حلف الفضول_9342

حلف الفضول


حلف الفضول

أما (حلف الفضول) فهو دلالة على أنّ الحياة مهما اسودّت صحائفها، وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزّها معاني النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر.

ففي الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في أرض الحرم!.

قال ابن الأثير «1» : « ... ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، وكانوا بني هاشم، وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزّى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو من غيرهم من سائر الناس؛ إلا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه، حتى تردّ مظلمته، فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول) فشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال- حين أرسله الله تعالى-: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان؛ ما أحبّ أن لي به حمر النّعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» » «2» .

إنّ بريق الفرح- بهذا الحلف- يظهر في ثنايا الكلمات التي عبّر بها

__________

(1) هو عز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري، صاحب (الكامل في التاريخ) ، توفي سنة (630 هـ) . انظر: الأعلام. (ن) .

(2) رواه ابن إسحاق في السيرة كما في ابن هشام: 1/ 92، من الطبعة الجمالية، قال محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي: إنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره، قلت: وهذا سند صحيح لولا أنه مرسل، ولكن له شواهد تقوّيه، فرواه الحميدي بإسناد اخر مرسلا أيضا، كما في (البداية) : 2/ 29؛ وأخرجه الإمام أحمد، رقم (1655، 1676) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا دون قوله: «ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» ، وسنده صحيح.

رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنّ هذه الحمية للحق ضدّ أي ظالم مهما عزّ، ومع أي مظلوم مهما هان؛ هي روح الإسلام الامر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الواقف عند حدود الله. ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم، وفي صلات الأفراد على سواء..

وقيل في سبب الحلف: إن رجلا من (زبيد) أتى بتجارة إلى مكة، فاشتراها العاصي بن وائل السهمي، ثم حبس حقّها وأبى أن يدفعه! فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف، فلم يكترثوا له، فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة وأنشد:

يا ال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنّفر!

ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال- وبين الحجر والحجر!

إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ... ولا حرام بثوب الفاجر الغدر

فقام الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير انفا، وذهبوا إلى العاصي بن وائل، واستخلصوا منه حقّ الزبيدي.

بعد ما أبرموا حلف الفضول.

ويظهر أن العاصي هذا رجل مماطل سمج، فهو صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت، وكان خباب قينا، فصنع سيفا للعاصي، وأتاه لينقده ثمنه، فقال العاصي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال له خبّاب: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. فقال العاصي: وإني لميّت ثم مبعوث؟! قال: بلى، قال:

دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك- حقّ السيف- فنزلت الايات:

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (80) [مريم] .

وأمثال العاصي هذا في ميدان التجارة والسياسة كثير، ومحمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس بخصومتهم، وأولى الناس بمحمد صلى الله عليه وسلم من أعان عليهم، وواثق على حربهم.



كلمات دليلية: