خصائص وسمات دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم_350

خصائص وسمات دعوة الحبيب صلى الله عليه وسلم


المسألة الثانية: موضوعات التعليم في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

بينت في المسألة السابقة اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالتعليم. وهنا أتحدث عن الموضوعات التى كان يوليها الرسول صلى الله عليه وسلم اهتماماً بارزاً في تعليمه للناس والتي يمكن الحديث عنها في الفقرات التالية:

أولاً: العقيدة:

إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وطاعته وابتغاء مرضاته هو الهدف من خلق الإنسان. وفي حديث جبريل الطويل عندما أرسله الله سبحانه وتعالى ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم الأولويات في التعليم بدأ بالعقيدة ثم العبادات ثم المعاملات، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر.." قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم

الصلاة المكتوبة، وتؤدِّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه، فإنه يراك". قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، لكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأَمَةُ ربها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] .

قال: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ردوا عليّ الرجل" فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم" (1) .

فالإيمان فَسَّره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة، فقال أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (2) .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم سلك هذا المنهج في تعليمه للبشرية فبدأ بالعقيدة وقَدَّمها على سائر الموضوعات الأخرى، فتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته

__________

(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان رقمه (50) جـ1 ص22. انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقمه (9) جـ1 ص 39 واللفظ له.

(2) إيقاظ الهمم المنتقى من جامع العلوم والحكم ص 57.

وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين، حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام (1) .

ومن أمثلة ذلك:

ما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" (2) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بها؛ لأنها أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة" (3) .

كما أن من أقر بالشهادتين، واعتقد ذلك جزماً كفاه ذلك في صحة إيمانه، وكونه من أهل القبلة والجنة (4) ومن ذلك ما وَرَدَ في حديث معاوية بن الحكم السلمي، قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانيَّة (5) ،

__________

(1) تاريخ التشريع الإسلامي، ص52.

(2) صحيح البخاري - كتاب الزكاة باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا رقمه (1496) جـ2 /165.

(3) فتح الباري جـ3/ 358.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي جـ 5/35.

(5) الجوانية: الجوانية بقرب أحد. موضع في شمال المدينة.

فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كما يأسفون (1) ، لكني صككتها (2) صكةً، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها. فقال لها "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال "من أنا؟ " قالت:" أنت رسول الله " قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (3) .

قال النووي رحمه الله تعالى قال: "كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ " (4) .

فعلى المعلم الابتداء في تعليم طلابه العقيدة الإسلامية الصحيحة مقتدياً في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وغرس مفهومها الصحيح في نفوس طلابه، فيربطهم بالخالق عز وجل، حتى يتوجهوا إليه في سائر عباداتهم ودعائهم، ويعلموا يقيناً أنه تعالى هو الرازق الناصر القادر على كل شيء، كما عليه أن يحثهم على أن من حصل له مكروه فعليه التوجه إلى الله تعالى بالدعاء، فإنه سميع مجيب، وليتوكلوا عليه في سائر أمورهم (5) .

__________

(1) آسف كما يأسفون: أي أغضب كما يغضبون.

(2) (صككتها صكة) أي ضربتها بيدي مبسوطة.

(3) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، رقمه (537) ، جـ1 ص381.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي جـ5/33.

(5) انظر: ((آداب المتعلمين)) ص 33.

ثانياً: الشريعة:

وتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مقتصراً على العقيدة بل اتجهت جهوده صلى الله عليه وسلم إلى العبادات التي تعد أمراً أساسياً في الشريعة الإسلامية حتى أوجد منهجاً

متكاملاً في أمور العبادات العملية بجميع أشكالها من صلاة وزكاة وصوم وحج..إلخ واتخذ في ذلك منهج التدرج في التشريع ليحصل القبول لهذا الدين عند الناس. وذلك بعد أن عمر قلوبهم بالإيمان الخالص لله وحده، فبدأ بتعليمهم كيفية الصلاة المفروضة وحقوقها وأركانها وحدودها، سواء كان ذلك عن طريق سؤال الصحابة رضي الله عنهم له أو من خلال الممارسة العملية.

ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يُعَلمهم دعاء الاستفتاح في الصلاة. فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كَبَّر في الصلاة سكت هُنيَّةً (1) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: "أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" (2) .

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته" (3) .

فالمعلم الناجح المشفق على طلابه يُعَلِّمهم أدعية الاستفتاح في الصلاة فإذا اعتادت أنفسهم دعاءً أرشدهم إلى غيره، كما يحثهم على الإلحاح بالدعاء إلى الله أن ينقيهم من الخطايا والذنوب.

__________

(1) هنية: أي قليلاً من الزمن.

(2) صحيح البخاري كتاب الأذان باب ما يقول بعد التكبير رقمه (744) ،ط/203، وصحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، رقمه (598) ،ط/419 واللفظ له.

(3) فتح الباري جـ2/230.

كما كان يُعَلِّمهم قراءة الفاتحة آية آية، أي قراءتها ثم قراءة الآية التي بعدها كما ورد عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبد ي نصفين، ولعبد ي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبد ي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبد ي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مَجَّدني عبد ي (وقال مرة: فَوَّض إليّ عبدي) فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين: قال: هذا بيني وبين عبد ي ولعبد ي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبد ي ولعبد ي ما سأل" (1) .

فالمعلم يحث طلابه ويرغبهم أثناء قراءة الفاتحة في السكوت على الآية والتي بعدها لاستحضار رَدٍّ من رب العالمين، مما يزيد المصلي طمأنينة وخشوعاً، كما كان صلى الله عليه وسلم يترك فرصة للصحابة رضي الله عنهم أن يتعلموا ما يُلْقَى إليهم بعد تكراره. ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي عليه السلام فقال: ارجع، فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل ثلاثاً" فقال: والذي بعثك بالحق فما أُحسن غيره، فعلِّمني. قال "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد

__________

(1) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقمه (395) جـ1 ص296.

حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (1) .

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفيه حسن التعليم بغير تعنيف" (2) ، وقال النووي رحمه الله: "وإنما لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة" (3) .

وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه رضي الله عنهم بالفعل ليقع التشريع منه؛ لكونه أبلغ من القول، ومن ذلك ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه – "صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي (4) - قال محمد: وأكثر ظني أنها العصر – ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما – فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعَانُ (5) الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه رسول الله ذا اليدين فقال: أَنَسِيت أم قَصُرَت؟ فقال: "لم أنس، ولم تقصر"، قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، فكبَّر ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبَّر" (6) .

__________

(1) صحيح البخاري، كتاب الأذان باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة رقمه (793) ، جـ1 ص216. انظر صحيح مسلم، كتاب الصلاة با ب وجوب قراءة الفاتحة، رقمه (397) جـ1 ص298.

(2) فتح الباري، جـ2/ 280.

(3) صحيح مسلم بشرح النووي، جـ4 ص281،143.

(4) العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها.

(5) السرعان: المسرعون إلى الخروج.

(6) صحيح البخاري، كتاب السهو، باب يكبرُ في سجدتي السهو رقمه (1229) جـ2 ص83.انظر صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقمه (573) ، جـ1 ص403.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره" (1) . وكثير من الطلاب يجهلون من أحكام سجود السهو في الصلاة، فمنهم من يترك سجود السهو في محل وجوبه، ومنهم من يسجد في غير محله، ومنهم مَنْ يجعل سجود السهو قبل السلام وإن كان هو وضعه بعده ... ولذا كان تعليم المعلم لطلابه أحكام سجود السهو مُهِمّاً جداًّ؛ ليفهموا أحكام دينهم ويطبقوه (2) .

وكما عَلَّمهم صلى الله عليه وسلم الصلاة عَلَّمهم ما يكون لهم فيه من بركة أو تزكية للنفوس إذا أخرجوا زكاة أموالهم، ففيها تنمية للأموال وتكثير لبركتها. كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما نقصت صدقة من مال" (3) . فهي ليست غرامةً، ولا ضريبة تنقص المال وتضر صاحبها، بل هي على العكس تزيد المال نمواً من حيث لا يشعر الناس (4) .

كما بَيَّن صلى الله عليه وسلم ما يترتب على أدائها من الأجر العظيم ألا وهو دخول الجنة وذلك ما ورد عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: قال صلى الله عليه وسلم: " خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة. من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان وحج البيت، إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه " (5) .

__________

(1) فتح الباري جـ3، 101.

(2) كتاب سجود السهو، ص 4.

(3) صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب استحباب العفو والتواضع رقمه (2588) جـ4 ص2001. انظر صحيح سنن الترمذى أبواب البر والصلة، باب ما جاء في التواضع رقمه (1652) جـ 2/199

(4) انظر الملخص الفقهي، جـ1/321.

(5) صحيح سنن أبي داود. كتاب الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات رقمه (429) جـ1 ص87.

كما بَيَّنَ لهم صلى الله عليه وسلم مقدار الزكاة، وأنَّ مَنْ أدَّى زكاته كما أمر بذلك فليس بكانز لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس أواق (1) صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ (2) صدقة وليس فيما دون خمس أوسق (3) صدقة" (4) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يُسَمَّى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزاً " (5) .

لذا فالمعلم يُرغَّب في الصدقة، ويبين أنها إن نقصت المال عددياً فإنها لن تنقصه بركة وزيادة في المستقبل، بل يخلف الله بدلها ويبارك له في ماله" (6) .

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر حتى يسأل عن الأجر بل إذا رأى منكراً أو أمراً مخالفاً يبادر إلى إنكاره. ومن ذلك ما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده – رضي الله عنهم – أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يدِ ابنتها مسكتان غليظتان (7) من ذهب، فقال لها: " أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: "أيسرك أن يُسَوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ " قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله عز وجل ولرسوله" (8) .

__________

(1) جمع أوقية وهي أربعون درهماً من الفضة.

(2) الذود: من واحد إلى تسع وقيل درهم، من الفضة.

(3) أوسق: جمع وسق وهو ستون صاعاً.

(4) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنزٍ رقمه (1405) جـ2 ص136، واللفظ له انظر صحيح مسلم، كتاب الزكاة، بدون باب، رقمه (979) ، جـ2 ص673.

(5) فتح الباري جـ3//272.

(6) فصول في الصيام والتراويح والزكاة ص21.

(7) مسكتان: يعني سوارين غليظين.

(8) صحيح سنن أبي داود كتاب الزكاة باب العروض إذا كانت للتجارة رقمه (1563) جـ1/291، وانظر صحيح سنن النسائي كتاب الزكاة باب زكاة الحلي رقمه (2304) جـ2/523.

وشرع صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة بعد أن مرت مشروعيته بمراحل (1) فكان في ذلك مجال لتعليم أصحابه فضل الصوم وأحكامه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تبارك وتعالى فرض صيام رمضان عليكم، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه احتساباً، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (2) .

وأيضاً ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة

__________

(1) المرحلة الأولى: الأيام المعدودات، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:183-184] . والأيام المعدودات قيل: هي الاثنين والخميس، وقيل: الأيام البيض، وهي ثلاثة أيام من كل شهر وقيل: غير ذلك.

المرحلة الثانية: التخيير بين الصيام أو الإطعام كما في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:184] .

المرحلة الثالثة: وجوب صيام شهر رمضان على كل مسلم، حتماً إلا من كان له عذر قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ} [البقرة: 185] .

المرحلة الرابعة: التخفيف على المسلمين، فقد كان الصوم يبدأ بأول نومة بعد صلاة العشاء، ويبقى الصائم ممسكاً بقية الليل، واليوم الذي يليه كله حتى تغرب الشمس فشق ذلك على المسلمين، فخفف الله عنهم ذلك، وأباح لهم في ليالي رمضان كلها الأكل والشراب والجماع وذلك كما في قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] . انظر " أيام رمضان " للدكتور صالح الزيد.

(2) مسند الإمام أحمد (1/191) عن عبد الرحمن بن عوف (جـ3/127) برقم (1660) وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح.

المفروضة، وتصوم رمضان"، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً، ولا أنقص. فلما ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (1) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصيام وحث عليه لما فيه من تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة ولما له من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 183] (2) .

قال ابن القيم رحمه الله في الصوم: "هو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو يترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سر ما بين العبد وربه ولا يطلع عليه سواه" (3) .

فلهذا ينبغي للمعلم أن يبين لطلابه حقيقة الصوم، وهو أن يترك طعامه وشرابه لأجل الله فهذا أمرٌ لا يَطَّلع عليه إلا الله، ويحثهم ويرغبهم في صيام شهر رمضان وقيامه، ويبين لهم فضل هذا الشهر، وأنه مضاف إلى الله تعالى يقول سبحانه وتعالى، عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" (4) . قال الغزالي:" اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى

__________

(1) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة رقمه (1397) جـ2 ص134، صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة رقمه (14) جـ1 ص44 واللفظ له.

(2) زاد المعاد، جـ2/29.

(3) زاد المعاد، جـ2/29.

(4) صحيح مسلم، كتاب الصيام باب فضل الصيام، رقمه 164 (1151) ، جـ2 ص807.

الله - عز وجل – وكفى بهذه الإضافة شرفاً " (1) .

وفي السنة العاشرة من الهجرة أُذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجٌّ، فقدم المدينةَ بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتَّم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله (2) وكان في ذلك فرصة عظيمة لتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أمور دينهم. فعن عبد الرحمن بن يَعْمَر الدِّيلي – رضي الله عنه -، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فجاء ناس أو نفر من أهل نجد فأمروا رجلاً فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الحج؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فنادى "الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فتمَّ حجه. أيام منى ثلاثة. فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (3) وزاد الترمذي لفظاً آخر " ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" (4) . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق: "خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر. ثم جعل يعطيه الناس" (6) .

وأيضاً ما رواه جابر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا مناسككم (5) ، فإني لا أدري لعلي لا أحج

__________

(1) إحياء علوم الدين جـ3/363.

(2) صحيح مسلم، كتاب الحج باب حجة النبي (رقمه (1218) جـ2 ص 887.

(3) صحيح سنن أبي داود، كتاب المناسك باب من لم يدرك عرفة رقمه (1949) جـ1 ص 367.

(4) صحيح سنن الترمذي أبواب تفسير القرآن باب من سورة البقرة رقمه (2376) ، جـ3 ص26.

(6) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان رقم الحديث (171) جـ1 ص58، صحيح مسلم كتاب الحج باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق رقمه (1305) جـ2ص947 واللفظ له.

(5) لتأخذوا مناسككم: اللام لام الأمر. والمعنى: خذوا مناسككم.

بعد حجتي هذه" (1) .

فالمعلم المحب لتلاميذه يبين لهم أسباب الفوز بالجنة والنجاة من النار فيبين لهم فضل الحج المبرور الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم "والحج المبرور (2) ليس له جزاء إلا الجنة" (3) . كما يحثهم على المتابعة ما بين الحج والعمرة لنفي الفقر والذنوب فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَثَ الحديد" (4) .

قال الشيخ أبو الحسن السندي مبيناً المراد بالمتابعة بين الحج والعمرة: "اجعلوا أحدهم تابعاً للآخر واقعاً على عقبه، أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا فإنهما متتابعان" (5) .

__________

(1) صحيح مسلم، كتاب الحج باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً رقمه (1297) جـ2 ص943.

(2) الحج المبرور: الذي لا يخالطه إثم، أو المتقبل الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق.

(3) صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب العمرة وجوب العمرة وفضلها رقمه (1773) جـ2، ص240،.صحيح مسلم، كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة رقمه (1349) جـ2/983 واللفظ لهما.

(4) صحيح سنن ابن ماجه كتاب المناسك، باب فضل الحج والعمرة حديث رقمه (2887) جـ2ص148.

(5) حاشية الإمام السندي على سنن النسائي 5/115.

(6) انظر: تاريخ التشريع، ص 52.

ثالثاً: الأخلاق:

بعد تأصيل مبادئ الإيمان والعقيدة في النفوس ووضع القواعد الأساسية لأمور العبادات، يأتي دور محاسن الأخلاق التي تزكو بها النفوس، ويستقيم عوجها (6) واتخذ لذلك وسيلتين: إمَّا التدرجَ، وإما القطعَ الحاسم. وكان

التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث. وأوضح مثال لذلك التدرج في تشريع تحريم الخمر.

فقد نزل قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:67] .

ثم نزل قوله تعالى {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتِّجار بها من ربح، ومضارها من إثم تعاطيها، وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونَفَّرت الآية منها بترجيح المضارِّ على المنافع.

ثم نزل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء:43] فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر من الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حالة السكر حتى يزول عنهم أثره، ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم.

ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:90-91] . فكان هذا تحريماً قاطعاً للخمر في كل الأوقات (1) .

__________

(1) انظر: تاريخ التشريع ص 54-55.

وهناك بعض الأخلاق التي واجهها صلى الله عليه وسلم مواجهة حاسمة دون تدرج أو إبطاء عند تعليمه لأصحابه، لما يترتب عليها من أضرار. منها:

* الغيبة:

وهي من الصفات المذمومة والتي يتم فيها ذكر المرء ما يكرهه بظهر الغيب (1) فالرسول صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه ما هي الغيبة، وما الفرق بينها وبين البهتان. فعن أبي هريرة رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه" (2) (3) .

والله تعالى ذكر مثلاً منفراً عن الغيبة فقال: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات:12] قال الشيخ السعدي: "شَبَّهَ أكل لحمه ميتاً المكروه للنفوس غاية الكراهة، باغتيابه فكما أنكم تكرهون أكل لحمه ولاسيما إذا كان ميتاً، فاقد الروح، فكذلك فلتكرهوا غيبته، وأكل لحمه حياً" (4) .

وحذَّرهم من الغيبة، وبيَّن لهم العقاب الشديد لمن أطلق عنان لسانه ليتحدث بما يشاء كيفما شاء.

__________

(1) انظر فتح الباري جـ10/484.

(2) بهته: أي قلت فيه البهتان وهو الباطل.

(3) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الغيبة رقمه (2589) جـ4/2001.

(4) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان جـ7/138.

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" (1) ، قال الشيخ السعدي تعليقاً على قوله تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} [الحجرات: 12] وفي هذه الآية دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأنها من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر" (2) . وبين صلى الله عليه وسلم أن التعريض بالغيبة كالتصريح، سواء كان إشارة أو إيماء أو غمزاً أو لمزاً أو حركة أو إشارة أو محاكاة.

وعن عائشة رضي الله عنها – قالت: فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا – تعني قصيرة – فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته". قالت وحكيت له إنساناً فقال: "ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا" (3) .

قال ابن حجر رحمه الله: "هي ذكر امرئ بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله" (4) .

والرسول صلى الله عليه وسلم قد حثَّ المسلم على دفع كلام السوء عن أخيه المسلم وأن من فعل ذلك أبعد الله عن وجهه النار فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن

__________

(1) أخرجه أحمد في المسند (3/224) ، انظر صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب في الغيبة رقمه (4878) جـ3/923 واللفظ له.

(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، جـ7/138.

(3) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب باب الغيبة رقمه (4875) ،جـ3 ص923.

(4) فتح الباري جـ10/484.

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عِرْض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (1) .

فعلى المعلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ويحث طلابه على مدافعة بعضهم عن بعض، وعدم تتبع عورات بعضهم بعضاً، فعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" (2) .

وقال عمر رضي الله عنه في ذلك: "وإياكم وذِكْرَ الناس، فإنه داء" (3) .

* النميمة:

هي نَقْلُ كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد، ولذلك حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أنها طريق موصل إلى النار، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه".

كما أن النمَّام ينال عقاب الله في قبره، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما – أنه قال: "مرّ النبي على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، - ثم قال-: بلى، أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله"، قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: "لعله يُخَفف عنهما، مالم ييبسا" (4) .

__________

(1) صحيح سنن الترمذي أبواب البر والصلة باب ما جاء في الذب عن المسلم رقمه (2013) ، جـ2 ص181.

(2) صحيح سنن أبي داود كتاب الآداب، باب في النهي عن التجسس رقمه (4888) ، جـ3،ص924.

(3) إحياء علوم الدين (جـ3/152) .

(4) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب عذاب القبر من الغيبة والبول، رقمه (1378) ،جـ2/125 صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه رقمه (292) ، جـ1 ص240. واللفظ له.

قال الحافظ ابن حجر: "قال الزين بن المنير: المراد بتخصيص هذين الأمرين بالذكر تعظيم أمرهم " (1) .

قال قتادة -رحمه الله-: "ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول" (2) .

فالمعلم يبين أن النميمة تؤذي وتضر، وتؤلم، وتجلب الخصام والنفور وتذكي نار العداوة بين المتآلفين، ولم ينقل جواز إباحتها أحد (3) . فقد روي عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئاً فقال له عمر:" إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6] . وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم:11] . وإن شئت عفونا عنك؟ فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً " (4) .

فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعلم الأول للبشرية يبين الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة وعلومها، ويبين الأخلاق الذميمة والأعمال السيئة ويحذر منها.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "فالأخلاق التي شرعها الله لعباده وأمرهم بها هي أسباب سعادة الأمة ورقيها، وبقاء حكمها ودولتها، فعلى كل مسلم ومسلمة التخلق بهذه الأخلاق العظيمة" (5) .

__________

(1) فتح الباري جـ3/242.

(2) إحياء علوم الدين جـ3/166.

(3) انظر: نضرة النعيم، جـ11/5671.

(4) انظر: إحياء علوم الدين جـ3/166.

(5) انظر: الأخلاق الإسلامية ص 32-33.

المسألة الثالثة: أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في التعليم



كلمات دليلية: