: وهو الذي عيّ وصعب عليه الإفصاح بالعربية لعجمة لسانه.

(4) أسمعوا- بالبناء للمفعول-: أسمعهم الله فيما أنزل من محكم كتابه.

(5) بشفة: أي: لم يفه بكلمة واحدة، وقوله: (بل الإله صرفه) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 76) : (وهذا الختام من الناظم يؤذن بميله إلى القول بالصرفة، وهو رأي مرجوح أطال المحققون في تقرير رده) . والصرفة: هو القول بأن المشركين كان في وسعهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله صرفهم، وهو قول النظّام من المعتزلة، وقول البعض من أهل السنة، خلافا لقول الجمهور. ويمكن أن يقال: إن معنى الصرفة في قول المصنف هو المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، أي: أن صرف الله سبحانه وتعالى لهم ظهور عجزهم عن معارضته في إيجازه وبلاغته وتراكيب ألفاظه ومعانيه مع كونه من جنس كلامهم؛ لكونه فاق في جميع فنون الكلام قدرتهم على الإتيان بمثله أو معارضته، فصار معجزة حيث عجزوا عن معارضته كلام الله بكلامهم، فأصبح

فَقَائلٌ يقولُ: هذا سِحرُ ... وقائلٌ: في أذُنيَّ وَقْرُ

وقائلٌ يقولُ ممّنْ قَد طَغَوا: ... لا تسمعُوا لهُ، وفيه فالْغوا «1»

وهُمْ إذا بعضٌ ببعضٍ قدْ خَلا ... اعتَرَفوا بأنَّ حقًّا ما تلا

وأنهُ ليس كلامَ البَشَرِ ... وأنّه ليسَ لهُ بمُفتَرِي

اعترَف الوليدُ، ثمّ النَّضرُ ... وعتبةٌ بذاكَ، واستقَرّوا

وابنُ شَرِيقٍ باءَ وهْوَ الأخنسُ ... كذا أبو جهل، ولكن أبلسوا «2»

__________

- المعنى: صرفهم؛ أي: أعجزهم بكلامه وما فيه من فنون الكلام التي يعرفونها وينظمون على منوالها، حيث بلغت تلك الفنون رتبة عجزت عقولها عن أن تنظم كلاما يباري كلام الله عز وجل، وكلام المصنف رحمه الله يؤذن بذلك، فقد بدأ هذا الفصل بقوله:

وجعل الله له القرآنا ... آية حق أعجزت برهانا

وختمه بقوله:

معجزة باقية على المدى ... حتى إلى الوقت الذي قد وعدوا

وإذا أقيم معنى الصرفة على المعنى الاصطلاحي.. انتفى كون القرآن الكريم معجزا في ذاته، ولا سيما وأن القول بالصرفة على المعنى الاصطلاحي مردود من وجوه كثيرة، وقد أحسن الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه «المنح المكية» (ص 796) الردّ على القائلين بالصرفة فقال: (لكن أفسدوه- أي: القول بالصرفة- بأن قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ الآية دليل على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سلبوا القدرة.. لم يبق فائدة لاجتماعهم؛ لأنه حينئذ بمنزلة اجتماع الموتى، وليس اجتماع الموتى مما يحتفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على أن إضافة الإعجاز إلى القرآن، والقول بالصرفة يلزمه إضافته إلى الله تعالى لا إلى القرآن، وحينئذ يلزمه زوال الإعجاز بزوال التحدي، وفيه خرق لإجماع الأمة أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية أظهر من القرآن، ويلزم الصرفة أيضا أنه لا فضيلة للقرآن على غيره) . ومن أراد المزيد فعليه بما في مطولات كتب العقيدة، وعليه ب «دلائل الإعجاز» للجرجاني، و «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، والله أعلم.

(1) فالغوا: فتكلموا بكلام باطل.

(2) أبلسوا: أسكتوا لحيرة أو انقطاع حجة.

وكيفَ لا وهْوَ كلامُ الله ... مُنزهٌ عنْ نِحْلةِ اشتبَاهِ «1»

يَهدي إلى التي هُدَاها أَقْوَمُ ... بهِ يُطَاعُ وبهِ يُعتَصَمُ

وهْوَ لَدَيْنا حَبْلُهُ المَتينُ ... نعبُدُهُ بهِ، ونسْتعينُ

وهْوَ الذي لا تَنقَضي عَجَائبُهْ ... ولا يَضلُّ أبدًا مُصاحِبُهْ

معجزةً باقية على المدى ... حتّى إلى الوقت الّذي قد وعدا «2»

__________

(1) نحلة اشتباه: الإتيان بشبهة.

(2) قوله: (إلى الوقت الذي قد وعدا) قال المناوي في «العجالة السنية» (ص 77) : (أي: وعد الله فيه أن يرتفع فيه القرآن) .



كلمات دليلية: