خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب أعلام النبوة

خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب أعلام النبوة

اسم الكتاب:
أعلام النبوة
المؤلف:
ابي الحسن علي محمد المارودي الشافعي

الرؤيا الصادقة

فالمنزلة الأولى: الرؤيا الصادقة في منامه بما سيؤول إليه أمره فكان ذلك إذكارا بها ليروض لها نفسه ويختبر فيها حواسه فيقوم بها إذا بعث وهو عليها قوي وبها ملي «4» .

روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أول ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة كانت تجيء مثل فلق الصبح حتى فاجأه الحق، واختلف في هذه الرؤيا هل كانت قبل انقطاعه إلى الخلوة بحراء.

فحكى عروة عن عائشة أنه حبب إليه الخلاء بعد الرؤيا.

وذهب قوم إلى أن الرؤيا جاءته بعد خلوته لأنه خلا على غفلة من أمره.

وقد روت برة بنت أبي تحراه أن الله تعالى لما أراد كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

(4) ملي بها: كفؤلها.

بالنبوة كان لا يمر بشجر ولا حجر إلّا قال السلام عليك يا رسول الله فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا فاحتمل أن يكون ذلك قبل رؤيا المنام فيكون كالهتوف «5» الخارجة عن إعلام الوحي إلى إعجاز النبوّة واحتمل أن يكون بعد الرؤيا فيكون تصديقا لها وتحقيقا لصحتها.

,

حبه الخلاء صلى الله عليه وسلم

ولما وجد الأمر في النبوّة ودنا وقتها حبب الله تعالى إلى رسوله الخلاء بعد أربعين سنة من عمره حين تكامل نهاه واشتد قواه ليكون متهيئا لما قدر له ومتأهبا لما أريد له فكان يتخلى في غار بحراء في ذوات العدد من الليالي.

وقيل: شهرا في السنة على عادة كانت لقريش في التبرز بالمجاورة «3» بحراء ويعود إلى أهله إلى أن استدام الخلاء في الغار لما أراد الله تعالى به فكان يؤتى بطعامه وشرابه فيأكل منه ويطعم المساكين برهة من زمانه وهو غافل عن النبوّة

__________

(1) سورة البقرة الآية (130) .

(2) سورة المائدة الآية (44) .

(3) التبرز للمجاورة: الخروج للإعتكاف إما في المسجد الحرام أو في غار بعيد عن الناس. ينفرد فيه الإنسان للتعبد.

وإن كان في الناس موهوما وعند أهل الكتب معلوما ليكون ابتكار البديهة بها مانعا من التصنع لها فلا ينسب إلى اختراعها ولو تصنع واخترع لظهرت أسبابهما وتمت شواهدهما ولم يخف على من عاداه أن يتداوله وعلى من والاه أن يتأوله، وحسبك بهذا وضوحا أن يكون بعيدا من التهمة بهما سليما من الظنة فيهما فلم يزل صلى الله عليه وسلم على خلوته إلى أن أظهر الله تعالى له أمارات نبوته فأيقظه بها بعد الغفلة وبشره بها بعد المهلة، ثم بعثه بها رسولا بعد البشرى على تدريج ترتبت فيها أحواله ليتوطأ لتحمل أثقالها، ويعلم لوازم حقوقها حتى لا تفاجئه بغتة فيذهل ولا يخفى عليه حقوقها فينكل، وكان ذلك من الله لطفا به وإنعاما عليه وداعيا لأمته في الانقياد إليه فسبحانه من لطيف بعباده منعم على خلقه.


ملف pdf

كلمات دليلية: