خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

اسم الكتاب:
السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي
المؤلف:
احمداحمدغلوش

خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد صلى الله عليه وسلم

لم تغب ذكريات الماضي عن فكر محمد صلى الله عليه وسلم، بل كان يختزنها في باطنه، ويغفل عنها لانشغاله بأعماله وأسفاره، فما تزوج خديجة رضي الله عنها، ورفع الله تعالى عن كاهله عناء الفقر، ومسئوليات المعاش، بدأ يعيش حياة الراحة الهادئة، والطمأنينة السعيدة، ويستعد للمسئوليات الجسام.

ومن خصائص النفس أنها تكون مشغولة مع صاحبها دائما، فهي معه في مسئولياته وقضاياه ... فإن استراح وسكن، وخلا من المهام، شغلته هي بما يحركها ويشغلها.

إن النفس البشرية قادرة على التذكر والتخيل والتفكير، وهي في حركتها لا تعرف حدود الزمان والمكان، ولا توقفها حواجز السلطة والطبقات، ويساعدها في حركتها الدائمة السريعة ما يأتيها من عالم الشعور وعالم اللاشعور.

وعلماء التربية يرشدون إلى ضرورة إشغال النفس بالحق وتوجيهها نحو النافع المفيد، وذلك بإيجاد حيز من الدوافع التي تدفع النفس نحو فكر معين مقصود.

لقد بدأ الماضي يعاود محمدا بعد زواجه من خديجة، وأخذت الذكريات تتحرك أمامه، وتشغل فكره، وتدعوه إلى التأمل فيها، وفيما وراءها.

لقد عاش في ديار بني سعد، وشق صدره، ورعى الغنم، وعاشر الرعاة، وعاش الخلاء، وسمع كلام الأحبار والرهبان والكهان، وسافر للمدينة وللشام، وباع واشترى.

وقابل أشتاتا من الناس، وسمع ألوانا عديدة من الأفكار والمذاهب والأديان.

ورأى في مكة بعض الحنفاء ينكرون على العرب ما هم فيه من بعد عن دين إبراهيم عليه السلام، لقد عاش صلى الله عليه وسلم حياة عملية ممتلئة بالحوادث والاتجاهات، وقد عادت نفسه لذلك كله، وتذكره عقله صلى الله عليه وسلم في تحليل نظري وتأمل فكري؛ للوصول إلى شيء من أسرار ذلك كله.

والخلوة والبعد عن الناس من الأمور غير المحببة في حياة البشر؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يحب الأنس، ويعشق ملاقات الآخرين، ويجب التعامل والسمر معهم، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لوجود هذا الطبع فيه.

والخلاء مع هذا عامل تربوي، يُعلم الصمت والسكون، ويدفع إلى التأمل والتفكير، ويساعد على الطهارة والسمو؛ ولذلك كانت العبادة في جوف الليل من عظائم الأمور، وكان قرآن الفجر مشهودا، وذلك لمن جعل خلوته لخدمة القيم والخلق.

وقد حبب الله لمحمد الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدا في غار حراء، ومعه زاده وعدته، مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس.

يقول الخطابي: والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية أمره فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف عن عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه، وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادا سهلا، ولا يصادفه حزنا وعرا.

فجعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها، ويستعد لما ندب إليه، ثم جاءه التوفيق والتبشير، وأخذته

القوة الإلهية، فجبرت منه النقائض البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية1.

وقد كان من عادة مفكري أهل مكة أن ينقطعوا عن الناس مدة كلما جد لهم أمر، يلجئون خلالها إلى آلهتهم، وإلى عقلهم؛ بحثا عن حل لهذا الأمر الذي يشغلهم.

ووجد محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المسلك طريقا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدا، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه ويمكث فيه، بعيدا عن الصخب والضوضاء، يلتمس الحق..

وحراء جبل بأعلى مكة، على بعد ثلاثة أميال منها، على يسار المار إلى منى؛ ولهذا الجبل قمة مشرفة على الكعبة، وفي قمة الجبل غار عرف بـ"غار حراء"، وهو على هيئة حجرة ضيقة، مستطيلة منحوتة داخل قمة الجبل، أرضها مسطحة، وسقفها مقوس، والغار مفتوح من جهتيه الشمالية والجنوبية، ويمكن للجالس فيه أن يرى الكعبة، وبخاصة قبل وجود البنايات الحديثة العالية.

إن الخلوة في غار حراء تؤدي إلى القرب من الله، والنظر إلى الكعبة؛ ولذلك كان أهل مكة يعظمون هذا الغار، ويقصدونه بين الحين والحين، ويربطون بينه وبين الكعبة، وكان صلى الله عليه سلم يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته2.

إن حياة التأمل والتفكير تعرف الإنسان بنفسه، وترقق مشاعره، وتبعده عن شواغل المادة، وتجعله يلتمس القوة في غير سائر المخلوقات؛ لأن كل مخلوق ضعيف ومحتاج.

__________

1 سبل الهدى والرشاد ج2 ص319.

2 لم تنازع قريش محمدا في خلوته بغار حراء؛ لأن عبد المطلب أول من كان يخلو فيه، وكان لعبد المطلب منزلة فيهم، فلما خلا محمد بالغار جعلوه مكان جده.

إن تحبيب النبي صلى الله عليه وسلم في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرا، ويدوم طويلا.

والخلاء يُعلم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، وتشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس.

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " ... ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك"1 وجاء تعبير الحديث بلفظ "حُبب" المبني للمجهول إشارة إلى أن حب محمد للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام2.

يقول ابن هشام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذاك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره الذهاب إلى الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته3.

وكان صلى الله عليه وسلم يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء ونجومها، وقمرها وشمسها، وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار.

ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع؛ إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي.

وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة، وهم يطوفون بالبيت، والأصنام أمامهم!!..

كان صلى الله عليه وسلم يتأمل في كل ذلك وفي غيره يلتمس معرفة هذا الوجود، وما

__________

1 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص21.

2 فتح الباري على صحيح البخاري ج1 ص22.

3 السيرة النبوية ج1 ص236.

وراءه من سبب وغاية!!!..

في هذا الكون المتحرك كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون، وليخترق الْحُجُب وصولا إلى مكنون سره.

ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشره قومه من شئون الحياة، وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا.

فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر تصيبه؟!..

وما هبل، واللات، والعزى؟!!..

وكيف تكون آلهة، وهي مصنوعة بأيديهم؟!!

وما كان هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، إنها لم تخلق يوما ذبابة، ولا جادت مكة بخير!

ولكن!

أين الحق إذن؟

أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟

أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر، وتأتي للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، أسباب الحياة من الماء والهواء والنور والدفء؟

كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء.

أهو فيما يتصوره وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد له، ولا نهاية له؟

ولكن ما الأثير؟

وما هذه الحياة التي تحيا اليوم فتنقضي غدا؟ ما أصلها؟! وما مصدرها؟!

أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض؟! وأوجدتنا عليها؟

لكن للأرض وللحياة سننا ثابتة لا تبديل لها، ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها.

وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم، فلا سلطان لاختيارهم عليه؟!!

لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم بثاقب فكره أن عناصر الكون خاضعة لقوة مجهولة هي أقوى من أن تقهر، وأسمى من أن تعرف، وأعلى من أن تتصور، واحدة هي بالضرورة لا تتعدد، عالمية، شاملة.. لأن الوجود كله واحد.

إن عناصر الكون تشغل فكره، وديمومتها المستمرة تدفعه إلى النظر والتدبير فيسائل نفسه، ويعاود النظر، هنا تارة، وهناك تارة أخرى.

ها هي الشمس، ترسل أول أشعتها على الحصى المنثور هنا وهناك، فتصيره جواهر تتلألأ، وأضواء تبرق، وجمالا ينساب بين الكائنات، فينشغل بها!!

ثم ها هي الشمس في كبد السماء، جبارة طاغية، ترسل بأثواب الضوء البراقة لتنشرها على الأرض في حسن وشمول، فيأخذه بهاؤها!!

وها هي ذي الأرض هامدة ساكنة، مستسلمة، كجثة لا حياة فيها.. ثم ماذا؟!..

وها هي أمواج الذهب ترسلها الشمس على الكون عند غروبها، في سخاء وهدوء، وتنسحب كأنها تريد أن توحي إليه بالأسف لمغيبها بلا استئذان.. وتنتهي!!

ثم ها هو ذا طوق القمر الباهر، يشبه طوق الحمامة، تنسجم فيه ألوان الطيف السبعة، ويتألق في وسطه القمر الذي يزهو بما يصدر عنه من شرر، يتحول إلى الآلاف المؤلفة من النجوم والكواكب، ليخلف القمر حتى الصباح!!

وها هي تلك الأعمدة المختالة تتلهى بها الرمال، عند هدوء الجو، بإقامتها ثابتة تحت القبة الزرقاء، حتى إذا ما ثارت الأعاصير، وبعثت بالأتربة من بطون الوديان قاذفة بها في هجوم عنيف، على الغيوم السوداء المفعمة بالبرق، هكذا بعد الهدوء!!

وها هي ذي قوافل الغيم، تشبه الخراف البيض، تطاردها الرياح حتى تبعدها عن قمم الجبال، فتضطر إلى الهجرة قبل أن تسيل عبراتها على مسقط رأسها، بلا خيار، ولا قصد، ولا معرفة!!..

وها هي تلك العواصف الممطرة تنفجر شآبيبها الهطالة، فتصب على الجبال العريانة أنهارا من المياه، عنيفة جارفة، لها دوي، ولها زئير.

أمام هذه العناصر الكونية الهائلة، العاتية، التي لم تجرؤ قط، رغم جبروتها على عدم الخضوع، ولو شروى نقير، للقوانين التي تسيرها والتي فرضتها عليها القوة السامية العليا.. إن كل عنصر في فلكه يسبح، وكل عنصر لا يملك إلا الاستسلام والخضوع.. وهكذا رأى الكون في جملته قويا شديدا، وفي نفس الوقت وجده خاشعا ذليلا.

لشد ما بدا لمحمد من ضعف الإنسانية وهوانها!!..

ولكم بدا له غرورة العقل وضلاله!!..

ولكم رأى خداع الحس بالمحسوس، وخيبة الاستدلال بالماديات!!..

أجل، وكم من سخرية في أن تثق الإنسانية بالمحسوسات، مع أنها ترى السراب صورة براقة من موجات الأثير الفائر ليشهدها بذلك على غرورها المطلق!

في مثل هذه الأمور النفسية وغيرها كان محمد صلى الله عليه وسلم يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء؛ إذ ليس أمامه إلا هذا التدبير.

وكان يتمنى رؤية الحق فيها، وفي الحياة جميعا، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها، فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة، وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله، تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية.

ولكن..

بأي نسك كان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك؟ وعلى أن شرع بذاته كان يعمل؟

هذا أمر اختلف العلماء فيه، وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه.

فقيل: كان صلى الله عليه وسلم يتعبد بشرع نوح عليه السلام.

وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم عليه السلام.

وقيل: كان يتعبد بشرع موسى عليه السلام.

وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى عليه السلام.

وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به.

ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف عن غياب الشرائع يومذاك، حتى أن كثيرا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي.

واستمر محمد على عادته تلك في حب الخلاء، والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة؛ حتى هداه الله إليه بنزول الوحي، وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} 1.

يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معانٍ كثيرة:

- فهو بمعنى: الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة.

- وبمعنى: عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته.

- وبمعنى: في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك.

- وبمعنى: الحيرة فيما ترى، فعرفك بالصواب والحق2.

وهذه المعاني تلتقي في معنى عام واحد، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن طريق الحق والهدى، وسط قومه الغافلين، ولم يكن يتصور أن النبوة ستأتيه،

__________

1 سورة الضحى آية 7.

2 انظر: تفسير القرطبي ج20 ص96، 97.

وكثيرا ما أضنته الحيرة والقلق حتى جاءه جبريل عليه السلام فأرشده إلى صراط الله المستقيم.

والمعاني تدور مع أحوال محمد صلى الله عليه وسلم قبل المبعث، ومع بحثه الدءوب عن الحقيقة التي هداه الله إليها، وعرفه بها، فكانت الرسالة والبعثة.

,

المبحث العاشر: بدايات الوحي

وبلغ محمد صلى الله عليه وسلم سن الأربعين، وكمل في ذاته، وأصبح مستعدا لتكميل الآخرين، وهنا جاءه وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين1. يروي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "أنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة"2.

لقد حاول محمد صلى الله عليه وسلم الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد.

إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى ساذج وبسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عنه الأسرار والغايات.

والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولا بد له من وحي الله يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها.

ومحمد صلى الله عليه وسلم مع صفاء نفسه، وكمال عقله، وسمو روحه، يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها.

كما يجتاج لرحمة الله مراعاة لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى.

__________

1 شروح النووي على صحيح مسلم ج15 ص99.

2 صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ج6 ص26.

ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه، والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله.

وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم بصورة رقيقة، شفيقة عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ليكون نبيا ورسولا.

وكانت رحمة الله مع محمد صلى الله عليه وسلم حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر صلى الله عليه وسلم الوحي، ورأى صوره، وأنواعه، وأصبح متآلفا مع لقائه جاءته الرسالة، فصار رسولا نبيا.

والنبوة أخص من الرسالة؛ لأن النبوة تعني نزول الوحي من عند الله، إلى من يختاره الله تعالى من الناس؛ ليعلم ويعمل بما أوحي به، وهي تعليم لمن تنبأ خاصة، أما الرسالة فإنها الوحي يأتي للشخص المختار على أن يعلمه ويقوم بتبليغه للناس ويعمل به، فهو رسول الله إليهم.

وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس بلازم أن يكون النبي رسولا..

ولقد نبئ محمد صلى الله عليه وسلم وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تعد تمهيدا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة، والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لا بد منها للرسول المختار.

إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له من أن يتصف بصفات ذاتية ترتقي به إلى درجة الكمال البشري والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه البشري في توازن وانسجام.

وقد بدأت نبوة محمد بأوليات الوحي كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلا لها، مستعدا للقيام بواجبها1.

__________

1 انظر: أعلام النبوة للماوردي ص175-180، ويرى الماوردي أن الوحي تدرج مع رسول الله منزلة بعد أخرى، فبدأ بالرؤيا ثم بالنداءات، ثم بالنبوة، ثم بالرسالة ... إلخ.

لقد كان صلى الله عليه وسلم في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره؛ ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيا، ويقول لها: "خشيت على نفسي"، ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: "سطا عليَّ الرجل"، وكان يجري منه محاولا الهرب من أمامه، أما في مرحلة الرسالة فكان يأنس بالوحي، ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه..

ولقد اختلف الوحي مع محمد صلى الله عليه وسلم في فترة النبوة عن الوحي في فترة الرسالة، يقول القاضي عياض: وإنما بدأ الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا؛ لئلا يفجأة الملَك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا، وما جاء من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى يستشرف عظيم ما يراد به، ويستعد لما ينتظره، فلم يأته الملَك إلا بأمر عنده مقدماته1.

يقول ابن كثير: وبدء الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب، ويطمئن النفس..

ومن صور الوحي في بدايته ما يلي:

1- الرؤيا الصادقة:

إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى تتضمن أفكارا وأحداثا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة؛ ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور.

إن علماء النفس المعاصرين يزرعون في الإنسان مبادئهم الضارة، وقيمهم المادية، وهو نائم، وذلك بوضع تسجيل صوتي تحت رأسه وهو نائم تحببه فيما يرغبون، وتتحدث عن مزايا ما يدعون إليه، فإذا ما استيقظ الإنسان يجد عقله مشغولا بما سمعته روحه أثناء نومه، من غير إدراك سبب هذا الانشغال.

__________

1 الشفا ج1 ص360 بتصرف.

إن هذه المقدمة بيان لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة.

ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن بدأه الوحي بالرؤيا الصادقة، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"1.

وبذلك كان الوحي يُعْلِمُ رسول الله وهو نائم بما يريده الله تعالى في رؤى صادقة، صالحة، خالية من الضغث والوهم، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه.

جاء في فتح الباري أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه صلى الله عليه وسلم أوحي إليه أولا في المنام حتى أتاه الملَك بعد ذلك في اليقظة على الصورة التي أتاه بها في المنام2، وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يندهش لذلك.. ومنها3:

- رأى أن آتٍ أتاه، ومعه صاحبان له، فنظروا إليه فقالوا: هو، هو، ثم ذهبوا.. فهاله ذلك، وتساءل عما رأى، وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي، ليس بشيء.

- وأتاه هذا الآتي مرة أخرى، فجاء لعمه، وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى أني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة، فحدثه حديثه، وقال: عالجه، فصوب به، وصعد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه، وقال: يابن عبد مناف، ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرائي شيطانا، ولكنه من النواميس الذين يتحسسون بها القلوب للنبوة، فرجع به.

__________

1 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص5.

2 فتح الباري - كتاب الوحي ج1 ص22.

3 انظر: سبل الهدى والرشاد ج2 ص310-312.

- رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة، وأدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه، والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بردها، فأخرج قلبه، فوضعه على كفه، وقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح، فطهر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب مكانه، ورد الضلعين، ثم ارتفعا، ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، هذا خير فأبشر.

- ورأى في منامه جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له: اقرأ.

فقال له: "ما أقرأ؟ ".

فغته به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ.

قال صلى الله عليه وسلم: "ما أقرأ؟ ".

فغته به حتى ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الموت، ثم أرسله فقال له: اقرأ.

قال صلى الله عليه وسلم: "ماذا أقرأ؟ "، قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع.

قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} .

فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتهى فانصرف جبريل، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه، قال: "فكأنما كتب في قلبي كتابا"، فذكر ذلك لخديجة فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا.

وهكذا ...

تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته، وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملَك على صورته الحقيقة، فيصاب بالخوف والاضطراب.

2- نداءات الملائكة:

من صور الوحي الذي بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادِي، ولا يمكنه تحديد مصدر النداء..

من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر".

قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث.

فلما دخل أبو بكر، قالت له خديجة، يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة1.

فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة.

قال: ومن أخبرك؟

قال: خديجة.

فانطلقا إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض".

فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني.

فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حتى بلغ {وَلا الضَّالِّينَ} قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة، فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل2.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى

__________

1 ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة رضي الله عنها، آمن بمحمد يوم أن جاءه يسأله، فلما توفي قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: "لقد رأيت القس في الجنة على ثياب بيض؛ لأنه آمن بي، وصدقني"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين". "سيرة ابن كثير ج1 ص398".

2 البداية والنهاية ج3 ص9.

السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعا إلى أهلي.

حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، فبلغوا مكة، ورجعوا إلي!!

ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة.

ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت".

فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة.

وفي مرة ثالية قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره، وانصرف يصنع كما كان يصنع؛ حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة، قال له: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت.

فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتوذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يا فوخه.

ويقول صلى الله عليه وسلم لخديجة: "لما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، فنظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردا" 1.

__________

1 صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب سورة المدثر ج8 ص62، البداية والنهاية ج3 ص12، 13.

إن نداءات الملائكة لرسول الله، وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع؛ ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى.

وكانت خديجة رضي الله عنها خير معين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تسمع منه وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، وتخبر زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يسري عنه ويطمئنه.

وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه، وتطمئنه رضي الله عنها، قالت له مرة: يابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟

قال: "نعم".

قالت: فإذا جاءك فأخبرني به.

فجاء جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني".

فقالت: قم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟

قال: "نعم".

قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟

قال: "نعم".

فحسرت فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟

قال: "لا".

قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك، ما هذا شيطان1.

3- كلام الشجر والحجر:

يروي ابن سعد بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون

__________

1 سبل الهدى والرشاد ج2 ص314، البداية والنهاية ج3 ص15، 16.

الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى أحدا1.

روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أعرف حجرا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" 2.

وقال محمد بن عمر بسنده عن برة بنت تجراة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله تعالى كرامته، وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر، وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله3.

وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا خديجة، إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا"، فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله؛ إنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم4.

4- لقاء الملائكة:

من رحمة الله برسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن أخذ يهيئه للقاء ملَك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه، تعلمه كلمة، أو شيئا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل عليه السلام.

__________

1 طبقات ابن سعد 1/ 157.

2 صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب تسليم الحجر عليه ج15 ص26.

3 طبقات ابن سعد ج1 ص157.

4 المرجع السابق ج1 ص195.

يروي ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه "إسرافيل" واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيء من القرآن على لسانه1، يقول أبو شامة: إن "إسرافيل" كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيم معه، تدرجا وتمرينا..

وأحيانا كان يأتيه جبريل بصحبة ملك آخر، يقول ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أأمر الله القيامة أن تقوم؟ ".

فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك، حتى يسمع كلامك.

فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا؟ فأوما إليه جبريل: أن تواضع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل نبيا عبدا" ثلاثا2.

ويقول البراء بن عازب رضي الله عنه: أتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟

قال: هو هو.

قال: فزنه برجل، فوزنه به فرجحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: زنه بعشرة، فوزنه فرجحهم.

قال: زنه بمائة، فوزنه فرجحهم.

قال: زنه بألف، فوزنه فرجحهم.

__________

1 طبقات ابن سعد ج1 ص191.

2 سبل الهدى والرشاد ج2 ص310.

ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان.

فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشقه، فأخرج منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم1.

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس، وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد، هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط.

فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته2.

5- مجيء جبريل بالقرآن:

استمر الوحي بالمقدمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو المبين، وأدرك محمد صلى الله عليه وسلم أن أمرا عظيما ينتظره، وسمع من زوجته، ومن ورقة، ومن غيرهما: أن الذي يراه ويسمعه هو الوحي الذي كان يأتي موسى وعيسى والأنبياء من قبله عليهم صلوات الله وسلامه.

وشيئا فشيئا بدأ يطمئن لما يرى، ويثق فيما يسمع حتى جاءه جبريل عليه السلام بأول آية قرآنية أمره الله تعالى أن يقرئه بها، تصور السيدة عائشة رضي الله عنها نزول جبريل بأول آية قرآنية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول رضي الله عنها: جاءه الملَك "أي جبريل" وهو في غار حراء، فقال: اقرأ.

قال: "ما أنا بقارئ".

__________

1 انظر ص190 وما بعدها.

2 سبل الهدى والرشاد ج2 ص310.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.

قلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ.

فقلت: ما أنا بقارئ.

فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} ".

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع.

ثم قال: "يا خديجة، ما لي؟ " وأخبرها الخبر، "لقد خشيت على نفسي".

فقالت خديجة له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة لأبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي والعبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وقد عمي في شيخوخته.

فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك.

فقال ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟

فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.

فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أومخرجي هم؟ ".

فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي1.

ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن الهداية التي جاءته، ومع أنه كان على يقين بالفوز العظيم بمجيء جبريل؛ ولذلك قال لخديجة: "أرأيتك الذي كنت أخبرتك أن رأيته في المنام؟ فإنه جبريل، استعلن لي، وأرسله إليَّ ربي".. ومع كل ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أصيب بالروع، وخشي على نفسه.

وهذا الخوف الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء جبريل عليه السلام جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الخوف؛ لأن المقام مقام سرو ورضى، وليس مقام رهبة وهلع.

وقد تناول العلماء هذه المسألة، ورأوا أن الخوف لم يكن من النبوة، أو من الوحي، وإنما كان من تصوره أذى يأتي من الغط الشديد، أو من ثقل المسئولية، أو لأن الحوار لم يكن عاديا.. فلقد أمر جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم بالقراءة ثلاث مرات، وغطه بشدة ثلاث مرات أيضا، والرسول يقول له: "ما أنا بقارئ"، وينتشر خبر ذلك عند خديجة، وأبي بكر، وورقة، ويتحدث عنه أهل مكة؛ ليكون حديثهم تعريفا بمحمد، وتنبيها على منزلته عند الله، والناس، فضلا من الله ونعمة.

يقول الإسماعيلي: إن العادة جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى الله تعالى بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس، وكان ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما جاءه الملَك فجأه بغته بصورة تخالف العادة والمألوف، نفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه، وينفر وطبعه منه، حتى إذا اندرج عليه، وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى خديجة التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته، مما عرفته من

__________

1 صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج1 ص5، 6، 7.

أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق، واعترف به، وأشار الإسماعيلي كذلك إلى أن الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم ما اتفق له في هذه القصة: أن يكون سببا في انتشار خبره، في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغى إليه، طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله1 ويعرفوا مقامه صلى الله عليه وسلم.

ومع لقاء جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم وإقرائه أول سورة العلق نلاحظ بعض الملاحظات:

الأولى: غط جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات؛ ليجعل التفاته وفكره إليه وحده، دون الانشغال بغيره، ويعرفه بثقل الرسالة، وضخامة المسئولية، ويتعود على التلقي من الوحي فقط.

وليكن صبورا حين التبليغ.

ويعلم أن تكرار الطلب منهج في نشر دين الله تعالى.

وليتأكد صلى الله عليه وسلم بتكرار الغط أن ما يحدث حقيقة واقعية ملموسة، وليست خيالا أو وهما.

لقد كان جبريل عليه السلام في أشد الاشتياق للقاء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك ضمه إليه، وقبله أكثر من مرة.

كان من الممكن أن يلقن جبريل عليه السلام محمدا صلى الله عليه وسلم بما يلقنه شفاهة من بعد، ويمضي، لكنه فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ ليؤكد خطورة الأمر، وأهميته، وضرورة بذل الجهد، وتحمل المشاق في أداء الواجبات الخطيرة، وهل هناك أخطر من مهمة الرسالة والدعوة؟!!

وكان من الممكن أن يتم اللقاء مناما، لكن الله تعالى أراد أن يطلع رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم على صورة روحه الأمين، كما أراد له أن يعرف أهم صور

__________

1 فتح الباري على صحيح البخاري ج12، ص360.

الوحي بعد أن عاش الرؤى، وسمع النداء، وشاهد الجمادات تناجيه، وعاش الخلوة بفكره، أراد الله له بعد ذلك أن يتعود على صورة الوحي التي ستستمر معه، وقد كان، فجاء جبريل وأقرأه أول سورة العلق.

الثانية: في بدء الوحي بـ"اقرأ" بيان لموقف الإسلام من القراءة، ومن العلم كله، فالقراءة أساس معرفة الدين، بها يحفظ القرآن، وتصان السنة، وتفهم الشريعة، وبها تكون الدعوة، وحماية الإسلام ... وبالعلم تحيا الأمة، وتحافظ على الضرورات الشرعية جميعا، وتنظم كافة جوانب الحياة.

الثالثة: قدمت خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة للزوجة العظيمة المثالية، فلقد كانت تعيش حياة رسول الله لحظة بلحظة، تتمنى له الخير، تشاركه في كل ما يعن له، وتهتم بكل ما يهمه.

لقد أعطته مالها فأغنته صلى الله عليه وسلم به، وأبعدته عن متاعب الفقر ومشاغله، ولما بدأ الوحي مناما ونداء وضوءا كانت تطمئنه، ولكنها من ورائه كانت تبحث عن حقيقة ما يرى صلى الله عليه وسلم خوفا عليه وحذرا.

وكان رضي الله عنها إذا غاب عنها ترسل في طلبه مَن يبحث عنه1..

كما ذهبت وحدها إلى ورقة، وأخبرته بخبر زوجها، تريد أن تعرف شيئا عنه، فقال لها ورقة: قدوس، قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة2.

ولم تكتفِ بما سمعت عن ابن عمها ورقة، بل ذهبت مرة أخرى إلى غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس -نصراني من أهل نينوى- يقال له: عداس، فقالت له: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني: هل عندكم علم عن جبريل؟

قال عداس: قدوس، قدوس، ما شأن جبريل يُذكر هذه الأرض التي أهلها أهل أوثان.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص13.

2 انظر ص312.

فقالت: أخبرني بعلمك فيه.

قال عداس: هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام1.

لقد تميزت خديجة رضي الله عنها بكمال الخِلْقَة والْخُلُق، يقول عنها صلى الله عليه وسلم: "خير نسائها خديجة بنت خويلد" 2، وقد جعلت عقلها الكامل في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وكانت رضي الله عنها خير معين لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك بشرها الله ببيت في الجنة3..

ونلحظ مدى ملاطفتها وتقديرها لزوجها في مناداته: يابن عم.. ولذلك فقد استحقت التقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: "إني رزقت حبها" 4.

فتور الوحي:

واطمأن محمد صلى الله عليه وسلم لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزا عظيما.

وحتى يستوعب كل ما رأى، وتهدأ نفسه فتر الوحي، وانقطع عنه جبريل عليه السلام، فمكث صلى الله عليه وسلم أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، وأخذ يدور بسببه بين رءوس الجبال عساه يراه ويحدثه، وحاول أن يتردى من رءوس شواهق الجبال من شدة ألمه لانقطاع جبريل عنه.

وقد شق هذا الفتور على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يكن خوطب بعد من الله بأنه رسول الله، ومبعوثه إلى العباد، فخاف أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لا يراد استتمامه، فحزن لذلك؛ ولذلك أتاه جبريل بعد ذلك وأخبره بأنه رسول الله.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص13.

2 صحيح مسلم - كتاب فضائل خديجة ج15 ص198.

3 المصدر السابق ج15 ص201.

4 المصدر السابق ج15 ص201.

يقول الزهري: فكلما وافَى ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال له: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى ذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك1.

يتساءل البعض: كيف يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يفكر في إلقاء نفسه من ذروة الجبل؟

والجواب: أن ذلك كان هَمًّا، لا قرارا.

وكان يظن أن قوته عاجزة عن تحمل ما يتوقعه من أعباء النبوة.

وخوفا مما قد يحصل له صلى الله عليه وسلم حين القيام بها من مباينة الخلق جميعا وعداوتهم.

وذلك كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل، بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما سيكون من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه.

والعلماء يختلفون في تحديد مدة انقطاع الوحي، فبعضهم يذهب إلى أن الوحي انقطع مدة قاربت السنتين ونصف، وبعضهم يرى أنها كانت أياما، إلى غير ذلك من الآراء، يرى ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنوات، ويرى ابن كثير: أنها كانت سنتين ونصف، ويرى ابن عباس: أنها كانت أربعين يوما، ويذهب ابن الجوزي إلى: أنها كانت خمسة عشر يوما، ويرى مقاتل: أنها ثلاثة أيام، والرأي الأول بالاعتبار هو في تقصير مدة الانقطاع لمناسبته مقام الرسول عند ربه، ولأنه من الأمور التي إذا طالت انتشرت وعرفت واشتهرت، كما أن الانقطاع مدة طويلة يؤدي إلى ضياع كثير مما تم بناؤه في دنيا الناس، وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

__________

1 انظر ص324 وما بعدها.


ملف pdf

كلمات دليلية: