حياة الكدح

حياة الكدح


حياة الكدح

عاد محمد عليه الصلاة والسلام من هذه الرحلة ليستأنف مع عمّه حياة الكدح، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا، ومن قبله كان المرسلون يأكلون من عمل أيديهم، ويحترفون مهنا شتى ليعيشوا على كسبها. وقد صحّ أن محمدا عليه الصلاة والسلام اشتغل صدر حياته برعي الغنم، وقال: «كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» ... كما ثبت أن عددا من الأنبياء اشتغل برعايتها «1» ، أترى ذلك تعويدا لهم على سياسة العامة، والرفق بالضعفاء والسهر على حمايتهم؟.

وقد تسأل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه- أتنقدح حقائقها في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟.

والجواب: كلّا، فالأنبياء- وإن لم يتعلّموا بالطرق التي يتعلم بها أمثالنا- لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في طليعة العلماء وإن لم يتعلّموا بما نعهد من أساليب.

ما العلم الذي ترقى به النفس؟ أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟.

إنّ هناك ببغاوات كثيرة تردّد ما تسمع دون وعي، ولقد نرى أطفالا صغارا يلقون- بإتقان وتمثيل- خطبا دقيقة لأشهر الساسة والقادة.

فلا الأطفال- بما استحافظوا من كلام الأئمة- أصبحوا رجالا، ولا الببغاوات تحوّلت بشرا.

وقد تجد من يحفظ ويفقه، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير، ولا يزجر عن شر.

__________

(1) أخرجه البخاري: 4/ 349، من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» . فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» .

وقد شبّه القران أحبار اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدّبون بها بالحمير:

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: 5] .

وهذه الطبائع التي تحمل العلم لا تصلح به إنّما تسيء إليه، ولذلك يحسن الضنّ به عليها، وفي الأثر: «واضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب» «1» .

ثم هناك الخرافيّون الذين يغالطون في الحقائق أنفسهم، كأنّ عقولهم ميزان ثقلت إحدى كفتيه- لغير سبب-؛ فهو لا يضبط وزنا أبدا، ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها، ويتجهّمون للوقائع ويرفضونها.

وقد بلونا أناسا ظلوا يتعلّمون قرابة عشرين سنة تعرض عليهم القضية فيخبطون فيها خبط عشواء، فإذا عرضت القضية نفسها على أمّيّ سليم الفطرة، نقيّ العقل؛ صدع فيها بالحقّ لأول وهلة. ومعنى ذلك: أن هناك من تبذل في إقامة عوجه العقلي عشرين سنة، حافلة بالبحث والدرس، فتعجز عن الوصول به إلى مرتبة رجل أوتي رشده بأصل الخلقة.

ونحن موقنون من مطالعة سيرة محمد عليه الصلاة والسلام بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب، والنظر السديد، وأنّه- قبل رعي الغنم وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها- كان يعيش يقظ القلب في أعماء الصحراء، صاحيا بين السّكارى والغافلين.

وجوّ الجزيرة العربية يزيد خمول الخامل، واحدّة اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورود معا، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يستعين بصمته الطويل ... صمته الموصول بالليل والنهار، صمته المطبق على الرمال الممتدة، والعمران القليل.

كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمّل، وإدمان الفكر، واستكناه الحق.

ودرجة الارتقاء النفسيّ التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقينا من حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه، ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها.

__________

(1) حديث ضعيف جدا، علقه ابن عبد البر في (جامع العلم) : 1/ 111؛ ووصله ابن ماجه في سننه: 1/ 98، وفي سنده حفص بن سليمان وهو الأسدي القاري، ال ابن خراش: «كذاب يضع الحديث» وضعفه غيره؛ وقال أبو حاتم: «متروك» . وكذا قال الحافظ في التقريب.

ولا شكّ أنّ القدر حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذّ؛ فعند ما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متاع الدنيا- وذلك من قبيل الصغائر التافهة- تتدخّل العناية للحيلولة بينه وبين هذه الأمور.

روى ابن الأثير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته؛ قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب! فقال: أفعل، فخرجت، حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني، فنمت، فما أيقظني إلا حرّ الشمس، فعدت إلى صاحبي، فسألني، فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة ... ثم ما هممت بعده بسوء ... » «1» .

__________

(1) حديث ضعيف، أخرجه الحاكم: 4/ 245، من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الله بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي، عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ... فذكره، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم» ، ووافقه الذهبي. قلت: وهو وهم منهما معا لأمرين: الأول: أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقرونا بغيره، كما ذكر ذلك الذهبي نفسه في الميزان، والحاكم لم يروه عنه مقرونا بغيره كما ترى، فليس هو على شرط مسلم. الثاني: أن محمد بن عبد الله بن قيس ليس مشهور العدالة، فلم يوثّقه غير ابن حبان. وتوثيقه عند ما ينفرد به لا يوثق به، لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين، كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في (اللسان) ؛ ولهذا لما أورد الحافظ ابن قيس هذا في (التقريب) لم يوثقه، بل قال فيه: مقبول: يعني: أنه لين الحديث، حيث لا يتابع كما نص على هذا في مقدمة الكتاب. ثم هو ليس من رجال مسلم خلافا لمن وهم. وقد ضعف هذا الحديث الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية: 2/ 287، بعد أن ساقه بالسند المذكور من رواية البيهقي، حيث قال: «وهذا حديث غريب جدا» وقد يكون عن علي نفسه (يعني: موقوفا عليه) ، ويكون قول: «حتى أكرمني الله عز وجلّ بنبوته» مقحما والله أعلم. وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح، قال شيخنا في تهذيبه: «ولم أقف على ذلك. والله أعلم» . ثم وجدت الحديث في تاريخ مكة، ص 7، للفاكهي؛ وتاريخ ابن جرير: 2/ 34 من الطريق المذكور. ورواه الطبراني في المعجم الصغير ص 190، من حديث عمار بن ياسر، وفي سنده جماعة لم أعرفهم، وذكر نحو هذا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: 8/ 226.



كلمات دليلية: